الإشكالية الرابعة: انطباق الفكر مع نفسه › في انطباق الفكر مع نفسه
انطباق الفكر مع الواقع (الاستقراء وإشكالية تبريره)
- تحليل وضعية حجاجية وتحديد نوع الاستدلال الموظّف فيها: استنتاجي أم تمثيلي أم استقرائي
- ضبط مفهوم الاستقراء في الفكر القديم وفي الفكر الحديث، وبيان ما تغيّر في قيمته بين العهدين
- تمييز أنواع الاستقراء الثلاثة، والتمثيل لكلّ نوع، وبيان أيّها يقيني وأيّها ليس كذلك
- صياغة إشكالية تبرير الاستقراء صياغةً دقيقة: لماذا لا تلزم الكلّيةُ عن الجزئيات منطقيا
- أنواع الاستدلال الثلاثة بحسب اتّجاه الانتقال: الاستنتاج والتمثيل والاستقراء
- حدود القياس، ومعنى قولهم إنّه تحصيل حاصل لا يأتي بجديد
- الفرق بين الحكم الكلّي والحكم الجزئي، ومعنى التعميم
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ العقل البشري، بما جُبل عليه من تماسُكٍ في مبادئه ونظامٍ دقيق في أحكامه، ليس منكفئا على ذاته فقط، بل هو متّجه باستمرار إلى معرفة الواقع وما ينطوي عليه من كائنات وظواهر وأشياء. لكن، إذا كان تحقيق هذه المعرفة يقتضي منه عدم الانسياق وراء سوابق الأحكام، فهل معنى ذلك أنّ انطباقه مع الواقع لا يقوم إلاّ على أساس تجريبي خالص، بمعزل عن تدخّل مبادئه وأحكامه ؟ ولأجل حلّ هذه المسألة يتوجّب علينا استعراض وضعية مشكلة، الغرضُ منها اكتشافُ إلى أيّ مدى يمكن تجاوز مأزق التمييز بين ما هو عقلي وما هو تجريبي.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
يُروى أنّه لمّا تولّى الخليفة العبّاسي (خ) «المهتدي بالله» راودته فكرةُ إرساء العدل بين الناس، لكنّ أمراء الجند الأتراك اعترضوا على ذلك خوفا على امتيازاتهم ؛ فجمع إليه عددا من أعيان بني هاشم (ش)، وحاول استنهاض هِمَمهم لهذا العمل الجليل، فقال لهم: ـ (خ) : دعوني حتّى أسلك فيكم مسلك الشرع ؛ فإنّ الباري يقول: «اعدلوا هو أقربُ للتقوى»، والتقوى أساسٌ للخلافة والملك ؛ إذن أحرى للعدل أن يكون أساسا لخلافتي ومُلكي. ـ (ش) : كيف تحمل الناس على الشريعة العادلة، ورجالك أعاجمُ لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، وإنّما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا ؟ ـ (خ) : فدعوني أسلك مسلك السلف الأوّل ؛ فإنّ خلافة الفاروق «عمر» كانت عادلة، وإنّ خلافة «عمر بن عبد العزيز» كانت عادلة ؛ إذن أحرى للعدل أن يكون أساسا لخلافتي ومُلكي. ـ (ش) : أريد أن تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها ؛ والله كأنّنا بك تريد أن تحملهم على رؤية الشمس وهي تُشرق من المغرب ؛ فإنّ الرسول ﷺ كان مع قومٍ قد زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. ـ (خ) : أمّا أنا، فإنّي أرى الشمس وهي تطلع كلّ يوم من المشرق ميزانَ عدل، وأرى الخلائق والأمم ممّن نعرفهم — ونحن منهم — وهم يتفيّؤون تحت نورها وظلالها ميزانَ عدل، وأعرف أنّ ذلك سيبقى هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛ وكذلك العدل، فإنّه سيبقى أساس المُلك وميزان الخلافة إلى يوم الدين. فلمَ أنتم معترضون ؟ ولمّا لم يلمس الخليفةُ صدًى لرغبته عند قومه صرفهم، وقد علم أنّهم خاذلوه. والسؤال الّذي يشغلنا هو: هل كان حِجاج الخليفة استنتاجيا أم استقرائيا، صوريا أم مادّيا، يفيد تعميما أم تخصيصا ؛ وبالجملة، هل كان عقليا أم تجريبيا أم جامعا لكليهما ؟ «المهتدي بالله» (ت. 870م) ؛ محمد عمارة، التراث في ضوء العقل، ص 219، بتصرّف
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- ثلاثة استدلالات متمايزة، لا استدلال واحد مكرّر : فالاستدلالات الثلاثة منبثقة كلّها عن (خ)، وتتنوّع على الترتيب: الأوّل استنتاجي — «كلّ تقوى تحتاج إلى عدل، ومُلكي يحتاج إلى تقوى، إذن مُلكي يحتاج إلى عدل» — وقد انتقلنا فيه من العامّ إلى الخاصّ ؛ والثاني تمثيلي — خلافة «عمر» عادلة، وخلافة «عمر بن عبد العزيز» عادلة، إذن أنا كذلك — وقد انتقلنا فيه من الخاصّ إلى الخاصّ ؛ والثالث استقرائي: مشاهدةُ حركة الشمس تنبئ عن ميزان عدل، ومشاهدةُ بعض الأمم في معاشها تدلّ على ميزان عدل، إذن كلّ أمّة تحتاج إلى ميزان عدل — وقد انتقلنا فيه من الخاصّ إلى العامّ.
- الاعتراضان ثانويان، لأنّهما وقائع مفرَدة : فالاعتراضان صادران كلاهما عن (ش)، ويتضمّنان الإشارة إلى وقائع مفرَدة لا إلى أحكام عامّة ؛ ولا يهمّ في ذلك كونُها وقائع راهنة (الجند الأعاجم في الأوّل) أو ماضية (أصحاب الرسول في الثاني). ووظيفتهما المادّية المباشرة ردُّ الاستدلالات، أمّا الصورية غير المباشرة فهي التوسّط بين الاستدلالات في انتقالها من نوع إلى آخر.
- والاستقراء هو الّذي حمل الحجّة إلى منتهاها : فحين عزل الخليفة استدلاله الثالث، لجأ إلى عملية منطقية مزدوجة: تبريرُها كمعرفة انطلاقا من وقائع، ثمّ الإحاطة بهذه الوقائع من خلال مبادئ عقلية. وهنا يظهر المأزق الّذي تطرحه الوضعية: الاستقراء ينطلق من التجربة ولكنّه لا يتمّ إلاّ بمبدأ عقلي، وهو أنّ ما جرى سيجري.
II – كيف ينطبق الفكر مع الواقع ؟
أولا : مفهوم الاستقراء
يتجلّى انطباق الفكر مع الواقع في التعرّف على طبيعة الاستقراء من الناحية النسقية — مفهومِه وأنواعِه — ومن الناحية الإجرائية: خطواتِه وقواعدِه في سياق البحث العلمي. أمّا مفهومه فقد اختلف بين الفكر القديم والفكر الحديث اختلافا لم يمسّ حدَّه فحسب، بل مسّ قيمته بالقياس إلى الاستنباط:
- عند «أرسطو» : وهو أوّل من استعمل كلمة استقراء (Induction) ؛ عرّفه بأنّه «إقامة قضية عامّة ليس عن طريق الاستنباط، وإنّما بالالتجاء إلى الأمثلة الجزئية الّتي يكمن فيها صدق تلك القضية العامّة».
- عند «ابن تيمية» : «هو الاستدلال بالجزئي على الكلّي، ويكون يقينيا إذا كان استقراءً تامّا، لأنّه حينئذ نكون قد حكمنا على القدر المشترك بما وجدناه في جميع الأفراد ؛ وإلاّ فهو ناقص.» وبهذا المعنى فهو عند الأقدمين أدنى من حيث الأهمّية مقارنةً بالقياس.
