الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم في فلسفة الرياضيات

أصل المفاهيم الرياضية

🔊 المعلّمة تقرأ لك
أشِر بإصبعك إلى دائرة: قرصُ القمر، أو حدقةُ العين، أو الأثرُ الذي تتركه قطرة المطر على صفحة الماء. ثمّ دقّق: هذا ضوء، وتلك لحم، وذاك موجةٌ تتّسع ثمّ تزول ؛ ولا واحد منها دائرةٌ تامّة، ولو قِستَه لوجدتَ فيه نقصا. فأين رأيتَ الدائرة إذن ؟ وكيف حكمتَ على هذه الأشكال بأنّها دوائر وأنت لم تُبصر الدائرة قطّ ؟ فهل جاءتك المعاني الرياضية من هذه الأشياء، أم كانت في عقلك قبل أن تراها ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض أطروحة الأصل العقلي للمفاهيم الرياضية وحججها، مسندةً إلى أصحابها
  • عرض أطروحة الأصل التجريبي وأدلّتها من الطفل والإنسان البدائي وتاريخ العلوم
  • الاستدلال على المصدر الثنائي للمفاهيم الرياضية، وبيان معنى «الراسب الحدسي» في كلّ بناء تجريدي
  • تفسير معنى الإغراق في التجريد: الانتقال من الشيء إلى العدد ثمّ إلى الرمز
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • مذهب العقلانيين في مصدر المعرفة (الأفكار الفطرية والمبادئ القبْلية)، ومذهب التجريبيين (الصفحة البيضاء)
  • الفرق بين المحسوس والمجرّد، وبين الشكل الهندسي والشيء المادّي
  • معنى التجريد والتعميم في بناء المفاهيم
إذا كان لكلّ شيء أصل ولكلّ علم مصدر، فما أصل الرياضيات — هذه الصناعة المجرّدة — وما مصدر مفاهيمها ؟ فهل ترتدّ كلّها إلى مدركاتنا الحسّية وإلى ما انطبع في أذهاننا من صور استخلصناها من العالم الخارجي ؟ أم تعود في حقيقتها — كصناعة مجرّدة — إلى العقل الصرف ؟ وهل الرياضيات في أصلها الأوّل صادرة عن العقل بالضرورة، أليس للتجربة تأثير في وجودها ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تحتلّ الرياضيات في التفكير المنطقي والتفكير العلمي مكانةً لا تُنازَع، ويُعزى ذلك إلى دقّة منهاجها ونتائجها. غير أنّ هذه المكانة نفسها تثير سؤالا سابقا عليها: من أين جاءت ؟ فالصناعة التي تُوصف بأنّها أشدّ المعارف تجريدا لا بدّ أن يكون لها أصل، والخلاف في هذا الأصل ليس خلافا في التاريخ، بل في طبيعة العقل نفسه. فهل معدن المفهوم الرياضي حسّي أم عقلي ؟ وهل حقيقته في العالم الخارجي المتغيّر أم في العالم الذهني المستقرّ ؟ وهل يولد الإنسان خِلْوًا من أدوات إدراك الطبيعة، أم يولد بمُعدّات فطرية وأفكار أوّلية سابقة للتجربة ؟ وقبل الرّدّ على ذلك، لنا في الأمر مدخل.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

