الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الذاكرة والخيال
علاقة التذكر بالماضي
- التمييز بين التذكّر الإرادي والتذكّر العفوي بآليّة كلّ منهما
- بيان أنّ استرجاع الانفعال إبداع لحالة جديدة لا إحياء للحالة القديمة
- بيان أثر الأطر الاجتماعية واللغة في إعادة بناء الماضي
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في الموقف النفسي وفي الموقف الاجتماعي
- تعريف الذاكرة بقيدَيه: إعادة بناء حالة شعورية ماضية مع التعرّف عليها
- الفرق بين التفسير العضوي والتفسير الشعوري للذاكرة
- معنى الظاهرة الاجتماعية وخصائصها
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ فعل الإدراك لا يتمّ إلاّ من خلال علاقة الموضوع بالذات المدرِكة، حيث تتداخل كلّ الفاعليات العقلية من تخيّل وانتباه وذكاء وتذكّر ؛ فنحن نلجأ إلى خبرات ماضية لفهم وضع حاضر ومعرفته عن طريق الذاكرة التي تقوم بعملية الاسترجاع للمعارف والمعلومات التي مرّت بنا. ولذلك قيل: «إنّنا ندرك بذاكرتنا». ويلعب فعل التذكّر دورا هامّا في حياة الإنسان، سواء من الناحية المعرفية أو الانفعالية، والأفراد يختلفون في معارفهم وتوازنهم النفسي باختلاف القدرة على استدعاء ذكرياتهم. غير أنّ هذا كلّه يفترض جوابا لم نقدّمه بعد: ما نسبةُ ما نسترجعه إلى ما وقع فعلا ؟ فإمّا أن يكون التذكّر نسخا أمينا، وإمّا أن يكون بناءً يخضع لشروط الحاضر — ولكلّ فرضٍ منهما نتائجه في قيمة الشهادة وفي قيمة الذاكرة نفسها.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ أمّ ثكلى فقدت ابنها ؛ ترى ملابسه فتسترجع ذكراه حتّى ولو لم تشأ ذلك وبغير إرادة منها. فالملابس، لارتباطها بالابن، تظلّ منبّه استدعاء لصورة الولد بصورة تلقائية عفوية. ـ وفي ذكرى دخول الألمان مدينة باريس — وقد حدث ذلك عام 1940 أثناء الحرب العالمية الثانية — يشير الفرنسيون ممّن عايشوا هذا الحدث أنّهم يشعرون من جديد بالغمّ الذي ساورهم يوم استيلائهم عليها. وكثير من الناس تغرورق أعينهم بالدموع كلّما تذكّروا موت أحبّاء لهم، فيشعرون من جديد بالحزن الذي أصابهم يوم وفاتهم. فهل هذا الحزن هو الحزن القديم عاد، أم حزنٌ جديد وُلد الآن ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الاسترجاع هنا عفويّ، ومنبّهُه خارجي : فالأمّ لم تطلب الذكرى ولم تستدعها، بل استدعتها الملابس ؛ والاسترجاع في هذه الحالة شبيه بتداعي الأفكار، لا بالبحث الإرادي عن معلومة.
- والانفعال المستعاد انفعال جديد : فذلك الغمّ الذي يشعر به الفرنسي اليوم انفعال جديد ناشئ عن ذكرى عقلية ؛ وكلّ حالة نفسية حاضرة هي جديدة بالنسبة إلى ما قبلها، سواء كانت عقلية أم انفعالية.
- ومن ثمّ فالتذكّر إبداع لا إحياء : فهو ليس إحياء للحالات السابقة بذاتها، وإنّما هو إبداع حالات جديدة مشابهة للحالات الماضية ؛ وهذا وحده يقلب السؤال: لم يعد السؤال هل الذكرى مطابقة، بل بأيّ شروط تُبنى.
