الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم في علوم المادة الجامدة وعلوم المادة الحية

خطوات المنهج التجريبي

🔊 المعلّمة تقرأ لك
ظاهرة سقوط الأجسام مشاهَدةٌ في كلّ دقيقة وعند كلّ إنسان: يسقط القلم من يدك، وتسقط الثمرة من الشجرة، ويسقط المطر ؛ ورآها الناس آلاف السنين. ومع ذلك لم يصل أحدٌ قبل «نيوتن» إلى وضع قانون الجاذبية. فما الّذي رآه هو ولم يره الملايين قبله ؟ لم تكن عينه أحدّ من أعينهم، ولم تسقط أمامه أجسام أكثر. الفرق كان في الطريق الّذي سلكه بعد أن رأى. فما هذا الطريق، وما خطواته ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ترتيب خطوات المنهج التجريبي الثلاث وبيان وظيفة كلّ خطوة في بناء المعرفة العلمية
  • تمييز الملاحظة العلمية من المشاهدة العادية بشروطها، وتمييز أنماطها
  • تعريف الفرضية وبيان شروطها الثلاثة، وموقع الخيال والحدس منها
  • تطبيق طرق «مل» الأربع على ظاهرة، وتحديد الطريقة الّتي تناسب كلّ حالة
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفهوم الاستقراء وأنواعه، والفرق بين الاستقراء المعلَّل وغير المعلَّل
  • معنى العلّة والمعلول، ومعنى التعميم
  • خصائص المشكلة العلمية: مجالها المحسوس ووسيلتها التجريب
إذا كان الاستقراء العلمي لا يستقيم بمجرّد تكثير الملاحظات، فبأيّ إجراءات يضبطه العلم ؟ وما الّذي يجعل ملاحظةً علميةً وأخرى مجرّد مشاهدة ؟ ومن أين تأتي الفرضية إذا كانت الوقائع لا تنتجها وحدها ؟ ثمّ هل تكفي هذه الخطوات، أم أنّ الاستقراء يحتاج فوقها إلى قواعد تبرّر انتقاله إلى القانون العامّ ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهينا إلى أنّ الاستقراء ينتقل من الجزئي إلى الكلّي، وأنّ نتيجته تقول أكثر ممّا لُوحظ، فلا تلزم عن مقدّماتها لزوما ضروريا ؛ ورأينا أنّ ما يرفعه إلى اليقين ليس عددَ الحالات بل معرفةَ العلّة. غير أنّ العلّة لا تُعطى في المشاهدة، وإنّما تُنتزع منها بعمل منظَّم. وهذا العمل المنظَّم هو ما نسمّيه المنهج التجريبي، ولا يقوم على خطوة واحدة بل على ثلاث: الملاحظة، والفرضية، والتجريب. فما طبيعة كلّ خطوة منها، وما شروطها، وما القواعد الّتي تسمح لنا في نهايتها بأن نعلن قانونا ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية : ظاهرة واحدة، ملاحظتان

تخيّل رجلين يريان الظاهرة نفسها. ـ الأوّل رجل عادي : ملاحظته عرضية، وغالبا ما تخضع لغرض النفع العامّ ؛ فهو لا يبغي التوصّل لكشف علمي، ولذلك لا تتضمّن ملاحظتُه النقدَ الفاحص للظواهر، ولا تطرح إشكالا ما. يرى الماء يغلي فيرفع القِدر، وقد انتهى أمرُه. ـ والثاني عالِم : ملاحظته تتجاوز مجرّد المشاهدة، وهو حين يلاحظ ظاهرة معيّنة فإنّ ملاحظته لها تكون بهدف الكشف عمّا هو جديد فيها، ليصبح جزءا مكمّلا لنسق معرفته عن العالَم. يرى الماء يغلي فيسأل: عند أيّ درجة ؟ وهل يغلي عند الدرجة نفسها في الجبل ؟ وما الّذي تغيّر ؟ العينان واحدة، والظاهرة واحدة، والزمن واحد. والفرق كلّه في أنّ الثاني طرح إشكالا، فبدأت عنده الخطوة الأولى من طريق طويل لم يبدأه الأوّل أصلا.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. ما يفصل بين الرجلين ليس الحواسّ بل القصد : فالملاحظة العرضية قد تتحوّل، من خلال النشاط العقلي، إلى ملاحظة مقصودة ومنظَّمة. والفرق إذن ليس معطًى في الطبيعة بل مكتسَبٌ بالتربية والمنهج ؛ وهذا يعني أنّ الخطوة الأولى في العلم عقليةٌ قبل أن تكون حسّية.
  2. والملاحظة وحدها لا تكفي مهما دقّت : فأكثر الظواهر الّتي شاهدها كبار العلماء وأقاموا عليها فرضياتهم العلمية، يشاهدها الناس كلّ يوم دون أن يثير ذلك أدنى انتباه لديهم. فلو كانت المعرفة تنبثق من المشاهدة وحدها لَكان كلّ من رأى سقوط جسمٍ عالِما بالجاذبية.
  3. فلا بدّ من خطوة تُنشئ التفسير، ثمّ خطوة تختبره : وهاتان هما الفرضية والتجريب. ومن هنا كانت خطوات المنهج التجريبي عند المنظّرين من الفلاسفة ثلاثا: الملاحظة، والفرضية، والتجريب — يليها استخلاص القوانين، وهو في التقسيم الثلاثي يلاحق خطوة التجريب دون انفصال عنها.