حوار بين بحّار (ب) وصديقٍ (ص) يمتهن تدريس الرياضيات

ـ (ب) : يا له من جوٍّ ربيعي، تزامن فيه سقوط المطر وازدحمت فيه الأسماك فوق سطح البحر ؛ ـ (ص) : إنّي لا أحسّ فقط بما تحسّ به أمام هذا المنظر الخلاّب، بل إنّي أرى في بعض ظواهره وأشكاله ما يجسّد أفكارنا وتصوّراتنا ؛ ـ (ب) : دعني أعود بك إلى الطبيعة ؛ انظر إلى هذه الخطوط المستقيمة التي يرسمها نزول قطرات المطر المتواصل، وانظر إلى هذه الدوائر التي يشكّلها سقوط هاته القطرات ؛ خذ بيدك هاته الأسماك وهي تعوم على سطح البحر: ها هي واحدة ! ثمّ ثانية ! فثالثة ! … ـ (ص) : أجل يا بحّار، ولكنّ هذا الذي تشاهده ليس خطّا مستقيما حقيقيا، وكذا شأن الدائرة وشأن العدد ؛ ـ (ب) : هل ما أشاهده هو مجرّد خيال ؟ ـ (ص) : إنّ الخطوط المستقيمة وجميع الأشكال الهندسية والأعداد الحسابية هي في حقيقتها مفاهيم عقلية ومعانٍ مجرّدة، ولا علاقة لها بالأشياء ؛ ـ (ب) : أليس قرصُ القمر أو حدقةُ العين شكلا دائريا ؟ ـ (ص) : أجل، ولكنّ الدائرة لا ترضى أن تكون من ضوء، ولا من موجات مائية، ولا من لحم ؛ إنّها دائرة مجرّدة ثابتة تستقرّ بالعقل، ولا وجود لها في الواقع المتغيّر ؛ وقل الشيء نفسه بالنسبة إلى العدد: فالواحد ليس سمكةً ولا قطرةً مائية ولا شجرة ؛ إنّه مفهوم عقلي متجرّد تماما من أيّة مادّة ؛ ـ (ب) : حتّى لا أتعنّت معك، أذكّرك بمثَل سائر عندنا يقول: إنّ المولود يولد صفحةً بيضاء ؛ ألا يعني هذا أنّ ما نشاهده من أشكال في الطبيعة هو الذي يوحي لنا بهذه المعاني الرياضية ؟ ـ (ص) : ولكنْ لماذا ما نشاهده لا يوحي أيضا للبهيمة بهذه المفاهيم ؟ ألا ترى بأنّ العقل هو الذي يسمّي الشكل «دائرة» على مقاس ما يحمله من معطيات فطرية ؟ ألا تعلم بأنّ العقل الرياضي أصبح اليوم يبدع من الرموز المفرطة في التجريد ما ليس في الطبيعة، وأنّه يفترض ما شاء من مبادئ وأشكال ومنطلقات دون أن يتساءل عمّا يقابلها في العالم الحسّي ؟

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. منطلقان متقابلان : فبينما كان البحّار يؤسّس تفكيره انطلاقا ممّا يرى من ظواهر طبيعية وما تثيره في نفسه من إعجاب وتذوّق جمالي، جنح صديقه إلى ما وراء هذه الظواهر، معتبرا أنّ أشكالها الهندسية وما تفرزه من مفاهيم رياضية لا معنى لها إلاّ متى كان العقل يحمل — قبْليا — صورَها التجريدية دون سابق تجربة ولا إدراك حسّي.
  2. صفحةٌ بيضاء أم عقلٌ مزوَّد : فالأوّل يعتقد أنّ الإنسان ما هو في حقيقته سوى صفحة بيضاء تنطبع فيها المدركات الخارجية ؛ والثاني يستبعد تأثير العالم الخارجي على العقل، معتقدا أنّ هذا العقل يكون بالولادة مزوَّدا بجملة من المعاني الرياضية والمبادئ المنطقية المجرّدة — كالعلم بالعدد والأشكال الهندسية ومبدأ الهوية.
  3. حجّةٌ يقدّمها الحوار نفسه : ولماذا لا يوحي المشهدُ نفسُه للبهيمة بهذه المفاهيم وهي تراه ؟ فالرؤية إذن ليست كافية ؛ لا بدّ ممّن يسمّي الشكل «دائرة» على مقاس ما يحمله.
  4. وسؤالٌ ترك معلّقا : فهل معدن المفهوم الرياضي حسّي أم عقلي ؟ ويُفهم من آخر الحوار أنّ العقل الرياضي — بقطع النظر عن مصدر مفاهيمه — انطلق في الأحقاب الأخيرة نحو إنتاج ما شاء من منطلقات، متجاوزا الأطروحة الكلاسيكية القائلة بدور العالم الخارجي.