I – كيف يمكن اعتبار التذكر استعادة لما هو ماضٍ من أجل إعادة بناء ما هو راهن ؟
ثانيا : التذكر بين المعرفة والتوازن النفسي
تتداخل الفاعليات العقلية لتشكّل عنصر معرفة العالم الخارجي وإدراكه، مع ما يهدف إليه التوازن النفسي الذي يظهر على شكل انفعالات تلقائية تحقّق تكيّفا ذاتيا للفرد. ومن هنا كان للتذكّر وجهان لا وجه واحد: وجهٌ معرفيّ نطلب فيه الذكرى لأنّنا نحتاج إليها في حلّ مشكلة أو في تأدية شهادة، ووجهٌ انفعاليّ تأتينا فيه الذكرى من غير أن نطلبها. وللوجهين معا صلة بالماضي، ولكنّها ليست الصلة نفسها.
1 ـ الذاكرة العقلية والتذكر الإرادي
- الصور العقلية عون للذاكرة : ذلك أنّ ما نتصوّره في أيّ أداة حسّية أو عقلية نستطيع تذكّره بسهولة أكثر ؛ والذاكرة العقلية هي ذاكرة الأفكار والمعاني والبراهين، سواء بالنسبة إلى العلاقة المنطقية بين أجزاء الحادثة الواحدة أو بين الحوادث الكثيرة.
- والتذكّر الإرادي عمل مركّب : فهو يقتضي تدخّل مجموعة من الملكات العقلية والوظائف، كالاستدلال، واصطفاء ما نبحث عنه وما هو مطلوب، والربط بين الصور، ومعرفة العلاقة بين السبب والنتيجة ؛ وهذا ما يُعرف بالاستدعاء الإرادي.
- والعقل يسأل والذاكرة تجيب : فنحن نكون أحيانا تحت ضغط معرفة معلومة هامّة لكنّنا لا نستطيع تذكّرها في تلك اللحظة، فتحضرنا مجموعة من المعلومات إلى ساحة الشعور وندرك أنّها ليست ما نطلبه ؛ وكأنّ العقل بهذا يملك أسئلة يطرحها، فتقوم الذاكرة بإحياء مجموعة من الصور والمعاني وتعيدها إلى ساحة الشعور ليختار منها العقل ما يحتاج إليه.
- وهذا النوع ضروري وإن شقّ : كما يُلاحَظ خاصّة عند أداء الامتحان، أو الإدلاء بشهادة أمام المحاكم ؛ ومن هنا خطورة أن يكون الاصطفاء الذي يقوم به العقل موجَّها بما نريده لا بما وقع.
في إحدى رواياته الواقعية يتأفّف الكاتب الروسي إيفان تورغينييف (1818 – 1883) من الماضي ومن الذكريات التي سبّبت له الألم ؛ إنّه لا يريد أن يتذكّر تلك الأحداث، بل يودّ لو أنّها انتُزعت من ساحة شعوره، فهو يريد أن يعيش الماضي الذي يريده لا الماضي كما هو: «… ماذا أريد ؟ لقد خلّفت ورائي غنى وفقرا، وبعد ذلك موت والدي، والزواج، ثمّ التأفّف الذي لا مفرّ منه […] فذكرياتنا عديدة ولكن لا شيء أودّ تذكّره.» فالإنسان يعيد في أحيان كثيرة بعض الحوادث التي تتّفق وما يريده، ويُسقط البعض الآخر المرتبط بحوادث مؤلمة ؛ وقد يدفعه ذلك إلى تغيير المكان الذي يرتبط بتلك الحوادث، أو إشغال نفسه بأعمال كهروب من تلك الحلقة من الماضي — وكلّ هذا تصرّفٌ في الماضي. تورغينييف، الآباء والأبناء، نقلا عن محمد سعيد الجنيد، القلق في الثقافة العربية، منشورات عويدات، بيروت، ص، 37
2 ـ الذاكرة الانفعالية والتذكر العفوي
إنّ حقيقة الذاكرة كاسترسال شعوري واحد في الاستعادة اللفظية والتصوّرية تؤلّف كلاّ عفويا واحدا، سواء أكانت تحت سيطرة الانفعال أو بدونها. فالصور في النفس إذا اقترن بعضها ببعض، أو تجاورت في الزمان والمكان، أو وُجدت علاقة سببية بينها، أو تشابهت، أو كانت متواترة على اللسان، أو شديدة الوقع على النفس كحادث فريد، تمّ استدعاؤها عفويا: يكفي منبّهٌ حاضر لإيقاظها ولو كانت قديمة، كما تُوقظ ملابسُ الابن ذكراه في نفس أمّه. أمّا إذا لم تُستعمل المعلومة مدّة طويلة وأُريد استرجاعها، فإنّ الذاكرة تقوم بالبحث عنها في المخزن ذي المدى الطويل، ويتطلّب ذلك جهدا أكبر، أي تدخّل الإرادة والجهد بصورة أجلى. وتظهر أهمّية الذكريات وتصوّر الماضي أيضا في تكوين الشخصية ؛ فهوية الفرد إنّما بدأت في الماضي، ومن فقد القدرة على استرجاع هذا الماضي والوعي به فقد وحدة شخصيته وفقد توازنه النفسي.