II – وإذا كان الاستقراء لا يستقيم بالملاحظة وحدها، فبأيّ خطوات يضبطه المنهج التجريبي ؟

أولا : الخطوة الأولى — الملاحظة

إنّ دراسة خطوة الملاحظة تكشف لنا عن مستويات مختلفة لها ؛ فليست الملاحظات جميعا من نفس النوع: فملاحظة الرجل العادي تختلف عن ملاحظة العالِم، من حيث إنّ الملاحظة الأولى مشاهدةٌ عادية والثانية ملاحظةٌ علمية. والملاحظة العلمية بدورها إمّا بسيطة أو مسلَّحة، وقد تكون كيفية أو كمّية. وهي في تعريفها «تركيزُ الانتباه لغرض البحث، وبصيرةٌ ذات تمييز، وإدراكٌ عقلي لأوجه الشبه والاختلاف، وحدّةُ الذهن وقدرتُه على التمييز والفهم العميق». ولكي تتحوّل الملاحظة العرضية إلى ملاحظة مقصودة ومنظَّمة، وجب أن تتوفّر فيها شروط:

  1. الأناة والصبر : فالظاهرة لا تُسلِم دلالتها لمن يستعجلها ؛ والملاحظة المتكرّرة هي وحدها الّتي تُظهر ما يثبت من الظاهرة وما يتغيّر.
  2. الابتعاد عن سوابق الأحكام : فمن ذهب إلى الظاهرة وهو يعرف سلفا ما سيجد، وجد ما جاء به لا ما فيها.
  3. الترفّع عن الأهواء والرغبات وكلّ ما هو ذاتي : وهذا شرط الموضوعية، وهو أصعبها لأنّه لا يُراقَب من الخارج.
  4. الاعتماد على الحواسّ، وتسليحها عند الحاجة : فالحواسّ هي الأدوات المباشرة للملاحظة، وعلى وجه أخصّ حاسّة البصر ؛ وإذا كانت سلامتها شرطا ضروريا لأداء عملها، إلاّ أنّ أداءها هذا محدودٌ بحدٍّ أعلى وحدٍّ أدنى لا يتجاوزهما، ولذلك تحتاج إلى أن تكون مسلَّحة أحيانا.
الحواسّ المسلَّحة

تحتاج الحواسّ إلى أجهزة تقنية متخصّصة تتعلّق برصد حوادث العالَمين: اللاّمتناهي في الكِبَر واللاّمتناهي في الصِّغَر، أو بقياسها على نحو كمّيٍّ دقيق. ومثال ذلك: المجاهر على مختلف أنواعها، والمِرقاب (التلسكوب)، والأقمار الصناعية، وجهاز قياس الحرارة، والضغط الجوّي، ودرجة الزلازل، وسرعة الرياح، والضوء، والصوت، فضلا عن المجسّات واللواقط وآلات التصوير في الطبّ وغيره. ولاحِظ ما تفعله هذه الأدوات: هي لا تُحسّن البصر، بل تنقل الظاهرة إلى مجال يُقاس فيه. فالمِجهر لا يجعلك ترى أدقّ، بل يجعل ما لا يُرى موضوعا للملاحظة أصلا ؛ ومقياس الحرارة لا يجعلك تحسّ الحرارة أفضل، بل يحوّل إحساسا كيفيا («ساخن») إلى رقم يمكن مقارنته والتداول فيه.