I – أصل المفاهيم الرياضية

أولا : أصلها عقلي

يرى العقليون — أو المثاليون — أنّه بإمكان الإنسان الوصولُ إلى معرفة جوهرية عمّا يحيط به من أشياء بواسطة الاستدلال العقلي الخالص وبغير لجوء إلى مقدّمات تجريبية ؛ فالعقل بطبيعته يتوفّر على مبادئ وأفكار فطرية سابقة للتجربة الحسّية، تتمتّع بالبداهة والوضوح ؛ وكلّ ما يصدر عنه من أحكام وقضايا ومفاهيم يُعتبر ضروريا وكلّيا ومطلقا. وبذلك فالعلم الإنساني عموما لا يأتي من الخارج إلى العقل، بل ينبع من العقل ذاته ؛ والرياضيات جملةٌ من المفاهيم المجرّدة أنشأها الذهن واستنبطها من مبادئه دون حاجة إلى الرجوع إلى الواقع. ودليلهم على ذلك أنّنا إذا تصفّحنا هذه المعرفة وجدناها تتّصف بـالمطلقية والضرورة والكلّية ؛ وهي مميّزات خالصة موجودة في المعرفة الرياضية، وتتعذّر في غيرها من العلوم التي تُنسب إلى التجربة. فالمكان الهندسي والخطّ المستقيم ومفاهيم العدد واللانهائي والأكبر والأصغر، كلّها معانٍ عقلية مجرّدة لا تدلّ على أنّها نشأت عن طريق الملاحظة الحسّية ولا أنّها نسخة منها.

ديكارت

يرى الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» ⁦(1596-1650)⁩ أنّ المعاني الرياضية من أعداد وأشكال هي أفكار فطرية أودعها الله فينا منذ البداية، مثل فكرة الله ؛ وأنّ هذه الأفكار تتمتّع بالبساطة والبداهة واليقين. ولمّا كان العقل «أعدل قسمة بين الناس»، فإنّ الناس جميعا يشتركون في العمليات العقلية حيث يقيمون عليها استنتاجاتهم، كما أنّ بإمكانهم الوصول إليها.

كانط

يعتبر الفيلسوف الألماني «إمانويل كانط» ⁦(1724-1804)⁩ أنّ المكان والزمان ليسا مفهومين مجرّدين، بل هما عِيانٌ محض، وشرطُ كلّ العلاقات التي تتجلّى بين المحسوسات ؛ فليسا مشتقّين من الإحساسات ولا مستمَدّين من التجربة، بل هما الدعامة الأولى لكلّ معرفة حسّية، وطبيعتهما الأوّلية تجعلهما يتّصفان بالضرورة — وهي صفة لا نجدها إلاّ في القضايا الرياضية القائمة على هذين المفهومين. ويجب التنبيه إلى أنّه كان في هذا السياق يسعى إلى تحقيق التركيب بين مصدرَي العقل والتجربة، بحيث لا يكون معنًى للأوّل دون الثاني.

ثانيا : أصلها تجريبي

إنّ المبادئ والمفاهيم الرياضية، مثل جميع معارفنا فيما يرى الحسّيون والتجريبيون أمثال «لوك» و«هيوم» و«مل»، لم ترد على الإنسان من أيّ جهة أخرى غير العالَم الواقعي الحسّي أو التجريبي ؛ فهو المصدر اليقيني للمعرفة ولجميع الأفكار والمبادئ، وكلّ معرفة عقلية صدًى لإدراكاتنا الحسّية عن هذا الواقع. فالتجربة هي التي تخطّ سطورها على العقل الذي هو شبيه بالصفحة البيضاء ؛ وفي هذا يقولون: «لا يوجد شيء في الذهن ما لم يوجد من قبلُ في التجربة». أمّا القضايا الرياضية — وهي من الأفكار المركّبة — فليست سوى تعميمات مصدرها التجربة، ترتدّ عند تحليلها إلى مصدرها الحسّي.

