الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم › في فلسفة الرياضيات
قيمة الحقيقة الرياضية
- تحديد مصدر قيمة الحقيقة الرياضية: اليقين النابع من الاتّساق لا من مطابقة الواقع
- بيان حدودها بالنظر إلى المجال الحسّي، ومعنى وقوعها في «التقريبيات» عند التطبيق
- بيان حدودها بالنظر إلى منطلقاتها بعد ظهور الأنساق المتعدّدة، وتقويم أثر ذلك على قيمتها
- صياغة الحكمة الفلسفية من هذا الطرح، وتحديد ما يميّز الفكر الرياضي: التجريد والنسقية
- طبيعة البرهان الرياضي ومنطلقاته: البديهيات والمصادرات والتعريفات
- ما أحدثته الهندسات اللاأوقليدية من تحوّل، ومعنى البناء الفرضي الاستنتاجي
- الفرق بين الصدق والاتّساق، وبين اليقين والاحتمال
مقدمة : طرح المشكلة
تتبّعنا هذه الصناعة من أصل مفاهيمها إلى طبيعة برهانها، ورأينا كيف تحوّلت من يقين مطلق إلى أنساق متعدّدة. ويبقى السؤال الذي من أجله كان هذا التتبّع كلّه: ما قيمة الحقيقة الرياضية ؟ والسؤال مشروع من وجهين. من جهة الواقع: فهذه الحقيقة الدقيقة إذا نزلت إلى التطبيق فقدت شيئا من دقّتها. ومن جهة المنطلقات: فهذه المبادئ التي بُني عليها كلّ شيء صارت تُعدّ افتراضات ومواضعات. فهل يبقى بعد هذين المأخذين ما يبرّر المكانة التي أُعطيت للرياضيات في تاريخ الفكر ؟
أولا : مصدر قيمتها
إذا كان الفضول العلمي عموما يطمح إلى نتائج متّصفة بالدقّة واليقين، فإنّه يجد في الرياضيات ما يشفي غليله ؛ فهي تمثّل النموذج المثالي للفكر الصحيح، والغاية الواضحة التي تنشدها تطلّعات الفيلسوف والعالِم معا: الفيلسوفُ يرى فيها الحقيقة الثابتة الأزلية التي لا تتغيّر، والعالِمُ يحوك على منوالها فيحوّل بحثه من الكيف إلى الكمّ. ومصدر هذا اليقين ليس مطابقةَ الواقع، بل الالتزام بالمبادئ والوفاء المطلق لمبدأ الهوية الصارم: فالمعرفة الرياضية معرفة بوجودٍ تمّ تجريده، فلا يحمل في جوهره أيّة إشارة إلى ماهية أو صفة ؛ ولهذا اتّصفت باليقين الذي لا يرقى إليه شكّ ولا احتمال، ما دامت حريصةً على الانسجام مُحجمةً عن التناقض. ولاحظ أنّ هذا التحديد لمصدر القيمة هو نفسه الذي سيحدّد الحدود: فمن كانت قوّته في تجرّده من المحسوس، فلا يُطلب منه ما يُطلب من المحسوس.
ثانيا : حدودها بالنظر إلى المجال الحسّي
إنّ الحقائق الرياضية المتّصفة باليقين، عندما تنزل إلى التطبيقات التجريبية تفقد دقّتها وتقع في «التقريبيات». فالنسبة الثابتة بين محيط الدائرة وقطرها محدّدة تحديدا دقيقا في العلاقة المجرّدة ؛ فإذا حاولنا تقديرها تقديرا حسابيا وعمليا نزلت دون هذه الدقّة، وبقيت القيمة المستعملة عددا لا يتناهى في الاقتراب من المطلوب دون أن يبلغه. وهذا المأخذ لا يمسّ الحقيقة الرياضية في ذاتها، وإنّما يمسّ علاقتها بالمجال الحسّي: فالتقريب لا يقع في العلاقة، بل في المقدار الذي نأخذه عنها لنعمل به. ومن هنا يجب الحذر من استنتاج متسرّع كثيرا ما يقع فيه المتعلّمون: أن يُقال «إذن الرياضيات ليست يقينية» ؛ والصواب أن يقال: يقينُها تامّ في مجالها، وناقصٌ نقصَ الأداة كلّما لامس المحسوس.
ثالثا : حدودها بالنظر إلى منطلقاتها
والمأخذ الثاني أعمق: فقد تبيّن أنّه ليس لدينا أيّ دليل عقلي على مصادرات الهندسة الكلاسيكية ؛ وبُنيت هندسات أخرى على مصادرات مغايرة في المتوازيات وفي طبيعة المكان، ولم يتناقض بعضها مع بعض. فأصبحت الهندسة التي كانت مأخوذة كحقيقة مطلقة إلى القرن التاسع عشر حالةً خاصّة من حالات الهندسة، وسقطت معها فكرة البداهة — لأنّ ما هو واضح عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر — وصار كلّ بناء رياضي يُعدّ فرضيا استنتاجيا. فالمنطلقات إذن لم يقدّم البرهان شيئا عن صحّتها في ذاتها، وقيمتها تابعة لتقدير واضعيها واختيارهم لها. وهذا هو المأخذ الذي يبدو أنّه ينزع من الرياضيات آخر ما بقي لها من إطلاق.
