الإشكالية الثالثة: في العلاقات بين الناس › الحرية والمسؤولية
الحرية و المسؤولية (النزعة العقلية)
- شرح القول بأنّ التكليف يسبق الحرية ويبرّرها
- تحليل حجّة المعتزلة: لو لم يكن الإنسان حرّا لكان التكليف سفها
- شرح قاعدة «كانط»: «يجب عليك، إذن تقدر»، وموقع الحرية من الواجب
- عرض التصوّر الكلاسيكي للعقوبة عند «لايبنتز» و«مالبرانش» و«كانط»، وإسناد كلّ قول إلى صاحبه ومرجعه
- الاحتمالين: الإنسان مسؤول لأنّه حرّ، أو حرّ لأنّه مسؤول
- نوعا المسؤولية، والعقوبة الباطنية التي يتولاّها الضمير
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار القاضي والسجين) وتحليلها، في درس ضبط المفاهيم، أوّل دروس محور «الحرية والمسؤولية».
اقرأ المقدّمة من جديدإخفاء المقدّمة
إنّ القراءة الأولية للقضية المطروحة تقودنا مباشرة إلى القول بأنّ المشكلة التي يجب معالجتها هي تلك التي تتعلّق بالمسؤولية، ما دامت مشروطة بالحرية ولا معنى لها في غيابها. ولكنّ الاختبار المتأنّي يجعلنا نتساءل، على العكس من ذلك، عمّا إذا لم يكن من الممكن اعتبار الشرط مشروطا بدوره، فنقع في مسألة: أيّهما يُعتبر المبدأ، المسؤولية أم الحرية ؟ إنّ المنطق السليم يوحي لنا، بادئ ذي بدء، بأنّ المسؤولية تثبت بثبوت شرطها وتُرفع برفعه ؛ ولكن، ألا يمكن مع ذلك إثبات المسؤولية كقاعدة أولى، ثمّ الانصراف إلى تبرير وجودها عن طريق الحرية ؟ فالمشكلة في الحقيقة مزدوجة: تدعونا تارة إلى الانطلاق من الحرية كشرط لتأسيس المسؤولية، وتارة أخرى إلى اعتبار المسؤولية شرطا يبرّر وجود الحرية ويستوجبه. وللوصول إلى نتائج مقنعة نحاول الردّ على الأسئلة الثلاثة الآتية: كيف يمكن اختزال المشكلة في الشرط لا في المشروط ؟ وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟
تحديد الوضعية المشكلة عرضا وتحليلا
في نهاية محاكمة، وقع خلاف بين قاضي الجلسة وسجين: ـ (ق) : لقد طُلب منك أن توقّع على التقرير، فلماذا لم تفعل ؟ ـ (س) : (لا جواب…) ؛ ـ (ق) : يجب أن توقّع ! ـ (س) : لست في حالة تسمح لي بتلبية الطلب، ولا في حالة عدم تلبيته ؛ ـ (ق) : ما هذه السخافة ؟ ـ (س) : فكيف أوقّع ويداي مغلولتان ؟ ـ (ق) : (بعد أن أمر الحارس بفكّ يديه، أعاد القاضي الطلب) ننتظر ؛ ـ (س) : الآن، وفي هذه الحالة، بإمكاني أن أضع توقيعي أو أرفض ؛ ـ (ق) : ليس بإمكانك أن ترفض ؛ ولماذا ترفض ؟ ـ (س) : أنا حرّ في اختياري ؛ أمّا لماذا، فأنا صاحب القرار ؛ أرفض من أجل أن أرفض ؛ ـ (ق) : وتعتقد بأنّك، والحالة هاته، حرّ ؟ ما هي مبرّراتك ؟ ـ (س) : (متهكّما) أنا مسؤول عن مواقفي ؛ ـ (ق) : ألا تعلم بأنّ المسؤولية تفترض الحرية، ولقد أقررتَ بأنّك حرّ ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : ولكنّك كائن مكلَّف أصلا، خُلقت لتتحمّل المسؤولية أوّلا، ولتكون بعد ذلك وبالضرورة حرّا ؛ ـ (س) : أنا أوّلا أشعر بحرّية اختياري، ولي في مواقفي مبرّرات ؛ ـ (ق) : إذن، ليست حرّيتك مطلقة، لأنّها مقيّدة بأسباب ومؤثّرات، ولأنّك لا تستطيع الانفلات في قراراتك عن نظام الكون ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : يجب أن تقول إذن: أنا مسؤول (واعٍ بقراراتي، وبأنّي جزء من الكون، وفرد يحترم الآخرين)، فأنا إذن حرّ ؛ ـ (س) : هل أفهم من هذا أنّ الحرية المطلقة لا معنى لها في عالمنا، وأنّنا كائنات تنفرد بالمسؤولية ؟ ـ (ق) : إنّك دائما مسؤول ؛ عظمة الإنسان وكرامته في هذه الخاصية ؛ فلو كنتَ مخيَّرا ـ للتعبير عن هذه العظمة الإنسانية ـ بين الحرية والمسؤولية، فما عساك أن تختار ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- لا مسؤولية بلا حرّية : السجين لا يمكن أن يصدر عنه فعل أو لافعل في حالة انعدام حرّيته ما دام مقيّدا: فكيف يوقّع تقريرا وهو مقيّد اليدين ؟ ولو بقي على هذه الحال فلم يلبِّ الأمر، ثمّ حاسبه القاضي، لكان مظلوما، لأنّه غير مسؤول ما دام شرط الحرية غير متوفّر.
- لا اختيار بلا مبرّرات : حتى إن فُكّت أغلاله، فلا يختار السجين التوقيع بالضرورة، لأنّه أمام احتمالين: التوقيع أو رفضه. وقد ثبت من خلال مناقشتهما أنّ أيّ إنسان لا يمكنه اتّخاذ موقف بالإيجاب أو بالسلب من غير مبرّرات تعلّله ؛ وعندئذ فقط يأخذ في تحمّل مسؤوليته.
- الشعور بالحرية تجاهلٌ للأسباب : الشعور بالحرية يملي على السجين الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ولكنّه في النهاية ضرب من تجاهل الأسباب والمؤثّرات التي تحدّد الأفعال، لأنّه كائن تابع لنظام الكون ولا يستطيع الانفلات منه قطعا.
- الإنسان حيوان مسؤول : لا يمكن الحديث عن الحرية المطلقة بقدر ما يجب الحديث أوّلا، وقبل كلّ شيء، عن المسؤولية: فثمّة جوهر الإنسان وعظمته. ولو أردنا أن نعرّف الإنسان من زاوية عظمته لقلنا إنّه حيوان مسؤول ؛ وبذلك نحاول الإجابة عن السؤال الذي تركه القاضي معلّقا.
ومن هنا نلمس ضرورة طرح العلاقة بين المسؤولية والحرية من زوايا ثلاث: المنطق يدعو إلى الانطلاق من الشرط (الحرية)، ثمّ يدعونا إلى الانطلاق من المشروط (المسؤولية)، وأخيرا يدعونا إلى الاهتداء إلى أنّ الإنسان مصدر المسؤولية والحرية. وقبل الخوض في هذه الزوايا، لا بدّ من ضبط المفاهيم التي يدور عليها النقاش.
افتح الدرس: ضبط المفاهيموقد تبيّن أنّه لا يمكن البرهان على الحرية ولا على نفيها، وأنّ الإنسان قد يكون حرّا لأنّه مسؤول، لا مسؤولا لأنّه حرّ.
II – وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ هل يُعقل الحديث عن شيء يتوقّف ثبوته أو نفيه على مجهول ؟
ثانيا : أليس من الشرعي طرح قضية المسؤولية قبل طرح قضية الحرية ؟
وذلك لأنّ الإنسان يجب أن يكون مسؤولا أوّلا، ليكون لهذا السبب حرّا بعد ذلك. كأنّ رجال الدين وفلاسفة الأخلاق يرون أنّ التكليف يسبق الحرية ويبرّرها، سواء كان تكليفا ربّانيا أو تكليفا أخلاقيا، وبقطع النظر عن العوامل المختلفة التي تحيط بالمكلَّف.
