الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم في فلسفة الرياضيات

الرياضيات بين المطلق و النسبي (الكلاسيكية و المعاصرة)

🔊 المعلّمة تقرأ لك
تعلّمتَ أنّ مجموع زوايا المثلّث يساوي قائمتين، وقيل لك إنّ هذه حقيقة لا تُناقَش في أيّ زمان ولا مكان. ثمّ جاء عالم رياضي فبنى هندسةً كاملة يكون فيها المجموع أقلّ من قائمتين، وجاء آخر فبنى هندسةً يكون فيها أكثر ؛ ولم يقع أيّ منهما في تناقض داخلي، ولم يُكذّب أحدُهما الآخر. فكيف تكون ثلاث إجابات مختلفة عن سؤال واحد وكلّها صحيحة ؟ وماذا بقي من «المطلق» في أشدّ المعارف يقينا ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • بيان لماذا اعتُبرت الرياضيات الكلاسيكية نموذجَ اليقين المطلق، وما مصدر هذا اليقين
  • عرض ما أحدثته الهندسات اللاأوقليدية من قلبٍ في تصوّر المطلق الرياضي، بأسماء أصحابها ومصادراتها
  • تفسير سقوط فكرة البداهة، ومعنى أن يكون البناء الرياضي فرضيا استنتاجيا
  • التمييز بين نسبية النسق ويقين النتائج داخله، وصياغة معنى الحقيقة النسقية
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • منطلقات المنهج الرياضي: البديهيات والمصادرات والتعريفات
  • مصادرة أوقليدس في المتوازيات، ومعنى المكان ذي الأبعاد الثلاثة
  • الفرق بين المطلق والنسبي، وبين الصدق والاتّساق المنطقي
هل الرياضيات في كلّ الأحوال صناعةٌ صحيحة في منطلقاتها واستنتاجاتها ؟ وإلى أيّ حدّ يمكن القول بأنّ لها حدودا ومآخذ ؟ ثمّ هل يمكننا القول بأنّ يقين الرياضيات لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ وإذا تعدّدت الأنساق واختلفت مسلّماتها، فأيّها الحقيقة — أم أنّ لكلّ نسق حقيقته ؟

مقدمة : طرح المشكلة

عرفنا أنّ المفاهيم الرياضية تنشأ من مصدر ثنائي، وأنّها ماضية في الإغراق في التجريد. ويترتّب على ذلك سؤال آخر: فهذه الصناعة المجرّدة احتلّت في تاريخ الفكر مكانةً لم يبلغها علم آخر، حتّى صارت النموذج المثالي للفكر الصحيح، ومقياسا يُقاس عليه اليقين في سائر المعارف. فهل هذه المكانة قائمة على يقين مطلق لا يتغيّر ؟ أم أنّ ما جرى في القرن التاسع عشر — يوم ظهرت هندسات جديدة تخالف مسلّمات أوقليدس ولا تتناقض معها — قد غيّر معنى اليقين الرياضي نفسه ؟ وهذا هو سؤال هذا المورد: الرياضيات بين المطلق والنسبي، بين صورتها الكلاسيكية وصورتها المعاصرة.

أولا : اليقين الرياضي في صورته الكلاسيكية

إذا كان الفضول العلمي عموما يطمح إلى الوقوف على النتائج المتّصفة بالدقّة واليقين، فإنّه سيجد في الرياضيات ما يشفي غليله ؛ لأنّها تمثّل النموذج المثالي للفكر الصحيح، والغاية الواضحة التي تنشدها تطلّعات الفيلسوف والعالِم معا. نقول الفيلسوف، لأنّه يرى فيها الحقيقة الثابتة الأزلية التي لا تتغيّر، والنهاية الضرورية الواضحة التي تفرض نفسها على العقل ؛ ونقول العالِم، لأنّه كان وما يزال يحوك على منوالها، فاستطاع بفضلها أن يحوّل سبل البحث العلمي ونتائجه من الكيف إلى الكمّ، ومن التجريب إلى التجريد — كما هو الحال في الفيزياء الرياضية والكيمياء الرياضية. والمعرفة الرياضية معرفة قطعية يقينية في خطّتها ونتائجها: فهي معرفة بوجودٍ تمّ تجريده فلا يحمل في جوهره أيّة إشارة إلى ماهية أو صفة ؛ وهي تقوم على الالتزام بالمبادئ والأسس، وتتّصف بوفائها المطلق لمبدأ الهوية الصارم. وهذا ما جعلها تتّصف باليقين الذي لا يرقى إليه أيّ شكّ أو احتمال، ما دامت حريصةً على الانسجام مُحجمةً عن التناقض.

