الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الأولى: في المشكلة والإشكالية الاشكالية الفلسفية و المشكلة العلمية

الفلسفة و العلم — من حيث المنهج

🔊 المعلّمة تقرأ لك
في حصّة العلوم قال لك الأستاذ: «لا تصدّق ما أقول، أعِد التجربة.» فأعدتَها، فصدّقتَ. وفي حصّة الفلسفة قلتَ إنّ العدل خير من الظلم، فسألك: «وكيف تُثبت ذلك ؟» فهممتَ أن تقول «بالتجربة»، ثمّ أدركتَ أنّه لا يوجد مخبرٌ يُوزَن فيه العدل، ولا ميزانٌ يُقاس به الخير. ومع ذلك لم تتراجع عن قولك، ولم تُعدّه رأيا بلا سند. فبأيّ شيء إذن تُثبت في الفلسفة ما لا يُثبَت بالتجربة ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد المنهج الّذي يُعالَج به السؤال العلمي، وبيان الإجراءات الّتي يقوم عليها
  • تحديد المنهج الّذي يُعالَج به السؤال الفلسفي، وتمييز الاستنباط العقلي من منطق الخرافة والاعتقاد الجامد
  • ربط اختلاف المنهج بطبيعة الموضوع، لا بذوق الباحث ولا بصعوبة السؤال
  • بيان ما يترتّب على اختلاف المنهج في طبيعة النتيجة وفي نهاية البحث
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • الفرق بين موضوع العلم وموضوع الفلسفة: المحسوس الجزئي وما وراء الحسّيات
  • معنى الفرض وشرط اختباره، ومعنى المشاهدة والتجربة
  • معنى الاستنباط، والفرق بين المقدّمات والنتائج في استدلال
إذا كان موضوع العلم غير موضوع الفلسفة، أفيمكن أن يُعالَج الاثنان بالطريقة نفسها ؟ وبأيّ منهج تُحَلّ الأمور المستعصية في مجال العلم ؟ وبأيّ منهج تُعالَج في مجال الفلسفة ما دام المخبر لا يفصل فيها ؟ ثمّ ما الّذي يترتّب على هذا الاختلاف في المنهج: أهو اختلافٌ في الطريق وحده، أم في طبيعة النتيجة الّتي ننتهي إليها ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهينا إلى أنّ موضوع السؤال العلمي هو المحسوسات في زواياها الجزئية، وأنّ موضوع السؤال الفلسفي هو ما يتجاوز الحسّيات نحو العقليات. وليس المنهج شيئا يُختار على الهوى، بل هو تابعٌ لطبيعة الموضوع: فما يُرى ويُقاس يُطلَب فيه ما يُرى ويُقاس، وما لا يقع تحت الحسّ لا يُطلَب فيه دليلٌ حسّي، وإلاّ طالبنا الميزان بأن يزن ما لم يُصنع لوزنه. ومن هنا يصير السؤال عن المنهج تتمّةً ضرورية للسؤال عن الموضوع: فما منهج العلم، وما منهج الفلسفة، وهل يبلغ الاثنان نهايةً واحدة ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية : سؤالان، وطلبُ الدليل في كلٍّ منهما

طُلب من تلميذين أن يُثبتا ما يقولان. ـ قال الأوّل: «الماء مركّب لا بسيط.» فطُلب منه الدليل، فرجع إلى ما اكتسبه في الدروس والمخابر الكيميائية، ثمّ عرض تجربةً يعيدها كلّ من شاء، فسكت الخصم. ـ وقال الثاني: «التسامح لا معنى له إن تقيّد بشروط الرفض والتعصّب.» فطُلب منه الدليل. فلم يجد مخبرا يرجع إليه، ولا قياسا يستشهد به ؛ فعمد إلى شيء آخر: ضبط معنى التسامح، ثمّ أخرج من هذا المعنى ما يلزم عنه، فبيّن أنّ التسامح المشروط يناقض نفسه. الاثنان قدّما دليلا، والاثنان أقنعا. غير أنّ الأوّل احتكم إلى شيء خارج ذهنه، والثاني احتكم إلى ما يلزم عن المعنى نفسه.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. المنهج يتبع الموضوع، لا العكس : لم يختر الأوّل التجربة لأنّها أوثق، بل لأنّ موضوعه ممّا يخضع للحواسّ فأمكن عرضه عليها ؛ ولم يترك الثاني التجربة تكاسلا، بل لأنّ موضوعه ليس ممّا يقع تحت الحسّ. فمن اتّهم الفلسفة بأنّها لا تُجرّب، كمن اتّهم الحسابَ بأنّه لا يُشَمّ.
  2. كلاهما التزم بقاعدة، وهذا هو المنهج : الأوّل التزم بأن يكون دليله قابلا للإعادة من طرف غيره ؛ والثاني التزم بأن يستخرج نتيجته من مقدّمة مضبوطة استخراجا لا يتخلّله تناقض. والمنهج في الحالين ليس حرّية في القول، بل قيدٌ يقبله الباحث على نفسه.
  3. وما يفترقان فيه هو جهة الحَكَم : الأوّل احتكم إلى التجربة الحسّية أو إلى جامع الحقائق العلمية، أي إلى مرجع خارج المتناقشين ؛ والثاني احتكم إلى منطق العقل ولوازم المعاني، أي إلى مرجع داخل الخطاب نفسه. ومن هنا اختلف مصير البحث في المجالين.

