الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس الشعور بالأنا والشعور بالغير

معرفة الأنا بين الشعور والمغايرة

🔊 المعلّمة تقرأ لك
في مباراة الحيّ، لا تعرف أنّك بارع في المراوغة إلاّ حين يقف أمامك مدافع يصدّك ؛ وفي القسم، لا يُقال عنك «الأهدأ» إلاّ لأنّ غيرك أكثر صخبا. كأنّك لا تتميّز إلاّ بمن ليس أنت. فهل يكفي أن أكون مختلفا عن الآخرين حتى أكون أنا ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • شرح الموقف العقلاني الذي يجعل معرفة الذات قائمة على المقابلة والمغايرة، والتمثيل له
  • تحليل أطروحة «هيجل» في تأسيس الوعي بالذات على التناقض، من خلال جدلية السيّد والعبد
  • التمييز بين المغايرة والتناقض، وعرض الاعتراضات الموجّهة إلى التفسير بهما
  • توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها ومرجعها في الإجابة عن سؤال: هل يكفي أن أكون مغايرا للآخرين حتى أكون أنا ؟
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مفاهيم الأنا والذات والغير، وتحديد الغير بالسلب بوصفه «اللاأنا»
  • التصوّر الذي يجعل الوعي مؤسِّسا للذات، والاعتراضات الموجّهة إليه
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
هل شعور ذاتي بذاتها متوقّف على معرفة الغير ؟ وهل يكفي أن أكون مغايرا للآخرين حتى أكون أنا ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تجد مقدّمة هذه المشكلة، ومدخلها (وضعيّتان مشكلتان: «الحكم بالمماثلة» و«الطريق إلى معرفة الذات») وتحليلهما، في درس «ضبط المفاهيم والتصورات»، أوّل دروس محور «الشعور بالأنا والشعور بالغير».

اقرأ المقدّمة من جديد

الإنسان كائن مدنيّ بالطبيعة، يعيش مع غيره من الناس في تفاعل وتكامل، وفي تنافر وتجاذب. وفي حركته هاته يحصل له إدراك ذاته، ويتميّز بها في الوقت نفسه عنهم. وهذا الوضع المتميّز بالحركية والتغيّر يدفعنا إلى محاولة بحثه من خلال طرح المشكلة الآتية: هل شعور الإنسان بذاته متوقّف على معرفته لغيره ؟ وهل يكفي أن يكون مغايرا للآخرين حتى يكون هو ؟

I – مدخل إلى المشكلة : طرح وضعيات مشكلة وتحليلها

أولا : الحكم بالمماثلة

الوضعية المشكلة الأولى

واجهتَ مشهدا من مشاهد الحياة اليومية: أمامك امرأةٌ دموعها تسيل، تُصدر ألفاظا غير مفهومة تشبه كلّ الأصوات، وحركات جسمها يبدو عليها الاضطراب. فما عساك أن تقول إن كان لا بدّ لك من إصدار حكم ؟ هل تبكي هذه المرأة بكاء الحزن ؟ أم بكاء الفرح ؟ أم ماذا ؟ من الاحتمالات الواردة في هذه الوضعية: ـ قد تبكي لأنّها حزينة فعلا، والحزن انفعال لا تتحكّم معه في لغتها ولا في حركات جسمها ؛ ـ قد تبكي من شدّة الفرح، والفرح انفعال أيضا يغيب فيه ـ لفترة ـ الوعي والإرادة ؛ ـ قد تدمع عيناها لأنّها ممثّلة يفرض عليها دورها أن تمثّل الحزن والكآبة ؛ ـ أو لأنّها ممثّلة يفرض عليها دورها أن تمثّل الفرح الشديد ؛ ـ قد تدمع عيناها استجابةً لمنبّه، كما تصنع بعضهنّ عند حضور جنازة، بصورة اندفاعية وآلية ؛ ـ وقد تسيل دموعها لالتهاب مزمن في مدمعها.