ثانيا : الخطوة الثانية — الفرضية

إنّ الظواهر الّتي يشاهدها العالِم — سواء في عالَم الملاحظة الكبير أو في معمل أبحاثه — تُثير في ذهنه أفكارا أو تصوّرات معيّنة، وهو ما ندعوه الفرضية ⁦(Hypothèse)⁩. وهي في معناها العامّ «ظنٌّ، أو تخمينٌ، أو مشروعٌ نتقدّم به لتفسير واقعة ما، أو إيجاد علاقة ما بين مجموعة من الوقائع». ولا تأتي الفرضية من الوقائع وحدها: فإنّ دراسة أعمال العلماء واكتشافاتهم تكشف لنا صلات وثيقة بين الفرضية والخيال والحدس. فحين تستثير العالِمَ مشكلةٌ من المشكلات، فهو مطالَب بأن يأخذ في النظر إليها من جميع جوانبها ليختزلها إلى أقلّ عدد ممكن من المشكلات الجزئية، ويقلّبها على أوجهها المختلفة في الذهن ؛ والعنصر السيكولوجي المتضمَّن عادةً في الفرضية هو ما يجعل منهج العلم مؤسَّسا على تخمينات جريئة هي من إنشاء التخيّل المبدع. وقد يندفع حلٌّ من الحلول فجأةً أمام ذهن الباحث دون مقدّمات، وهو ما نطلق عليه الحدس أو الإلهام.

ماخ

الفرضية هي — على حدّ تعبير «ماخ» (ت. 1916) — «تفسيرٌ مؤقّت لوقائع معيّنة بمعزل عن امتحان الوقائع ؛ حتّى إذا ما امتُحن في الوقائع، أصبح من بعدُ إمّا فرضا فاشلا يجب العدول عنه إلى غيره، وإمّا قانونا يفسّر مجرى الظواهر.» وتأمّل الكلمتين الحاسمتين في هذا التعريف: مؤقّت وامتحان. فالفرضية ليست رأيا يُدافَع عنه بل حالةً انتقالية للفكر ؛ ومصيرها ليس بيد صاحبها بل بيد الوقائع. ومن هنا يتبيّن الفرق بين العالِم وصاحب الرأي: كلاهما يفترض، ولكنّ الأوّل يفترض وهو يعلم أنّه قد يُضطرّ إلى العدول. عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات، ط. 3، الكويت، 1977، ص 145

لماذا لا تكفي المناسبة الخارجية

أمّا العوامل الخارجية فليست إلاّ مجرّد فرص ومناسبات لوضع الفرضية، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون شروطا كافية للافتراض ؛ وأكثر الظواهر الّتي شاهدها كبار العلماء وأقاموا عليها فرضياتهم العلمية يشاهدها الناس كلّ يوم دون أن يثير ذلك أدنى انتباه لديهم. «فظاهرة سقوط الأجسام مثلا ظاهرةٌ مشاهَدة في كلّ دقيقة وعند كلّ إنسان، ومع ذلك لم يصل أحدٌ قبل «نيوتن» إلى وضع قانون الجاذبية.» ولهذا وُضعت للفرضية العلمية ثلاثة شروط تفصلها عن التخمين الحرّ: أن تبدأ من واقعة مشاهَدة ؛ وأن تكون ممّا يقبل التحقّق ؛ وأن تكون خاليةً من التناقض — حتّى تتبوّأ مكانتها كخطوة رئيسة من خطوات المنهج التجريبي. عبد الرحمن بدوي، المرجع نفسه، ص 147

ثالثا : الخطوة الثالثة — التجريب

إنّ الباحث في مجال المنهج التجريبي يعتمد على التجريب في تأسيس النسق العلمي للمعرفة، أكثر من اعتماده على مجرّد ملاحظة وقائع العالَم المادّي ؛ فهو يزوّد العلم بالأساس الواقعي الّذي يُثبت أو ينفي وجهةَ نظر الباحث أو الفرضيةَ الّتي يعتمدها. وهو في تحديد المشتغلين بالبحث العلمي ملاحظةٌ مستثارة تتمّ تحت شروط معيّنة، تمكّن من استبعاد أكبر قدر من المؤثّرات الخارجية للحصول على نتيجة معلومة. ويقتضي من المجرِّب أن يقوم بتنويع عمله لتأكيد طابع الشمولية، ويُملي عليه التحلّي بالموضوعية في حكمه على نتائجها. وثمّة ميزة هامّة في التجريب، كونُه يتعلّق بضبط المقادير وتغيّرها كمّيا ؛ ولذلك يرى بعض الدارسين أنّ التجريب يرتبط باستخدام الرياضيات وأساليب القياس الكمّي، فالرياضيات هي أسلوب العصر وهي السبيل إلى اليقين الموضوعي.

