الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس › التنوع الثقافي والعولمة
طبيعة العولمة
- بيان أنّ العولمة إيديولوجيا، انطلاقا من تصوّر «ريمون أرون» لطبيعة الإيديولوجيا
- تحليل مشروع العولمة: التفكير الأحادي بعد سقوط جدار «برلين»، والمجتمع المتجانس، والسوق العالمية
- عرض أهداف العولمة ووسائلها، والتمييز فيها بين ما هو واقع وما هو وعد
- تحديد أقطاب العولمة الفاعلين، وتوظيف أقوالهم مسندة إلى أصحابها
- مفهوم العولمة وتمييزه عن الدوللة والشوملة والعالمية
- مخاطر العولمة على الخصوصيات الثقافية، والعلاقة الجدلية بين العالمي والخصوصي
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
تجد مقدّمة هذه المشكلة ووضعيّتها المشكلة في درس «ضبط المفاهيم والتصورات»، أوّل دروس محور «التنوع الثقافي والعولمة».
اقرأ المقدّمة من جديدإخفاء المقدّمة
نصوغ الوضعية المشكلة في هذه الجملة من التساؤلات المحرجة: هل في إرجاع الكثرة إلى الوحدة، واستيعاب الشمول للتنوّع، نعمةٌ لاستمرار حياة الشعوب والأمم باختلاف خصوصياتها الثقافية، أو نقمةٌ عليها ؟ ألا يُخشى من الوحدة أن تسحق الكثرة سحقا، ومن الشمول أن يبتلع التنوّع ابتلاعا ؟ هل بين ما يسمّى بالعولمة أو الشوملة، والخصوصية، تناقض أم تجانس ؟ هل العلاقة بين المجموعة وعناصرها علاقة تذويب وابتلاع، أو تمايز واجتماع ؟ هل يجوز الحديث عن عولمة تطمس حدود الأمم وخصوصياتها، وتذهب بفضاءات شعوبها الترابية منها والتراثية ؟ هل العولمة، في مستوى هذه التساؤلات، قدرٌ محتوم ؟ وهل يفترض انتشارها تصادما أو حوارا بين جميع الشعوب، فقيرها وغنيّها، شرقيّها وغربيّها، محافظها ومتفتّحها ؟ ويمكن أن نضيف تساؤلات أخرى: كيف نتصوّر حقوق الإنسان العالمية في ظلّ عالم يقوم على التنوّع الثقافي ؟ ألا يجب أن تتغيّر هذه الحقوق من ثقافة إلى أخرى ؟ وهل الإنسان واحد، بالنظر إلى حدوده الزمانية والمكانية النسبية، حتّى تنطبق عليه الحقوق العالمية للإنسان ؟ وفي كلمة: كيف يمكننا تصوّر بقاء الأمم بثقافاتها المتنوّعة، وإثبات الذات، أمام تحدّيات العولمة التي تقرّر مرجعيات المستقبل ؟ لمحاولة الردّ على هذه التساؤلات، يتعيّن علينا الوقوف على النقاط الأربع الآتية: لماذا العولمة ؟ وما هي فلسفتها ؟ وما مخاطرها ؟ وأخيرا، كيف يمكن إدراك عولمة بين التناقض والتهذيب ؟
افتح الدرس: ضبط المفاهيم والتصوراتII – ما هي فلسفة العولمة ؟
أولا : إنّها إيديولوجيا
الإيديولوجيا اصطلاحا هي علم الأفكار ؛ أمّا «ريمون أرون» فيرى أنّ طبيعتها واحدة، تتمثّل في كلّ ما هو فكري، بغضّ النظر عن كونها الانعكاس الطبيعي للواقع أو أنّها العنصر المجسّد له ؛ فالإيديولوجيا قد يكون مصدرها عرقيّا، وقد يكون دينيّا، وقد يكون لغويّا، وقد يكون اقتصاديّا. عن محمد إبلعيدن، الفلسفة والمحيط الإيديولوجي والسياسي في الجزائر (مقال)، الملتقى الوطني الثاني في مادّة الفلسفة، تلمسان، من 15 إلى 17 جانفي 2001
- سقوط جدار «برلين» والتفكير الأحادي : لقد انتصرت الليبرالية في أواخر القرن الماضي، وبالتحديد منذ سقوط جدار «برلين» الذي يرمز إلى فشل الشيوعية التي تدين بالتخطيط ؛ فخلا الجوّ للتفكير الأحادي لصنع القرار في بناء المشاريع، وهو يصنعه آخذا مرجعيته من تيّار فكري ينشد إقامة سوق عالمية كبيرة ومفتوحة ومتحرّرة من كلّ العوائق، فيتحكّم في العالم بواسطة سياسة اللامركزية، بحيث يتنازل الحكم الوطني عن سلطته ومسؤوليته بنسبة فائقة إزاء شعبه.