  1. حكمٌ بالمماثلة : حكمك على هذه المرأة ليس بعيدا أن يكون ثمرةَ المماثلة بينك وبينها ؛ فأنت، في أحد هذه الاحتمالات أو فيها كلّها، يكون سلوكك مماثلا لسلوكها. ومعرفتنا بالغير تقوم عادة على تفسير مظهره الجسمي وسلوكاته، أقوالا وأفعالا: فهي حاصل استدلال تماثلي، نستنتج به أنّ الغير حين يصدر عنه موقف ما يشعر بالحالة النفسية نفسها التي نحسّ بها حين يكون لنا الموقف نفسه.
  2. ثلاثة احتمالات للتواصل مع الغير : «التآثر» معا، أي التشارك الفعلي في ألم أو فرح كما في هذه الوضعية ؛ أو مقاسمة الغير انفعاله مع اعتباره انفعالا لهذا الغير، بحضوره أو بالتفكير فيه قصدا ؛ أو التفهّم الانفعالي الذي لا يقتضي الاتّحاد، وهو أن تتفهّم فقط هذا الشخص الذي يعاني محنة أو ينتابه انفعال الفرح.
  3. أأنت المقياس الفصل ؟ : قد لا تستجيب بالضحك لنكتة يضحك لها غيرك، وقد لا تبكي لما يبكي له. فطبعك وثقافتك وتجربتك تتدخّل في حكمك، ولذلك لا تصيب دائما في أحكامك على الغير، حتى حين يكون المحكوم عليه من ثقافتك نفسها وقد مرّ بتجربتك نفسها ؛ بل إنّ طريقة التحية نفسها تختلف حسب المكان والزمان والحضارة والتربية، إلى حدّ التناقض والتنافر. فهذا الاستدلال التماثلي قد يخدعنا.
  4. السؤال المعلّق : وإذا فشلنا في معرفة غيرنا، فهل نعرف في مقابل ذلك أنفسنا ؟ هل أعرف ذاتي وأشعر بها كذات مغايرة لذوات الآخرين ؟ فقبل الحكم على الغير، من المنطقي أن أكون عارفا بذاتي أو شاعرا بها.

ثانيا : الطريق إلى معرفة الذات

الوضعية المشكلة الثانية

لو سُئلتَ: «من أنت ؟»، فقد تجيب: ـ أنا فلان ؛ ـ أو أنا فلان بن فلان بن علان… بن «فاطمة الزهراء» بنت النبيّ محمد (ص) ؛ ـ أو أنا من اكتشف الدورة الدموية الصغرى ؛ ـ أو، في أثناء حديثك: أنا لعبت الدور السينمائي الفلاني، أو أنا توسّطت للإصلاح بين هذا وذاك. ولو سُئلتَ وأنت واقف أمام المرآة: «ما ترى ؟»، فقد تجيب: أرى وجهي (أو رأسي)، أو أرى روحي (أو نفسي، أو «عمري» بالعامّية).

