الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية في المذهب العقلاني والمذهب التجريبي

التجريبية مسلماتها

🔊 المعلّمة تقرأ لك
شاهدتَ كرةً تصدم كرةً أخرى فتحرّكها، فقلتَ بلا تردّد: الأولى سببٌ والثانية مسبَّب، ولا بدّ أن يكون الأمر كذلك دائما. ولكن قل لي: ماذا رأيتَ بالضبط ؟ رأيتَ حركةً، ثمّ صدمةً، ثمّ حركةً. أمّا «القوّة» التي انتقلت من الأولى إلى الثانية، وأمّا «الضرورة» التي تجعل ذلك لازما، فلم ترهما عينك قطّ، ولن ترياهما مهما أعدتَ التجربة. فمن أين جاءتك إذن فكرةُ الضرورة ؟ أهي مبدأ في عقلك سابق لكلّ تجربة، أم عادةٌ صنعها فيك تكرارُ ما رأيت ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض الجزء النقدي من مسلَّمة التجريبية: رفض الأفكار الفطرية بثلاث حجج، ونسبية الأحكام العقلية
  • تفسير ردّ مبدأ السببية إلى التجربة والعادة، وتوظيف مثال «هيوم» في كرتَي البلياردو
  • بيان ما أضافته أزمة الحتمية والوضعية المنطقية إلى موقف التجريبيين
  • عرض حلّ «كانط» للتعارض بين المذهبين في المجالين المعرفي والأخلاقي، وصياغة موقفٍ مبرَّر من المذهبين
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مسلَّمة التجريبية في مظهرَيها، وأنّ الآثار الحسّية هي المرجع الأخير لقياس صحّة الأفكار
  • مسلَّمات العقلانية: الأفكار الفطرية والحدس والمبادئ السابقة لكلّ تجربة
  • معنى مبدأ السببية ومبدأ الحتمية، والفرق بين التعاقب والاقتران الضروري
إذا كان لكلّ من المذهبين — العقلاني والتجريبي — نسقُه المنطقي، وإذا كان لا يُعقل لهذا السبب رفضهما أو رفض أحدهما، فأيّهما نتبنّى وأيّهما نرفض ؟ وهل يجوز الأخذ بهما معا على الرغم من تنافرهما ؟ وقبل ذلك: كيف يختبر التجريبيون مسلَّمتهم، وهل ينجحون في نزع البداهة عمّا يعدّه العقلاني بديهيا ؟

مقدمة : طرح المشكلة

رأينا أنّ التجريبية تقوم على مسلَّمة واحدة ذات مظهرين: نقديٍّ ينفي عن العقل أن ينشئ بالفطرة المعاني والتصوّرات، وتأسيسيٍّ يردّ العلم في كلّ صوره إلى التجربة. وقد عرضنا معيارها ؛ ويبقى الأهمّ: كيف تختبر مسلَّمتها ؟ فالخلاف مع العقلانيين لا يُحسَم بإعلان المبدأ، لأنّ كلّ طرف يعلن مبدأه واضحا بذاته. وإنّما يُحسَم — إن أمكن — بالنزول إلى الحالات: أن يأخذ التجريبي أوضح ما يعدّه خصمه فطريا، وأشدّ المبادئ بداهةً عنده، وهو مبدأ السببية، ثمّ يبيّن كيف صُنع من تجربة متكرّرة. فإن نجح في ذلك سقطت الفطرية في أقوى مواضعها ؛ وإن أخفق بقي للعقلاني منطلقه.

ثالثا : اختبار المسلَّمات

1 ـ الجزء النقدي — العقل لا ينشئ بالفطرة المعاني والتصوّرات

لقد رفض التجريبيون التسليم بالأفكار الفطرية الموروثة، والمبادئ العقلية البديهية، والقواعد الخلقية الأولى التي لا تأتي اكتسابا ؛ وأنكروا الحدس الذي يزعم أهله أنّهم يدركون به الأوّليات الرياضية والمنطقية. وحججهم في ذلك ثلاث.

