اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 7 الثورة التحريرية الجزائرية في الشعر العربي

"الإنسان الكبير" (محمد الصالح باوية)

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

ولد محمّد الصّالح باوية بـ«المغيّر» ولاية الوادي عام 1930 م. حصل على الشّهادة في الطّبّ في بلغراد سنة 1969 م، وشهادةِ الاختصاص في جراحة العظام بالجزائر سنة 1979 م، وعمل في عدّة مستشفيات. ولم يمنعه اختصاصُه العلميّ من قرض الشّعر، فكان فنّانًا رقيق المشاعر، وكان من أوائل الجزائريّين الّذين كتبوا القصيدة الحرّة.

ومن أشهر دواوينه «أغنيات نضاليّة»، الّذي تغنّى فيه بالقضايا الوطنيّة والقوميّة، مثلما نرى في هذا النّصّ الّذي يربط فيه بين قضيّة وطنه (الثّورة الجزائريّة) وقضيّة الوحدة بين مصر وسوريا سنة 1958 م.

⭐ وهذان الخبران ليسا حِلْيةً في نبذة: طبيبٌ يكتب الشّعر، وقصيدةٌ حرّة لا شطرَ فيها ولا قافيةَ ملتزمة. فلا تبحثْ في هذا النّصّ عن صدرٍ وعجُز — ابحثْ عن السّطر، فهو وحدةُ البناء فيه، وستَعُدُّ أسطرَه في درس القواعد.

🚪تقديم النّصّ

يقول أحد الدّارسين:

شهادةُ دارسٍ في شعر الثّورة

«إنّ المتتبّع للحركة الشّعريّة ومواكبتِها للثّورة الجزائريّة يخرج بنتيجةٍ مفادها أنّ الكلمة هي الأخرى كانت تقاتل إلى جانب الرّصاصة، وعليه فالشّاعر كان من جنود هذه الأمّة…»

فإلى أيّ حدٍّ يمكن أن ينطبق هذا على النّصّ الآتي؟

📜النّصّ

«الإنسان الكبير» — محمّد الصّالح باوية
الرّقمالسّطر
1قال شعبي يومَ وحّدنا المصير:
2أنت إنسانٌ كبيرٌ…
3يا جراحي
4أَوْقِفي التّاريخَ أنا نبعُ تاريخٍ جديد
5يزرعُ الكونَ سلامًا وابتسامًا وبطولاتِ شهيد
6من ضلوعي من دمي عَبْرَ الجزائر
7من خُطى طفلٍ جريءٍ يحملُ المدفعَ في أرض الجزائر
8يا جراحي…
9في دمي كنزُ السّنابل
10ينحني شوقًا إلى صوتِ المناجل
11ينحني للشّمس للفجر إلى خلجةِ ثائر
12ينحني شوقًا إلى قُبلةِ طفلي وزغاريدَ وشاعر
13يا جراحي
14أَوْقِفي التّاريخَ أنا حَدَثٌ ثَرٌّ، وكَوْنٌ لا يُحسد
15يغرقُ التّاريخَ والكونَ يجرحُ يستجدّ
16فبلادي ثورةٌ بِكرٌ… بأرضي بسمائي بكياني تَسْتَبِدّ
17يا أنا يا ثورتي… يا أغاني طفلتي…
18أنا إنسانٌ كبيرٌ…
19قال شعبي يومَ وحّدنا المصير
20أَحْبِسِ السُّحُبْ… هنا بحرٌ وأمطارٌ سخيّه
21وربيعٌ صاغه طفلٌ لشعبي وصَبيّه…
22أَوْقِفِ اللّحظةَ أنا لحظةٌ كبرى غنيّه
23لم تزلْ تنثرُ في الكون حكايا وهدايا عربيّه
24أَطفِئِ النّيرانَ أنا قلبُ بُركانٍ جريءٌ للأساطيل العتيقه
25للطّواغيت، لأصنامٍ غبيّه…
26أَسْكِتِ الطّيرْ
27فأنا خلجةُ الإنسان تشدو في عروقٍ عربيّه
28تَعْبُرُ الأحلامَ للشّمس السّخيّه…
29يا رفيقي أنا إنسانُ صراع
30مِلءُ كفّي حزمةٌ مَصْلوبةٌ من عزماتٍ وشِراع
31وغصونٌ وبقايا ذكرياتٍ وشُعاع
32قَبْضتي هذي، سماءٌ وترابٌ، وعصاراتُ متاعي…
33وبقلبي ثورةٌ تمتصُّ معنى العاصفات
34توقظُ الأرضَ بفأسٍ ولهاة
35وتُعيدُ العطرَ كلَّ العطرِ للزّهرِ المُدَمَّى… للحياة…
36ثورةُ إنسانةِ الغلّاتِ تسقي أمنياتي
37والرّبى والصّبحُ من نبعِ الحياة…
38باركيها يا جموعي يا فتاتي
39أنا إنسانُ حياتي.