V – وإذا كان الموضوعان مختلفين، فبأيّ منهج يشتغل كلٌّ من العلم والفلسفة ؟

أولا : منهج العلم

أمّا الأمور المستعصية في مجال العلم، فتُحَلّ بالتجريب وما يقتضيه من اختبار الفروض المحتمَلة وحسابات رياضية مناسبة. فطبيعة الموضوعات الّتي يُعنى بها السؤال العلمي هي طبيعة حسّية، يتيسّر علاجُها باصطناع المنهج العلمي الّذي يقوم على المشاهدة والتجربة ؛ والعالِم يطمئنّ إلى الحلّ الّذي يستفتي فيه التجربة الحسّية وحدها، أو يستفتي فيه جامع الحقائق العلمية. ومن هذا التحديد نستخرج إجراءات المنهج العلمي:

  1. المشاهدة : وهي مدخل المنهج، إذ لا يشتغل العالِم على ما لا يظهر ؛ وقد رأينا كيف كانت ملاحظة سقّائي «فلورنسا» هي أصل المشكلة كلّها.
  2. اختبار الفروض المحتمَلة : فالفرض ليس رأيا يُدافَع عنه، بل احتمالٌ يُعرَض للاختبار ؛ ولفظ «المحتمَلة» يعني أنّ الفروض تُوضَع جمعا ثمّ يُبقي الاختبارُ منها ما صمد.
  3. التجريب : وهو الإجراء الّذي يفصل ؛ وبه انتقل «تورشلي» من فكرة شائعة إلى حقيقة مُرساة.
  4. الحسابات الرياضية المناسبة : وهي ما يحوّل المشاهدة إلى مقدار يمكن التداول فيه ؛ ولولا أنّ ارتفاع الماء قُدّر بـ10.33 أمتار لَما كان في الملاحظة ما يُناقَش.
  5. الاحتكام إلى جامع الحقائق العلمية : فليس العالِم مبتدئا من الصفر في كلّ مرّة ؛ وله أن يطمئنّ إلى ما ثبت قبله ما دام قد ثبت بالإجراء نفسه.
المنهج العلمي في عمله

لقد حتّم الموقفُ على «تورشلي» دراسة الظاهرة المشاهَدة وتفسير طبيعتها، فأُثبت أنّ وجود قوّة الضغط الجوّي هو السبب في تحديد ارتفاع الماء في الأنبوب ؛ فكلّما كان الضغط أقوى كان الارتفاع أعلى. اقرأ العبارة على أنّها منهج مختصر: مشاهدة (الماء يقف عند حدّ) ثمّ فرض (الضغط الجوّي هو السبب) ثمّ إثبات (أُثبت) ثمّ صياغة العلاقة في صورة قابلة للقياس (كلّما... كان...). وهذه الصياغة الأخيرة هي ما يجعل النتيجة قابلة لأن يعيدها غيره ويكذّبها إن أخطأ.

ثانيا : منهج الفلسفة

  1. الإجابة ليست بديهية : أمّا السؤال الفلسفي فإنّ الإجابة عنه ليست بديهية، وذلك نظرا إلى القلق الّذي يثيره في الباحث. فأوّل ما يميّز المنهج الفلسفي أنّه لا يبدأ من يقين مطمئنّ، بل من قلقٍ يجب أن يُحوَّل إلى عمل.
  2. الحكمة : ولذلك اقتضى ضرورة استعمال الحكمة ؛ والحكمة هنا ليست موعظة، بل وضعُ كلّ قول في موضعه وتقديرُ الرتب بين المسائل — وهي أشدّ ما يحتاجه من يبحث في ما لا يفصل فيه قياس.
  3. مناهج الاستنباط العقلي : وهي أدواته الّتي تقوم مقام التجربة عند العالِم: ضبطُ المعنى، ثمّ استخراجُ ما يلزم عنه، ثمّ اختبارُ ذلك بقاعدة عدم التناقض. وبها بيّن التلميذُ في وضعيتنا أنّ التسامح المشروط يناقض نفسه.
  4. منطق العقل والحكمة لا منطق الخرافة : فهو يخاطب فيه منطق العقل والحكمة، لا منطق الخرافة والاعتقاد الجامد. وهذا القيد هو الّذي يمنع أن يكون كلّ كلام في المجرّدات فلسفةً: فالخرافة أيضا تتكلّم فيما وراء الطبيعة، ولكنّها لا تقبل أن تُساءَل.
الشرط الّذي يفصل الفلسفة عمّا يشبهها