  1. أجوبة لا تبلغ الذات : الجواب بـ«فلان» يحدّد الاسم في البيت والعائلة أو في سياق وضعية اجتماعية ما ؛ وسلسلة الأسماء تحدّد الأصل العائلي والانتساب إلى البيت الشريف ؛ والجواب الثالث يقصد المكانة العلمية في تخصّص من التخصّصات. ولكنّ هذه الإجابات كلّها لا تحمل إشارة إلى «أنا» المتكلّم كذات شاعرة، ولا كحقيقة جوهرية فردية تميّزه.
  2. أنا جسمي ؟ أنا طبعي ؟ أنا شخص ؟ : «أنا جزائري» جواب فضفاض ؛ و«أنا هو جسمي» يطرح سؤالا: هل جسمي هو أنا أم هو لي ؟ و«أنا هذا الطبع» قد يُقبل، ولكن هل طبعي هو أنا ؟ أمّا تعريفي بأنّي شخص فيرتقي بي نحو معرفة الذات، لأنّه اعتراف بالقيمة العالمية للهوية الموجودة في كلّ واحد منّا ؛ فالشخص فاعل أخلاقي يملك كرامة في ذاته لا تملكها الأشياء التي لها سعر. ولكنّ هذا لا يعرّفني بمن أنا كشعور: إنّه يمكّنني فقط من الحقوق والواجبات.
  3. من المرآة إلى الشعور : رؤية «الوجه» أمام المرآة تعبير عن الذات السطحية التي لا تتغلغل في أعماقها. ورؤية «الروح» تحتمل أن تكون كلّ ما تُظهره المرآة من جسمك، أو كلّ ما يريد الغير أو المجتمع أن يراك عليه، أو بعض ما يعبّر عن وجود أناك ؛ وفي هذا الاحتمال الثالث تتخطّى النطاق المادّي والفيزيولوجي والاجتماعي لتقف على ذاتك في مقرّها السيكولوجي. ومن هنا تبدأ معرفة الأنا بالشعور.
  4. الأنا شعور الذات بذاتها : إذا كان الشعور بالبرد ظاهرة فيزيولوجية، فإنّ الشعور بالإحساس الداخلي كالهدوء والعاطفة والإيمان ظاهرة نفسية ؛ والشعور بما يجري في العالم الباطني شعور تلقائي خاصّ وحميمي. فالأنا هو شعور الذات بذاتها، والكائن الشاعر بذاته هو من يعرف أنّه موجود، ويدرك ذاته بذاته من خلال حدس يسمح له ببناء تمثّل ذهني عنها. ومن الصعب هنا فصل الشعور بالذات عن معرفتها: فلكي نعرف ذواتنا لا بدّ أن نكون موجودين، ولكي نكون موجودين لا بدّ من الشعور بالذات ؛ وهذا الشعور يجسّده بعضهم بالتفكير أمثال «ديكارت» ⁦(1596–1650)⁩، أو بالحدس أمثال «برغسون» ⁦(1859–1941)⁩. وبعد هذا المدخل نشعر بالحاجة إلى ضبط بعض المفاهيم الأساسية التي استعملناها، وإلى تحديد الوعي الذي يتولّى تشكيل الذات.
افتح الدرس: ضبط المفاهيم والتصورات

وقد تبيّن أنّ الوعي، وإن كان شرط كلّ معرفة، لا يكفي وحده لمعرفة الذات، وأنّ إدراك الهوية الذاتية يحصل بالغير الذي يقابلنا ويحكم علينا. لكن، كيف تتحدّد هذه المعرفة في نظر الفلاسفة ؟ إذا كان وعيي بذاتي يتوقّف على معرفة الغير، فأنا أيضا ذلك الغير الذي تتوقّف معرفته لذاته على إدراكه لي كمغاير لأناه. فهل يكفي أن أكون مغايرا له حتى أكون أنا ؟ إنّ الأنا لا يكون أنا إلاّ إذا كان حاضرا إزاء ذاته وفي علاقة مباشرة معها، وهنا يصبح الغير أنا آخر غيري، أي أنا خارجا عنّي. فهل يستطيع هذا الأنا العارف لذاته مباشرة أن يتعرّف على الأنا الآخر ؟ ألا يتحوّل هذا الأنا الآخر إلى موضوع مثل بقية الموضوعات، وشيء مثل بقية الأشياء، فيفقد كلّ مقوّماته كإنسان ؟

III – معرفة الذات بين المغايرة والتناقض

أولا : معرفة الذات تتوقّف على التقابل والمغايرة

تقوم كلّ معرفة على فعل الفكر المتّجه نحو موضوع، مهما كانت طبيعته ؛ وهذا الفعل القائم على التحليل والفحص والتركيب والاستدلال يتضمّن في جميع الأحوال تقابلا مع الذات: فالموضوع منفصل عنها، ومعناه متباين معها، وهذا يعمّق تمايز الذات عن غيرها. إنّ الذات تتعرّف على نفسها مباشرة بوعيها المتمتّع بالإرادة والقصد والحرّية والفعالية، كما أنّها تتجلّى لنفسها فرديةً مميَّزة عندما تقابل الآخر وتتبلور في وجود خاصّ ؛ ومثل هذه المعرفة تقتضي وجود الآخر، والوعي به، والاعتراف به. هذا الطرح القائم على المقابلة والمغايرة بين الذات والغير قال به الفلاسفة العقلانيون، ويتمثّل عندهم أساسا في أنّ الإنسان يستطيع بعقله (أو فكره) أن يعزل الموضوعات والأشياء والأشخاص، وأن يتناولها بالفحص والنظر والتدقيق، لينتهي بعد هذا الفعل التحليلي إلى تمييزها بعضها عن بعض من خلال كيفياتها، فيحقّق لها بذلك هويتها المميِّزة لها. ومن ذلك أنّ العالِم المحلّل في مخبره يتناول المواد بالبحث، فيحدّد عناصرها ومكوّناتها ويضبطها في نسب دالّة عليها، فيحصل له تميّزها واختلافها، وتتحدّد له من ثمّة هويتها. ومن الأمثلة كذلك أنّنا نستطيع بالعقل، وبمجرّد سماعنا أصواتا تصدر من وراء الجدار الذي أمامنا، أن ندرك أنّها لمتمدرسين أثناء الاستراحة، أو أن نستنتج من تصفيرات الأنصار داخل الملعب أنّ فريقهم منهزم.