ثانيا : أوّل صدع — حين تنزل إلى التطبيق

غير أنّ الحقائق الرياضية المتّصفة باليقين، عندما تنزل إلى التطبيقات التجريبية، تفقد دقّتها وتقع في «التقريبيات». فالنسبة الثابتة بين محيط الدائرة وقطرها محدّدة تحديدا دقيقا حسب العلاقة المجرّدة بينهما ؛ ولكنّي إذا حاولت تقديرها تقديرا حسابيا وعمليا نزلَت دون الدقّة: فنقول إنّها تساوي 3,14 أو اثنين وعشرين على سبعة ؛ والقسمة الفعلية لاثنين وعشرين على سبعة تعطي أكثر من 3,14 — بدليل أنّ حاصل ضرب 3,14 في سبعة يساوي 21,98 لا اثنين وعشرين ؛ بل إنّ قسمة اثنين وعشرين على سبعة لا تنتهي: 3,142857142857…. ولاحظ موضع الصدع بدقّة: النقص ليس في العلاقة المجرّدة، بل في نزولها إلى المقادير المحسوسة ؛ فالرياضيات تبقى دقيقة في عالمها، وإنّما يفقد التطبيق شيئا من دقّتها.

ثالثا : الصدع الأكبر — الهندسات اللاأوقليدية

وفي مجال الهندسة تبيّن أنّه ليس لدينا أيُّ دليل عقلي على أنّ المكان يتمتّع بأبعاد ثلاثة: طولٍ وعمق وعرض. وكانت مصادرة أوقليدس تقول إنّه «من نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلاّ موازٍ واحد» ؛ فجاء من بنى على غيرها.

  1. هندسة أوقليدس : تقوم على تصوّر مستوٍ للمكان ؛ فمن نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلاّ موازٍ واحد، ومجموع زوايا المثلّث يساوي قائمتين.
  2. هندسة لوباتشفسكي ⁦(1792-1856)⁩ : أعلن عن هندسة خاصّة يكون فيها مجموع زوايا المثلّث أقلّ من قائمتين، معتمدا على مصادرة مؤدّاها أنّه من نقطة خارج مستقيم يمكن أن يمرّ أكثر من موازٍ ؛ ذلك لأنّ المكان الذي يسلّم به مكانٌ مقعّر لا مسطّح.
  3. هندسة ريمان ⁦(1826-1866)⁩ : قرّر سنة 1854 أنّ المكان كرويّ ؛ وأنّه تبعا لذلك لا يمرّ من نقطة خارج مستقيم أيُّ موازٍ، وأنّ مجموع زوايا المثلّث يساوي أكثر من قائمتين.

والعجيب أنّ هذه الهندسات كلّها ليست متناقضة، على الرغم من أنّ المسلّمات التي تستند إليها حول المتوازيات ليست واحدة مشتركة ؛ فكلّها إنشاءات متّسقة تخلو من التناقض الداخلي. وبذلك فإنّ الهندسة الكلاسيكية — التي كانت إلى القرن التاسع عشر مأخوذةً كحقيقة مطلقة — تظهر اليوم كحالة خاصّة من حالات الهندسة ؛ وما كان يُعتبر ثابتا أصبح متغيّرا، ولم تعد هندسة أوقليدس توصف بالكمال المطلق، بل غدت واحدةً من عددٍ لا ينتهي من الهندسات الممكنة، لكلّ منها مسلّماتها الخاصّة.

بولغان

«إنّ كثرة الأنظمة في الهندسة لَدليلٌ على أنّ الرياضيات ليس فيها حقائق مطلقة.» وما منطلقات الفكر الرياضي إلاّ بمجرّد افتراضات تدعو إلى البرهنة الاستدلالية.