اختلف الباحثون في أمر الذاكرة الانفعالية: فمنهم من قال إنّها حقيقية مثل ريبو، بناءً على أنّ من خواصّ الأحوال النفسية عامّة — عقلية كانت أو انفعالية — أن تُبعث من زوايا النسيان، وهو أمر مؤيَّد بالتجربة، إذ كثيرا ما نتذكّر الحوادث الماضية مصحوبة بخوف شبيه بالخوف القديم ؛ ومنهم من أنكر وجودها كوليم جيمس، لأنّ الشيوخ عنده لا يسترجعون انفعالات الشباب. ولكنّهم اتّفقوا على أنّ هذه الانفعالية تختلف باختلاف الأشخاص، فقد تكون قوية واضحة وقد تكون ضعيفة ؛ كما اتّفقوا بالمقابل على دور الذاكرة في حياتنا الانفعالية: «فلولا الذاكرة لجفّت العواطف، ولولا الماضي لغاب عن الإنسان وجه التأسّي ؛ فالذاكرة تحيي العواطف، وتوقظ الميول، وتجدّد الانفعالات.» جميل صليبا، علم النفس، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط 3، 1981، ص، 396، 397
ثالثا : الذاكرة الفردية والذاكرة الاجتماعية
يرى علماء النفس أنّ فعل التذكّر تابع للاهتمامات الخاصّة بكلّ فرد بحسب انفعالاته وذوقه وقدراته العقلية ؛ فاتّجاه الطالب إيجابا نحو المادّة التي يتعلّمها والرغبة فيها يزيدان من قدرته على تذكّرها والعكس صحيح، والمخزونات لدى الطالب غير ما لدى الطبيب، وغيرها لدى الفلاّح. ولكنّه في الوقت نفسه يربط ماضيه وذكرياته بالمؤسّسات وبالأعياد والمناسبات التي تعاقبت عليه. وعلى الرغم من أنّ بعض أنواع الذاكرة تخصّ الشخص كفعل يتعلّق به وبأحواله النفسية والفيزيولوجية، إلاّ أنّ علماء الاجتماع يعتقدون أنّ التذكّر فعل لا يرتبط بالفرد فقط، بل أيضا بالمجتمع الذي يعيش فيه، إذ هو جزء من واقع عامّ اجتماعي، وهناك مفاهيم ومعارف مشتركة بين أفراد المجتمع.