ديكارت وبركلي

قال بهذا الفيلسوف الفرنسي «روني ديكارت»، وكذا الفيلسوف الإيرلنديّ «بركلي» ⁦(1685–1753)⁩. وقد اعتمد الرجلان في بيان موقفهما على فكرة المقارنة: فبالفكر نتمكّن، كما يقولان، من عزل الكائنات من أجل التفكير والنظر فيها منفصلة الواحدة عن الأخرى ؛ وهذا الفعل الذي نقوم به تصاحبه معانٍ في عقولنا، والعقل عند مقارنته بين الكيفيات (كيفيات أفعالنا وأفعال الغير مثلا) يلاحظ أنّ بينها مشابه وأمورا مشتركة، كما يراها أشياء خارجة عن شعوره، وبُعدها يهبها معانيها. وعلى هذا النحو تحصل لهذه الكيفيات مدلولاتها، ويحصل الإحساس بالتماثل بيننا وبين الآخر.

وعلى هذا، فوجود الآخر والشعور به والاتّصال معه، كلّ ذلك يتوقّف على ما تقوم به الذات الفردية (أي الأنا) من أفعال باتّجاهه ؛ وهذه الذات تتعرّف على العالم وعلى الغير بالعقل، وعن هذا العقل يصبح إدراك الآخر ووجوده متوقّفين على فعليه: المقابلة والمغايرة. هكذا يتّضح أنّ معرفة الآخر والاتّصال به يتمّان بالعقل، وأنّ المقارنة التي يقوم بها هي التي وراء تحديد كيفيات الأشياء والأشخاص.

ثانيا : معرفة الذات تتأسّس على التناقض

وفي سياق علاقة الشعور بالغير، يعتبر «هيجل» ⁦(1770–1831)⁩ وجود الآخر ضروريا لوجود الوعي بالذات ؛ فالأنا لا يكون أنا إلاّ بالعلاقة مع الغير، الذي هو في الوقت نفسه مكوِّن له وفاعل، وليس مجرّد وجود جائز. فعن طريقه المقابل لي أتعرّف على أناي، وهذا الأنا الذي هو أناي ليس له من معنى إلاّ لأنّه ليس الآخر ؛ وكلّ معرفة لذاتها تتطلّب الاعتراف بها من طرف الآخر.