«فهو يخاطب فيه منطق العقل والحكمة، لا منطق الخرافة والاعتقاد الجامد.» ولاحِظ أنّ هذا الشرط منهجيٌّ خالص: الخرافة والفلسفة قد تتكلّمان في الموضوع نفسه — أصلِ الوجود، ومصيرِ الإنسان، وطبيعةِ الأشياء — فلا يفصل بينهما الموضوع. الّذي يفصل بينهما هو أنّ الأولى تطلب التسليم، والثانية تطلب الدليل وتقبل أن يُنقَض دليلُها. ولهذا كان الاعتقاد الجامد مذكورا إلى جانب الخرافة: ليس الجمود في المعتقَد، بل في رفض المساءلة.

لماذا لا يصلح منهج أحدهما في مجال الآخر

لو طلبنا من الفيلسوف تجربةً تُثبت أنّ للوجود أصلا أوّل، لَطلبنا منه أن يعرض على الحسّ ما ليس من جنس الحسّ ؛ ولو طلبنا من العالِم أن يُثبت بالاستنباط العقلي وحده أنّ الماء يقف عند 10.33 أمتار، لَطلبنا منه أن يستخرج من المعاني ما لا يُعرَف إلاّ بالقياس. فالخطأ في المنهج ليس خطأً في الاجتهاد، بل خطأٌ في تعيين الحَكَم: أن نحتكم في قضية إلى جهة لم تُصنَع للفصل فيها. ولهذا كان أوّل عمل تقوم به في أيّ موضوع أن تسأل: إلى أيّ مجال ينتمي هذا السؤال ؟ فالجواب عن هذا يعيّن لك أدواتك كلّها.

ثالثا : ما يترتّب على اختلاف المنهج — طبيعة النتيجة ونهاية البحث

وإذا كان الناس يقولون لكلّ سؤال جواب ولكلّ مشكلة حلّ، فهل في الفلسفة — وبوجه أخصّ في هذا النوع من الأطروحات — يصل البحث إلى نهايته ؟ أجل ! إنّه يصل ولا يصل: يصل من حيث إنّ لكلّ بداية نهايةً، أي لكلّ منطلَق فكري نهايةٌ يصل إليها ؛ ولكنّ النهاية هنا ليست نهايةً مطلقة كما هو الشأن في العلم مثلا.

1 ـ صور النهاية في البحث الفلسفي

فالنهاية في الفلسفة ليست نهايةً مبدئية تستجيب لمنطق التفكير وقواعده وحدها، وإنّما تأخذ صورا ثلاثا تُقاس بها قيمة المقالة الّتي تكتبها أنت أيضا:

  1. علامةُ توافُقٍ بين المقدّمات والنتائج : فقد تكون النهاية بمجرّد علامة لتوافق المقدّمات مع النتائج ؛ أي أنّ البحث ينتهي حين يثبت أنّ ما قلتَه آخِرا يلزم عمّا قلتَه أوّلا.
  2. إجابة مقنعة عن مشكلة ضمن إشكالية عامّة : وقد تكون بمجرّد إجابة مقنعة عن مشكلة ما ضمن إشكالية عامّة ؛ فالمنتهى جزئي، والإشكالية الّتي تحتضنه تبقى.
  3. إجابة إقناعية أو مفتوحة : وقد تكون في طابعها الإقناعي إجابةً يختلف الناس في الأخذ بها، أو إجابةً مفتوحة على قضايا فكرية أخرى تشكّل مباحث متواصلة، ونطاقا يحتاج إلى اهتمامات مستمرّة.
حلولٌ مجتمعة لا تُخرِج من الإشكالية

