الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الأولى: في المشكلة والإشكالية الاشكالية الفلسفية و المشكلة العلمية

الفلسفة و العلم — من حيث الموضوع

🔊 المعلّمة تقرأ لك
الكأس نفسها، وسؤالان. في المخبر سألتَ: «ممّ يتركّب هذا الماء ؟» فأجابتك التجربة في حصّة واحدة، وانتهى الأمر. وفي المساء، وأنت تنظر إلى الكأس نفسها، خطر لك سؤال آخر: «هل الأشياء تتغيّر حقّا، أم أنّ فيها ثابتا لا يتغيّر ؟» — وهذا السؤال لم ينتهِ منذ اليونان إلى اليوم. السؤالان انطلقا من الكأس نفسها، غير أنّ الأوّل وقف عند الماء، والثاني تجاوزه إلى «الأشياء» كلّها. فهل يكون الفرق بين العلم والفلسفة فرقا في الموضوع الّذي يبحث فيه كلٌّ منهما ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تحديد مجال الموضوعات الّذي ينشغل به السؤال العلمي، ومجال الموضوعات الّذي ينشغل به السؤال الفلسفي
  • التمييز بين الظاهرة الجزئية المحسوسة والقضية الكلّية المجرّدة، والتمثيل لكلّ واحدة
  • ربط اختلاف الموضوع بما يترتّب عنه في مستوى البحث ودرجة التجريد
  • تعرّف الحقيقة القريبة من الحقيقة البعيدة، وردّ كلّ سؤال معروض إلى المجال الّذي يخصّه
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • خصائص المشكلة العلمية، وخصائص الإشكالية الفلسفية
  • الفرق بين المحسوس والمعقول، وبين الجزئي والكلّي
  • معنى «ما وراء الطبيعة» ومعنى «العلل الأولى»
إذا كان السؤال العلمي ينتهي إلى مَخرَج والسؤال الفلسفي يبقى مفتوحا، أفيرجع هذا الاختلاف إلى الموضوع الّذي يبحث فيه كلٌّ منهما ؟ وما هو مجال الموضوعات الّذي تنشغل به الفلسفة ؟ وهل يكفي أن يكون الموضوع صعبا حتّى يصير فلسفيا، أم أنّ للموضوع الفلسفي طبيعةً أخرى غير الصعوبة ؟ ثمّ ماذا يترتّب على اختلاف الموضوع في مستوى البحث نفسه ؟

مقدمة : طرح المشكلة

رأينا أنّ المشكلة العلمية تنتهي إلى مَخرَج لأنّ لها حَكَما خارج صاحبها، وأنّ الإشكالية الفلسفية تبقى مفتوحة لأنّها تحتمل النقيضين معا. غير أنّ هذا الاختلاف في المصير لا يمكن أن يكون اعتباطيا: فالمصير تابعٌ لطبيعة ما نبحث فيه. ولمّا كان لا يجب الخلط بين المشكلة الفلسفية الّتي تسعى إلى البحث عن الحقيقة البعيدة، والمشكلة العلمية الّتي تهتمّ بالحقيقة القريبة، لزم أن نبدأ المقارنة بين الفلسفة والعلم من حيث هو أصلها كلّه: من حيث الموضوع. فأيّ موضوع للعلم، وأيّ موضوع للفلسفة، وماذا يترتّب على هذا الاختلاف ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية : ظاهرة واحدة، انشغالان

يقف اثنان أمام ظاهرة سقوط الأجسام. ـ يسأل الأوّل: بأيّ قانون تسقط ؟ وكم تبلغ سرعتها بعد ثانية ؟ وهل يتغيّر ذلك في الهواء وفي الفراغ ؟ — وهو يعلم مسبقا أين يجد الجواب: في المشاهدة والقياس والتجربة، وفي جامع الحقائق العلمية. ـ ويسأل الثاني: ولماذا يخضع الكون لقانون أصلا ؟ وهل ما نسمّيه «سببا» موجودٌ في الأشياء أم في أذهاننا ؟ وهل لهذا الترتيب كلّه أصلٌ أوّل ؟ — وهو لا يعلم أين يجد الجواب، ويعلم أنّه لن يجده في المخبر. الظاهرة واحدة، والسائلان عاقلان، والسؤالان جادّان. ومع ذلك فأحدهما سينتهي هذا المساء، والآخر يُطرح منذ اليونان.