- مجتمع متجانس : أكبر مشروع يناسب الليبرالية الجديدة هو بناء مجتمع متجانس، تأخذ فيه القواعد الضابطة للعلاقات بين الفاعلين في التناغم والوحدة ؛ وهو مجتمع يهدف إلى توحيد الأمم لأنّه يتوق إلى العالمية. والعالمية، باعتبارها صخرة الإنسانية، تُعدّ في المألوف قيمة إيجابية، لأنّها تجمع البشر المتفرّقين منذ قرون بسبب الجغرافيا والثقافة والدين أو اللغة. ومن السبل المتّجهة نحو هذا المبتغى أن تقرّر الشركات مثلا تكييف منتوجها وخدماتها مع المتطلّبات اللغوية والثقافية للمستعمل النهائي، وأن تغتنم فرصة الثورة الإنترناتية لإنشاء وجود وهمي لها في السوق الدولية بفضل موقع متعدّد اللغات.
ثانيا : سوقها العالمية
- مقاييس معولمة : تقوم العولمة على السوق العالمية نفسها، وتفقد مبرّر وجودها خارج هذه السوق، لأنّها مصدر كلّ رفاهية وسعادة. ولهذا فهي تريد إشراك المتعاملين في بناء فضاء متماسك أمام الجميع، أي بناء مقاييس موحّدة للتنافس والمردودية على المستوى الكوني، وجعل الأُجَراء في أصقاع العالم مباشرة في حالة تنافس ؛ والحرّية المطلقة في مرور رؤوس الأموال هي المحرّك الأساسي للحصول على هذه النتيجة. فالسوق العالمية تحدّد المقاييس المرجعية للقطاعات التي تدخل المنافسة الدولية ؛ وهكذا يمكن القول بأنّ الاقتصاد المفتوح معناه مجتمع مفتوح.
- الهدم مصدر للحركة والإبداع : هذه من الحِكم المشهورة والمتداولة في أوساط الليبرالية المفرطة، والتي تعبّر عن مغزى السير وفقا لما يمليه نظام الكون والطبيعة: فعندما تغلق المعامل أبوابها ويصاب الأُجَراء بالبطالة، يجب أن نقول: هذا أمر عادي. والمذاهب الفكرية في هذا السياق تعلّمنا أنّ الهدم يمكن أن يكون خلّاقا ومصدرا لمحرّك التغيّر والتقدّم، بل إنّه الشرط الأوّل للإبداع ؛ وإذا كان العالم قائما على اللاإبداع، فإنّه لا محالة صائر إلى الخراب والتدمير.
ثالثا : أهدافها ووسائلها
- تحقيق الثراء وتحسين مصير الفقراء : من الدول والأشخاص، عن طريق صندوق النقد الدولي، وذلك لأنّ التجارة هي العلاج العالمي المناسب والكفيل بتقديم الإجابة الصحيحة عن الأمراض الاجتماعية، شريطة أن تُزاح جميع العوائق التي تقف في وجه التبادل العالمي ؛ ومن الأهداف التي تسير بالموازاة مع ذلك تدعيم وسائل الإعلام والاتصال والخدمات الطبّية.
- تعميم وسائل الاتصال وشمولية الاستقلال الفعلي : إنّ الفرد اليوم جزء من منظومة عالمية للاتصال والمواصلات، تجعله في ارتباط، وفي وقت حقيقي، مع مراسله الموجود في أيّة نقطة في العالم ؛ فبفضل شبكات الأقمار الصناعية تتمّ الارتباطات الهاتفية والرسائل المكتوبة والصور على أساس شبكة عالمية، وتكون تكاليف الاتصالات متطابقة مهما كانت المسافة التي تفرّق بين المتّصلين. وفي إطار الشوملة لا يُستبعد أن يتحسّن ذلك، ليصبح تلبية أحسن للحاجات الأساسية للأفراد في مجال التربية والصحّة والسكن والأمن والعدالة والثقافة والترفيه، واستكمالا للمعارك الكبرى الجارية من أجل إثبات قدسية الحرّيات والحقوق الأساسية للإنسان ؛ وهذا يزيد من توسيع دائرة الاستقلال الفردي.
- قيام مجتمع عالمي : تحلم العولمة بقيام مجتمع عالمي هو القرية الكونية أو «القرية الشاملة»، الاسم الجديد لعالم الناس اليوم، حيث تُلغى كلّ الحدود وكلّ تمييز، وطنيا كان أو قوميا أو دينيا ؛ فتبقى الشفافية والذوبان الفضيلتين الوحيدتين اللتين يتميّز بهما الإنسان المعولَم: فيكون شفّافا لأنّه كائن الاتصال، ويكون ذائبا لأنّ علاقته بالغير تنصبّ على عالم إلغاء كلّ انفصال ورفض كلّ مسافة. ولكن مهما كانت درجة النجاح التي حقّقها الاستنساخ في مجال إنتاج الكائنات البيولوجية المتطابقة، فإنّ «الاستنساخ الثقافي»، إن جاز التعبير، أمر مستبعد جدّا.