- عند «فرنسيس بيكون» (ت. 1626) : ارتبط مفهومه بالنقد اللاذع الّذي وجّهه إلى المنطق الصوري، وخاصّةً نظرية القياس باعتبارها تحصيل حاصل لا يحمل أيّ جديد ؛ وقد عرّف الاستقراء بأنّه «استنتاج قضية كلّية من أكثر من قضيتين»، أو بعبارة أخرى «استخلاص القواعد العامّة من الأحكام الجزئية».
- عند «ج. س. مل» (ت. 1873) : كان يرى أنّ القياس لا قيمة له، لأنّ الاستدلال فيه يعتمد أصلا على أمثلة جزئية، وليس على مقدّمة كبرى كلّية ليست في الحقيقة إلاّ نتيجةَ استقراء ناقص ؛ وكلّما كثُرت المقدّمات الّتي يتكوّن منها الاستقراء، زاد احتمالُ صدق النتيجة المنبثقة عنها.
«إقامة قضية عامّة ليس عن طريق الاستنباط، وإنّما بالالتجاء إلى الأمثلة الجزئية الّتي يكمن فيها صدق تلك القضية العامّة ؛ أو هو البرهنة على أنّ قضية ما صادقة صدقا كلّيا، بإثبات أنّها صادقة في كلّ حالة جزئية إثباتا تجريبيا.» ورأى أنّه من حيث القيمة: «أكثر إقناعا وأبْيَنُ وأعْرَفُ في الحسّ، وهو مشترك للجمهور ؛ أمّا القياس فهو أشدّ إلزاما للحجّة وأبلغ عند المناقضين.» ولاحِظ دقّة هذا الميزان: الاستقراء أقوى في الإقناع لأنّه يستند إلى ما يراه الناس، والقياس أقوى في الإلزام لأنّه يستند إلى ما يلزم عقلا. وهذا التمييز وحده يفسّر لماذا ظلّ الاستقراء عند الأقدمين أدنى رتبةً، ولماذا انقلب الأمر مع «بيكون». أرسطو، منطق أرسطو، تحقيق عبد الرحمن بدوي، ج. 3، مكتبة النهضة المصرية، 1952، ص 713 ؛ والثانية: المصدر نفسه، ج. 2، ص 487
ثانيا : أنواع الاستقراء
- الاستقراء التامّ (L'Induction complète) : وهو استقراء يقيني، لأنّه يقوم على استقراء لكلّ جزئيات موضوع البحث، سواء كانت أجناسا أو أنواعا أو أفرادا ؛ وبعبارة أخرى، هو انتقال الفكر من حكم جزئي على كلّ فرد من أفراد مجموعة معيّنة إلى حكم كلّي يتناول كلّ أفراد هذه المجموعة. ولا يكون ممكنا إلاّ متى استند إلى مقدّمات جزئية محدودة العدد.
- الاستقراء الناقص (L'Induction incomplète) : وهو استقراء غير يقيني بصورة مطلقة، لأنّه يقوم على تفحّص بعض الجزئيات فقط ؛ فالفكر ينتقل من الحكم على بعض الجزئيات إلى حكم كلّي يتناول كلّ النوع أو الجنس. وهذا لا يعني أنّه استقراء لا يحتمل اليقين، بل الواقع يشير فقط إلى تعذّر ملاحظة كلّ الجزئيات للوصول إلى قاعدة عامّة.
- والناقص قسمان : معلَّل، وهو استقراء يقيني لأنّ الحكم فيه يستند إلى علّة مشتركة قائمة في كلّ جزئياته، وهو كمّي وكيفي يقوم على الملاحظة والتعليل معا ؛ وغير معلَّل، وهو غير يقيني لأنّ الحكم فيه لا يقوم على أساس من التعليل وإنّما فقط على الملاحظة، كمعرفة صفة عَرَضية لبعض الجزئيات وتعميمِ هذه الصفة على جميع الجزئيات المشابهة لها.