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. الظاهرة ليست هي الموضوع : كلاهما انطلق من سقوط الأجسام، ولكنّ الأوّل اتّخذ موضوعا له الظاهرةَ نفسها في زاوية جزئية منها، والثاني اتّخذ موضوعا له ما تفترضه الظاهرة: القانون، والسببية، والأصل. فالموضوع ليس ما نراه، بل ما نطلبه في ما نراه.
  2. السؤال الأوّل قابل للتحديد، والثاني يترامى : «كم تبلغ سرعتها بعد ثانية ؟» سؤال له حدود، أمّا «هل لهذا الترتيب أصلٌ أوّل ؟» فسؤال لا حدود له، لأنّ كلّ جواب عنه يستدعي سؤالا فوقه. وقد رأينا أنّ ما تترامى حدوده وتنضوي تحته مشكلات جزئية هو الإشكالية.
  3. ومن هنا يتبيّن موضع المقارنة : ليس بين رجلين، ولا بين ذكاءين، بل بين مجالين للموضوعات. ولمّا كان مجال الموضوعات هو الّذي يعيّن الحَكَم ودرجة التجريد ومصير البحث، لزم أن نضبطه في كلٍّ من العلم والفلسفة.

IV – وإذا كان مصير السؤال تابعا لطبيعة موضوعه، فأيّ موضوع للعلم وأيّ موضوع للفلسفة ؟

أولا : موضوع السؤال العلمي

إنّ مجال السؤال العلمي هو المحسوسات، أي عالَمُ الطبيعة وما تستوجبه من التخصّصات الجزئية. فهو لا يتناول كلّ الظواهر الطبيعية في شكلها الشامل كما هو الشأن في السؤال الفلسفي ؛ فهو يتناول عالَم الطبيعة من زوايا متفرّقة، ويتّخذ من ظواهر الطبيعة الجزئية مجالا له لأنّها تخضع للحواسّ. ومن هنا تنتظم خصائص الموضوع العلمي في ثلاث:

  1. موضوع محسوس : من عالَم الطبيعة، تخضع مفرداته للحواسّ فيمكن مشاهدتها وقياسها ؛ ولهذا يتيسّر علاجها باصطناع المنهج العلمي القائم على المشاهدة والتجربة.
  2. موضوع جزئي مُتخصَّص فيه : يتناول الطبيعة «من زوايا متفرّقة»، وينقسم بانقسام التخصّصات ؛ فليس في العلم عالِمٌ بالطبيعة كلّها، بل عالِمٌ بجزء منها. وهذا التقسيم شرطُ الدقّة لا نقصٌ في الطموح.
  3. غايته الحقيقة القريبة : فالمشكلة العلمية تهتمّ بالحقيقة القريبة ؛ وهي قريبة بمعنيين: قريبةٌ من الحسّ لأنّها تُرى وتُقاس، وقريبةٌ في المسافة لأنّ الجواب عنها منتظَر في أجل معلوم.
الظاهرة الجزئية بوصفها موضوعا

ارجع إلى ما لاحظه سقّاؤو «فلورنسا»: الماء لا يرتفع في المضخّات الفارغة أكثر من 10.33 أمتار. لاحِظ ما الّذي جعل من هذه الملاحظة موضوعا علميا: أنّها جزئية (ماءٌ، في مضخّة، إلى حدٍّ معلوم)، وأنّها محسوسة (تُرى وتُقاس بالمتر)، وأنّ الجواب عنها يُطلَب في الظاهرة نفسها (الضغط الجوّي) لا فيما وراءها. ولو أنّ السائل سأل بدلا من ذلك: «ولماذا للطبيعة قوانين تُطاع ؟» لكان قد غادر المجال بسؤال واحد، وهو لم يبرح مكانه.

ثانيا : موضوع السؤال الفلسفي

  1. ما يتجاوز الحسّيات نحو العقليات : إنّ السؤال الفلسفي لا تهمّه كثيرا الظواهر الجزئية والحقائق القريبة، لأنّ هذا من قبيل عالَم الحسّيات، وما هو من هذا القبيل يدخل في دائرة اهتمامات العلماء ؛ وإنّما ما يهمّه هو طرح القضايا الفكرية الّتي تتجاوز الحسّيات نحو العقليات.
  2. حقيقة الحقائق وأصل الأصول : حيث ينصبّ البحث على حقيقة الحقائق، وأصل الأصول، ومبدأ المبادئ الّذي يفسّر كلّ ما يجري في الطبيعة وما وراء الطبيعة.
  3. العلل الأولى للموجودات : فالسؤال الفلسفي يتعلّق بما وراء الطبيعة ؛ وهو يقتضي في موضوعاته الانتقالَ من مجال البحث الواقعي إلى مجال البحث عن العلل الأولى للموجودات.
  4. غايته الحقيقة البعيدة : فالمشكلة الفلسفية تسعى إلى البحث عن الحقيقة البعيدة ؛ وبُعدها ليس بُعدَ مسافة، بل بُعدُ رتبة: هي الحقيقة الّتي تقوم عليها الحقائق الأخرى.
موضوعات السؤال الفلسفي عند اليونان