هيجل — جدلية السيّد والعبد

إنّ إدراك الآخر يتحدّد من خلال الاتّصال به، وهو اتّصال تمثّله العلاقة التي تربط الأنا بالآخر ؛ وهذه العلاقة علاقة تناقض يحصل عنها وعي الذات ووعي ذات الآخر. فالوعي يتكوّن من خلال الآخر، في إطار من الصراع والمخاطرة اللذين يفضيان في الأخير إلى وعي الأنا لذاته ووعيه لذات الآخر. ويظهر هذا بوضوح في الجدلية المشهورة التي تجمع بين العبد من جهة والسيّد من جهة أخرى: السيّد والعبد شخصان، أحدهما ارتفع عن الأشياء المادّية وألحق وجوده بالآخر الذي هو العبد. لم يخاطر العبد بنفسه ولم يضحّ بها، فاستغلّ السيّد هذا الوضع، فنشأ عنه صراع ينتصر فيه السيّد، نتيجةَ خوف العبد وعدم مخاطرته، فيصبح السيّد المالك والحرّ. وتنشأ بين الاثنين علاقة: فالسيّد لا يقتل خصمه، بل يحتفظ به بيانا لسيادته وأداةً لتحقيق مآربه ؛ أمّا العبد، فمن خلال العمل الذي يسخّره إليه سيّده، يدرك في قرارة نفسه أنّه يؤثّر في الموضوعات والأشياء، ينفذ إلى أعماقها ويشكّلها كما يريد، ومن ثمّة يطبعها بطابعه الإنساني. وهذا الصراع يؤدّي إلى أن يدرك كلّ منهما، بصورة أو بأخرى، أناه، ويدرك في الوقت نفسه الآخر. ومن هذه الجدلية يظهر الأنا والآخر في صورة موضوعين مستقلّين يقفان وجها لوجه، ويتحدّد وعياهما من خلال أنّ كلاّ منهما يثبت ذاته لنفسه كما يثبتها للآخر، بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت. فالشعور بالأنا يقوم مقابله شعور الغير، وهي مقابلة صراع بين خصمين اتّخذ كلّ منهما من نفسه موضوع رغبة ؛ وانتصار أحدهما زوال للآخر وعدم الاعتراف به من حيث هو شخص وشعور. انظر: هيجل، فينومينولوجيا الفكر

لكن، إذا كان الشعور بالأنا يمرّ بالغير الذي يُعتبر ضروريا لذلك، فكيف تحصل معرفة هذا الغير في هذه الحالة ؟ إنّها باختصار تتمّ دون أن يتجرّد الأنا عن الآخر أو يعزل نفسه عنه: عليه أن يعيه من أجل التغلّب عليه، وأن يضعه في ذاته دون أن يفقد نفسه فيه، أي دون أن يضيع فيه. وهذا التحرّر من الغير دليل على ضرورة وجوده ومقابلته، حتى يتمّ للأنا وعيه أوّلا بذاته، وعنه ينتج ثانيا إدراك الآخر ؛ فالإدراك أو المعرفة يقتضي وجود الآخر والاتّصال به. أليس الآخر، في هذه الحالة، شرّا لا بدّ منه ؟

ثالثا : اعتراضات على التفسير بالمغايرة والتناقض

  1. الصراع ليس مفهوما أخلاقيا : إنّ الصراع ليس مفهوما أخلاقيا في العلاقات بين الناس، وخاصّة إذا تحوّل إلى عنف. فقد نختلف في تصوّراتنا، وتتعدّد مواقفنا، ولا نتّفق على رأي من الآراء، وقد تتنوّع مللنا ونحلنا ومعتقداتنا ؛ ولكنّ هذا التنافر، مهما بلغت درجته نقطة التناقض والمعارضة القوية، لا يبرّر التناحر على البقاء والتصارع من أجل الغلبة. وحتى إن استنطقنا ما في نفوسنا من غرائز الموت والتدمير الطبيعية، فإنّ مفهوم الصراع في هذا السياق يناسب مملكة الحيوانات ومنطق قانون الغاب، ولا ينطبق على من خُلقوا من أجل التعارف والتعاون.
  2. لا الانفراد ولا التناحر : فلا القول بالأنا المنفرد بالوجود دون غيره (⁦solipsisme⁩)، ولا القول بالتناحر بين الأنا وذاك، يشكّلان المصدر لإثبات «الأنا موجود»، ولا الأساس الذي يقوم عليه وعي الذات بذاتها.
  3. الغير موضوع لا تُسلب معانيه : ليس بعيدا عن الصواب القول بأنّ وعي الذات لا يصبح قابلا للمعرفة إلاّ بفعل وجود الآخر والتواصل معه في جوّ يدعو إلى التنافس والبروز ؛ إلاّ أنّه يجب استبعاد ما ينشأ عن هذا الفعل من فقدان الآخر لحرّيته وتلقائيته. فالغير موضوع، وكونه كذلك لا يتضمّن سلب معانيه ؛ وعلى هذا يمكن التواصل معه من غير تطاحن ولا معاداة. إنّه بالضرورة عنصر مكوِّن للأنا، وخلال فعل التواصل هذا تتحوّل كلّ معرفة للآخر إلى معرفة موضوعية خارجية.
لحبابي