إذا لاحظنا أنّه كلّما زاد الضغط على بعض الغازات قلّ حجمُها، وأنّه كلّما نقص الضغط عليها زاد حجمها بنسبة معيّنة وتحت درجة حرارة معيّنة، أمكننا أن نستنتج أنّ: ـ كلّ غازٍ يتعرّض لزيادة الضغط عليه يقلّ حجمه ؛ ـ وكلّ غازٍ يتعرّض لنقص في الضغط عليه يزداد حجمه، بنسبة ودرجة حرارة معيّنة. وتعليل هذا أنّ الغازات كلّها ذات طبيعة متشابهة، والعلّة الوحيدة الّتي تسبّب زيادة حجمها أو نقصانه هي زيادة الضغط عليها أو نقصانه. فلاحِظ أنّ ما رفع هذا الاستقراء إلى اليقين ليس عدد الغازات الّتي جُرّبت، بل العلّة الّتي عُرفت: فمعرفة العلّة تجعل الحكم يسري على ما لم يُجرَّب.
قولُنا: «الإنسان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ ؛ والجمل والأسد والحمار حيوانات تحرّك فكّها الأسفل عند المضغ ؛ إذن كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ.» فالنتيجة هنا خطأ، لأنّ صدق الجزء لا يستتبع بالضرورة صدق الكلّ المتداخل معه ؛ فإذا كان الإنسان والجمل والأسد والحمار كائنات تحرّك فكّها الأسفل عند المضغ، فإنّ بعض الحيوان ليس له فكٌّ أصلا. والنتيجة الصحيحة أنّ بعض الحيوان يحرّك فكّه الأسفل عند المضغ، وليس كلّ حيوان ؛ والاستثناء لا يؤسّس القانون. وقارِن بين هذا المثال ومثال الغازات: العدد في الأوّل أربعة وفي الثاني «بعض»، ومع ذلك صحّ الثاني وسقط الأوّل. فالفارق ليس في الكمّ، بل في أنّ الأوّل عمّم صفة عَرَضية والثاني عمّم أثرَ علّة.
ثالثا : إشكالية تبرير الاستقراء
ومن هنا تُطرح الإشكالية الّتي رافقت الاستقراء منذ نشأته: فالاستقراء التامّ يقيني ولكنّه نادر، إذ لا يكون ممكنا إلاّ في مجموعة محدودة العدد نستطيع إحصاءها ؛ وأمّا الاستقراء الّذي يشتغل به العلم فناقص بالضرورة، لأنّ الظواهر الطبيعية لا تُحصى، فيتعذّر ملاحظة كلّ الجزئيات للوصول إلى قاعدة عامّة. فبأيّ حقٍّ إذن ننتقل ممّا لاحظناه إلى ما لم نلاحظه ؟
1 ـ القفزة من الجزئي إلى الكلّي
لاحِظ أنّ المشكلة ليست في صدق الملاحظات، فهي مفروضة صادقة في المثالين معا ؛ المشكلة في الانتقال نفسه. ففي القياس كانت النتيجة مضمَّنة في المقدّمات فلزمت عنها لزوما ضروريا، ولذلك كان تحصيل حاصل ؛ وفي الاستقراء تتجاوز النتيجةُ مقدّماتِها، فتقول أكثر ممّا لُوحظ — وهذا هو مصدر خصوبته ومصدر خطره في آنٍ واحد:
- ما يكسبه الاستقراء : أنّه يأتي بجديد، ولهذا فضّله «بيكون» على القياس، ورأى فيه «ج. س. مل» أصلَ كلّ استدلال — حتّى المقدّمة الكبرى في القياس ليست عنده في الحقيقة إلاّ نتيجة استقراء ناقص.
