الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الذاكرة والخيال
طبيعة التخيل
- تمييز الصورة المتخيَّلة من الذكرى المسترجَعة، ومن الموضوع المدرَك
- بيان أنّ التخيّل عملية استرجاعية واستمرارية في آن واحد
- تعريف التخيّل التمثيلي والتمثيل له من الحياة اليومية
- التمييز بين صور التخيّل اللاواقعية: حلم اليقظة، والوهم، والهلوسة
- تعريف الذاكرة والتذكّر، وقوانين التداعي
- تعريف الإدراك، والفرق بينه وبين الإحساس
- الفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المرضية في الوظائف النفسية
مقدمة : طرح المشكلة
من الصعب تصوّر حياة نفسية مقصورة على مطلق الحاضر، أي على إدراك نقطة رياضية تفصل الماضي عمّا بعده ؛ فالخيال هو الصورة الباقية في النفس بعد غيبة المحسوس عنها. غير أنّ هذا التعريف الأوّلي يضعنا أمام إشكال: إن كانت الصورة الخيالية تبقى بعد غياب الشيء، فبمَ تختلف عن الذكرى التي تبقى هي الأخرى بعد مضيّ الحدث ؟ وإن كانت مستمدّة من الواقع، فبمَ تختلف عن إدراك هذا الواقع ؟ ولذلك يجدر بنا، قبل الإجابة عن الإشكالية، أن نفرّق بين الموضوع المتخيَّل والموضوع الذي نتذكّره من جهة، وبين الموضوع المتخيَّل والموضوع المحسوس المدرَك من جهة أخرى.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
«… انكبّ نبيلنا دون كيشوت انكبابا شديدا على قراءة كتب الفروسية في القرون الوسطى، ولفرط ما قرأ جفّ دماغه وفقد قدرته على التمييز ؛ امتلأ خياله بالقصص الفارغة التي قرأها، وانطبع في عقله كلّ ما قرأه في هذه الروايات حتّى خُيّل إليه أنّه ليس في العالم قصّة أكثر واقعية منه، واضطرب عقله، وداعبت خياله أغرب فكرة تصوّرها مجنون، حتّى خُيّل إليه أنّ أفضل ما يمكن تقديمه كمحارب لأهله ولمجده هو أن يصبح فارسا جوّالا ليزيل جميع أنواع المظالم. وتخيّل هذا الفارس المسكين نفسه وقد تُوّج ملكا بقوّة ساعده ! وسط هذه الخواطر السارّة التي ملأته بالآمال لم يفكّر إلاّ في شيء واحد، هو أن ينفّذ ما تمنّاه بكلّ ما يملك من حماسة وبأسرع وقت ممكن ؛ وأوّل ما فعله هو صقل السلاح القديم الذي ورثه بعد أن أكله الصدأ، ثمّ فكّر في حصانه، ومع أنّه لم يبق منه إلاّ الجلد والعظام، إلاّ أنّه بدا له في حالة حسنة جدّا !» سيرفانتس (1547 – 1616) أديب إسباني شهير، أُسر بالجزائر وأُطلق سراحه مقابل فدية ؛ دون كيشوت، ترجمة صباح الجهيم، دار الفكر اللبناني، ص، 8، 9، 10، 11 بتصرّف
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- نزوع إلى ماضٍ مفتون به : تأثّره بما قرأه من ماضي أولئك الفرسان الحافل بالبطولات والأمجاد ؛ فكان في ذلك مشدودا إلى ذاكرته شدّا لا يُقاوم إلى حدّ الافتتان، وهو ما أوقعه في مرض تقديس الماضي.
- وحاجة حيوية في الحاضر : إدراكه أنّ واقعه الشخصي، فضلا عن واقعه الاجتماعي، في حاجة إلى إحياء تلك البطولات كحاجة حيوية لا تُقاوم أيضا، خاصّة وقد تدهورت تلك القيم في عصره كثيرا.
- وعجز عن الوسيلة : لكنّه لاحظ من جهة ثالثة افتقاره إلى الوسائل الكفيلة بإرضاء هذه الحاجة ؛ فلم يبق أمامه سوى التوسّل بالخيال الجامح لعلّه يحقّق مبتغاه رمزيا، فيعالج اضطرابه النفسي. ⟸ وهكذا يظهر الخيال في وظيفتين متقابلتين داخل الحالة الواحدة: تعويضٌ عن عجز، وإنشاءٌ لعالم.
II – وكيف يمكن اعتبار التخيل استشرافا لما هو آتٍ بغيةَ إبداع صورٍ لما هو واقع ؟
أولا : الاسترجاعية والاستمرارية في التخيل
إنّ الفرق لا يظهر بجلاء بين الذاكرة والخيال، لأنّهما يتعلّقان في بعض الأحيان معا بالماضي ؛ فإذا كان التخيّل يعود إلى الماضي كما هي الحال في التذكّر، إلاّ أنّ التذكّر يقوم بحفظ الأفكار واسترجاعها وفق ترتيب معيّن، على المنوال الذي يكون العقل قد حصل عليها به من درجة الحيوية والقوّة والوضوح ؛ بينما يتميّز التخيّل عنه بالحرّية في التصرّف في الأفكار.