  1. دليل الطفل : فالطفل في مقبل عمره يدرك العدد كصفةٍ للأشياء، لا كمعنًى قائم بذاته.
  2. دليل الإنسان البدائي : فهو لا يفصل العدد عن المعدود، إذ نراه يستخدم لكلّ نوع من الأشياء مسمّيات خاصّة ؛ وقد استعان عبر التاريخ عند العدّ بالحصى وبالعيدان وبأصابع اليدين والرجلين. فالمفاهيم الرياضية عند الأطفال والبدائيين لا تفارق مجال الإدراك الحسّي، وكأنّها صفةٌ ملابسة للشيء المدرَك.
  3. دليل تاريخ العلوم : فالرياضيات قبل أن تصبح علما عقليا قطعت مرحلةً كلّها تجريبية ؛ ويشهد على ذلك أنّ الهندسة — وهي أقرب إلى التجربة — سبقت الحساب والجبر. بل إنّ المفاهيم الأكثر تجريدا أخذت نشأتها بمناسبة مشاكل محسوسة، مثل تكعيب البراميل وألعاب «الصدفة» التي عملت على ظهور حساب الاحتمالات.

ثالثا : الإغراق في التجريد من طبيعة الرياضيات

إنّ العقل والتجربة مرتبطان متلازمان: فلا وجود لعالَم مثالي للمعاني الرياضية في غياب العالم الخارجي، ولا وجود للأشياء المحسوسة في غياب الوعي الإنساني وبمعزل عن ملكة تجريدية. والحقيقة أنّ المعاني الرياضية لم تنشأ دفعةً واحدة، وأنّ فعل التجريد أوجدته عوامل موضوعية حسّية ومناخٌ ذهني يشترك فيه الإنسان ككائن عاقل. ونظرا إلى أنّ الرياضيات صناعة تجريدية، فإنّ التاريخ يخبرنا بأنّها كانت دائما منصرفةً عن المحسوس، مهتديةً نحو الإغراق في التجريد أكثر فأكثر: فالانتقال حصل من الشيء المحسوس إلى العدد، ومنهما إلى الرمز — كالإشارة الجبرية — للتعبير عن المحسوس وغير المحسوس ؛ فالأعداد كميات مجرّدة، والجبر تجريدٌ لهذا التجريد.

غونزيث

يقول العالم الرياضي السويسري «ف. غونزيث» ⁦(1890-1975)⁩: في كلّ بناء تجريدي يوجد راسبٌ حدسي يستحيل محوه وإزالته. فليست هناك معرفة تجريبية خالصة، ولا معرفة عقلية خالصة ؛ بل كلّ ما هنالك أنّ أحد الجانبين — العقلي والتجريبي — قد يطغى على الآخر دون أن يلغيه تماما. محمد عابد الجابري، تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، ص 122

بياجي

المعرفة ليست معطًى نهائيا جاهزا ؛ وإنّ التجربة ضرورية لعملية التشكّل والتجريد. ومع ذلك يمكن القول بدون مبالغة إنّ عالَم الرياضيات هو عالَم الإنسان، أي عالَم كائنِ التجريد العقلي الخالص.