رابعا : أقطابها الفاعلون
وهم رجال أعمال الاقتصاد الأمريكي، ثمّ التاتشرية البريطانية، ثمّ «ماستريش»، ونخبة من البنكيين، وخاصّة أولئك الذين ينتمون إلى الدول الخمس العظمى، من مصرفيين وأرباب شركات عالمية. وأصبح واضحا وشائعا لدى الملاحظين أنّ الحكم السياسي لدى القطب العملاق، وهو الولايات المتّحدة، يقوم على حكومتين: إحداهما دائمة والثانية مؤقّتة.
في سياق التذكير بآثار الثروة والمال الإيجابية، يتصوّر «دافيد روكفيلير»، أحد رؤساء هذا التجمّع السرّي للعمالقة، أنّ العالم يكون في حالة جيّدة لو كان محكوما من طرف جماعة نخبوية «تتألّف من بنكيين». وفي سياق الردّ على من يعارضون منطق السوق العالمية، وخاصّة منهم الحماياتيون ومتظاهرو «جينس» في جويليه 2001 — وهي مظاهرة معادية للعولمة وقعت على إثر انعقاد قمّة الثمانية في مدينة «جينس» بإيطاليا، وتصدّت لها السلطة بالنار والحديد والحبس — قال «جورج بوش»، بعد أن وصفهم بأنّهم «عصابة من المتهوّرين»: «إنّ كلّ من يقف ضدّ حرّية التبادل هم ضدّ الفقراء». ولقد استعمل بعض المسؤولين السياسيين والصناعيين أسلوبا آخر، فيه نفحات دينية مسيحية، في قولهم: «يسوع المسيح هو حرّية التبادل ؛ وحرّية التبادل هي يسوع المسيح».
- الحكومة الدائمة : وهي التي تحكم البلاد في الحقيقة، وتتألّف من أكبر الشركات الأمريكية، وأكبر مكاتب محامي واشنطن التي تنفّذ العمل القضائي لصالحها، وأكبر المحلّات ذات العلاقات العمومية بواشنطن التي تشتغل بإشهاراتها وعلاقاتها العمومية، والوظيف العمومي الأعلى المدني والعسكري.
- الحكومة المؤقّتة : وتقوم على رجال السياسة الذين تشغّلهم الحكومة الدائمة أو النظام الثابت ؛ وكلّ أربع سنوات يُنظَّم مهرجان يسمّى انتخابا، يُنتقى فيه الممثّلون السياسيون، ويتقدّمون على ساحة المهرجان لتنفيذ السيناريوهات المكتوبة من طرف الحكومة الدائمة، ثمّ تُنفق المال اللازم من أجل توجيه انتخابهم. والحكومة الدائمة لها كامل التأثير في مصير الدول الاقتصادي أكثر ممّا هو لدى الرؤساء ورؤساء الحكومات.
لماذا تُعدّ العولمة إيديولوجيا، لا مجرّد ظاهرة اقتصادية ؟لماذا تُعدّ العولمة إيديولوجيا، لا مجرّد ظاهرة اقتصادية ؟
لأنّ الإيديولوجيا، كما يرى «ريمون أرون»، تتمثّل في كلّ ما هو فكري، وقد يكون مصدرها اقتصاديا ؛ والعولمة ليست تبادلا للسلع فقط، بل تصوّر كامل للعالم: لها لحظة ميلاد رمزية، هي سقوط جدار «برلين» الذي خلا بعده الجوّ للتفكير الأحادي ؛ ولها مشروع، هو مجتمع متجانس يتوق إلى العالمية ؛ ولها حِكم تبرّر بها ما يحدث، مثل «الهدم مصدر للحركة والإبداع» ؛ ولها وعود، هي تحقيق الثراء وتحسين مصير الفقراء وقيام مجتمع عالمي شفّاف ؛ ولها أقطاب يدافعون عنها بلغة تكاد تكون دينية: «يسوع المسيح هو حرّية التبادل». ولهذا وُصفت الشوملة بأنّها «إيديولوجيا الألفية الجديدة، وكأنّها دين جديد لعالم الأعمال والنخبة السياسية». ومن يكتفي بتعريف العولمة تعريفا اقتصاديا يفوته أنّها تدفع المرء إلى قبول المعايير السائدة في القرية الكونية، أي إلى تبنّي طريقة في النظر إلى العالم، لا إلى شراء سلعة فحسب.
الصفحة 1/4
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net