  1. لأنّ المرء قبل التجربة صفحةٌ بيضاء : ليس فيها نقشٌ سابق للتجربة ؛ فهو لا يعرف شيئا، ويبدأ في اكتشاف العالم الخارجي عن طريق الحواسّ. فبأيّ وسيلة سحرية يتمكّن من إدراك الأفكار العقلية الأوّلية بصورة مباشرة لا واسطة بينهما ؟ وهل يُعقل الحديث عن أفكار جاهزة قبْلية يحملها كلّ إنسان بالفطرة دون انتظار تأثير العالم الخارجي عن طريق الحواسّ ؟
  2. ولأنّنا نعرف الملموس قبل المجرّد والخاصّ قبل العامّ : ولا نصل إلى المجرّد إلاّ انطلاقا من الملموس ؛ فلا يُعقل — كما يقول «لوك» — أن نسلّم بأنّ الأبيض ليس الأسود وأنّ اللذّة ليست الألم لأنّنا نسلّم بقضايا مجرّدة عامّة سابقة عليها ؛ بل الأمر على العكس من ذلك.
  3. ولأنّ المبادئ لا يمكن أن تكون فطرية إذا كانت ألفاظها غير فطرية : فالمبدأ القائل «لكلّ واقعة علّة»، أو «لا يمكن للشيء أن يكون هو ذاته وضدَّه في نفس الوقت ومن نفس الوجهة»، لا يسعه أن يكون فطريا إذا كنّا لا نملك فكرة فطرية عن كلمتَي «واقعة» و«شيء».

ورفضوا كذلك أن يكون العقل قادرا على الوصول إلى أيّ علم يقيني ثابت بطريق الفطرة ؛ لأنّ الأحكام العقلية تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، وتختلف باختلاف ظروف الأعمال ومجالات البحث والأحوال. فلم يعد العقل يُتصوَّر كنظام مغلق صارم من المبادئ المحدَّدة قبْليا، وإنّما كواقعٍ ليّن دينامي، وكمدرَّج بنّاء يشهد عليه تاريخ المعرفة نفسه ؛ وما نعتبره جهدا عقلانيا إنّما يتوقّف كثيرا على السياق التاريخي الذي بُذل فيه، وعلى حالة المعارف وتطوّر تقنيات الملاحظة والتجريب — ولهذا «إنّ العلم يتقدّم بالتجاوزات المتتابعة لأشكال عقلية فقدت صلاحيتها». ويضيفون حجّةً بالغة الأثر: لو صحّ وجود هذه المبادئ الكلّية والمعاني الفطرية لتساوى في العلم بها الناس في كلّ زمان ومكان ؛ على أنّ مبدأ عدم التناقض أو الهوية وغيرَهما ممّا يُظنّ أنّه فطري لا يعرفه إلاّ قلّة من المثقّفين. وأمّا المبادئ العملية — خلقيةً كانت أو قانونية — فيختلف الناس في أمرها باختلاف الزمان والمكان: فالقيم الأخلاقية إن كانت في جوهرها واحدة، فإنّها في مادّتها نسبية ؛ فما هو عدلٌ أو خير بالقياس إلى هذا ليس بالضرورة كذلك بالقياس إلى ذاك.

2 ـ الجزء التأسيسي — كيف صُنع مبدأ السببية من التجربة ؟

نشأت فكرة السببية نشوءا طبيعيا عند الإنسان بسبب ما كان يلاحظه من تغيّر الأشياء ؛ فما انفكّ الشيء الواحد يتغيّر ويتبدّل حالا بعد حال حتّى أخذ العقل في التساؤل عن العلاقة. ولاحظ الناس في جميع الأجيال والعصور أشياء معلولة وأخرى عللا لها، وربطوا الأولى بالثانية، فأصبحت فكرة العلّة مقترنة بفكرة المعلول اقترانَ المتضايفين اللذين لا يُفهم أحدهما إلاّ بالإضافة إلى الآخر. وهذه الرابطة القوية الدائمة التي اكتُسبت بالتجربة هي أساس ما نسمّيه بالضرورة في مبدأ العلّية. ومعنى هذا أنّ مبدأ العلّية ضروري، لا بمعنى أنّ العقل بمحض فطرته يدرك بداهته ويقينه كما يقول العقلانيون، بل لأنّ التجربة دعمته وقوّته وربطت بين طرفيه برباط قوي. وبهذه الطريقة يفسّر «هيوم» و«مل» المبادئَ الأخرى التي يدّعي العقلانيون أنّها ضرورية يقينية.