فظهور الهندسات اللاأوقليدية جعل الرياضيين والمناطقة المحدثين يعتبرون أيّ بناء رياضي بمجرّد بناء فرضي استنتاجي: أي يقوم على أسس افتراضية لم يقدّم البرهان أيّ شيء عن صحّتها، وكلّ ما في الأمر وجودُ انسجام وتسلسل منطقي بينها وبين النتائج المترتّبة عليها. وبهذا سقطت فكرة البداهة المتّصفة بالوضوح، لأنّ ما هو واضح عند شخص قد يكون غير ذلك عند آخر، نظرا إلى اختلاف الحدس والتصوّر من هذا إلى ذاك. وهكذا باتت الأبواب في مجال الرياضيات مفتوحةً على حرّية اختيار شتّى المنطلقات والافتراضات.

رابعا : الأكسيوماتيك — من البداهة إلى الاتّساق

وممّا يترتّب عن حركة تطوّر العلاقات الداخلية للرياضيات ظهورُ منهج الأكسيوماتيك، القائم على الافتراض والاستنتاج والتأكيد على عدم تناقض النتائج مع المقدّمات المفترضة. فالرياضيون أنفسهم لم تعد تهمّهم فكرة الملاءمة، ولا بساطةُ المبادئ والأوّليات ووضوحها — وقد اعتُبرت بمجرّد مواضعات أو تعاريف مقنعة، وهو ما ذهب إليه الرياضي الفرنسي «هنري بوانكاري» ⁦(1854-1912)⁩ في كتابه «قيمة العلم» ؛ بل حصروا اهتمامهم في رفع كلّ تناقض قد يطرأ بين المنطلقات الافتراضية والنتائج الضرورية المترتّبة عنها. ولاحظ ما تغيّر: لم يعد السؤال «هل هذه المسلَّمة صادقة في ذاتها ؟» — وهو سؤال البداهة — وإنّما صار «هل ينسجم البناء القائم عليها مع نفسه ؟» — وهو سؤال الاتّساق. وهذا التحوّل هو الفرق بين الرياضيات الكلاسيكية والرياضيات المعاصرة.

خامسا : مزاياها بالنظر إلى سياقها ونسقها

غير أنّ تعدّد الأنساق الرياضية تعدّدٌ لا يقضي على يقين كلّ واحد منها، ما دمنا ننظر إلى الأوّليات على أنّها متواضَعٌ عليها، وأنّها ليست ضرورية لكلّ بناء ولا نهائية. فقد بيّنت لنا الهندسات اللاأوقليدية أنّه «يمكن وضع غيرها أو حذف بعضها أو إضافة أخرى، ويبقى النسق الاستنباطي قائما» ؛ ولا يسقط بذلك يقينُ هذه ولا تلك. فتنوّع الأنساق يمثّل مغامرةً للفكر في آفاق التجريد والإنشاء، وفي عالم العلاقات المعقولة وغياب كلّ تناقض ؛ واليقين الحاصل في كلّ نسق صحيحٌ صادق، لأنّه ينطبق على الواقع المفترض بحدوده ومسلّماته ونتائجه. ومن هنا فإنّ المعرفة الرياضية لا تكتسي صبغة يقينية مطلقة إلاّ في سياق منطلقاتها ومبادئها وانسجامها معها على صورة نسق منطقي ؛ وهذا يجعل من حقائقها حقائق نسقية، ومن يقينها يقينا تابعا لعقلانية المقدّمات ونتائجها الضرورية — والمقصود بالعقلانية هنا انسجام الفكر مع نفسه. محمد أبو حمدان، من طرق الفكر، الاستنباط، ص 11