محمّد الصّالح باوية — ديوان «أغنيات نضاليّة»

📖أثري رصيدي اللّغويّ

① في معاني الألفاظ — أربعُ كلماتٍ يفسّرها الدّرس، وكلٌّ منها في سطرٍ معلوم:
  • خلجة: تحرّكٌ واضطرابٌ في النّفس — السّطران 11 و27؛
  • ثَرّ: دافقٌ وغزير — السّطر 14؛
  • بِكر: أوّلُ كلّ شيءٍ، والشّيءُ الّذي لا مثيل له — السّطر 16؛
  • صاغه: صنعه على مثالٍ معيّن — السّطر 21.
② في الحقل المعجميّ — ابحثْ عن المعاني الّتي تنتمي إلى حقل القِيَم حسب ورودها في النّصّ.
اجمعْ من النّصّ ما يدلّ على قيمة، تجدْه ينتظم في أربع دوائر:
  • قيمُ السّلم والإنسانيّة: «سلامًا»، «وابتسامًا» ⁦(5)⁩، و«خلجةُ الإنسان» ⁦(27)⁩، و«إنسانٌ كبير» (2، 18)؛
  • قيمُ البطولة والفداء: «بطولاتِ شهيد» ⁦(5)⁩، «طفلٍ جريء يحمل المدفع» ⁦(7)⁩، «قلبُ بُركانٍ جريء» ⁦(24)⁩، «عزمات» ⁦(30)⁩؛
  • قيمُ الحرّيّة والثّورة: «ثورةٌ بِكرٌ» ⁦(16)⁩، «تَسْتَبِدّ» ⁦(16)⁩، «صوتِ المناجل» ⁦(10)⁩؛
  • قيمُ الحياة والأمل: «الفجر» ⁦(11)⁩، «الصّبح» ⁦(37)⁩، «للحياة» ⁦(35)⁩، «من نبعِ الحياة» ⁦(37)⁩، «تُعيدُ العطرَ» ⁦(35)⁩، «باركيها» ⁦(38)⁩.
⛔ ولا تخلطْ بين الحقلين: في النّصّ ألفاظٌ من الحقل المقابل — «للطّواغيت»، «لأصنامٍ غبيّه» ⁦(25)⁩، «للأساطيل العتيقه» ⁦(24)⁩، «النّيرانَ» ⁦(24)⁩. هذه قيمٌ منفيّة، يذكرها الشّاعر ليُزيلها، فلا تُحسب في حقل القيم الّتي يدعو إليها. ⭐ والقاعدةُ عامّة: الحقلُ المعجميّ يُبنى على ما يُثبته النّصّ، لا على كلّ ما يذكره.
③ في الحقل الدّلاليّ — ما دلالاتُ الكلمات الآتية: الأبكار، البِكْر، البُكور، البَكْر؟
الأربعةُ من جذرٍ واحد: ب ك ر. وقد أعطاك الدّرسُ معنى الأصل، فابنِ عليه:
  • البِكْر: هو المعنى المشروح في هذا الدّرس نفسِه — أوّلُ كلّ شيء، والشّيءُ الّذي لا مثيل له؛ وهو المستعمَل في السّطر 16: «فبلادي ثورةٌ بِكرٌ» — أي ثورةٌ أولى لا سابقةَ لها ولا نظير؛
  • الأبكار: جمعُ البِكْر، فهو يحمل معناه في الجمع.
💡 وأمّا البُكور والبَكْر فعملُك أنت، والمعجمُ سلاحُك. وهذه خطّة العمل: ① افتحْ المعجم على مادّة «ب ك ر» — واعلمْ أنّ المعاجم ترتّب بالجذر لا بالكلمة؛ ② اقرأِ المادّة كاملةً، وسجّلْ لكلّ صيغةٍ معناها وشاهدَها؛ ③ ثمّ قابلْ بين الأربع: ستجد أنّ الحروف واحدة، وأنّ الحركة وحدها هي الّتي فرّقت بين المعاني. ⭐ وهذا هو درسُ الحقل الدّلاليّ كلُّه: الجذرُ يجمع، والصّيغةُ تفرّق.
④ استعنْ بكتاب التّاريخ المدرسيّ وحدّدْ أهمّ العوامل في نجاح الثّورة الجزائريّة.
⛔ هذا السّؤال يخرج بك من الأدب إلى التّاريخ، ولذلك أحالك الدّرسُ على كتابٍ آخر: الجوابُ الموثَّق يُطلب من كتاب التّاريخ، لا يُستنبط من قصيدة.
غير أنّ النّصّ يعطيك فرضيّاتٍ تذهب بها إلى كتاب التّاريخ لتتحقّق منها — وهذا وحدَه ما يقدّمه الشّعر:
  • وحدةُ الصّفّ: «قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» (1، 19)؛
  • التفافُ الشّعب حول ثورته: «باركيها يا جموعي» ⁦(38)⁩؛
  • مشاركةُ كلّ الفئات، حتّى الأطفال: «من خُطى طفلٍ جريءٍ يحمل المدفع» ⁦(7)⁩؛
  • البُعدُ العربيّ والدّعمُ الخارجيّ: «حكايا وهدايا عربيّه» ⁦(23)⁩، «عروقٍ عربيّه» ⁦(27)⁩.
💡 وطريقةُ العمل في ثلاث خطوات: ① افتحْ فصلَ الثّورة التّحريريّة في كتاب التّاريخ؛ ② ضعْ جدولًا بعمودين: عاملٌ يذكره التّاريخ وشاهدٌ يوافقه في القصيدة؛ ③ اكتبْ في الأخير سطرًا واحدًا: ما الّذي ذكره التّاريخُ ولم تذكره القصيدة؟ فذاك هو الفرقُ بين التّوثيق والتّعبير.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه، وكلُّ جوابٍ يسمّي رقم سطره. اقرأْ أوّلًا، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابله بما وجدْتَ.