- التذكّر مقيّد بترتيب، والتخيّل حرّ في التصرّف : فالذكرى تُستعاد على المنوال الذي حُصّلت به، أمّا الصورة المتخيَّلة فتُركَّب كما تشاء الذات.
- وثمّة حالات شبيهة بالتذكّر وليست منه : فهناك حالات نفسية لا يمكن أن تكون تذكّرا بالرغم من أنّها شبيهة به، ولكنّها لحظات مملوءة بالتخيّل، لأنّه يضيف إليها ما يزيدها كمالا ومتعة، أو العكس ؛ وهذه الحالات هي التي تمكّننا من التفريق بين التخيّل والتذكّر.
- والإضافة تصبغ الماضي بلون الحاضر : فالذاكرة التي تستعيد الماضي في الحاضر وتعيشه تضيف إليه من الرغبات والصور ما يجعله مسترجَعا أجملَ أو أبشعَ ممّا كان عليه، تبعا للحالة النفسية التي يكون عليها المتخيِّل.
- ومن هنا كان التخيّل استرجاعيا واستمراريا معا : فهو يستمدّ عناصره من الماضي والحاضر، ولكنّها تنصهر في كلّ جديد، فيكون حالة نفسية خاصّة ومتميّزة.
«فالشمس التي أراها نهارا هي الشمس الحقيقية ؛ أمّا الشمس التي أتخيّلها ليلا فهي صورة أو نسخة من الشمس السابقة.» والفرق الذي يقيمه هذا القول ليس في المضمون — فالشمسان واحدة — بل في الأصل والتبعية: صورةٌ تُنسخ عن إدراك سابق، وإدراكٌ لا يُنسخ عن شيء. باركلي (1685 – 1753)، مبادئ المعرفة البشرية، نقلا عن يحيى الهويدي، باركلي، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف بمصر، ص 36
2 ـ الاستمرارية بين التخيل والإدراك
- الإدراك مفروض، والتخيّل مختار : فليس للعقل الحرّية في أن يخلق موضوعات إدراكه ويبدعها على النحو الذي تفعله المخيّلة ؛ إذ يكون إدراك الموضوع دائما على الصورة التي هو عليها، صورةً قوية وحقيقية مفروضة على الذات المدرِكة سواء رضيت أم لم ترضَ.
- وللذات المتخيِّلة حرّية الزمان والصورة : فلها أن تتصرّف على النحو الذي ترغب فيه، وبالصورة التي تشاؤها، وفي الوقت الذي تريده، حتّى وإن كانت الصورة فيه خافتة باهتة وهمية.
- والإدراك يرتبط بالواقع المباشر، والخيال يعيد تكوينه : فالخيال — وإن كان يستمدّ عناصره من الواقع — يكوّنه على صورة جديدة.
- وقد يتوجّه الخيال إلى المستقبل لا إلى الماضي : كأن يتصوّر الإنسان عن طريق التخيّل ما يطمح إليه في مستقبله ؛ وهذا وجهٌ لا تملكه الذاكرة أصلا.
«… إذ يتناول الأفكار البسيطة فيفصّل ويركّب فيما بينها مكوّنا الصور التي يريدها، كأن يتصوّر إنسانا برأس طائر […] لكنّ هذا العمل، مهما بلغ من الخيال، لا يخرج عمّا تقدّمه الحواسّ والتجربة.» وفي هذا القيد جواب مبكر عن سؤال يُطرح كثيرا: هل يستطيع الخيال أن يبتكر من العدم ؟ لا ؛ إنّه حرّ في التركيب لا في المادّة. ديفيد هيوم، مقالة في الطبيعة البشرية، نقلا عن كريم متى، الفلسفة الحديثة (عرض نقدي)، منشورات جامعة بنغازي، 1974، ص 207
ثانيا : التخيل التمثيلي، أعمّ أنواعه
ليس التخيّل صورة واحدة، فهو معانٍ مختلفة ؛ فهناك من يربطه بحالة عادية من حالات استرسال النفس في ربط الصور لمجرّد تمثيلها دون التعرّف عليها، وثمّة من يراه ملكة تركيب لتلك الصور بإبداع الجديد منها. أمّا الأوّل — وهو التخيّل التمثيلي — فيتعلّق بمجرّد عودة الصور النفسية إلى ساحة الشعور دون التعرّف عليها، كما هو الحال في التداعي ؛ ولذلك قيل عنه إنّه «ذاكرة بلا عرفان». وهو عامّ في حياتنا اليومية: فإذا كنّا مثلا في اجتماع مملّ، تصوّرنا عفويا حالات مختلفة لا تربط بينها منطقيا روابط متينة.