إنّ المجتمع لا يمكن أن ننظر إليه على أنّه حصيلة اجتماع أفراد فقط، بل هو سلطة مستقلّة ومتعالية عن الأفراد ؛ فالظواهر الاجتماعية تمتاز بموضوعيتها، وهي مزوّدة بصفة الجبر والإلزام، ومن نتاج العقل الجمعي، وتنشأ تلقائيا من اجتماع الأفراد ؛ بل إنّ سلوك الإنسان لا يمكن تفسيره إلاّ من خلال صورة مجتمعه. دوركايم (1858 – 1917) ؛ مصطفى الخشاب، علم الاجتماع ومدارسه، دار المعارف، مصر، 1975، ص، 10، 11
ذهب هالفاكس إلى أنّ ذكرياتنا ليست حوادث نفسية محضة، ولا مادّية ترتبط بالدماغ، بل هي تجديدُ بناءِ الحوادث بواسطة الأطر التي يمدّنا بها المجتمع. فالآخر هو الذي يدفعنا إلى التذكّر، لأنّني في أغلب الأحيان عندما أتذكّر يكون الغير هو الذي يدفعني إلى ذلك: ذاكرته تساعد ذاكرتي، كما أنّ ذاكرتي تعتمد عليه. فالجماعات التي أنتمي إليها تقدّم إليّ في كلّ لحظة الوسائل التي أستعيد بها الذكريات، شريطة أن ألتفت إلى هذه الجماعات وأن أتبنّى — على الأقلّ مؤقّتا — طريقتهم في التفكير، حين تتجلّى في شهادتهم القيمُ التي يؤمنون بها والتي تلوّن الشهادة بألوان الوضعية التي تندرج فيها الشخصية. هالفاكس (1877 – 1945)، نقلا عن Gusdorf, Mémoire et personne, T. R, chap. 08
1 ـ اللغة إطارٌ لإعادة بناء الماضي
إنّ الناس الذين يحيون حياة اجتماعية يستعملون كلمات يفهمون معناها، وهذا هو شرط الفكر الجماعي ؛ غير أنّ كلّ كلمة تصاحبها ذكريات، وليس هناك ذكريات لا يمكن أن نطابقها بكلمات. إنّنا ننطق بذكرياتنا قبل استحضارها ؛ واللغة، وجملة نسق الاصطلاحات الاجتماعية التي تدعمها، هي التي تمكّننا في كلّ لحظة من إعادة بناء ماضينا. ويتبلور تأثير البيئة الاجتماعية في الذاكرة إذن في أنّ الفرد في تفاعله مع بيئته لا يستجيب لمثيرات مستقلّة عن بعضها، وإنّما لعدّة ضوابط لسلوكه على ضوء علاقته الصميمة بمجتمعه ؛ أي أنّ ملامح ذاكرته تتحدّد من خلال طبيعة الموقع الذي يأخذه في مجتمعه: فالفرد مدين للمجتمع، وهو تلميذه وصنيعته.
إذا كان التذكّر بناءً وليس نسخا، فهل تسقط قيمة الشهادة أمام المحكمة ؟إذا كان التذكّر بناءً وليس نسخا، فهل تسقط قيمة الشهادة أمام المحكمة ؟
لا تسقط، ولكن تتغيّر شروط قبولها. فالبناء ليس اختلاقا: الشاهد لا يخترع الحادثة، وإنّما يعيد تركيبها من قرائن، تحت ضغط سؤال يُطرح عليه اليوم، وبكلمات جماعته، وفي حالة انفعالية هي حالته الآن لا حالته يومئذ. ومن هنا تُفهم ثلاث آفات معروفة: أن ينتهي الشهود «إلى الاعتقاد بأنّهم رأوا ما كانوا يودّون رؤيته» ؛ وأن يُسقط المرء من ماضيه ما يؤلمه كما فعل تورغينييف ؛ وأن تلوّن الجماعةُ الشهادةَ بقيمها كما بيّن هالفاكس. وهي آفات لا تُعالج بمطالبة الذاكرة بأن تكون آلة تسجيل — فتلك مطالبة بما ليس في طبعها — بل بتعدّد الشهادات، وبفصل ما رآه الشاهد عمّا استنتجه، وبالبحث عن المنبّه الذي أعاد إليه الذكرى. ⚖️ فالذاكرة ليست مرآة للماضي ولا خيالا عنه: هي عملٌ حاضر يخضع للماضي في مادّته، وللحاضر في صياغته.
الصفحة 1/7
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net