الإشكالية الرابعة: انطباق الفكر مع نفسه › في انطباق الفكر مع نفسه
الاستدلال وأنواعه: 2. الاستدلال غير المباشر — الاستنتاج (القياس)
- تعريف القياس وتحليله إلى مقدّمتين ونتيجة، وإلى حدّ أكبر وأوسط وأصغر
- تحديد شكل قياس معروض انطلاقا من موقع الحدّ الأوسط من المقدّمتين
- تطبيق قواعد الأشكال الأربعة على قياس، والحكم عليه بالإنتاج أو بعدمه
- كشف أغلوطة الحدّ الرابع، والتمييز بين صحّة الصورة وصدق المضمون
- أنواع القضايا الحملية بحسب الكمّ والكيف، وتحليل القضية إلى موضوع ومحمول
- الاستدلال المباشر بصورتيه: التقابل والعكس
- معنى الاستغراق، ومعنى الجنس القريب والفصل النوعي في التعريف
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ الاستدلال المباشر أمينٌ ولكنّه فقير: هو لا يخرج بنا عن القضية الّتي بدأنا منها، وإنّما يُظهر ما كان مضمَرا فيها. غير أنّ الفكر لا يقنع بذلك، فهو يريد أن ينتقل إلى ما لم يكن يعلمه ؛ وسبيله إلى ذلك أن يضمّ قضيةً إلى قضية فتلزم عنهما ثالثة، وهذا هو الاستدلال غير المباشر أو القياس. غير أنّ هذا الربح في المعرفة يُدفع ثمنه مخاطرةً: فحيثما جاز الانتقال جاز الانزلاق، والقياس الّذي يبدو سليم الصورة قد يكون فاسدا في حدوده. فما القياس، وما بنيته، وما قواعده الّتي تفصل بين المنتِج وغير المنتِج ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
إذا نحن جرّدنا المناظرة من ألفاظها ورددناها إلى صورتها القياسية، خرجنا باستنتاج من الشكل الأوّل: ـ كلّ مذهب جاء بعد الرسول ﷺ بدعة ؛ ـ «المعتزلة» مذهب جاء بعد الرسول ﷺ ؛ ـ فهو إذن بدعة. وهو وإن كان قياسا صحيحا من حيث الصورة، فهو مرفوض من حيث غموض المحمول في المقدّمة الأولى. فالبدعة أنواع متعدّدة، وهنا نتساءل: ما هو النوع الّذي ينطبق مع المذهب الّذي جاء بعد عهد الرسول ﷺ ؟ هذا فضلا عن اضطراب مبدأ الاستغراق، لأنّ مذهب المعتزلة جاء بعد الرسول ﷺ، وليس بالضرورة بدعة.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- صحّة الصورة لا تعني صدق النتيجة : القياس المعروض مستقيمٌ في هيئته، وينتمي إلى الشكل الأوّل، وتتوفّر فيه قاعدتاه ؛ ومع ذلك رُفض. فالصورة تضمن أنّ النتيجة تلزم عن المقدّمتين، ولا تضمن أنّ المقدّمتين تقولان ما نظنّهما تقولان.
- الخلل في الحدّ لا في الشكل : المحمول «بدعة» غامض، والبدعة أنواع ؛ فحين يدخل الحدّ الغامض في المقدّمة، يخرج غامضا في النتيجة، ولكن وقد اكتسى هيئة اللزوم الضروري. وهذه هي الحيلة الّتي يقع فيها المستدلّ من غير أن يقصدها.
- والنتيجة سبقت المقدّمات : فقد وقع الانطلاق من النتيجة بحثا عن المقدّمات الّتي تناسبها، بدليل أنّ السُّنّي كان يستدرج محاوره إلى الإقرار بأنّ مذهبه لم يكن في عهده ﷺ. وشأنُه في ذلك شأن المحتال الّذي يعطيك النتيجة صحيحة، ولكنّها مستنبَطة من مقدّمات غير صحيحة.