إنّ الموضوعات الّتي تناولها السؤال الفلسفي لدى اليونان مثلا كانت مغرقةً في التجريد، ومثيرةً للاندهاش والإحراج ؛ ومن ذلك نسجّل التساؤل عن أصل الوجود، من أعلى الألوهية إلى أدنى موجود، وعن طبيعة الأشياء في تركيبها وتغيّرها أو ثباتها. ولاحِظ أنّ هذه الموضوعات لم تُهجَر بعد قيام العلوم: لقد أخذ العلم منها ما يقبل القياس — تركيب الأشياء — وترك للفلسفة ما لا يُقاس: أصل الوجود، ومعنى التغيّر، وهل في المتغيّر ثابت.

الحقيقة القريبة والحقيقة البعيدة

لا يجب الخلط، من جهة، بين المشكلة الفلسفية الّتي تسعى إلى البحث عن الحقيقة البعيدة، والمشكلة العلمية الّتي تهتمّ بالحقيقة القريبة من جهة أخرى. ومعنى ذلك أنّ الخلاف بينهما ليس خلافا في المقدار — كأنّ الفلسفة علمٌ أوسع أو العلم فلسفةٌ أضيق — بل خلافٌ في الرتبة المطلوبة: العالِم يطلب السبب القريب للظاهرة، والفيلسوف يطلب الأصل الّذي تقوم عليه الأسباب. ولهذا لا ينوب أحدهما عن الآخر: لو أجاب العالِم عن كلّ أسئلته لبقي سؤال الفيلسوف كما هو، ولو أجاب الفيلسوف عن كلّ أسئلته لَما ارتفع الماء في المضخّة مترا واحدا.

ثالثا : ما يترتّب على اختلاف الموضوع

ويتّصل بمجال الموضوعات هذه، موقعُ مستوى الدراسة. فالمشكل الفلسفي ليس مشكلا ذا طابع حسّي وعملي، لا لدى العلماء في مختلف التخصّصات، ولا لدى جميع الناس في حياتهم المعيشية ؛ إنّه يتموقع في مستوى الأفكار ومنطقها وأنساقها، ومستوى التصوّرات الكلّية والتطلّعات الشمولية. إنّه إذن صعوبة عقلية على درجة عالية من التجريد، تواجه العقل فتزعج سكينته.

1 ـ من الظاهرة الجزئية إلى مبدأ المبادئ

ولأنّ الموضوع الفلسفي يتقدّم كأطروحة عقلية مجرّدة لا كوضعية عملية، كان أثره في النفس أشدّ: فالدهشة الّتي ينطلق منها التفلسف أشدّ وأبلغ في سؤال يتقدّم كأطروحة عقلية ومجرّدة، منها في سؤال يتقدّم كوضعية عملية مُشكلة ؛ لأنّها تهزّ الإنسان في كلّ كيانه، بلحمه ودمه، وفي كلّ أعماق حياته الذهنية والاجتماعية. ومن هنا نستطيع أن نرتّب الفرق بين الموضوعين في أربع جهات:

  1. من حيث المجال : عالَم الطبيعة والمحسوسات في العلم ؛ وما وراء الطبيعة والعقليات في الفلسفة.
  2. من حيث السعة : الظاهرة من زاوية جزئية مُتخصَّص فيها في العلم ؛ والقضية الكلّية الشمولية في الفلسفة.
  3. من حيث الغاية : الحقيقة القريبة والسبب القريب في العلم ؛ وحقيقة الحقائق وأصل الأصول ومبدأ المبادئ في الفلسفة.
  4. من حيث مستوى الدراسة ودرجة التجريد : طابعٌ حسّي وعملي في العلم ؛ ومستوى الأفكار وأنساقها والتصوّرات الكلّية في الفلسفة، أي صعوبة عقلية على درجة عالية من التجريد.
لماذا لا يُغني أحد الموضوعين عن الآخر

إنّ السؤال الفلسفي لا تهمّه كثيرا الظواهر الجزئية والحقائق القريبة، لأنّ هذا من قبيل عالَم الحسّيات، وما هو من هذا القبيل يدخل في دائرة اهتمامات العلماء. ولاحِظ في هذه العبارة كلمتين: «لا تهمّه كثيرا» و«يدخل في دائرة اهتمامات العلماء». فليس بين المجالين جدارٌ، بل توزيعُ اختصاص: الفلسفة لا تحتقر المحسوس، ولكنّها لا تقف عنده ؛ والعلم لا ينكر الكلّي، ولكنّه لا يجعله موضوعا لتجربة. ومن حاول أن يعالج موضوع أحدهما بأدوات الآخر، أخطأ في المجال قبل أن يخطئ في الجواب.