من المتكلّم في هذا النّصّ، ومن المتلقّي؟
المتكلّم: هو الشّاعر، ولكنّه لا يتكلّم بصفته فردًا:
  • يعلن عن نفسه صراحةً: «أنا إنسانٌ كبير» ⁦(18)⁩، «أنا إنسانُ صراع» ⁦(29)⁩، «أنا إنسانُ حياتي» ⁦(39)⁩؛
  • غير أنّ هذه «الأنا» جماعيّة، والدّليلُ في مطلع القصيدة وفي وسطها: «قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» (1، 19) — فالكلامُ منقولٌ عن الشّعب، والفعلُ مسندٌ إلى «نا»؛
  • ويزيد ذلك بيانًا نداؤه لذاته وثورته في نَفَسٍ واحد: «يا أنا يا ثورتي» ⁦(17)⁩.
المتلقّي: يوجّه الشّاعر قصيدتَه إلى كلّ مسكونٍ بالثّورة الجزائريّة وبالقضيّة العربيّة بصفةٍ عامّة. والنّصُّ يسمّي مخاطَبيه بالنّداء ثلاث مرّات:
  • «يا جراحي» (3، 8، 13) — وهو يخاطب جراحَه، أي تجربتَه هو؛
  • «يا رفيقي» ⁦(29)⁩ — وهو المناضلُ المشارك؛
  • «يا جموعي يا فتاتي» ⁦(38)⁩ — وهو الشّعبُ والجيلُ الآتي.
⭐ وتأمّلْ هذا التّدرّج، فهو مفتاحُ القصيدة: يبدأ النّداءُ من الذّات (جراحي)، ويمرّ بـالرّفيق، وينتهي إلى الجموع. فالقصيدةُ تتّسع دائرتُها سطرًا بعد سطر، حتّى تصير الأنا شعبًا. ⟸ من جعل المتلقّيَ الشّاعرَ نفسَه فقد وقف عند السّطر 3؛ ومن جعله الشّعبَ فقد قرأ إلى السّطر 38.
ما هو زمان النّصّ ومكانه المؤطّر له؟
الزّمان: موقفٌ تاريخيٌّ محدّد — سنة 1958 م، حين أُعلنت تجربةُ الوحدة المصريّة السّوريّة في قمّة تأجّج الثّورة الجزائريّة، وكانت الثّورة تحقّق أكبر الانتصارات الدّاخليّة والخارجيّة، ممّا كان يثير اعتزاز كلّ الشّعوب العربيّة.
  • وأثرُ هذا الزّمن ظاهرٌ في النّصّ: «قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» (1، 19) — فالوحدةُ هي الحدث؛ و«ثورةٌ بِكرٌ» ⁦(16)⁩ — فالثّورةُ في أوّلها لا في آخرها.
المكان: قسمان، ولا يستقيم الجوابُ بأحدهما وحدَه:
  • فضاءٌ واقعيّ — الجزائرُ باسمها مرّتين: «من ضلوعي من دمي عَبْرَ الجزائر» ⁦(6)⁩، «يحمل المدفعَ في أرض الجزائر» ⁦(7)⁩؛ ومن ورائها الفضاءُ العربيّ: «حكايا وهدايا عربيّه» ⁦(23)⁩، «عروقٍ عربيّه» ⁦(27)⁩؛
  • فضاءٌ خياليّ — وهو أغلبُ النّصّ: مبنيٌّ على الاستعارات والرّموز الّتي يوظّفها الشّاعر في التّعبير، مثل «الكون» (5، 15، 23)، و«قلبُ بُركان» ⁦(24)⁩، و«نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩.
⚖️ والحدُّ بين الفضاءين ليس ذوقيًّا، بل قابلٌ للاختبار: ما يمكن أن يُشار إليه بالإصبع على خريطةٍ أو في حادثةٍ مؤرَّخة فهو واقعيّ (أرض الجزائر، وحدةُ المصير)؛ وما لا وجود له إلّا في اللّغة فهو خياليّ (قلبُ بركان، نبعُ تاريخ). جرّبِ الميزان على كلّ سطرٍ تشكّ فيه.
ما موضوع النّصّ؟ وما مضمونه الإجماليّ؟
الموضوع: افتخارُ الشّاعر بما يحقّقه العربُ آنذاك — في زمن الانتصارات على الأعداء، وخاصّةً الوحدة المصريّة السّوريّة الّتي كانت أمنيةَ الشّعوب العربيّة في تحقيق الوحدة العربيّة بعد طرد المستعمِر الغربيّ منها.
  • فرمَز للعربيّ المنتصر بقيمه الإنسانيّة بـ«الإنسان الكبير»، وهي البنيةُ الدّلاليّة الّتي يحملها العنوان.
المضمون الإجماليّ — القصيدةُ تسير في ثلاث حركات:
  • ① الإعلان ⁦(1-13)⁩: الشّعبُ يسمّي شاعرَه إنسانًا كبيرًا، والشّاعرُ يأمر التّاريخ أن يقف لأنّه هو نفسُه بدايةُ تاريخ؛
