الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
وظائف الأسرة
- تعداد وظائف الأسرة الأربع وتمييز كلّ وظيفة عن الأخرى
- بيان أنّ الوظيفة البيولوجية تقترن بضبط السلوك لا بالإنجاب وحده
- بيان معنى الوظيفة الشرعية وأثرها في المركز الاجتماعي للطفل
- تعليل تحوّل الأسرة من وحدة إنتاجية إلى وحدة استهلاكية
- مفهوم الأسرة، والفرق بين الأسرة الممتدّة والأسرة النواة
- الفرق بين الوظيفة والبنية في تحليل أيّة مؤسّسة اجتماعية
- معنى المركز الاجتماعي والدور الاجتماعي
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ بنية الأسرة ضاقت: من ثلاثة أجيال تحت سقف واحد إلى جيلين، ومن حياة اقتصادية واحدة إلى استقلال في المعاش. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك ليس سؤال الشكل، بل سؤال العمل: ما الذي تفعله الأسرة بالضبط، وما الذي لا يفعله غيرها ؟ فإن كانت وظيفتها الإنجاب، فالإنجاب واقعة بيولوجية لا تحتاج إلى مؤسّسة ؛ وإن كانت الإعالة، فالمجتمع اليوم يعيل بمنظّماته وأسواقه ؛ وإن كانت التربية، فللمدرسة فيها نصيب. ومع ذلك لا يقوم شيء من هذا مقام الأسرة، وهو ما يدلّ على أنّ وظائفها متنوّعة ومتشابكة، لا وظيفة واحدة يمكن أن تُنقل إلى غيرها.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
يقول أحد الأبناء: «إنّ والديّ لا يكفّان عن توجيه النقد والملاحظات ؛ لقد ضقتُ بهما ومللتُ هذه الحياة. بيد أنّني أعلم نتيجة مغادرتي للأسرة: سوف لا أستطيع الحصول على الغذاء والملبس والمسكن ؛ وإذا تركتُ المنزل فسوف أجلب لهما الحزن والهمّ، ولذلك سوف أتحمّلهما بقدر ما أستطيع. إنّهما لا يتركاني أبدا أفعل ما أريد، ومع ذلك فأنا أقوم بكلّ ما أرغب فيه ثمّ أخبرهما فيما بعد ؛ لقد انقضى السنّ الذي كانا يستطيعان فيه حرماني من متعتي، كما أستطيع أن أواجه وأتحمّل ما يُوقعان عليّ من عقوبة ولا أبالي بها.» محمود حسن، الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص 121
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الأسرة تؤدّي وظيفتها المادّية بالفعل : فالابن نفسه يشهد بأنّها وفّرت له الغذاء والملبس والمسكن، ويعلم أنّ مغادرته تعني فقدانها ؛ فالشكوى ليست من نقص في الإعالة.
- ولكنّ المبالغة في مراقبة السلوك تُنتج ضدّها : فتربيته وتنشئته بالمبالغة في مراقبة سلوكه تؤدّي إلى شعوره بالملل والضيق ؛ وفي مقابل ذلك يتّجه إلى تحدّي هذا الوضع بميله إلى إشباع رغباته بطريقة متخفّية، مع الاستعداد لتحمّل ما يترتّب على ذلك من عقوبات.
- والرابطة النفسية هي التي تُبقيه : فهو يقول «إذا تركتُ المنزل فسوف أجلب لهما الحزن والهمّ، ولذلك سوف أتحمّلهما» ؛ ⟸ فالذي حفظ الأسرة في هذه الحالة ليس الغذاء ولا السلطة، بل ما بقي من الحنان — وهو وظيفة أخرى من وظائفها.
I – كيف يمكن للأسرة أن ترتقي بمكتسبات وقيم التراث باتجاه معالجة مشكلاتها الجديدة ؟
ثانيا : مشكلاتها الوظيفية (المواجهة والتكيف)
1 ـ الوظيفة البيولوجية : حفظ النوع وضبط السلوك
إنّ المجتمع لا يستمرّ في وجوده إلاّ من خلال إنجاب الأطفال وحمايتهم، ممّا يجعل المهمّة البيولوجية من المهامّ الأساسية للأسرة ؛ إذ تنحصر في العلاقات الزوجية والغريزة التي يُحفظ بها النوع الإنساني، وهو ما يقتضي قيام المعاشرة الزوجية على أسس سليمة من أجل التوافق والانسجام بين الزوجين. ولكنّ هذه الوظيفة ليست إنجابا فحسب: فالأسرة تقوم في هذا المجال بضبط السلوك الجنسي في المجتمع، لتقليل النزعات الجنسية وللحدّ من إنجاب الأطفال غير الشرعيين، وذلك خدمةً للمجتمع. ⟸ فالوظيفة الأولى إذن وجهان: إنتاجُ الحياة، وتنظيمُ الطريق إليها.