هيوم — كرتا البلياردو

لا يعترف بوجود اقتران ضروري بين الظواهر، لأنّ المشاهدة لا ترينا وجود قوّة خالقة تنتقل من العلّة إلى المعلول ؛ فكلّ ما هنالك أنّ الحوادث يتلو بعضها بعضا، وليس بينها سوى تعاقب ثابت. فنحن نشاهد كرة البلياردو تتحرّك وتصدم كرة أخرى فتحرّكها ؛ ونحن هنا لم نرَ أيّة قوّة داخلية أو خارجية انتقلت من الكرة الأولى إلى الكرة الثانية، بل كلّ ما حدث أنّ حركة الكرة الأولى تلتها بعد الصدمة حركةُ الكرة الثانية — فاعتدنا القول: إنّ الحركة الأولى سببٌ والثانية مسبَّب. وقد كان يمكن عقلا أن يجيء الترتيب على صورة أخرى، لكنّه جاء هكذا.

هيوم — العادة

العادة «هي المرشد العظيم للحياة البشرية ؛ فهذا المبدأ وحده هو الذي يجعل خبرتنا ذات نفع لنا، ويتيح لنا أن نتوقّع في المستقبل سلسلةً من الحوادث شبيهةً بسلسلة الحوادث التي ظهرت فيما مضى ؛ وبغير تأثير العادة نكون على جهل تامّ بكلّ أمر من أمور الواقع.» زكي نجيب محمود، دفيد هيوم، ص 181

ويرجع الترابط بين الأفكار إلى قانون تداعي المعاني: بالتشابه، أو التجاور الزماني أو المكاني، أو بالعلاقة العلّية. وبهذا فُسّرت المبادئ المسلَّمة التي ظنّ العقليون أنّها فطرية عامّة تصدق في كلّ زمان ومكان ؛ فاعتُبر قانون العلّية مجرّد عادة ذهنية تنشأ عند الناس كلّما رأوا حادثتين مطّردتَي الوقوع أو متتابعتين، فيترتّب على ذلك اعتقادٌ بأنّ اللاحق يعقب السابق، ويتمثّل هذا الاعتقاد في ميل الإنسان إلى أن يتوقّع حدوث اللاحق متى وقع سابقٌ عليه. ولا يُعقل أن تُعرَف رابطة العلّية بالاستدلال العقلي، إذ لا يمكن استنتاج معنى المعلول من معنى العلّة: فهل كان في وسع امرئ أن يستنتج بعقله من نظرته إلى الماء أنّه أصل الحياة ؟ ومن فكرة برودة الماء لا يمكننا استخلاص فكرة تصلّبه أو تحوّله إلى ثلج.

3 ـ أزمة الحتمية

لويس دو بروي — أزمة الحتمية

«يعتقد الناظر إلى الطبيعة وإلى السماء أنّ كلّ شيء يسير بانتظام وبصورة ثابتة لا تتغيّر، وكأنّ القبّة السماوية بكلّ ما فيها عبارة عن ساعة دقيقة، فكلّ ظاهرة طبيعية فيها لا بدّ لها من نظام تسير عليه … ولكن قد اتّضح بعد دراسة نظرية الكوانتا — التي تفسّر المادّة على أنّها جزيئات مرتبطة بموجة — وظهور نسب اللاحتمية التي وضعها «هيزنبرغ»، والنظرية النسبية التي وضعها العلاّمة «آينشطاين»، بأنّ الحتمية ليست دقيقة، وأنّ جميع القوانين التي نعرفها ليست دقيقة أيضا.» لويس دو بروي، المادة والضوء، فصل «أزمة الحتمية»

ومهما كانت هذه النسبة في عدم الدقّة صغيرة جدّا، فإنّ القول بأنّ القوانين مطلقة — فطريةً كانت أو مسلَّما بها — قولٌ لا ينطبق مع الواقع المتغيّر. فمبادئ العقل لمّا تكتمل بعدُ ولمّا تستقرّ على شكل نهائي ؛ إنّها لا تزال غير كلّية، ولا يعتقد كلّ الناس بصحّتها، وإنّها في تطوّر مستمرّ بطيء جدّا لتصبح عالمية وثابتة.

