الإشكالية الأولى: في المشكلة والإشكالية › الاشكالية الفلسفية و المشكلة العلمية
خصائص الاشكالية الفلسفية
- ضبط تصوّر الإشكالية انطلاقا من التعاريف الّتي تقدّمها القواميس والفلاسفة
- بيان الخصائص الّتي تُعرَف بها الإشكالية الفلسفية: اتّساع الحدود، وانفتاح الحلّ، وإثارة القلق والتشوّش
- التمييز بين المشكلة والإشكالية تمييز الجزء من الكلّ، والتمثيل لذلك بقضية واحدة
- تعرّف أنواع السؤال الفلسفي الثلاثة، وردّ سؤال معروض إلى نوعه
- الفرق بين المشكلة والمعضلة والقضية والمسألة
- خصائص المشكلة العلمية، ومعنى أن تكون قضيةٌ ما «قابلة للحلّ»
- معنى التناقض في المنطق، وقاعدة أنّ الجمع بين المتناقضين مرفوض
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ المشكلة العلمية تطمئنّ إلى حَكَمٍ خارج صاحبها فتنتهي إلى مَخرَج. غير أنّنا نصادف في مجال آخر أسئلةً لا يكون لها جواب: وذلك عندما يتحوّل السؤال إلى مشكلة، أو بالأحرى إلى إشكالية، أي عندما تكون الإجابة معلّقةً أو تحتمل صدق وكذب الحالتين المتناقضتين معا. وهذا يعني أنّ الجواب إذا وُجد فإنّه يكون مثار استغراب، لأنّ الجمع بين المتناقضين قضية مرفوضة في قواعد المنطق. فما هي هذه الإشكالية الّتي يتحوّل إليها السؤال ؟ وهل هي لفظ آخر للمشكلة، أم قضية أخرى بخصائص أخرى ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لاحِظ معي هاتين المشكلتين: ـ هل التسامح يحتضن اللاتسامح ؟ ــ حيرةٌ: هل الشيء يحتضن نقيضه ؟ هل التسامح، باسم المسامحة، يقبل ما يسعى إلى نفيه، أي إلى نفي التسامح — مع العلم بأنّه لا معنى للتسامح إن تقيّد بشروط الرفض والتعصّب ؟ ـ هل الديمقراطية تتعايش مع اللاديمقراطية ؟ ــ وكذلك الأمر بالنسبة للديمقراطية، لأنّها تحتضن التنوّع، سواء كان هذا التنوّع اختلافا بسيطا أو اختلافا يصل إلى التضادّ. ولكن، ألا يكون هذا خطرا على الديمقراطية، بحيث ينتصر النقيض الأقوى على النقيض الآخر ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- كلّ طرف يستمدّ قوّته من تعريف الموضوع نفسه : من قال «نعم» استند إلى أنّ التسامح المشروط ليس تسامحا ؛ ومن قال «لا» استند إلى أنّ التسامح الّذي يُفني نفسه ليس تسامحا كذلك. فالخصمان لا يختلفان في الوقائع، بل كلاهما يقرأ التعريف نفسه إلى نهايته المنطقية، فيصلان إلى نتيجتين متعارضتين.
- لا يوجد حَكَمٌ خارج القضية : في مشكلة «توقّف الماء» كان الحَكَم هو التجربة، وكان الطرفان يعرفان مسبقا ما الّذي سيفصل بينهما. أمّا هنا فلا مخبر ولا قياس ؛ والقضية تُحاكَم بأدواتها هي، أي بالتحليل والحجاج، وهي أدوات تخدم الطرفين معا.
- النتيجة: الجواب يبقى معلّقا : لا لأنّ المتناقشين قصّروا، بل لأنّ القضية بُنيت على علاقة بين متقابلين. وهذا النوع من القضايا يثير قلقا نفسيا وتشوّشا منطقيا، والباحث فيه لا يقتنع بحلّ ولا بأطروحة ولا بجملة من الأطروحات، ويبقى مجال حلّه مفتوحا.
III – وإذا كانت المشكلة العلمية تنتهي إلى مَخرَج، فبأيّ الخصائص تُعرَف الإشكالية الفلسفية ؟
أولا : ما هي الإشكالية ؟
الإشكالية (La Problématique) هي على وجه العموم المسألة الّتي تثير نتائجُها الشكوك، وتحمل على الارتياب والمخاطرة. وهي في تركيبها اللغوي على صيغة «إفعالية» مثل إكمالية وإقطاعية وإعدادية: فمصدر الفعل «أشكلَ» هو «إشكال»، أُضيفت إليه ياء النسبة ليصبح «إشكالي»، ثمّ أُضيفت إلى هذه الصيغة الأخيرة تاء التأنيث لتصبح «إشكالية» ؛ وكلتا الصيغتين منسوبة إلى الإشكال، كمصدر أو كأصل يحتضن كلّ المشتقّات. وتجتمع لها في الاستعمال الفلسفي ثلاثة معانٍ:
- ما تثير نتائجُه الشكوك : فالإشكالية مسألة لا تُقلِق في طرحها فحسب، بل تُقلِق فيما تنتهي إليه ؛ إنّها تحمل صاحبها على الارتياب والمخاطرة، لا على الاطمئنان.