هل معنى ذلك أنّ الرياضيات صارت نسبيةً كسائر العلوم ؟

لا، والخلط هنا هو أخطر ما في الباب. فالنسبية التي لحقت الرياضيات لحقت اختيار المنطلقات، لا صحّة الاستنتاج. فأن يكون في وسعنا أن نبني على مصادرة أخرى غير مصادرة أوقليدس شيءٌ ؛ وأن تكون النتائج داخل النسق الواحد غيرَ لازمة عن مقدّماته شيءٌ آخر لم يقل به أحد. ولذلك يبقى الفرق قائما بين قضايا العلم وقضايا الرياضيات: فالحقائق العلمية تجسيدٌ لعلاقات بين ظواهر تخبرنا عن واقع، وهي شبه يقينية لأنّها تابعة لأسباب هذه الظواهر وأحوالها ؛ أمّا القضايا الرياضية فتجريدٌ لموجودات وعلاقات تبقى في منأًى عن أيّ تغيّر، وهي تأمّل خالص يتّسم بالصورية، فيتحقّق فيها الصدق ومن ثمّ اليقين بمجرّد خلوّ البناء من التناقض الداخلي. وهذا هو السرّ الذي كشفت عنه فلسفة الرياضيات: استقرار الخيط الذي يصل المنطلقات بالمنتهيات، وتقدّمُه من المعلوم نحو المجهول على أساس مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض. فالرياضيات لم تسقط في التقريبيات داخل عالمها، وإنّما سقط فيها التطبيق.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية أو استقصائية: «هل الحقيقة الرياضية مطلقة أم نسبية ؟» أو «هل أفقدت الهندسات اللاأوقليدية الرياضياتِ يقينها ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① الهندسات الثلاث بمصادراتها ونتائجها في جدول ذهني (أوقليدس: مكان مستوٍ، موازٍ واحد، الزوايا تساوي قائمتين · لوباتشفسكي: مكان مقعّر، أكثر من موازٍ، أقلّ من قائمتين · ريمان: مكان كرويّ، لا موازٍ، أكثر من قائمتين) ؛ ② الجملة التي تحسم الطابع المعاصر: البناء الرياضي فرضي استنتاجي، والمعيار هو الاتّساق لا البداهة، ومعها قول بولغان ؛ ③ التمييز المنقذ: نسبيةٌ في اختيار المنطلقات، ويقينٌ في لزوم النتائج — ومن هنا مفهوم الحقيقة النسقية. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الانتقال من «تعدّد الهندسات» إلى «الرياضيات لم تعد يقينية» ؛ وهو انتقال فاسد، لأنّ الأنساق لا يناقض بعضها بعضا، ويقين كلّ نسق قائم في حدوده. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين سقوط دقّة الرياضيات في التطبيق (التقريبيات) وسقوط يقينها في ذاتها ؛ وهما مستويان مختلفان.
نتيجة — كانت الرياضيات في صورتها الكلاسيكية نموذجَ اليقين المطلق: معرفةٌ قطعية في خطّتها ونتائجها، وفيّةٌ وفاءً مطلقا لمبدأ الهوية، جعلت العالِمَ يحوك على منوالها فينتقل من الكيف إلى الكمّ. ثمّ ظهر لها حدّان: حدٌّ عند التطبيق حيث تنزل الحقائق الدقيقة إلى «التقريبيات» ؛ وحدٌّ أعمق منه يوم بُنيت هندسات على غير مصادرة أوقليدس — فعند لوباتشفسكي مكانٌ مقعّر وأكثرُ من موازٍ ومجموعُ زوايا أقلّ من قائمتين، وعند ريمان مكانٌ كرويّ ولا موازٍ ومجموعٌ أكبر من قائمتين — وكلّها متّسقة لا يناقض بعضها بعضا. فصارت الهندسة الكلاسيكية حالةً خاصّة، وسقطت فكرة البداهة، وصار كلّ بناء رياضي فرضيا استنتاجيا يُقاس بالاتّساق لا بالوضوح، وظهر منهج الأكسيوماتيك. غير أنّ ذلك لم يُفقد الرياضيات يقينها، وإنّما نقله إلى موضعه الصحيح: فتعدّد الأنساق لا يقضي على يقين كلّ واحد منها، وحقائق الرياضيات حقائق نسقية، يقينُها تابعٌ لانسجام الفكر مع نفسه — وذلك هو الخيط المستقرّ الذي يصل المنطلقات بالمنتهيات.

الصفحة 1/4

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net