  • ② الأمر والتّعليل ⁦(14-28)⁩: سلسلةُ أوامرَ للكون (أوقفي، أحبسِ، أوقفِ، أطفئِ، أسكتِ)، يعلّل كلَّ واحدةٍ منها بـ«أنا…»؛
  • ③ الوعد بالحياة ⁦(29-39)⁩: من «إنسانُ صراع» إلى «إنسانُ حياتي» — تنتهي الثّورةُ بالإعمار: «تُعيدُ العطرَ كلَّ العطرِ للزّهرِ المُدَمَّى… للحياة».
ضمن أيّ لونٍ من ألوان التّعبير الشّعريّ تُصنَّف هذا النّصّ؟ وما الأسسُ الّتي بُنيت عليها استنتاجك؟
📜النّصُّ من الشّعر السّياسيّ التّحرّريّ. وهذه الأسسُ الّتي يُبنى عليها الاستنتاج، لا الاستنتاجُ وحدَه:
  • ① الموضوعُ قضيّةٌ سياسيّة: يتغنّى النّصُّ بقضيّةٍ سياسيّةٍ لا بتجربةٍ ذاتيّة؛
  • ② جَمْعُه بين قضيّتين كانتا الشّغلَ الشّاغلَ في زمن نظم القصيدة: الإشادةُ ببطولات الشّعب الجزائريّ («بطولاتِ شهيد» 5، «يحمل المدفعَ في أرض الجزائر» 7) والوحدةُ العربيّة («وحّدنا المصير» 1، «عروقٍ عربيّه» 27)؛
  • ③ حضورُ الخصم مسمًّى: «للأساطيل العتيقه» ⁦(24)⁩، «للطّواغيت، لأصنامٍ غبيّه» ⁦(25)⁩ — والشّعرُ الوجدانيّ لا خصمَ له؛
  • ④ وظيفةُ النّصّ تحريضيّة: أفعالُ الأمر المتوالية (4، 14، 20، 22، 24، 26) لا تُفهم إلّا في شعرٍ يريد أن يفعل، لا أن يصف.
💡 وطريقةٌ تصلح لكلّ نصّ: لتصنيف قصيدةٍ لا تسألْ عمَّ تتكلّم فقط، بل اسألْ ثلاثة أسئلة: من المخاطَب؟ ومن الخصم؟ وماذا تريد القصيدةُ أن يفعل قارئُها؟ فالجواباتُ الثّلاثة تعطيك اللّون قبل أن تُحصيَ الألفاظ.
إذا كان العنوان بنيةً دالّةً من بنيات النّصّ، فماذا فهمتَ من «الإنسان الكبير»؟
العنوانُ رمزٌ، لا وصفٌ لرجلٍ بعينه. ودلالتُه في ثلاث طبقات:
  • ① الطّبقةُ المباشرة: هو العربيّ المنتصر بقيمه الإنسانيّة — وهي البنيةُ الدّلاليّة الّتي يحملها العنوان؛
  • ② «كبير» ليست كبرًا في الحجم: القصيدةُ تفسّرها بنفسها — كبيرٌ لأنّه «نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩، و«حَدَثٌ ثَرٌّ وكَوْنٌ لا يُحسد» ⁦(14)⁩، و«لحظةٌ كبرى غنيّه» ⁦(22)⁩. فالكِبَرُ تاريخيٌّ، لا جسديّ؛
  • ③ «الإنسان» قبل «الكبير»: اختار الشّاعرُ لفظةَ الإنسان لا البطل ولا المقاتل — وهذا اختيارٌ يحمل أطروحةَ القصيدة كلَّها: الانتصارُ قيمةٌ إنسانيّةٌ قبل أن يكون قوّة.
⭐ ودليلٌ داخليٌّ على أنّ العنوان قصدٌ لا صدفة: العنوانُ يرد في النّصّ مرّتين حرفيًّا — مرّةً على لسان الشّعب: «أنت إنسانٌ كبير» ⁦(2)⁩، ومرّةً على لسان الشّاعر: «أنا إنسانٌ كبير» ⁦(18)⁩. ⟸ العنوانُ صفةٌ مُنِحت ثمّ قُبِلت، وذاك تمامُ معناه.
بَيْنَ عنوانِ النّصّ وبَيْنَ مضمونه علاقةٌ قويّة، وضّح ذلك بأمثلةٍ من النّصّ.
العلاقةُ ليست إيحائيّةً بل لفظيّة: لفظةُ «إنسان» تتردّد في النّصّ خمس مرّات، ومعها تتغيّر صفتُها في كلّ مرّة. تتبّعْها بالتّرتيب، فهي هيكلُ القصيدة:
  • «أنت إنسانٌ كبيرٌ» ⁦(2)⁩ — الشّعبُ يمنح الصّفة؛
  • «أنا إنسانٌ كبيرٌ» ⁦(18)⁩ — الشّاعرُ يقبلها ويعلنها؛
  • «فأنا خلجةُ الإنسان تشدو في عروقٍ عربيّه» ⁦(27)⁩ — الصّفةُ تتّسع من فردٍ إلى جنس؛
  • «أنا إنسانُ صراع» ⁦(29)⁩ — بيانُ ثمنِها: لا كِبَرَ بلا معركة؛
  • «أنا إنسانُ حياتي» ⁦(39)⁩ — وغايتُها: الصّراعُ من أجل الحياة، لا من أجل ذاته.
⚖️ والبرهانُ على قوّة العلاقة أن تجرّب نزعَها: احذفِ العنوان، ثمّ اقرأِ السّطور الخمسة المتقدّمة وحدَها — ستجد أنّها تعيد تركيبَ العنوان من داخل النّصّ. ⟸ العنوانُ هنا ليس عتبةً للنّصّ، بل خلاصتُه.