ينظر الإسلام إلى الزواج على أنّه أمر فطريّ في الإنسان، وسنّةٌ موافقة لسنّة الحياة الطبيعية والكون ؛ قال تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ». وقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أحبّ فطرتي فليستنّ بسنّتي، وإنّ من سنّتي النكاح». سورة يس، الآية 36 — الجامع الصغير، حديث صحيح
2 ـ الوظيفة الشرعية : الاعتراف والمركز الاجتماعي
وإذا كانت المعاشرة الزوجية قد تساعد على إشباع الدوافع البيولوجية، فإنّ توفير السبيل لاعتراف المجتمع بالأطفال — على أنّهم شرعيون وأكفاء لحمل تقاليده — يبقى من المهامّ الأساسية للأسرة. فالقواعد المتعلّقة بشرعية الأطفال تتيح ترخيص المجتمع للوالدين بالأبوّة والأمومة بموجب معايير يحدّدها كلّ مجتمع لأعضائه ؛ كما تسمح بإعطاء الطفل مركزا اجتماعيا، من خلاله يقوم الأعضاء بالأدوار المحدّدة تجاهه، ومن ثمّ ينمو داخل المجتمع نموّا سويّا. ⚠️ ولاحظ الفرق بين الوظيفتين: الأولى تجعل للطفل وجودا، والثانية تجعل له مكانا ؛ ومن وُلد بلا مكان اجتماعي لم ينقصه الغذاء، وإنّما نقصه من يعرف كيف يتصرّف تجاهه.
3 ـ الوظيفة النفسية : الحنان والأمن
وهناك روابط نفسية بين أفراد الأسرة تتجلّى في صور الحنان والمحبّة والتآلف ؛ وهي من الوظائف الأساسية للأسرة، وتُعدّ بمثابة الحبل القويّ الذي يشدّ أفرادها بعضهم إلى بعض. ومن خلال العلاقة الأوّلية المبكّرة بين الأمّ والطفل يحصل الطفل على حاجته إلى الأمن، في الوقت الذي تتحوّل فيه المرأة من أمّ بيولوجية إلى أمّ بالمعنى السيكولوجي، وتصبح الطاقة النفسية أكثر فاعلية ونجاحا. ⟸ وهذه هي الوظيفة التي أبقت الابن في وضعيتنا داخل البيت وهو ساخط عليه: «سوف أجلب لهما الحزن والهمّ».
4 ـ الوظيفة الاقتصادية : من الإنتاج إلى الاستهلاك
لكنّ التغذية السيكولوجية التي تقدّمها الأسرة لأعضائها ليست كافية، بل يجب توفير الحاجيات الأساسية لهم، وبالتالي القيام بالمهمّة الاقتصادية. وقد كانت الأسرة في الماضي وحدةً اقتصادية مكتفية ذاتيا تقوم باستهلاك ما تنتجه ؛ لكنّ الإنتاج الصناعي الكبير حوّل الأسرة من مؤسّسة اجتماعية إنتاجية إلى مؤسّسة اجتماعية استهلاكية، إذ هيّأ المجتمع منظّمات جديدة تقوم بعملية الإنتاج الآلي وتوفير السلع والخدمات بأسعار أقلّ نسبيا. ⚠️ وهذا التحوّل هو المفتاح: فالوظيفة الاقتصادية لم تسقط، ولكنّها انتقلت من الصنع إلى التدبير ؛ ومن هنا صار موقع الأسرة في الاقتصاد موقع المستهلك لا المنتج، بكلّ ما يترتّب على ذلك من تبعية.
- وظيفة بيولوجية : حفظ النوع بالإنجاب والحماية، وضبط السلوك الجنسي في المجتمع.
- ووظيفة شرعية : الاعتراف بالأطفال وإعطاؤهم مركزا اجتماعيا يحدّد أدوار الآخرين تجاههم.
- ووظيفة نفسية : الحنان والمحبّة والتآلف، وتأمين حاجة الطفل إلى الأمن في علاقته الأولى بأمّه.
- ووظيفة اقتصادية : توفير الحاجيات الأساسية، وقد تحوّلت من الإنتاج إلى الاستهلاك بفعل الإنتاج الصناعي الكبير. ⟸ وهي وظائف يشدّ بعضها بعضا: فسقوط النفسية يُفقد الشرعية معناها، وسقوط الاقتصادية يُثقل النفسية.
إن كان المجتمع قد أخذ من الأسرة وظيفة الإنتاج، فهل يأخذ منها الباقي ؟إن كان المجتمع قد أخذ من الأسرة وظيفة الإنتاج، فهل يأخذ منها الباقي ؟
انظر إلى ما نُقل فعلا وما لم يُنقل، وستجد قاعدة. نُقلت الوظيفة الاقتصادية في شقّها الإنتاجي: كانت الأسرة تنتج ما تستهلك، فصار المصنع ينتج والأسرة تستهلك. ونُقل جزء من التربية إلى المدرسة. وهذه كلّها وظائف يمكن أن تؤدَّى بالتقنية والتنظيم، أي بأدوات لا تشترط علاقة شخصية. ولم تُنقل الوظيفة النفسية ولا الشرعية: لأنّ الأولى تقوم على علاقة أوّلية مبكّرة بعينها — بين هذه الأمّ وهذا الطفل — ولا معنى لأن «تُوكَل» إلى منظّمة ؛ ولأنّ الثانية تمنح الطفل مركزا داخل نسب معلوم، ولا يمنح النسبَ إلاّ من هو طرف فيه. ⚖️ والقاعدة إذن: يُنقل من وظائف الأسرة ما يمكن أن يؤدّيه أيّ أحد، ويبقى لها ما لا يؤدّيه إلاّ من هو هو. ولهذا لم يكن ضيق الابن في وضعيّتنا مطلبَ خروج من الأسرة، بل مطلبَ إصلاح للعلاقة داخلها.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net