1 ـ قواعد المنهج التجريبي : طرق «مل» الأربع

فضلا عن الخطوات الّتي يتّبعها الاستقراء — وهي الملاحظة، ووضع الفروض وتحقيقها بالتجريب لاستخلاص القوانين العامّة — فإنّ هناك طرقا أو قواعد اشترطها بعض المهتمّين بالمنهج، لتبرير وصول الاستقراء إلى تلك القوانين. وهي أربع طرق مشهورة تُعرف بطرق «مل»، وقد سبقه إليها «فرنسيس بيكون» في لوائحه المشهورة، وكانت عرضةً للنقد الشديد من الإبستيمولوجيين المحدثين:

  1. طريقة التلازم في الحضور : وتقوم على أساس التلازم بين العلّة والمعلول في الوجود ؛ فإذا وُجدت العلّة قام المعلول بالضرورة. فالمستقرئ حين يلاحظ أنّ الحالات المختلفة للظاهرة تشترك فيما بينها في شيء واحد، يستنتج أنّ هذا الشيء هو العلّة في حدوثها ؛ كالملاحظة المتكرّرة بأنّ الحرارة المرتفعة تسبّب غليان الماء وتبخّره.
  2. طريقة التلازم في الغياب : وتقوم على أساس التلازم بين العلّة والمعلول في عدم وجود الظاهرة ؛ بمعنى أنّه عندما ترتفع العلّة يختفي المعلول ولا يقوم له أثر، كالاستنتاج بأنّ انعدام وجود الهواء هو السبب في عدم سماع الأصوات، لأنّ وجود الهواء أصلا هو السبب في سماعها.
  3. طريقة التلازم في التغيّر : وتعني أنّ كلّ تغيّر يطرأ على العلّة لا بدّ أن يقابله تغيّر يطرأ على المعلول يُقدَّر كمّيا، نظرا إلى التلازم القائم بينهما ؛ كقولنا إنّ كلّ زيادة في الضغط على الغاز علّةٌ في تقليص حجمه، وكلّ نقص في الضغط عليه علّةٌ في ازدياد حجمه.
  4. طريقة البواقي : وتعني أنّ العلّة لشيء ما لا تكون في الوقت نفسه علّةً لشيء آخر مغاير للأوّل ؛ فلو لاحظنا معلولين مختلفين لعلّتين مجهولتين، وتوصّلنا إلى معرفة علّة أحد المعلولين، أمكن الاستنتاج بأنّ العلّة الباقية هي سبب المعلول الثاني.
حين يتعذّر التجريب

وكثيرا ما يتعرّض الباحث للخطأ في إجراء تجاربه لأسباب أبرزها قصورُ أدواته المستعملة، أو إغفالُ ناحية لها أهمّيتها في تعليل الظاهرة، وخاصّةً حينما يتدخّل في مجرى حدوثها أو يغيّر من ظروفها أو تركيبتها حتّى تظهر في أنسب صورة لدراستها. بل قد لا يتيسّر إجراء التجارب في كثير من الحالات: كحالة الفلكي الّذي يرصد أجرام الفضاء، والجيولوجي الّذي يتناول تكوين الطبقات الأرضية، والفيزيولوجي الّذي يدرس وظائف أعضاء الجسم، فضلا عن عالِم الإنسان. لذلك فإنّه — كما في خطوة الملاحظة — على المجرِّب أن يستعين بالآلات والأجهزة المعملية الّتي تزوّده بنسب ودلالات محدَّدة لتذليل هذه العوائق. ولاحِظ ما يترتّب على ذلك: أنّ «التجريب» في العلم أوسع من «التجربة» في المخبر ؛ فالفلكي لا يُشعل نجما ليرى ما يحدث، ولكنّه يظلّ مجرِّبا، لأنّه يُخضع فرضيته لِما ترصده أدواته.

