الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في الأخلاق بين الثوابت والمتغيرات
طبيعة القيمة الأخلاقية — ثالثاً: الأخلاق تتراوح بين الثوابت و المتغيرات
- التمييز بين القيم المطلقة والقيم الوسيلية، وردّ اختلاف التطبيقات إلى الثانية دون الأولى
- بيان كيف تكون المصلحة غاية ووسيلة في آن معا، وتحديد مراتبها من الضروريات إلى الكماليات
- توظيف موقف مسند إلى صاحبه ومرجعه لإثبات أنّ تغيّر الوسائل لا يقلب الخير شرّا
- صياغة حلّ للمشكلة يبيّن تكامل الأسس الأربعة بدل الاقتصار على واحد منها
- الأساس المطلق للقيمة الخلقية عند أنصار الدين والعقل، وحدود هذا الأساس
- الأساس النسبي للقيمة الخلقية عند الاجتماعيين والنفعيين، وحدود هذا الأساس
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى فحص الأسس الأربعة إلى موقفين لا يستقيم أحدهما وحده. فأنصار الدين والعقل جعلوا الأخلاق واحدة في جوهرها، لكنّهم لم يفسّروا تعدّدها وتنوّعها الذي يفرض نفسه في الواقع ؛ وأنصار المجتمع واللذّة والمنفعة جعلوها متعدّدة متغيّرة، فإذا بمقاييسها انفعالات متغيّرة ودوافع متقلّبة، وإذا بالأخلاق تنقلب ظواهر تُوصف بعد أن كانت قيما تُقوَّم. والحال أنّ الأخلاق تحتفظ — كما يدلّ تاريخها — بقدر من التوافق العامّ والتصوّر المشترك، ولا يمنعها ذلك من أن تختلف تطبيقاتها من بيئة إلى بيئة. لكن أليس من الموضوعية اعتبارها ثابتة في مبادئها، متطوّرة في تطبيقاتها في آن معا ؟
مدخل إلى المشكلة : ملاحظة الوضعية المشكلة
لنتأمّل في منطوق ما كتبه «برتراند رسل» في الأخلاق: «قد اختلفت القواعد الأخلاقية في الأزمنة المختلفة إلى حدّ يكاد لا يصدّقه العقل […] وبالنظر إلى هذا الاختلاف بين النظم الأخلاقية، لا نستطيع أن نقول إنّ تصرّفات من نوع معيّن صواب وأنّ أخرى خطأ، إلاّ إذا وجدنا أوّلا طريقةً تحدّد أنّ نظما بذاتها خير من الأخرى […] إلاّ أنّه عندما تدّعي عدّة نظم أخلاقية مختلفة أنّ أصلها جميعا مقدّس بدرجة متساوية، فإنّ الفيلسوف لا يستطيع أن يقبل أيّ نظام إلاّ إذا كانت هناك حجج في صالحه لا تتوفّر للنظم الأخرى.» فكيف السبيل إلى حلّ هذا التعارض ؟ أليس من المفروض أن تشترك الأخلاق في حدّ أدنى من المبادئ بالرغم من اختلاف الوسائل والتفسيرات ؟ برتراند رسل (B. Russell 1872 – 1970)، فيلسوف ورياضي بريطاني ؛ المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ترجمة عبد الكريم أحمد، مكتبة الأنجلو مصرية، 1960، ص 29-30
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- صدمتان لا صدمة واحدة : إنّ النتيجة التي يقرّرها برتراند رسل في الوضعية المشكلة التي شغلت فكره تتبلور في أنّه صُدم بالاختلاف في ميدان الأخلاق، ولكنّه صُدم أكثر بالادّعاء أنّ هذه الأخلاق تقوم على فكرة المقدّس والمطلق ؛ وهذا تعارض يجافيه المنطق بلا شكّ.
- ترجيح لا برهان : لكنّه يميل إلى الاعتقاد بأنّ الاختلاف أوضح لأنّ التاريخ يثبته، بينما لا يوجد ما يثبت الادّعاء بوحدة الأخلاق وقدسيّتها ؛ ولعلّه بهذا الموقف حزم أمره فوضع حدّا لتردّده وحيرته.
- موضع الخلل في السؤال نفسه : فالمقابلة التي بنى عليها رسل هي بين «نُظُم أخلاقية» كاملة، كلٌّ منها مبادئ وتطبيقات مجتمعة ؛ فإذا فُصل في كلّ نظام ما هو مبدأ عمّا هو تطبيق، لم يبقَ التعارض على حاله: إذ يجوز أن يقلّ الاختلاف جدّا في المبادئ ويكثر جدّا في الوسائل، فيبدو للناظر اختلافا في الأخلاق وهو في الحقيقة اختلاف في شقّ السبيل إليها.