إذا كان موضوع الفلسفة هو ما وراء الطبيعة، أفلا يعني هذا أنّ العلم كلّما تقدّم ضاق مجال الفلسفة ؟

هذا اعتراض قويّ في ظاهره، ضعيف في أساسه. فهو يفترض أنّ الفلسفة والعلم يقتسمان أرضا واحدة، فما ربحه أحدهما خسره الآخر. والحال أنّ الفرق بينهما فرقٌ في رتبة السؤال لا في مساحته: العالِم يطلب السبب القريب للظاهرة، والفيلسوف يطلب الأصل الّذي تقوم عليه الأسباب. والدليل في المثال نفسه: لمّا أثبت العلم أنّ الضغط الجوّي هو سبب توقّف الماء، لم يُلغِ السؤال عن معنى السببية ولا عن أصل النظام في الكون ؛ بل إنّ كلّ قانون جديد يكتشفه العلم يزيد سؤال الفيلسوف إلحاحا: من أين لهذا الكون أن يكون مقروءا أصلا ؟ ولهذا قيل إنّ الفلسفة تبحث في «مبدأ المبادئ الّذي يفسّر كلّ ما يجري في الطبيعة وما وراء الطبيعة»: وهي عبارةٌ تجعل الطبيعة داخل موضوعها لا خارجه، ولكن من جهة أخرى غير جهة العالِم.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة مقارنة صريحة: «قارن بين الفلسفة والعلم من حيث الموضوع»، وقد يأتي مندمجا في سؤال أوسع: «هل يمكن أن يستغني العلم عن الفلسفة ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① أربعة أزواج مرتّبة للمقارنة (المجال · السعة · الغاية · مستوى التجريد) — والمقالة المقارِنة تُصحَّح على وجود أوجه الاتّفاق والاختلاف مرتّبةً، لا على غزارة الكلام ؛ ② مصطلحات الموضوع الفلسفي بألفاظها (حقيقة الحقائق · أصل الأصول · مبدأ المبادئ · العلل الأولى للموجودات) — وهي ألفاظ تُحسَب لك ؛ ③ مثال مزدوج واحد من ظاهرة واحدة (سقوط الأجسام أو توقّف الماء) تُريه سؤالين مختلفين. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : جعل الفرق فرقا في الصعوبة أو في القِدَم («الفلسفة قديمة والعلم حديث») ؛ والفرق المطلوب هو في طبيعة الموضوع. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الانتهاء إلى أنّ العلم ألغى الفلسفة — وهو حكمٌ لا تسنده المقارنة الّتي أجريتَها أنت في متن المقالة، والتناقض بين المتن والخاتمة يُكلّف أكثر من الخطأ نفسه.
نتيجة — يفترق العلم عن الفلسفة أوّل ما يفترقان في الموضوع. فمجال السؤال العلمي هو المحسوسات، أي عالَم الطبيعة مأخوذا من زوايا متفرّقة وفي تخصّصات جزئية، لأنّ ظواهره تخضع للحواسّ ؛ وغايته الحقيقة القريبة. أمّا السؤال الفلسفي فلا تهمّه كثيرا الظواهر الجزئية والحقائق القريبة، وإنّما يطرح القضايا الفكرية الّتي تتجاوز الحسّيات نحو العقليات، فينصبّ بحثه على حقيقة الحقائق وأصل الأصول ومبدأ المبادئ الّذي يفسّر ما يجري في الطبيعة وما وراءها ؛ وغايته الحقيقة البعيدة. ويترتّب على هذا الاختلاف اختلافٌ في مستوى الدراسة نفسه: فالمشكل الفلسفي يتموقع في مستوى الأفكار وأنساقها والتصوّرات الكلّية، أي أنّه صعوبة عقلية على درجة عالية من التجريد. ⟸ وإذا كان الموضوعان مختلفين إلى هذا الحدّ، أفيمكن أن يُعالَجا بالطريقة نفسها ؟ وبأيّ منهج يشتغل كلٌّ منهما ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net