4 ـ الوضعية المنطقية

وفي هذا السياق أخذ أهل الوضعية المنطقية على أنفسهم ألاّ يعترفوا بغير الواقع المحسوس الذي يمكن إخضاعه لمناهج الملاحظة والتجربة ؛ واهتمّوا بالفكر باعتباره لغةً يتحتّم عليها أن تنطبق مع الواقع الحسّي وواقع الأحكام المنطقية. وقرّروا أنّه «لا فكر ولا تفكير، وكلّ ما هناك ألفاظ» ؛ وكلّ لفظ لا يشير إلى شيء محسوس يمكن التثبّت منه بالتجربة يبقى عديم المعنى، فلا يوصف بالصدق ولا بالكذب. فاللغة ألفاظ خدّاعة فارغة من المعنى، ولكنّها تثير عند الذين يستخدمونها مشاكل لا وجود لها إلاّ في أذهانهم، فيضطرّهم توهّم وجودها إلى بذل الجهد العنيف في سبيل حلّها. فلا معنى للحديث عن العلل الأولى والمبادئ المطلقة والأوّليات التي تسبق كلّ تجربة. وقد بلغ إنكار «هيوم» للتفكير الميتافيزيقي حدّا بعيدا، إلى درجة أنّه قال بضرورة إحراق كلّ كتاب لا يقوم على الرياضة أو التجربة.

III – الفلسفة النقدية بين العقلانيين والتجريبيين

وبوحيٍ من تصوّر دينامي للعقل، استطاع «كانط» أن يتجاوز مشكلة التعارض بين العقلانيين والتجريبيين في المجالين المعرفي والأخلاقي. ففي المجال المعرفي يرى أنّنا في حاجة إلى حقائق كلّية تحمل طابع الضرورة الداخلية بقطع النظر عن العالم الخارجي ؛ وحتّى تبقى ضرورية ومطلقة في ذاتها وجب أن تكون مستقلّة عن التجربة. فالمعرفة الرياضية مثلا ضرورية تؤكّدها التجربة اليوم وفي المستقبل، وليس من الممكن أن نعتقد طيلة حياتنا أنّ واحدا زائد واحد يمكن أن يكون غير اثنين ؛ فهذه حقيقة سابقة لعالم التجربة، وهو عالمٌ لا يعطينا شيئا سوى أحاسيس منفصلة وحوادث متفرّقة. ولكنّ العقل من جهة أخرى عضوٌ نشيط يحوّل الإحساسات المادية إلى أفكار، والوقائع المشتّتة إلى وحدة فكرية محكمة. فالآثار الحسّية هي المادّة الخام التي تبدأ بها التجربة والحافزُ على تنشيط العقل، ولكنّها لم تبلغ حدّ المعرفة لأنّها منفصلة متفرّقة ؛ ثمّ إنّنا لا ننتخب ممّا يصلنا من إحساسات إلاّ ما يمكن تحويله إلى إدراكات تتناسب مع إرادتنا في تلك اللحظة: فالرقمان ثلاثة وسبعة يتحوّلان عند الجمع إلى عشرة، وعند الضرب إلى واحد وعشرين — والإحساس الذي يصلنا من الرقمين واحدٌ في العمليتين، وإنّما الذي تغيّر هو الغرض الذي أردناه. فالنظام والوحدة والسياق لم تأتِ من الأشياء نفسها.