- جملة من المسائل : يرى بعض الفرنسيين أنّها أيضا جملة من المسائل الّتي يطرحها العالِم أو الفيلسوف طرحا يكون مقبولا بالنظر إلى وسائله وإلى موضوع انشغاله وتصوّره. فهي إذن ليست سؤالا واحدا، بل نَظْمٌ من الأسئلة يحكمه تصوّر صاحبه.
- وعلى وجه الخصوص : هي القضية الّتي يمكن فيها الإقرار بالإثبات أو بالنفي على حدّ سواء، أو تحتمل النفي والإثبات معا. وهذا المعنى الأخير هو الأدقّ، وهو الّذي يفسّر ما وقع في وضعية التسامح.
والإشكالية عند «لالاند» هي على وجه الخصوص سمةُ حُكمٍ أو قضيةٍ قد تكون صحيحة (ربّما تكون حقيقية)، لكنّ الّذي يتحدّث لا يؤكّدها صراحةً. ولاحِظ دقّة هذا التحديد: الإشكالية عنده ليست صفةً في الأشياء، بل صفةٌ في الحكم ؛ فما يجعل القضية إشكاليةً هو موقف القائل منها، أي أنّه يعرضها ممكنةً ولا يلتزم بها. A. Lalande, Vocabulaire technique et critique de la philosophie
ثانيا : الإشكالية لا ترادف المشكلة
- من حيث السعة : الإشكالية هي المعضلة الفلسفية الّتي تترامى حدودها وتتّسع أكثر، وتنضوي تحتها المشكلات الجزئية ؛ أمّا المشكلة، كما ترشد إلى ذلك الممارسة الفلسفية، فمجال بحثها في الفلسفة أقلّ اتّساعا من الإشكالية.
- من حيث الوظيفة في البناء : نضع على رأس كلّ قضية فلسفية أساسية سؤالا جوهريا يقوم مقام الإشكالية، ثمّ نفصّل هذا السؤال الجوهري إلى عدد من الأسئلة الجزئية تقوم مقام المشكلات. فالإشكالية بمثابة المظلّة المفتوحة الّتي تنضوي تحتها كلّ المشكلات الّتي تناسبها.
- من حيث الأثر في الباحث : الإشكالية قضية تثير قلقا نفسيا وتشوّشا منطقيا ؛ والباحث فيها لا يقتنع بحلّ ولا بأطروحة ولا بجملة من الأطروحات، ويبقى مجال حلّها مفتوحا.
- ومع ذلك فالأصل واحد : إذا كان مصدر اشتقاقهما واحدا، فإنّ الاستعمال المريح يفصل بينهما فصل الكلّ عن أجزائه. ولهذا يُقال: إذا حدّدنا موضوع الإشكالية عرفنا المشكلات الّتي تتبعها، كما تتبع الأجزاءُ الكلَّ الّذي يحتضنها.
عندما يكون عدد المشكلات في نفس القضية اثنين فما فوق، يصبح وجود الإشكالية أمرا شرعيا، لأنّ ذلك تقتضيه ضرورة منهجية ؛ وتكون هذه الإشكالية بمثابة المظلّة المفتوحة الّتي تنضوي تحتها كلّ المشكلات الّتي تناسبها. وكذلك الأمر بالنسبة للإشكاليات: فقد تجمعها على أساس نفس المبدأ إشكاليةٌ واحدة أوسع، نسمّيها إشكالية الإشكاليات أو أمّ الإشكاليات. فقد يجمع بابُ الأخلاق مشكلاتٍ تحت غطاء إشكالية واحدة ؛ وقد تجمع أمّ الإشكاليات عددا من الأبواب، كالأخلاق، والميتافيزيقا، وفلسفة العلوم، والمنطق.
أمّا الشكلانية (Le Problématisme) فهي نزعة سوقية، يستشكل أصحابها أتفه القضايا، ويستعظمون أبسط الأشياء، وينظرون إليها على أنّها أشياء مُشكِلة. ولقد شاعت في لغة الناس وكثير من أهل التعليم: فالتمرين عندهم إشكالية، والصعوبات المهنية إشكالية، وتأجيل الرحلة الجوّية إشكالية، وهكذا... وهي أيضا تعبير عن القلق الّذي يعيشه الناس في حياتهم اليومية. وقابِل بينها وبين الأشكلة (La Problématisation)، وهي تحويل قضيةٍ ما من مستوى صعوبتها المألوفة إلى مستوى الإحراج العقلي ؛ يقولون: مَشْكَلَ يمشكل، وأشكل يوشكل. فالأشكلة عملٌ منهجي يرفع القضية إلى مستوى الفلسفة، والشكلانية عادةٌ لفظية تُنزل الفلسفة إلى مستوى التمرين المؤجَّل.