- ما يخسره : أنّه يفقد الضرورة المنطقية ؛ فليس في المقدّمات ما يُلزم بالنتيجة، ولهذا يهدمها مثالٌ مضادّ واحد، كالحيوان الّذي لا فكّ له. وكلّ ما يستطيع أن يقدّمه هو الاحتمال: وكلّما كثُرت المقدّمات زاد احتمال صدق النتيجة، ولكنّ الاحتمال مهما زاد لا يبلغ الضرورة.
- وما يسدّ هذه الثغرة ليس ملاحظةً أخرى : فمهما أضفتَ من حالات بقيتَ في الجزئي. الّذي يسدّها هو مبدأٌ عقلي يسبق التجربة ويجعل التعميم مشروعا. وهذا ما فعله الخليفة حين قال «وأعرف أنّ ذلك سيبقى هكذا»: لقد أضاف إلى مشاهداته حكما لا تعطيه المشاهدة.
- ومن هنا صياغة الإشكالية : إنّ المنهج التجريبي بنبذه لسوابق الأحكام إنّما ينشُد ضمان أكبر قدر من الموضوعية، فاشترط في الباحث أن يُقبل على ملاحظة الظاهرة متجرّدا تماما من أحكامه المسبقة. ولكن، ألا يمكن الاعتقاد بالرغم من ذلك أنّ هذا المنهج، وهو يسلّم بالسببية والاطّراد والحتمية، يسلّم في الوقت ذاته بأحكامٍ تسبق التجربة ؟
فالباحث إذا كان مَسوقا بطبيعته البشرية، قد يسارع إلى إصدار أحكام لا تبرّرها مقدّمات، وينزع إلى التسليم بأفكار لمجرّد أنّها تصادف في نفسه هوًى، أو تحقّق له مصلحة، أو لكونها فقط صادرةً عن تقديس المأثور عن السلف ؛ فينتهي به المطاف إلى الاعتقاد بأوهامٍ زائفة تحول بينه وبين ملاحظة الظاهرة على نحو موضوعي وحقيقي. وقد وجد «بيكون» أنّ هذا النمط من التفكير الّذي كان سائدا في القرون الوسطى لا يصلح أن يُعدَّ منطلقا للعلماء في الكشف عن قوانين الطبيعة، لأنّ مقدّماته تنطوي على أفكار عامّة وشائعة تُقبل بدون تمحيص ونقد. لكن بعد استعمال هذا النقد في العلم التجريبي للعصر الحديث، صار لزاما على الباحث تجنُّبُ الأقيسة الكاذبة والمصادرات الخاطئة، بعَدِّها من سوابق الأحكام.
إذا كان الاستقراء لا يبلغ اليقين، فلماذا نعدّ العلم أوثق معارفنا ؟إذا كان الاستقراء لا يبلغ اليقين، فلماذا نعدّ العلم أوثق معارفنا ؟
لأنّ «أوثق» لا تعني «ضروري». قارِن بين ما يقدّمه القياس وما يقدّمه الاستقراء: القياس يعطيك ضرورةً كاملة على شيء كنتَ تعرفه ؛ والاستقراء يعطيك احتمالا قويّا على شيء لم تكن تعرفه. والعلم اختار الثاني لأنّه يريد أن يزداد، لا أن يطمئنّ. ثمّ إنّ الاستقراء العلمي ليس هو الاستقراء الساذج الّذي سقط بمثال الفكّ: فالفرق بين المثالين أنّ العالِم لا يعدّ الحالات، بل يبحث عن العلّة ؛ فإذا وجدها صار استقراؤه معلَّلا، وصار الحكم يسري على ما لم يُجرَّب لا لأنّه شوهد كثيرا، بل لأنّ سببه معروف. ولهذا كانت الملاحظة وحدها لا تكفي، ولزم أن تتبعها فرضيةٌ تُعلِّل وتجربةٌ تختبر — وتلك هي خطوات المنهج الّتي أُعدّت لسدّ هذه الثغرة بالذات.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net