💬أناقش معطيات النّصّ

لماذا يلحّ الشّاعر على كلمات: الإنسانيّة، السّلام، الحياة، الغد…؟ وهل من المصادفة أن يجمع الشّاعر بين الحبّ والحرب؟
أوّلًا: لماذا هذا الإلحاح؟ لأنّ معجمَ الشّاعر عكس طبيعةَ الثّورة الجزائريّة نفسِها:
  • الثّورةُ استلهمت القيم الإنسانيّة في مواجهة المستعمِر — من حبٍّ وتسامحٍ وعدالةٍ وتفاؤلٍ بغدٍ مشرق؛
  • لأنّها ليست ثورة خبزٍ فحسب، وإنّما الطّموحُ إلى استرجاع كرامة الإنسان؛
  • ولأنّ هذا الإلحاح يعكس صفات الجزائريّين وطبائعهم: فهم ليسوا قساةً ولا دمويّين ولا مخرّبين بائسين كما كانت تنعتهم فرنسا الإمبرياليّة، بل هم على النّقيض من ذلك تمامًا: لم يحملوا السّلاح إلّا بعدما نفدت كلُّ السّبل السّلميّة.
ثانيًا: أهو مصادفةٌ أن يجمع بين الحبّ والحرب؟ لا، وليس من الصّدفة أن يستلهم الشّاعرُ هذه المبادئ فيجمع بين قيم السّلم والحرب. والنّصُّ يجمعهما في السّطر الواحد:
  • «يزرعُ الكونَ سلامًا وابتسامًا وبطولاتِ شهيد» ⁦(5)⁩ — السّلامُ والشّهادةُ في جملةٍ واحدة؛
  • «ينحني شوقًا إلى صوتِ المناجل» ⁦(10)⁩ ثمّ «ينحني شوقًا إلى قُبلةِ طفلي وزغاريدَ» ⁦(12)⁩ — أداةُ الحصاد وقُبلةُ الطّفل في تركيبٍ واحدٍ مكرّر؛
  • «وبقلبي ثورةٌ تمتصُّ معنى العاصفات» ⁦(33)⁩ ثمّ «وتُعيدُ العطرَ كلَّ العطرِ للزّهرِ المُدَمَّى» ⁦(35)⁩ — العاصفةُ والعطر.
⭐ وهذا الجمعُ هو الرّدّ نفسُه: حين تُتَّهم ثورةٌ بالوحشيّة، لا يكفي أن تنفيَ التّهمة — يجب أن تُري وجهك الآخر. فالشّاعرُ لا يدافع عن الثّورة بالحجّة، بل بالمعجم: كلُّ سطرٍ يضع الحربَ إلى جانب الحياة يقول للخصم إنّ هذه ثورةُ بناء.
كيف استُقبل النّصّ أثناء الثّورة، وكيف نستقبله اليوم؟
أثناء الثّورة — كان النّصُّ فعلًا لا قولًا:
  • كان دعمًا معنويًّا لنفوس الثّوّار؛
  • وكان نشيدًا يزيدهم حماسةً واندفاعًا إلى الأمام؛
  • ويجدّد فيهم روحَ الأمل في الانتصار وتقرير المصير.
أمّا اليوم — فقد تغيّرت وظيفتُه لا قيمتُه:
  • صار وثيقةً تاريخيّة تصوّر مرحلةً حاسمةً من تاريخ الجزائر تصويرًا فنّيًّا نابضًا بالحياة، بحلوها ومرّها؛
  • لتفهم أجيالُ الاستقلال بشاعةَ الاستعمار وقيمةَ الحرّيّة؛
  • ولتعتزّ بمن قدّم روحَه ثمنًا للحرّيّة والاستقرار.
⚖️ والمقارنةُ نفسُها هي الدّرس: النّصُّ الواحد كان سلاحًا فصار شاهدًا. وهذا لا يقع لكلّ نصّ: إنّما يبقى من الشّعر السّياسيّ ما كان فيه فنٌّ زائدٌ على المناسبة. ⟸ ولذلك سأله السّؤالُ عن الاستقبالين، لا عن أحدهما.
«أن يكون الإنسانُ إنسانًا هو الأصعبُ والأهمّ» — بيّنْ كيف صار الشّاعر إنسانًا.
⚖️ أوّلًا: القولُ الّذي يفتتح السّؤال ليس من القصيدة — هو حكمٌ يسوقه الكتابُ ليضعك أمام معيار، فلا تبحثْ عنه بين الأسطر. ⭐ وثانيًا انتبهْ إلى صياغة السّؤال: هو لا يسألك هل صار إنسانًا، بل كيف. فالجوابُ إذن مسارٌ يُتتبَّع في النّصّ، لا حكمٌ يُصدَر.
والمسارُ في القصيدة نفسِها، ويُقرأ في ثلاث محطّات مرقّمة:
  • ① بأن نطق باسم غيره لا باسم نفسه: القصيدةُ تُفتتح بـ«قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» ⁦(1)⁩ — فالصّفةُ لم يمنحها لنفسه، بل قبلها من شعبه؛
  • ② بأن حمل الجرحَ ولم يحمل الحقد: يخاطب جراحَه ولا يخاطب عدوَّه — «يا جراحي» (3، 8، 13)؛ وما يزرعه هو «سلامًا وابتسامًا» ⁦(5)⁩ لا انتقامًا. ⟸ وهذا هو الفرقُ بين المنتصر وبين الإنسان المنتصر؛
  • ③ بأن جعل غايةَ صراعه الحياةَ لا الغلبة: يصف نفسه أوّلًا «إنسانُ صراع» ⁦(29)⁩، ثمّ يصف ثورتَه بأنّها «تُعيدُ العطرَ كلَّ العطرِ للزّهرِ المُدَمَّى… للحياة» ⁦(35)⁩، و«تسقي أمنياتي» ⁦(36)⁩، ثمّ يختم بـ«أنا إنسانُ حياتي» ⁦(39)⁩.
⭐ والدّليلُ على أنّ هذا مسارٌ لا تكرار: قابلْ بين السّطر 29 والسّطر 39. في الأوّل «إنسانُ صراع»، وفي الآخِر «إنسانُ حياتي». الكلمةُ الأولى واحدة، والثّانية انقلبت. ⟸ الصّراعُ عند باوية وسيلةٌ، والحياةُ غاية؛ ومن جعل الصّراع غايةً لم يصر إنسانًا بعدُ.