رابعا : مزاياها بالنظر إلى سياقها ونسقها
غير أنّ تعدّد الأنساق الرياضية تعدّدٌ لا يقضي على يقين كلّ واحد منها، ما دمنا ننظر إلى الأوّليات على أنّها متواضَعٌ عليها، وليست ضرورية لكلّ بناء ولا نهائية. فتنوّع الأنساق يمثّل مغامرةً للفكر في آفاق التجريد والإنشاء، وفي عالم العلاقات المعقولة وغياب كلّ تناقض ؛ واليقين الحاصل في كلّ نسق صحيحٌ صادق، لأنّه ينطبق على الواقع المفترض بحدوده ومسلّماته ونتائجه. ومن هنا فإنّ المعرفة الرياضية لا تكتسي صبغة يقينية مطلقة إلاّ في سياق منطلقاتها ومبادئها وانسجامها معها على صورة نسق منطقي ؛ وهذا يجعل من حقائقها حقائق نسقية، ومن يقينها يقينا تابعا لعقلانية المقدّمات ونتائجها الضرورية — والمقصود بالعقلانية هنا انسجام الفكر مع نفسه.
لقد بيّنت لنا الهندسات اللاأوقليدية أنّه «يمكن وضع غيرها أو حذف بعضها أو إضافة أخرى، ويبقى النسق الاستنباطي قائما». ومعنى ذلك أنّ ما يُهدم بتغيير المسلَّمة هو المضمون لا البناء: فالنسق يبقى قائما، ويبقى معه اللزوم الذي يصل مقدّماته بنتائجه. محمد أبو حمدان، من طرق الفكر، الاستنباط، ص 11
ولعلّ المقابلة بين قضايا العلم وقضايا الرياضيات تُظهر قيمة كلّ منهما في موضعها: فالحقائق العلمية تجسيدٌ لعلاقات بين ظواهر تخبرنا عن واقع، وهي شبه يقينية لأنّها تابعة لأسباب هذه الظواهر وأحوالها ؛ أمّا القضايا الرياضية فتجريدٌ لموجودات وعلاقات تبقى في منأًى عن أيّ تغيّر، وهي تأمّل خالص يتّسم بالصورية — واستعمالها مع خلوّ البناء من كلّ تناقض داخلي يحقّق للرياضي الصدق ومن ثمّ اليقين. فقيمة الحقيقة العلمية في إخبارها عن الواقع، وقيمة الحقيقة الرياضية في صرامة بنائها: ولكلٍّ ثمنُه، فالأولى تدفع من يقينها ما تكسبه من واقعية، والثانية تدفع من واقعيتها ما تكسبه من يقين.
خامسا : الحكمة الفلسفية من هذا الطرح
إنّ الغرض الذي تسعى إليه الفلسفة في مثل هذا المجال هو الوقوف على الحقيقة في أبعادها المطلقة التي لا يشوّهها تغيّر ولا غموض ولا اضطراب. وقد عرفت إلى أيّ مدًى تتّصف العلوم في نتائجها بالنسبية والاحتمال، وعرفت لماذا لم تسقط نتائج الرياضيات في التقريبيات على الرغم من تنوّعها واختلافاتها. إنّ السرّ الذي كشفت عنه فلسفة الرياضيات هو استقرار الخيط الذي يصل المنطلقات بالمنتهيات، وتقدّمُه من المعلوم نحو المجهول على أساس مبدأ الهوية أو مبدأ عدم التناقض. فليست قيمة الرياضيات في مادّة مقدّماتها — وقد رأينا أنّها قابلة للتغيير — وإنّما في هذا الخيط الذي لا ينقطع.
خاتمة : حل المشكلة
إنّ الحكمة الفلسفية لا يجب أن تحملنا إلى الشكّ في قيمة الرياضيات. إنّها في تأمّلاتها كشفت عن الطابع الحقيقي الذي يتّسم به الفكر الرياضي في أسسه ونتائجه، وأبرزت شيئا يكاد يكون أعظم ميزة في هذا الفكر، وهو التجريد والنسقية: فكلّما كان البحث أكثر تجريدا أمِن من التغيّر والنسبية ؛ وكلّما كان حرصه أكبر على الانسجام في انتقاله من مرحلة إلى أخرى، ومن المقدّمات إلى النتائج، أقام حصنا حصينا ضدّ التناقض والاضطراب.
إذا كانت الرياضيات لا تخبرنا عن الواقع، فما قيمتها ؟إذا كانت الرياضيات لا تخبرنا عن الواقع، فما قيمتها ؟
قيمتها في أنّها تُعلّمنا كيف يمسك الفكرُ بنفسه. فكلّ معرفة تخبر عن واقع معرَّضةٌ لأن يكذّبها هذا الواقع ؛ أمّا الرياضيات فقد اختارت طريقا آخر: أن تبدأ من منطلقات معلَنة، ثمّ لا تسمح لنفسها بخطوة واحدة لا تلزم عمّا قبلها. فهي لا تدّعي أنّها تصف العالم، ولذلك لا يستطيع العالَم أن يردّ عليها ؛ وهذا ليس هروبا من الواقع، بل هو الشرط الذي جعلها صالحة لأن تكون لغةً لمن يصف الواقع. ولهذا يجب أن تقرأ المآخذ في موضعها الصحيح: التقريبيات تمسّ التطبيق لا العلاقة ؛ وتعدّد الأنساق يمسّ اختيار المنطلق لا لزوم النتيجة. وما بقي بعد المأخذين هو ما كان جوهر الأمر منذ البداية: خيطٌ مستقرّ يصل المنطلقات بالمنتهيات على أساس مبدأ عدم التناقض. فالفلسفة إذ تفحص الرياضيات لا تنتهي إلى التشكيك فيها، بل إلى معرفة أين توضع الثقة: لا في بداهة المقدّمة، بل في صرامة الانتقال.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net