يقول «لحبابي»: «إنّ معرفة الذات تكمن في أن يرضى الشخص بذاته كما هو، ضمن هذه العلاقة: (الأنا) كجزء من (النحن) في العالم». ⁦Mohamed Aziz LAHBABI, Liberté ou libération? p 241⁩

إنّ معرفة الأنا لذاته تتمّ بفضل وجود الغير، وتمتدّ في الوقت نفسه إلى الآخر المغاير له. والمغايرة هذه ليست على الدوام عامل صراع، فالمغايرة نفسها تولّد التقارب والتفاهم. قال تعالى: «ولولا دِفَاعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسَدت الأرضُ ولكنَّ الله ذو فَضل على العالمين» (البقرة، 251).

لماذا لا تكفي المغايرة وحدها لأكون أنا ؟

لأنّ المغايرة تقول لي ما لستُ هو، ولا تقول لي من أكون. فحين يعزل العقل الآخر ليقارن بين كيفياته وكيفياتي، يربح التمييز، لكنّه يخاطر بأن يجعل من الأنا الآخر موضوعا مثل بقية الموضوعات، وشيئا مثل بقية الأشياء، يفقد مقوّماته كإنسان. وحين تشتدّ المغايرة حتى تصير تناقضا، كما عند «هيجل»، يصبح الغير ضروريا لوعيي بذاتي، ولكن عبر صراع يكون فيه انتصار أحد الطرفين زوالا للآخر وعدم اعتراف به من حيث هو شخص وشعور. وبين هذين الحدّين يظهر ما لا تستطيعه المغايرة وحدها: الاعتراف. فكلّ معرفة لذاتها تتطلّب الاعتراف بها من طرف الآخر، والاعتراف لا يُنتزع بالغلبة ؛ ولهذا كانت المغايرة التي تولّد التقارب والتفاهم، لا التي تولّد التناحر، هي التي تجعل الأنا جزءا من «النحن» دون أن يضيع فيه.

قد يأتي هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية: «هل يكفي أن أكون مغايرا للآخرين حتى أكون أنا ؟» أو «هل معرفة الذات تتوقّف على الشعور أم على الغير ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر: ① الموقف العقلاني («ديكارت» و«بركلي»): المعرفة بالمقابلة والمغايرة، مع مثال المحلّل في مخبره أو الأصوات من وراء الجدار ؛ ② أطروحة «هيجل» مسندة بمرجعها (فينومينولوجيا الفكر): الأنا لا يكون أنا إلاّ بالغير، وحجّتها جدلية السيّد والعبد ؛ ③ نقد مسند: الصراع ليس مفهوما أخلاقيا، و«لحبابي»: الأنا كجزء من النحن (⁦Liberté ou libération? p 241⁩). ⚠️ خطأ شائع: الخلط بين المغايرة (تمييز بالعقل والمقارنة) والتناقض (صراع يتكوّن فيه الوعي) — وهما موقفان مختلفان يتقابلان داخل المقالة. ⚠️ وخطأ ثانٍ: اختزال «هيجل» في الصراع ونسيان أنّ كلّ معرفة لذاتها تتطلّب عنده الاعتراف بها من طرف الآخر.
نتيجة — تعرف الذات نفسها بوعيها، لكنّها لا تتجلّى لنفسها فرديةً مميَّزة إلاّ حين تقابل الآخر. فعند العقلانيين («ديكارت» و«بركلي») تتمّ هذه المعرفة بالمقابلة والمغايرة، إذ يعزل العقل الأشياء والأشخاص ويقارن بين كيفياتها ؛ وعند «هيجل» تتأسّس على التناقض، فلا يكون الأنا أنا إلاّ بالغير الذي يعترف به، كما في جدلية السيّد والعبد. غير أنّ الصراع ليس مفهوما أخلاقيا، والمغايرة نفسها تولّد التقارب والتفاهم: فلا يكفي أن أكون مغايرا للغير حتى أكون أنا، بل لا بدّ من أن أعترف به ويعترف بي. ⟸ وإذا كانت المغايرة لا تعني الصراع بالضرورة، فما طبيعة العلاقة التي تربط الأنا بالغير: أهي تنافر أم تواصل ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net