إذا كان الأصل ثنائيا، فلماذا احتدم النزاع بين العقليين والتجريبيين كلّ هذا الاحتدام ؟

لأنّ كلّ فريق نظر إلى المفهوم الرياضي في طرف من عمره. فالتجريبي ينظر إلى بدايته: حيث الطفل يعدّ الأشياء لا الأعداد، وحيث الهندسة سبقت الجبر، وحيث حساب الاحتمالات وُلد من ألعاب الصدفة ؛ وكلّ ذلك واقعٌ لا يُنكَر. والعقلي ينظر إلى نهايته: حيث لا دائرة في الطبيعة تطابق الدائرة، وحيث يبدع العقل رموزا ليس لها ما يقابلها في العالم الحسّي ؛ وهذا أيضا واقعٌ لا يُنكَر. فالخلاف إذن ليس بين صادقٍ وكاذب، بل بين من يصف المنشأ ومن يصف الطبيعة الحالية. ولهذا كان القول بالمصدر الثنائي هو ما يُلزمنا به المنطق: لا معرفة تجريبية خالصة ولا عقلية خالصة، وفي كلّ بناء تجريدي راسبٌ حدسي لا يُمحى. ⛔ واحذر في الامتحان من الفهم الكسول لهذا التركيب: إنّه ليس «نصفٌ من هنا ونصفٌ من هناك»، بل هو أنّ أحد الجانبين قد يطغى على الآخر دون أن يلغيه ؛ والتجريد نفسه فعلٌ عقلي يشتغل على مادّة لم يصنعها.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية: «هل المفاهيم الرياضية عقلية أم تجريبية الأصل ؟» أو في تحليل نصّ حول أصل المعاني الرياضية. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① حجّة عقلية بمثالها (لا دائرة في الطبيعة تطابق الدائرة: القمر ضوء، والحدقة لحم — والدائرة لا ترضى أن تكون من ضوء ولا من لحم) ؛ ② حجّة تجريبية بأدلّتها الثلاثة (الطفل يدرك العدد صفةً للأشياء · البدائي لا يفصل العدد عن المعدود · الهندسة سبقت الجبر، وحساب الاحتمالات وُلد من ألعاب الصدفة) ؛ ③ أطروحة التركيب مسندةً: «في كلّ بناء تجريدي راسبٌ حدسي يستحيل محوه» عند غونزيث، وضرورة التجربة للتشكّل عند بياجي. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : أن يُكتفى في التركيب بعبارة «الأصل عقلي وتجريبي معا» دون حجّة ؛ وهذا يُقرأ تهرّبا لا تركيبا — أسنِد التركيب إلى صاحبه واذكر حجّته. ⚠️ وخطأ ثانٍ : الخلط بين أصل المفهوم الرياضي وقيمة القضية الرياضية ؛ فالسؤال هنا في المنشأ لا في اليقين.
نتيجة — في أصل المفاهيم الرياضية موقفان. يرى العقليون أنّها صادرة عن العقل وحده: مبادئ فطرية سابقة للتجربة تتّصف بالمطلقية والضرورة والكلّية، فالمعاني الرياضية أفكار فطرية عند ديكارت، والمكان والزمان عِيانٌ محض شرطٌ لكلّ إدراك عند كانط ؛ وحجّتهم أنّ ما في الطبيعة ليس دائرةً ولا خطّا مستقيما حقيقيا. ويرى الحسّيون أنّها لم ترد على الإنسان من غير العالم الحسّي، فالعقل صفحة بيضاء تخطّ عليها التجربة سطورها ؛ وحجّتهم الطفلُ الذي يدرك العدد صفةً للأشياء، والبدائيُّ الذي لا يفصل العدد عن المعدود، وتاريخُ العلوم الذي يشهد بأنّ الهندسة سبقت الجبر وأنّ حساب الاحتمالات نشأ من ألعاب الصدفة. غير أنّ المنطق يُلزمنا بالقول بالمصدر الثنائي: فالعقل والتجربة متلازمان، ولا معرفة تجريبية خالصة ولا عقلية خالصة، وفي كلّ بناء تجريدي راسبٌ حدسي يستحيل محوه ؛ وإنّما يطغى أحد الجانبين على الآخر دون أن يلغيه. وتبقى طبيعة هذه الصناعة أنّها ماضية في الإغراق في التجريد: من الشيء إلى العدد، ومن العدد إلى الرمز.

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net