إذا كانت الفرضية من إنشاء الخيال والحدس، أفلا يكون العلم ذاتيا في أصله ؟

هذا اعتراض يخلط بين مصدر الفكرة وقيمتها. نعم، منهج العلم مؤسَّس على تخمينات جريئة هي من إنشاء التخيّل المبدع، وقد يندفع الحلّ فجأةً أمام ذهن الباحث دون مقدّمات ؛ ولكنّ هذا كلّه يقع في لحظة الوضع، لا في لحظة الحكم. فالفرضية بتعبير «ماخ» تفسيرٌ مؤقّت بمعزل عن امتحان الوقائع، وما إن تُمتحَن حتّى تصير فرضا فاشلا يجب العدول عنه، أو قانونا يفسّر مجرى الظواهر. فالخيال إذن حرٌّ في أن يقترح ما شاء، ولكنّه لا يملك أن يُثبت شيئا ؛ ولهذا وُضعت للفرضية شروطُها الثلاثة: أن تبدأ من واقعة مشاهَدة، وأن تقبل التحقّق، وأن تخلو من التناقض. والشرط الثاني وحده كافٍ للجواب: تخمينٌ لا يمكن امتحانه ليس فرضيةً علمية مهما كان بارعا. فالذاتية تدخل من الباب — وهذا لا مفرّ منه ولا ضرر فيه — ولكنّها لا تجلس على كرسيّ الحُكم.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة استقصائية («هل الملاحظة أهمّ خطوات المنهج التجريبي ؟») أو في تحليل نصّ لأحد أعلام المنهج. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① الخطوات الثلاث مرتّبةً بأسمائها (الملاحظة · الفرضية · التجريب) مع وظيفة كلّ واحدة في جملة — والترتيب نفسه يُحتسب ؛ ② تعريف «ماخ» للفرضية بمرجعه، وشروط الفرضية الثلاثة ؛ ③ طرق «مل» الأربع بأسمائها ومثال واحد لكلّ طريقة. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : جعل الفرضية نتيجةً تلقائية للملاحظة ؛ والنصّ يقول العكس صراحةً — «أمّا العوامل الخارجية فليست إلاّ مجرّد فرص ومناسبات لوضع الفرضية، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون شروطا كافية للافتراض» — ومثالُ «نيوتن» هو حجّتك على ذلك. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين الملاحظة والتجريب ؛ فالتجريب ملاحظةٌ مستثارة تحت شروط معيّنة، والفرق بينهما هو تدخّل الباحث، لا مكانُ العمل.
نتيجة — يضبط العلمُ استقراءَه بمنهج ذي ثلاث خطوات. أوّلها الملاحظة، وهي غير المشاهدة العادية العرضية، إذ هي تركيزُ الانتباه لغرض البحث وإدراكٌ عقلي لأوجه الشبه والاختلاف ؛ وتكون بسيطة أو مسلَّحة، كيفية أو كمّية، وشرطُها الأناة والتجرّد من سوابق الأحكام والأهواء. وثانيتها الفرضية، وهي ظنٌّ أو تخمين نتقدّم به لتفسير واقعة أو لإيجاد علاقة بين وقائع، وهي عند «ماخ» تفسيرٌ مؤقّت ينقلب بعد الامتحان فرضا فاشلا أو قانونا ؛ ولا تنبثق من الوقائع وحدها بل يشارك فيها الخيال المبدع والحدس، ولذلك اشتُرط فيها أن تنطلق من واقعة مشاهَدة وأن تقبل التحقّق وأن تخلو من التناقض. وثالثتها التجريب، وهو ملاحظة مستثارة تحت شروط تستبعد المؤثّرات الخارجية، ويرتبط بالقياس الكمّي والرياضيات. وفوق هذه الخطوات وضع المهتمّون بالمنهج أربع طرق لتبرير الانتقال إلى القانون العامّ — التلازم في الحضور، وفي الغياب، وفي التغيّر، وطريقة البواقي. ⟸ ولكن، إذا كانت الملاحظة أوّل هذه الخطوات وأساسَها، فهل كلّ ملاحظة تصلح منطلقا للعلم ؟ وما الّذي يرفع الفرضية من مجرّد تخمين إلى قيمة معرفية حقيقية ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net