كانط — الإدراكات والمدركات

«إنّ الإدراكات الحسّية بغير المدركات العقلية عمياء» ؛ وإنّ قوانين الفكر هي قوانين الأشياء أيضا. والإحساسات والأفكار «هي خدمٌ لنا تنتظر دعوتنا، ولا تأتي إلى أذهاننا إلاّ إذا احتجنا إليها». ول ديورانت، قصة الفلسفة، ص 338 و ص 342

وفي المجال الأخلاقي يربط «كانط» بين العقل النظري والعقل العملي، أي بين المبادئ الفطرية والنزوع إلى الخير ؛ ويقيم الأخلاق — أو على حدّ تعبيره الواجب — على العقل وحده، ويربطها بثلاثة مبادئ عقلية متكاملة ثابتة: الإرادة الحرّة، وخلود الروح، ووجود الله ؛ فالإرادة الحرّة شرطٌ للواجب نفسه، إذ لا معنى لواجب لا تتحمّل الإرادة عواقبه ؛ أمّا خلود الروح ووجود الله فمسلّمتان يقتضيهما العقل العملي بعد الواجب لا قبله، ليكتمل الخير الأسمى الذي تتّحد فيه الفضيلة والسعادة ؛ ولا يكون السلوك خيّرا إذا كان دافعه رقيبا يُخشى أو جزاء يُطلب. وما يحدّد هذه الإرادة التي يقوم عليها الواجب ليس أيّ «مضمون» أو قيد تجريبي، بل هو صورة القانون نفسها. ولذلك فالأوامر على نوعين: شرطية مقيَّدة تُلزم المرء باتّباع الوسائل الضرورية لإدراك الغايات المنشودة ولا تُشعره بالحرية، كأن يقال له: «إذا أردتَ أن تحيا سعيدا كن صالحا» ؛ ومطلقة قطعية مستقلّة عن أيّ غاية، كقوله: «كن صالحا» دون ربط بغاية أو وسيلة — وهذا أمرٌ كلّي شامل. ومن القواعد الأساسية التي تلخّص المبادئ الكلّية في الأخلاق قوله: «اعمل بحيث تكون إرادتك، باعتبارك كائنا ناطقا، هي الإرادة المشرِّعة الكلّية».

هيجل

«إنّ ما هو عقلي هو واقعي، وما هو واقعي هو عقلي.» Préface des principes de la philosophie du droit

ويُقرَّب الفرق بين المسعيين بصورة معروفة لـ«فرانسيس بيكون»: إنّ العقلاني على نمط العنكبوت، ينسج بيته من ذاته ؛ والتجريبي على نمط النملة، يجمع ويستعمل ؛ أمّا النحلة فتجني مادّتها من ورود البساتين والحقول، ثمّ تحوّلها وتهضمها بملكة خاصّة بها — وهي صورة المنهج الذي يجمع التجربة والعقل. ومهما كان التباعد بين العنكبوت والنملة في منهج العمل، فإنّ منطق التجاوز عرف بديناميته كيف يستثمر الأسلوبين ويهذّب التنافر بينهما.

خاتمة : حل المشكلة

وعند العودة إلى السؤال المُشكل الذي انطلقنا منه، وبعد عرضنا وتحليلنا لمذهبَي العقلانيين والتجريبيين، يمكن القول بأنّنا وصلنا إلى موقف جديد جمعت بينهما فيه الفلسفةُ النقدية مع «كانط». وإذا كان لا بدّ من الإجابة المباشرة كحلّ للمشكلة، نقول: إنّه لا يُعقل رفض المذهبين معا، لأنّ لكلّ واحد منهما موقفا متماسكا من قضيته، وهو صادق بالنظر إلى سياقه ونسقه. وقد نرفض أحدهما لعدم اقتناعنا برأيه كموقف فلسفي شخصي، أو لأنّه لا يتماشى مع تصوّراتنا الفكرية ؛ وقد نقبلهما معا كنسقين مختلفين ؛ وقد نهذّب التنافر بينهما بنقل القضية ونقيضها إلى منطق جديد هو المنطق الدينامي، حيث يفرض التركيب ضرورته، فنتجاوز بهذا الأسلوب التقابلَ التقليدي السكوني بين العقلانيين والتجريبيين.