IV – وإذا كان الاستدلال المباشر لا يخرجنا عن القضية الواحدة، فكيف يبلغ الفكر نتيجةً جديدة ؟
أولا : حدّ القياس وبنيته
القياس هو الاستدلال غير المباشر، أي الّذي يتوسّط فيه بين القضية ونتيجتها قضيةٌ ثانية. وهو مؤلَّف من ثلاث قضايا يدعوها المناطقة على التوالي: المقدّمة الكبرى، والمقدّمة الصغرى، والنتيجة. فإذا قلنا مثلا: «كلّ إنسان فانٍ، أحمد إنسان، إذن أحمد فانٍ»، نكون قد استعملنا قياسا يتألّف من مقدّمتين ونتيجة ؛ وكلٌّ من المقدّمتين والنتيجة يتألّف من حدّين، أحدهما موضوع والآخر محمول، وبين الحدّين رباطٌ مضمَر تقديره (هو). ولو نظرنا إليه من زاوية أخرى لوجدناه يتألّف من ثلاثة حدود رئيسية تختلف فيما بينها من حيث الشمول والتضمّن:
- الحدّ الأكبر : وهو (فانٍ) في مثالنا، وسُمّي أكبر لأنّه يشمل كلّ إنسان ؛ والمقدّمة الّتي تحمله تُدعى الكبرى.
- الحدّ الأصغر : وهو (أحمد)، وسُمّي أصغر لأنّه متضمَّن في (إنسان) ؛ والمقدّمة الّتي تحمله تُدعى الصغرى.
- الحدّ الأوسط : وهو (إنسان)، ووظيفته تنحصر في الربط بين الحدّين ؛ ولهذا يختفي في النتيجة. ويُشترط فيه أن يكون مستغرَقا في إحدى المقدّمتين.
- ولا يزيد القياس على ثلاثة حدود : فالقياس الّذي نحمّله أكثر من ثلاثة حدود لا تترتّب عنه نتيجة صحيحة، لأنّنا نقع فيما يدعوه المناطقة أغلوطة الحدّ الرابع.
القياس هو على حدّ قول «أرسطو»: «كلامٌ متى وضعنا فيه شيئا لزم عنه شيء آخر بالضرورة» ؛ ويعني بالشيء الموضوع المقدّمتين — الكبرى والصغرى — وبالشيء الآخر النتيجةَ الّتي تلزم عنهما. ويذهب «أرسطو» إلى أنّ الأقيسة أنواع، وأنّه ليس كلّ قياس برهانا. ولهذا اشترط في مقدّمات القياس الصحيح ثلاثة شروط: أن تكون حقيقيّةً ؛ وأن تكون أوّليّةً بديهيّة، وإلاّ لاحتاجت بدورها إلى برهان ؛ وأخيرا أن تكون أسبق من النتيجة وأبْيَنَ منها. وهذا الشرط الأخير هو الّذي انكسر في المناظرة: فالنتيجة هناك كانت أسبق من المقدّمات، لا العكس.
ثانيا : أشكال القياس الأربعة
وينبّه «أرسطو» إلى حقيقة، وهي أنّ شكل القياس يتوقّف على موقع الحدّ الأوسط من المقدّمتين. ولقد استبدل المدرسيّون الحدود برموز تسهّل عملية إدراك موقع الحدّ الأوسط ؛ فنرمز بـ(س) إلى الحدّ الأوسط، وبـ(م) إلى الحدّ الأكبر، وبـ(ض) إلى الحدّ الأصغر. وعلى هذا الأساس تكون الأشكال أربعة:
- الشكل الأوّل : إذا كان الحدّ الأوسط موضوعا في الكبرى ومحمولا في الصغرى ؛ ورمزه: (س) هو (م) ثمّ (ض) هو (س).
- الشكل الثاني : إذا كان الحدّ الأوسط محمولا في كلتا المقدّمتين ؛ ورمزه: (م) هو (س) ثمّ (ض) هو (س).
- الشكل الثالث : إذا كان الحدّ الأوسط موضوعا في كلتيهما ؛ ورمزه: (س) هو (م) ثمّ (س) هو (ض).
- الشكل الرابع : وهو عكس الأوّل، وقد اختلف فيه مناطقة القرون الوسطى ؛ ورمزه: (م) هو (س) ثمّ (س) هو (ض).
لو عبّرنا عن المناظرة برموز، ما كنّا لنسجّل كلّ تلك المؤاخذات، لأنّها كانت ستُعفينا من تأثير الرصيد الثقافي وما درج عليه المتناظران من مفاهيم. وهذا هو سبب استبدال المدرسيّين الحدودَ برموز: لا لتعقيد الدرس، بل لعزل الصورة عن المضمون. فحين تكتب «(س) هو (م)» يزول عنك سلطان الكلمة وما تحمله من تاريخ وانفعال، ولا يبقى أمامك إلاّ موقع الحدّ ؛ وعندها ترى الشكل كما هو، فتطبّق قاعدته. وستجد أنّ أكثر ما يُقنعك في الخطابة إنّما يُقنعك بألفاظه، فإذا رُدّ إلى رموزه لم يبقَ منه شيء.