III – لكن أليس من الموضوعية اعتبارها ثابتة في مبادئها، متطوّرة في تطبيقاتها في آن معا ؟
إنّ إشكالية التعدّد والوحدة في القيم الأخلاقية عُولجت في مراحل مختلفة من تاريخ الفكر الإنساني، وتمّ ذلك تحت أسماء وعناوين مختلفة، وفي مجالات معرفية متباينة ؛ وقد تعرّض لها الفكر الإسلامي في الفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه. والمخرج الذي تقترحه هذه المعالجة ليس تلفيقا بين الموقفين السابقين، بل تفريقٌ بين مستويين كان الخلط بينهما هو مصدر التعارض: مستوى الغاية ومستوى الوسيلة.
أولا : متغيّرات الأخلاق ضمن ثوابتها
إنّ هدف أيّ نظام أخلاقي هو جلب المصالح ودرء المفاسد ؛ لكنّ المصلحة كما نفهمها لا تُختزل في جملة المنافع والمضارّ الشخصية أو المتعلّقة بجماعة، بل هي تلك المستنبَطة من الطبيعة الإنسانية، والمعتبَرة شرعا في الوقت نفسه. وبهذا القيد يفترق هذا الطرح عن المذهب النفعي: فالنفعيّ يقيس بالمنفعة كما يشعر بها الفرد أو تحصيها الجماعة، وهذا الطرح يقيس بمصلحةٍ مستنبطة من طبيعة الإنسان لا من رغبته العارضة.
المصلحة «هي غاية ووسيلة في نفس الوقت ؛ فهي غاية عندما يهدف الكائن البشري أن تكون حياته في منتهى الاستقامة والصلاح، وفي نفس الوقت هي عبارة عن مجموع الوسائل التي من خلالها يصل الإنسان إلى هذه الغاية.» وعلى هذه الصورة تكون الأخلاق مبادئ من جهة أنّها قيم مطلقة، وتكون سلوكا من جهة أنّها قيم وسيلية. والمصلحة على نحو ما يتحقّق استقرائيّا هي مطلب الجميع، وهي ممّا تتّفق بشأنه جميع العقول وجميع الديانات ؛ كما يمكن أن تتحدّد أيضا كسلوكات متغيّرة وتطبيقات، ابتداءً من الضروريات وصولا إلى الكماليات. فهمي محمد علوان، القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي، مطابع الهيئة المصرية العامّة للكتاب، ص 98
1 ـ القيم المطلقة والقيم الوسيلية
من العلماء الذين عرضوا لهذه المسألة الإمام «الشاطبي» — على نحو ما بيّنه «فهمي محمد علوان» — الذي جعل من المصلحة الغاية القصوى للأخلاقية. وهكذا يميّز علوان في فلسفة الشاطبي بين القيم الوسيلية والقيم المطلقة: فالقيم الوسيلية هي التي تكون وسائل لإنتاج قيم أخرى ؛ ولذلك فالمحافظة على الدين والنفس والمال والنسل والعقل هي قيم وسيلية، لأنّها تهدف إلى قيمة أسمى مطلقة وقائمة بذاتها وهي المصلحة. فهمي محمد علوان، القيم الضرورية ومقاصد التشريع الإسلامي، مطابع الهيئة المصرية العامّة للكتاب، ص 29
- الأخلاق مبادئ : من جهة أنّها قيم مطلقة، وهذا وجه ثباتها ووحدتها.
- والأخلاق سلوك : من جهة أنّها قيم وسيلية، وهذا وجه تعدّدها وتغيّرها.
- المصلحة مطلب الجميع : تتّفق بشأنها جميع العقول وجميع الديانات، وهو ما يثبت استقرائيّا لا بالدعوى.
- وللمصلحة مراتب : من الضروريات إلى الحاجيات وصولا إلى الكماليات، وهي درجات من أكثرها أهمّية إلى أقلّها ؛ وفي هذا التدرّج يقع أكثر ما يبدو للناظر اختلافا بين المجتمعات.