🧱أحدّد بناء النّصّ

إذا كانت الوظيفةُ الأساسيّة للّغة هي التّواصل، فما هي الوظائف الثّانويّة لها في هذا النّصّ؟
أدّت اللّغةُ في هذا النّصّ وظيفةً جماليّةً كبيرة، وذلك في وجهين:
  • بانزياحاتها ورموزها — وهو خروجٌ جميلٌ عن المألوف في التّعبير عن الأفكار، لإثارة الذّهن والمتلقّي؛
  • وبمسايرتها لمضمونها: لغةُ النّصّ سايرت مضمونَه المتحدّث عن الثّورة بما لازمها من حدّةٍ في الفعل، فكانت مزدوجةً بين اللّين والقوّة حسب سياق الفكرة.
⭐ واختبرِ الازدواجَ بنفسك في سطرين متباعدين: «أَطفِئِ النّيرانَ أنا قلبُ بُركانٍ جريءٌ» ⁦(24)⁩ — قوّة؛ ثمّ «ينحني شوقًا إلى قُبلةِ طفلي وزغاريدَ وشاعر» ⁦(12)⁩ — لين. ⟸ اللّغةُ الواحدة تتلوّن بالفكرة، وهذا هو معنى أنّها سايرت المضمون.
ظاهرةُ التّكرار في النّصّ ارتبطت بالحالة النّفسيّة للشّاعر وبموقفه الّذي يريد التّأكيد عليه؛ ابحثْ عن تجلّيات هذه الظّاهرة في النّصّ.
اعتمد النّصُّ على التّكرار للإلحاح على فكرةٍ معيّنة في مواقفَ كثيرة. وهذه تجلّياتُه، معدودةً بأرقام أسطرها:
  • «يا جراحي» — ثلاث مرّات (3، 8، 13)، وهي لازمةٌ تفصل مقاطعَ الحركة الأولى؛
  • «قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» — مرّتان (1، 19)، تفتتح القصيدةَ ⁦(1)⁩ وتعود في قلب الحركة الثّانية ⁦(19)⁩؛
  • «أَوْقِفي التّاريخَ» — مرّتان (4، 14)؛
  • «إنسانٌ كبير» — مرّتان (2، 18)؛
  • «ينحني» — ثلاث مرّاتٍ متتالية (10، 11، 12)، وهو أكثفُ تكرارٍ في القصيدة.
⚖️ وهذه المعطياتُ المتكرّرةُ هي الرّسائلُ الّتي يحملها الشّاعر بإلحاحٍ إلى القارئ المتلقّي. ⭐ ولاحظْ فرقًا يفصل نوعين من التّكرار: «يا جراحي» و«قال شعبي» يتكرّران متباعدين فيعملان عملَ اللّازمة في الأغنية؛ أمّا «ينحني» فيتكرّر متلاصقًا ثلاثًا، فيعمل عملَ الموجة: كلُّ مرّةٍ تزيد المدى (صوت المناجل ← الشّمس والفجر ← قُبلة الطّفل).
استخرجْ من النّصّ الصّور الّتي تعكس طابع الحرب وتلوّنها.
في النّصّ صورٌ كثيرةٌ تعكس طابع الحرب، منها:
  • «أنا حَدَثٌ ثَرّ» ⁦(14)⁩؛
  • «في دمي كنزُ السّنابل» ⁦(9)⁩؛
  • «من ضلوعي من دمي عَبْرَ الجزائر» ⁦(6)⁩؛
  • «طفلٍ جريءٍ يحملُ المدفعَ» ⁦(7)⁩.
⭐ وانظرْ كيف تتلوّن هذه الصّور، فذاك شقُّ السّؤال الّذي يُنسى: الحربُ فيها كلِّها ممزوجةٌ بالخِصب. الدّمُ لا يُذكر وحدَه: مرّةً معه السّنابل ⁦(9)⁩، ومرّةً معه الضّلوع الّتي تعبر بالوطن ⁦(6)⁩. والطّفلُ يحمل المدفع ⁦(7)⁩. ⟸ الشّاعرُ لا يرسم الحربَ موتًا، بل زرعًا؛ وهذا هو لونُها عنده.