هل نجح التجريبيون فعلا في نزع البداهة عن مبدأ السببية ؟

نجحوا في أمرٍ وأخفقوا في آخر. نجحوا في أن يُظهروا أنّ ما نراه ليس هو ما نقوله: العين ترى تعاقبا، واللسان يقول ضرورة ؛ وبين الاثنين خطوةٌ لم تصنعها المشاهدة. وهذه ملاحظة لا تُردّ، وقد غيّرت معنى القانون العلمي نفسه. وأخفقوا في أن يستغنوا عن العقل وهم يقولون ذلك: فردُّ الضرورة إلى «العادة» يفترض ذاتا تربط وتتوقّع وتعمّم — أي يفترض بالضبط تلك الملكة التي يريدون إخلاءها من كلّ محتوًى سابق. ولهذا كان حلّ «كانط» تركيبا لا تلفيقا: المادّة من الحسّ، والصورة من العقل ؛ فالإدراكات الحسّية بغير المدركات العقلية عمياء، والمدركات العقلية بغير مادّة حسّية جوفاء. ومن هنا لا يُطلب منك في الامتحان أن تنتصر لأحد الطرفين انتصارا مطلقا، بل أن تُظهر أنّ كلّ نسق صادق في حدود سياقه، وأنّ التجاوز ممكن.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية تنتهي إلى التركيب: «هل مصدر المعرفة العقل أم التجربة ؟» أو «هل مبدأ السببية فطري أم مكتسب ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① مثال «هيوم» في كرتَي البلياردو بتفصيله (لم نرَ قوّةً تنتقل، وإنّما تعاقبا ثابتا) — فهو أنفع مثال في هذا المورد ؛ ② حجّتان في نقد الفطرية (الصفحة البيضاء · اختلاف الناس في المبادئ التي يُظنّ أنّها بديهية) ؛ ③ جملة «كانط» التي تُنهي المقالة: الإدراكات الحسّية بغير المدركات العقلية عمياء، مع صورة العنكبوت والنحلة. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : أن تُنهي المقالة الجدلية بترجيح أحد المذهبين ترجيحا مطلقا ؛ فالمطلوب تركيبٌ يبيّن أنّ لكلّ نسق صدقه في سياقه، وأنّ رفضهما معا غير معقول. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين اللاحتمية في الفيزياء المعاصرة وبين إنكار السببية أصلا ؛ فأزمة الحتمية تمسّ دقّة القوانين وإطلاقها، لا وجود العلاقات بين الظواهر.
نتيجة — تختبر التجريبية مسلَّمتها في شقّين. في الشقّ النقدي تنزع الفطرية عن المبادئ: فالمرء قبل التجربة صفحةٌ بيضاء، ونحن نعرف الملموس قبل المجرّد، ولا يكون المبدأ فطريا وألفاظه غير فطرية ؛ ثمّ إنّ الأحكام العقلية تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، ولو كانت المبادئ فطرية لتساوى الناس في العلم بها. وفي الشقّ التأسيسي تُظهر كيف صُنع أقوى المبادئ من التجربة: فمبدأ السببية ليس بداهةً في العقل، بل رابطةٌ قوّاها تكرار المشاهدة حتّى صارت عادة — ولم نرَ في كرتَي البلياردو قوّةً تنتقل، وإنّما تعاقبا ثابتا ؛ والعادة هي المرشد العظيم للحياة البشرية. وقد دعّمت هذا الموقفَ أزمةُ الحتمية في الفيزياء المعاصرة، ثمّ الوضعيةُ المنطقية التي أسقطت المعنى عن كلّ لفظ لا يشير إلى محسوس. غير أنّ الخلاف لم ينتهِ برفض أحد النسقين: فقد جمع «كانط» بينهما في تركيب دينامي — المادّة من الحسّ والصورة من العقل — لأنّ الإدراكات الحسّية بغير المدركات العقلية عمياء. فالعقلاني كالعنكبوت ينسج من ذاته، والتجريبي كالنحلة يجني من الحقول ثمّ يهضم ما جنى ؛ ولا يُعقل رفض المذهبين معا، ما دام لكلّ واحد منهما نسقٌ متماسك صادقٌ في سياقه.

الصفحة 1/6

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net