ثالثا : قواعد الأشكال، ومتى يبطل القياس
ولكلّ شكل من الأشكال الأربعة قواعدُه الّتي لا يُنتج إلاّ بها، فوق القواعد العامّة للقياس ومنها «لا إنتاج بين سالبتين». وضبطُ هذه القواعد هو ما يجعلك تحكم على قياس بالإنتاج أو بعدمه من غير أن تدخل في مضمونه ولا في مذهب صاحبه.
1 ـ قواعد الأشكال الأربعة
وأوّل ما تفعله أمام قياس معروض أن تحدّد شكله بموقع الحدّ الأوسط، ثمّ تعرض عليه قاعدة شكله:
- قاعدتا الشكل الأوّل : أن تكون الصغرى موجبة ؛ وأن تكون الكبرى كلّية.
- قاعدتا الشكل الثاني : أن تكون إحدى المقدّمتين سالبة — فتتبعها النتيجة في السلب — ؛ وأن تكون الكبرى كلّية.
- قاعدتا الشكل الثالث : أن تكون الصغرى موجبة ؛ وأن تكون النتيجة جزئية.
- قواعد الشكل الرابع الثلاث : إذا كانت الكبرى موجبة وجب أن تكون الصغرى كلّية ؛ وإذا كانت الصغرى موجبة وجب أن تكون النتيجة جزئية ؛ وإذا كانت إحدى المقدّمتين سالبة وجب أن تكون الكبرى كلّية.
الأوّل : «وردةُ ماءٌ منظِّف، ووردةُ ابنتي، إذن ابنتي ماءٌ منظِّف.» فعلى الرغم من أنّ كلتا المقدّمتين صحيحة، فإنّ النتيجة خاطئة، لأنّ الحدود الواردة فيهما قد استُعملت لِمُغالطتنا: فكلمة (وردة) في الأولى يختلف مدلولها عنه في الثانية. وشتّان ما بين اسم السائل المنظِّف واسم العَلَم الخاصّ بالابنة. فلدينا في هذا القياس أربعة حدود بدلا من ثلاثة، لأنّ الحدّ الأوسط يتضمّن هويّتين. والثاني : «الإنسان سنّي، مالك بن أنس سنّي، إذن مالك بن أنس إنسان.» وهو من الشكل الثاني — لأنّ الحدّ الأوسط محمول في المقدّمتين — ولا تتوفّر فيه القاعدة الأولى من هذا الشكل، وهي أن تكون إحدى المقدّمتين سالبة فتتبعها النتيجة في السلب. وهو نموذج المحتال الّذي يعطيك النتيجة صحيحة، ولكنّها مستنبَطة من مقدّمات غير صحيحة: فكونُ النتيجة صادقة في ذاتها لا يشفع لقياسٍ لم يُنتجها.
إذا كانت النتيجة صحيحة، فما ضرري إن كان القياس فاسدا ؟إذا كانت النتيجة صحيحة، فما ضرري إن كان القياس فاسدا ؟
ضررك أنّك لم تعرف شيئا، وإنّما صادفتَه. فالقياس ليس آلةً لإنتاج جملٍ صادقة، بل آلةٌ لضمان الانتقال: هو يقول لك إنّك إن سلّمتَ بالمقدّمتين لزمك أن تسلّم بالنتيجة. فإذا انكسرت القاعدة، انقطع الضمان ؛ وصدقُ النتيجة حينئذ لا يعود إلى استدلالك، بل إلى أمرٍ آخر لا تملكه. والبرهان العملي أنّ الآلة الفاسدة نفسها تُنتج لك مرّةً أخرى نتيجةً كاذبة: الصورة الّتي أعطتك «مالك بن أنس إنسان» — وهي صادقة — هي نفسها الّتي تعطيك «الإنسان كائن حيّ، والحصان كائن حيّ، إذن الحصان إنسان» — وهي كاذبة: شكلٌ ثانٍ بمقدّمتين موجبتين في الحالتين. فمن حكم على القياس بنتيجته، فقد جعل الميزان تابعا للموزون ؛ ولهذا قال «أرسطو» إنّه ليس كلّ قياس برهانا.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net