يقول المعتزلة: إنّ الإنسان لو لم يكن حرّا لكان التكليف سفها، ولبطل الوعد والوعيد، الثواب والعقاب ؛ فلا يصحّ عقلا أن تقول لمن ليس حرّا: افعل ولا تفعل ! «لا يُكلِّف الله نفسا إلا وُسعها». وفي هذا السياق يمكن الرجوع إلى قوله تعالى: «لا تُكلَّف نفسٌ إلا وُسعها» (البقرة، 233) ؛ «ربنا ولا تُحمِّلنا ما لا طاقة لنا به» (البقرة، 286).
في سياق الإلزام الأخلاقي، يصرّح «كانط» بأنّ الواجب يتضمّن الحرية: «يجب عليك، إذن تقدر». فلا نستطيع أن نتحقّق من وجود الحرية عن طريق الرجوع إلى التجربة السيكولوجية، أو عن طريق البرهان العقلي ؛ فالواجب هو الذي يسمح لنا بأن نتصوّر امتلاك الإنسان لحرّية معقولة تعلو نطاق الظواهر، وإلاّ لما كان هناك موضع للحديث عن قانون أخلاقي. إ. كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، القسم الثاني
هذا، والمسؤولية تتجلّى بوجه أخصّ وأوضح في العقوبة. إنّ العقوبة، حسب التصوّر الكلاسيكي، تُبرَّر أخلاقيا، لأنّها مرتبطة أشدّ الارتباط بالقانون الأخلاقي نفسه.
يقول «لايبنتز»: «هناك نوع من العدالة ليس له قطعا غرض التعديل ولا غرض المَثَل ولا حتى غرض إصلاح الشرور. هذه العدالة لم تقم إلا على التوافق الذي يستلزم ضربا من الرضا (أو الإرادة) في التفكير عن فعل سيء». نقلا عن: A Bridoux, Morale, p 57
يعبّر «مالبرانش» عن الفكرة نفسها في غير ما صفحة من كتابه مقالة في الأخلاق، حيث يقول: إنّ جزاء الاستحقاق وعقوبة الخطيئة يقتضيهما النظام الضروري للعدل، وهو القانون الذي لا يجوز انتهاكه ونقضه لا من طرف العقول ولا حتى من طرف الإله نفسه: «إنّ الذي يريد من الله ألاّ يعاقب الجور أو إدمان الخمر لا يحبّ الله». وكأنّ شرط الحرية يغيب نسبيا لترك المجال لمقتضيات القصاص. نقلا عن: A Bridoux, Morale, p 57
ويرى «كانط» من جهته أنّ القانون الأخلاقي يحمل في جوهره العقوبة: فهي لا تؤسّس القانون الأخلاقي ولا تنشئه، وإنّما هي متّحدة به برابطة تركيبية. ويذهب إلى حدّ القول بأنّ القانون الجنائي أمر أو واجب حاتم، وأنّ المذنب لا بدّ أن يُعتبر شخصا قابلا للعقوبة قبل أن يكون في الإمكان التفكير في استنباط بعض المصالح، عن طريق العقوبة، لنفسه أو للمجتمع.
كيف تسبق المسؤولية الحرية في هذا التصوّر، وهي مشروطة بها ؟كيف تسبق المسؤولية الحرية في هذا التصوّر، وهي مشروطة بها ؟
لأنّ الحرية لا تُعرف مباشرة: فلا التجربة السيكولوجية تثبتها، ولا البرهان العقلي، كما يقول «كانط». أمّا الواجب فحاضر يقينا: يأمر وينهى. فينطلق هذا التصوّر ممّا هو يقيني، أي التكليف، ليستنتج منه شرطه: «يجب عليك، إذن تقدر». وهي الحجّة نفسها التي يسوقها المعتزلة: لو لم يكن الإنسان حرّا لكان التكليف سفها، ولبطل الثواب والعقاب. فالحرية تبقى شرطا للمسؤولية في الوجود، لكنّها تأتي بعدها في المعرفة: نعرف أنّنا مكلّفون، فنعرف أنّنا أحرار. ومن هنا تُبرَّر العقوبة بالقانون الأخلاقي نفسه، لا بما تجلبه من منفعة ؛ حتى إنّ شرط الحرية، عند «مالبرانش»، يكاد يغيب ليترك المجال لمقتضيات القصاص.
الصفحة 1/3
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net