استخدم الشّاعر بعض الرّموز اللّغويّة: ثورةٌ بِكر · قلبُ بُركان · أساطيلُ عتيقة · أصنامٌ غبيّة · الفأس · حزمةٌ مصلوبة — فماذا تمثّل هذه الرّموز؟
الرّموزُ الواردة في النّصّ تُحيل إلى ثلاثة فضاءات، وهذا تصنيفُها مع أسطرها:
  • فضاءُ المستعمِر: «للأساطيل العتيقه» ⁦(24)⁩، «لأصنامٍ غبيّه» ⁦(25)⁩ — وإليهما يُضمّ «للطّواغيت» ⁦(25)⁩. وكلُّها ألفاظٌ تدلّ على قِدَمٍ وجمود: أسطولٌ عتيق، وصنمٌ لا يعقل؛
  • فضاءُ الثّورة: «قلبُ بُركان» ⁦(24)⁩، «ثورةٌ بِكر» ⁦(16)⁩، «حزمةٌ مَصْلوبة» ⁦(30)⁩ — وكلُّها قوّةٌ مكتومةٌ توشك أن تنفجر؛
  • فضاءُ المستقبل والاستقلال: «صوتِ المناجل» ⁦(10)⁩، «قُبلةِ طفلي وزغاريدَ» ⁦(12)⁩؛ وإليهما يُضمّ الفأس الّذي «توقظُ» به الثّورةُ الأرضَ ⁦(34)⁩ — فهو أداةُ عملٍ لا أداةُ قتل.
💡 وأمّا شقُّ «فماذا تمثّل هذه الرّموز» فلا يُملى عليك: ابنِ جوابَك في ثلاث خطوات: ① ردَّ كلَّ رمزٍ إلى حقله الحسّيّ (بحرٌ، نار، معدنٌ، نبات)؛ ② اسألْ: ما الصّفة الملازمة لهذا المحسوس؟ (البركانُ: قوّةٌ مكتومة · الأسطولُ العتيق: قوّةٌ بائدة)؛ ③ انقلِ الصّفةَ إلى الموصوف في النّصّ. ⛔ ولا تفسّرْ رمزًا بمعنًى لا يحتمله محسوسُه: الرّمزُ يوسّع المعنى، ولا يخترعه.
يعبّر الشّاعر عن وضعٍ عاشه إبّان الثّورة؛ حدّدْ نمط النّصّ واستخرجْ خصائصه.
📜النّصُّ ممزوجٌ بين نمطين، ولا يصحّ الاقتصار على أحدهما:
  • النّمطُ الانفعاليّ — ومؤشّرُه الجملةُ الإنشائيّة المتكرّرة: النّداءُ «يا جراحي» (3، 8، 13)، «يا رفيقي» ⁦(29)⁩، «يا جموعي» ⁦(38)⁩؛ والأمرُ «أَوْقِفي» (4، 14)، «أَحْبِسِ» ⁦(20)⁩، «أَطفِئِ» ⁦(24)⁩، «أَسْكِتِ» ⁦(26)⁩؛
  • النّمطُ السّرديّ — سردُ الأحداث، لأنّ النّصّ أشبه بقصّةٍ رمزيّة: فيه قولٌ منقول («قال شعبي…» 1)، وشخصيّاتٌ (الشّعب، الطّفل، الرّفيق، الفتاة)، وتحوّلٌ من حالٍ إلى حال (من «إنسانُ صراع» 29 إلى «إنسانُ حياتي» 39).
⚖️ ولمَ كان الامتزاجُ ضروريًّا هنا؟ لأنّ الشّاعر يعبّر عن وضعٍ عاشه — والوضعُ المعيش له وجهان: حدثٌ يُروى (فالسّرد)، وانفعالٌ به (فالإنشاء). ⟸ من صنّف النّصّ سرديًّا وحدَه أضاع النّداءَ والأمر؛ ومن صنّفه انفعاليًّا وحدَه أضاع القصّة. والغالبُ لا يُلغي المغلوب.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