«ليذهب الشيء الذي أنظر إليه من أمامي، ولتهدأ الضجّة التي أسمعها، ولينقطع الطعام الذي أحدث فيّ لذّة، ولتنطفئ النار التي كانت تدفئني، وليعقب الحرارةَ إن شئت إحساسٌ بالبرودة ؛ فأنا أتصوّر وأتخيّل هذا اللون، وهاتيك الضجّة، وهذه اللذّة، وتلك الحرارة. فإذا عادت إليّ في الظلام والسكون صورةُ ما سمعت وما رأيت، لم أقل إنّي أراها أو أسمعها، بل قلت إنّي أتخيّلها.» ففي هذا الوصف صورة شبيهة إلى حدّ كبير بصورة الاسترجاع: إنّها استرجاع صور بعد غياب الأشياء التي أحدثتها ؛ وفيه إشارة إلى أنّ صورة شيء بعينه يتمّ تخيّلها وتمثّلها لا إدراكها مباشرة. بوسويه، معرفة الإله والنفس، نقلا عن جميل صليبا، علم النفس، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط 2، ص 340
III – ولكن لماذا لا يتمّ بناء هذه الذكرى وإبداع تلك الصورة إلا بشكل نسبي وتقريبي ؟
ثانيا : التخيل من الحلم إلى الوهم
- الخيال قوّة مزدوجة الأثر : فعلى الرغم من أنّه مصدر الإلهام في البحث عن المعرفة الجديدة، إلاّ أنّه يمكن أن يكون مصدرا للخطر أيضا، كصورة من صور فرط التخيّل التي يعيشها بعض الناس ؛ وهذا النوع هو الذي دفع بالبعض إلى وصفه بالقوّة الوهمية الكاذبة التي تولّد الأحلام والأوهام وتبعث على الخطأ والرذيلة.
- أحلام اليقظة : والحلم من الوجهة النفسية نشاط عقلي طبيعي يحدث أثناء النوم، لا يمكن اعتباره أداة واعية، بل هو سلسلة من الحوادث اللاشعورية التي يمكن أن تكون لها دلالات أو رموز تُبلَغ بالتفسير والتأويل. لكنّ حلم اليقظة يحدث عندما يعيش الإنسان الموقف بجسمه فقط ويزول شعوره بالحاضر وانتباهه لوضعه وللأشياء المحيطة به، فتندفع الصور الخيالية إلى ساحة الشعور فيشرد الذهن وينسلخ عن العالم الخارجي.
- الوهم : وهو خطأ في حقيقة الشيء، لكن ليس عن طريق خطأ الحواسّ، بل هو نتاج التخيّل في شكل مرض عصبي ؛ كأن يتوهّم الإنسان نفسه حيوانا، أو يتوهّم الحيوانات التي تظهر له فجأة أشباحا.
- الهلوسة : وفيها يتخيّل الإنسان المصاب بعض الأشياء الموجودة على أنّها غير موجودة، والأشياء غير الموجودة على أنّها موجودة ؛ فيعتقد المصاب بوجود أصوات غريبة قد سمعها وأشكال قد رآها وهي غير موجودة، ويكون ذلك في الغالب نتيجة الخوف الشديد.
«… أن يفقد انتباهه للحياة شيئا فشيئا، فلا يفكّر في ذاته، أو في علاقته بالآخرين ؛ فيشتدّ الحلم تدريجيا ويتّسع نطاق سيطرته على مجامع النفس، فيطرد من النفس كلّ التصوّرات التي تصلها بالحاضر، ويقطع الإنسان على هذه الصورة كلّ علائقه بالعالم الخارجي، مستبدلا الخيال بالحقيقة.» ولاحظ أنّ المرض هنا ليس في الصورة الخيالية نفسها، بل في استبدالها بالحقيقة وفي انقطاع الصلة بالحاضر ؛ وهو عين ما وقع لدون كيشوت. جميل صليبا، علم النفس، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص 451
إذا كان الخيال حرّا، فلماذا لا نستطيع أن نتخيّل ما ليس في الواقع ؟إذا كان الخيال حرّا، فلماذا لا نستطيع أن نتخيّل ما ليس في الواقع ؟
لأنّ الحرّية في الخيال حرّية تركيب، لا حرّية خلق. أنت تتصوّر إنسانا برأس طائر، ولكنّ الإنسان من الواقع والطائر من الواقع والرأس من الواقع ؛ لم يأت الخيال إلاّ بالتأليف بينها. ولذلك قيل إنّ هذا العمل، مهما بلغ من الخيال، لا يخرج عمّا تقدّمه الحواسّ والتجربة. وجرّب بنفسك: حاول أن تتخيّل لونا لم ترَه قطّ، أو رائحة لا تشبه أيّ رائحة شممتها. لن تجد إلاّ تركيبا جديدا من عناصر قديمة ؛ فمهما بدت صورة التخيّل غريبة عن الواقع، فإنّ عناصرها تُستمدّ من الواقع. ⚖️ وفي هذا القيد فائدتان: الأولى أنّه يفسّر لماذا يكون خيال المتعلّم المجرِّب أخصب من خيال الجاهل — لأنّ مادّته أوفر ؛ والثانية أنّه يهدم دعوى من يجعل الخيال نقيضا للواقع: هو منفلت منه في صورته، مشدود إليه في مادّته.
الصفحة 1/6
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net