ولمّا كانت المصلحة هي الخير العامّ والمطلق، فإنّها ثابتة لا تتغيّر وواحدة لا تتعدّد ؛ ولكنّ القيم الوسيلية التي تسعى لتحقيق هذه الغاية — أي القيمة المطلقة — قد تتغيّر بتغيّر الظروف. وهنا لا يتحوّل الخير إلى شرّ ولا الشرّ إلى خير، وإنّما الخير المطلق واحد هو المصلحة المعتبرة شرعا وعقلا، والموجَّهة إلى الفرد والمجتمع ؛ والذي تغيّر هو القيم الوسيلية. وبهذا يُردّ على وضعية رسل: الاختلاف الذي أثبته التاريخ اختلافٌ في الوسائل لا في الغايات، ودعوى القداسة إنّما تلحق بالمبدإ لا بكلّ تطبيق جرى عليه في زمان ومكان.
يُعتقد أنّ هذا الرأي قال به «أبو حامد الغزالي» أيضا، حينما قرّر أنّه: «ما دامت الفطرة الإنسانية الأصيلة لا تختلف في جوهرها بين عصر وآخر وأمّة وأخرى، فإنّ الكلّيات المقامة على أساسها ينبغي أن يستمرّ اعتبارها وترسخ جذورها […] ومهما تطوّرت الفروع والجزئيات، فلا يعدو أن يكون ذلك تنوّعا في شقّ السبيل إلى هذه المصالح التي أناط الله تعالى بها سلامة الوضع الإنساني في الدنيا، وسعادة الأبد في العقبى.» نقلا عن: محمد سعيد رمضان البوطي، من الفكر والقلب، المطبعة السورية، ص 24 و ص 31
وممّا يجب التنبّه إليه أنّ قولنا «الغاية الأخلاقية وحدها هي التي تبرّر الوسيلة» ليس ترديدا لمقولة ميكيافيلي المشهورة «الغاية تبرّر الوسيلة»، بل هو اعتراض عليها ؛ فحصر الغاية فيما هو أخلاقي يُنزّه الوسيلة عن أن تكون لاأخلاقية. فالمقولتان تتشابهان في اللفظ وتتقابلان في الحكم: تلك تُطلق الغاية فتبيح كلّ وسيلة، وهذه تقيّد الغاية بالأخلاقية فتردّ عليها الوسيلة مقيّدة بمثل قيدها.
أليس هذا الموقف تلفيقا بين الأطروحتين السابقتين ؟أليس هذا الموقف تلفيقا بين الأطروحتين السابقتين ؟
لا، لأنّ التلفيق يأخذ من كلّ أطروحة نصفها ويجمعهما على مستوى واحد، فيقع في التناقض الذي أراد أن يتجنّبه: لا يمكن أن تكون القيمة مطلقة ونسبية في الجهة نفسها. وما جرى هنا غير ذلك: فُصل مستوى الغاية عن مستوى الوسيلة، ونُسب الإطلاق إلى الأوّل والتغيّر إلى الثاني ؛ فلم يعد الحكمان واردَين على شيء واحد من جهة واحدة، وارتفع التناقض. ومن علامات أنّ هذا ليس تلفيقا أنّه يفسّر ما عجزت الأطروحتان عن تفسيره: يفسّر للأولى لماذا تختلف الأخلاق في الواقع رغم وحدة مبدئها، ويفسّر للثانية لماذا تحتفظ الأخلاق — على اختلافها — بقدر من التوافق العامّ والتصوّر المشترك. والأطروحة التي تفسّر ما تعجز عنه الأطروحتان ليست جمعا بينهما، بل مستوى آخر من النظر.
خاتمة : حل المشكلة
بالرغم من الاختلاف الظاهر حول الأسس التي يقوم عليها الفعل الخلقي، إلاّ أنّها تبقى في حقيقة الأمر أسسا متكاملة ومتداخلة في فهم السلوك الخلقي والحكم عليه. إنّها تحمل من القوّة الإلزامية ما يجعلها تمتّ بلا ريب من بعض النواحي إلى العقيدة الدينية ؛ وبما أنّ العقيدة الدينية ذاتها تقوم — إلى جانب التسليم بها — على نوع من الفهم يتمّ بواسطة العقل، فإنّ العقل ضروري للتجربة الأخلاقية، فهو يصوّبها ويربطها دائما بمنطق الوقائع. ثمّ إنّ هذه التجربة، وإن تعلّقت قيمها بضمير الفرد نفسه، وجب أن تُناقَش وأن تستمدّ أحكامها التنظيمية وقواعدها من الجماعة، دون أن تتعارض — بالضرورة — مع الطبيعة البشرية.
الصفحة 1/6
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net