ثالثا : خصائص الإشكالية الفلسفية
من هذه التحديدات نستطيع أن نجمع خصائص الإشكالية الفلسفية في أربع: أنّها محتضِنة لمختلف المشكلات، فهي كلٌّ وما دونها أجزاء ؛ وأنّها مفتوحة، أي أنّ مجال حلّها يبقى مفتوحا ولا يقتنع الباحث فيها بأطروحة ؛ وأنّها مقلِقة، تثير قلقا نفسيا وتشوّشا منطقيا وتحمل على الارتياب والمخاطرة ؛ وأنّها محتمِلة للنقيضين، إذ يمكن فيها الإقرار بالإثبات أو بالنفي على حدّ سواء. ولهذا نستعملها باعتبارها المعضلة الأساسية الّتي تحتاج إلى أكثر من علاج، والّتي تستوجب مقاربتُها أكثر من زاوية ؛ فهي بمثابة المصدر الّذي لا تنقضي عجائبه. وفي مقابل ذلك نستعمل المشكلة باعتبارها القضية الجزئية الّتي تساعد على الاقتراب من الإشكالية.
1 ـ أنواع السؤال الفلسفي الثلاثة
ولمّا كانت الإشكالية والمشكلة تجتمعان في السؤال الفلسفي على أنحاء مختلفة، لزم أن نميّز فيه ثلاثة أنواع، وأن نتعلّم كيف نردّ سؤالا معروضا إلى نوعه — فذلك أوّل ما يُطلب منك في المقالة:
- سؤال فلسفي يطرح إشكالية : وهو يستوعب مشكلتين على الأقلّ ؛ فالجواب عنه لا يتمّ إلاّ بالمرور على قضايا جزئية متعدّدة.
- سؤال فلسفي يطرح مشكلة : وهو يتضمّن أطروحة واحدة أو أكثر، أو تحليلا للقضية بشتّى الطرق — كما هو الشأن في هذا الدرس نفسه.
- سؤال فلسفي يطرح الإشكالية والمشكلة في آن واحد : وهو أصعبها ؛ تذوب فيه المشكلة في الإشكالية نظرا إلى درجة صعوبتها، في انتظار مبادرات المفكّرين ومحاولات الفلاسفة. ومثاله: «هل هناك ما يدعو إلى الحديث عن الثوابت المطلقة في عصر المتغيّرات ؟» — وهنا نتساءل: هل هناك من لا يؤمن بالتغيّر وهو يجترفنا ؟ وما معنى أن نحيا إذا كنّا غير منسجمين مع زماننا ومكاننا ؟
تزيد المفارقة تعقيدا عندما نطرح المأزق الّذي يقع فيه متحرّكٌ أخذ مسافة معيّنة أي (م) محدّدة، وقرّر أن يبدأ بقطع نصف المسافة (م)، ثمّ نصف النصف أي الربع، ثمّ الثمن ؛ وهكذا من غير أن يصل إلى نهاية. وهذا يعني أنّ المسافة المحدودة تحمل داخلها مسافات لامحدودة. ولاحِظ لماذا هذه إشكاليةٌ لا مشكلة: لأنّ الرياضيات تُقرّ اللانهائي حقيقةً لا يمكن رفضها، بينما اللانهائي في الفيزياء لا معنى له ما دامت الظواهر الطبيعية تستجيب لنظام الكون وتُفهَم في إطاره ؛ فالإثبات والنفي صادقان كلٌّ في مجاله، والقضية تنضوي تحتها مشكلاتٌ عدّة: مشكلة الحركة، ومشكلة المقدار، ومشكلة العلاقة بين الرياضي والفيزيائي. زينون (Zénon)، فيلسوف إغريقي، رأى الحياة بين 490 و485 قبل الميلاد وتوفّي نحو 430 قبل الميلاد ؛ كان ينكر حقيقة الحركة بحجج قصصية مثل «السهم الطائر» و«أخيل والسلحفاة»
إذا كانت الإشكالية لا تُحَلّ، فما جدوى طرحها ؟إذا كانت الإشكالية لا تُحَلّ، فما جدوى طرحها ؟
لأنّ «لا تُحَلّ» لا تعني «لا تُفيد». الإشكالية تعمل عملا آخر غير عمل المشكلة: هي لا تعطيك جوابا، بل تعطيك مجالا — تحدّد لك أيّ المشكلات الجزئية تستحقّ أن تُطرَح، وأيّها خارج الموضوع. وإذا حدّدنا موضوع الإشكالية عرفنا المشكلات الّتي تتبعها، كما تتبع الأجزاءُ الكلَّ الّذي يحتضنها. وفي هذا ردٌّ على من يظنّ أنّ الفلسفة كلام لا ينتهي: فالّذي لا ينتهي هو الجواب، أمّا العمل فينتهي كلّ مرّة إلى مكسب — تعريفٌ ضُبِط، وتقابلٌ فُهم، وحجّةٌ اختُبرت. ولهذا كانت الإشكالية «المصدر الّذي لا تنقضي عجائبه»: لا لأنّها عقيمة، بل لأنّها ولود.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net