وأغربُ ما في الأمر هو أنّ هذه الحلول الّتي يصل إليها الفلاسفة للمشكلات المطروحة ضمن الإشكالية، لا توفّر لهم — وهي مجتمعة — سبلَ الخروج النهائي من الإشكالية. وليس من المبالغة القول بأنّ الاستشكال الفلسفي الحقيقي ليس في طرح الأسئلة المُشكِلة ومحاولة حلّها، أو على الأقلّ فهمِ حلولها، بقدر ما هو في التساؤل المستمرّ وتأمّل الأسئلة الإشكالية. ولا تقرأ في هذا إقرارا بالعجز: إنّ الانفعال الّذي يثيره السؤال الفلسفي، إحراجا كان أو دهشةً، يتحدّى عقولنا ويحرّك مشاعرنا ويحفّز فضولنا نحو كشف الحقيقة ومصارعة الجهل ؛ وهذه المهمّة اللانهائية نضالٌ مستمرّ، ما دام الإنسان كائنا عاقلا لا تنقطع فضوليته عن السؤال.

إذا كانت الفلسفة لا تنتهي إلى نتيجة مطلقة، فبمَ تُصحَّح مقالتي إذن ؟

هذا سؤال عملي، وجوابه في الصور الثلاث نفسها. أنت لا تُصحَّح على أن تكون قد «وجدت الحقيقة»، بل على أن تكون قد أدرتَ بحثا صحيحا: أن تكون مقدّماتك مضبوطة، وأن تكون نتيجتك لازمةً عنها، وأن يكون موقفك مقنعا بحجّة لا بدعوى. ومعنى ذلك أنّ غياب النتيجة المطلقة لا يفتح الباب لأيّ قول: القيد أشدّ، لا أخفّ. ففي العلم تكفيك التجربة لتُسكت خصمك، أمّا هنا فعليك أن تبني كلّ خطوة بحيث تصمد أمام من يعترض. ولهذا كانت النهاية «علامةً لتوافق المقدّمات مع النتائج»: هي علامة على أنّ الطريق سُلك على وجهه، وهذا هو المطلوب منك في البكالوريا، لا أن تُنهي إشكاليةً عمرها ألفا سنة في ساعتين.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة مقارنة («قارن بين العلم والفلسفة من حيث المنهج») أو مقالة جدلية («هل يمكن إخضاع المسائل الفلسفية للمنهج التجريبي ؟»). احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① إجراءات المنهج العلمي بألفاظها (المشاهدة · اختبار الفروض المحتمَلة · التجريب · الحسابات الرياضية المناسبة) ؛ ② أدوات المنهج الفلسفي بألفاظها (الحكمة · مناهج الاستنباط العقلي · منطق العقل لا منطق الخرافة والاعتقاد الجامد) ؛ ③ صور النهاية الثلاث في البحث الفلسفي، فهي ما يُميّز إجابتك عن إجابة من يقول «الفلسفة لا تنتهي». ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : جعل المنهج التجريبي أرقى من المنهج العقلي ثمّ الانتهاء إلى أنّ الفلسفة ناقصة ؛ والصحيح أنّ المنهج تابعٌ للموضوع، فلا يُفاضَل بينهما إلاّ داخل المجال الواحد. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين «لا نهاية مطلقة» و«لا نتيجة» ؛ فالمقالة الّتي لا تنتهي إلى موقف مؤسَّس تسقط، مهما حسُن عرضها.
نتيجة — المنهج تابعٌ للموضوع، ولذلك اختلف المنهجان باختلاف المجالين. ففي العلم تُحَلّ الأمور المستعصية بالتجريب وما يقتضيه من اختبار الفروض المحتمَلة وحسابات رياضية مناسبة، على أساس منهج يقوم على المشاهدة والتجربة، ويطمئنّ صاحبه إلى ما تشهد به التجربة الحسّية أو جامع الحقائق العلمية. وفي الفلسفة، حيث الإجابة ليست بديهية لِما تثيره من قلق، لزم استعمال الحكمة ومناهج الاستنباط العقلي، ومخاطبةُ منطق العقل والحكمة لا منطق الخرافة والاعتقاد الجامد. ويترتّب على ذلك اختلافٌ في طبيعة النهاية: فالبحث الفلسفي يصل ولا يصل — يصل لأنّ لكلّ منطلَق نهايةً، ولا يصل لأنّها ليست نهايةً مطلقة كما في العلم، بل علامةُ توافقٍ بين المقدّمات والنتائج، أو إجابةٌ مقنعة عن مشكلة ضمن إشكالية عامّة، أو إجابةٌ مفتوحة على مباحث متواصلة. وهكذا يتبيّن أنّ السؤال الّذي انطلقنا منه — هل لكلّ سؤال جواب ؟ — لا يُجاب عنه بنعم ولا بلا، بل بتحديد المجال: فلكلّ سؤال جوابٌ من جنس مجاله، وبالمنهج الّذي صُنع للفصل فيه.

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net