ساد الضّميرُ المستتر في كثيرٍ من المقاطع؛ حدّدْه وبيّنْ دورَه في اتّساق النّصّ.
ساد الضّميرُ المستتر، وهذا مرجعُ كلِّ فعلٍ منه كما ورد في النّصّ:
  • الفعلُ يزرعُ ⁦(5)⁩ — يعود على نبعِ تاريخٍ جديد ⁦(4)⁩؛
  • الفعلُ يحملُ ⁦(7)⁩ — يعود على طفلٍ جريء ⁦(7)⁩؛
  • الفعلُ ينحني (10، 11، 12) — يعود على كنزِ السّنابل ⁦(9)⁩؛
  • الفعلُ لا يُحسد ⁦(14)⁩ — يعود على كَوْن ⁦(14)⁩؛
  • الأفعالُ يغرقُ ويجرحُ ويستجدّ ⁦(15)⁩ — تعود على حَدَثٍ ثَرّ ⁦(14)⁩، أي على المتكلّم نفسِه: فهو الّذي «يغرقُ التّاريخَ والكونَ» (و«الكونَ» هنا مفعولٌ به)؛
  • الفعلُ تَسْتَبِدّ ⁦(16)⁩ — يعود على ثورة ⁦(16)⁩؛
  • الفعلُ تنثرُ ⁦(23)⁩ — يعود على لحظةٍ كبرى ⁦(22)⁩؛
  • الفعلان تشدو ⁦(27)⁩ وتَعْبُرُ ⁦(28)⁩ — يعودان على خلجةِ الإنسان ⁦(27)⁩؛
  • والأفعالُ تمتصُّ ⁦(33)⁩ وتوقظُ ⁦(34)⁩ وتُعيدُ ⁦(35)⁩ وتسقي ⁦(36)⁩ — تعود على ثورة ⁦(33)⁩.
⭐ ودورُه في الاتّساق هو الدّرسُ كلُّه: الضّميرُ المستتر يربط السّطر بما قبله دون أن يعيد اسمَه. جرّبْ: ضعْ مكان ينحني (10، 11، 12) عبارةَ ينحني كنزُ السّنابل ثلاث مرّات — يثقل السّطرُ ويتحطّم الإيقاع. ⟸ الاستتارُ هنا أداةُ ربطٍ واقتصادٍ معًا، وهو ما يجعل ثلاثةَ أسطرٍ تُقرأ كجملةٍ واحدة.
وردت في النّصّ العبارةُ الآتية: «أَسْكِتِ الطّيرْ / فأنا خلجةُ الإنسان تشدو في عروقٍ عربيّه» — عيّنِ الرّابطَ، وعلى مَن يعود ضميرُ المتكلّم؟
الرّابط: هو الفاءُ في «فأنا» ⁦(27)⁩. وهي فاءُ التّعليل: تربط الأمرَ في السّطر 26 بعلّته في السّطر 27.
  • والدّليلُ على أنّها للتّعليل لا للعطف: يستقيم أن تضع مكانها لأنّني فلا يتغيّر المعنى؛ ولو كانت عاطفةً لجاز حذفُها، ولو حُذفت لانقطع السّطران.
ضميرُ المتكلّم «أنا»: يعود على المتكلّم في القصيدة كلِّها، وهو الشّاعرُ بوصفه «الإنسان الكبير». وهذه «أنا» جماعيّة، والقرائنُ ثلاث:
  • القصيدةُ تفتتح بقول الشّعب لا بقول الشّاعر: «قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» (1، 19)؛
  • والشّاعرُ ينادي ذاتَه وثورتَه معًا: «يا أنا يا ثورتي» ⁦(17)⁩؛
  • والخبرُ في السّطر نفسِه ليس فرديًّا: «خلجةُ الإنسان… في عروقٍ عربيّه» — فالمتكلّم يتّسع إلى الجنس والأمّة.
⭐ وهذا السّطرُ خيرُ شاهدٍ على الاتّساق في القصيدة: أمرٌ ⁦(26)⁩ + رابطٌ (الفاء) + تعليلٌ بـ«أنا» ⁦(27)⁩. وهي الصّيغةُ نفسُها الّتي تتكرّر في السّطور 4 و14 و22 و24. ⟸ فتعيينُ الرّابط هنا يفتح لك بابَ السّؤال الموالي عن منهجيّة الشّاعر.
ما دلالةُ أفعال الأمر الآتية: (أَوْقِفي · أَحْبِسِ السُّحُبْ · أَطفِئِ النّيرانَ · أَسْكِتِ الطّيرْ)؟
وردت في النّصّ أفعالُ الأمر وهي ذاتُ دلالةٍ نفسيّة، تتمثّل في:
  • انفعالِ الشّاعر مع الأحداث — أي بطولاتِ الثّورة؛
  • وافتخارِه بها.
⭐ ولاحظْ على مَن تقع هذه الأوامر، فذاك ما يكشف حجمَ الانفعال: المأمورُ ليس إنسانًا في واحدٍ منها:
  • «أَوْقِفي التّاريخَ» (4، 14)؛
  • «أَحْبِسِ السُّحُبْ» ⁦(20)⁩؛
  • «أَوْقِفِ اللّحظةَ» ⁦(22)⁩؛
  • «أَطفِئِ النّيرانَ» ⁦(24)⁩؛
  • «أَسْكِتِ الطّيرْ» ⁦(26)⁩.
⚖️ ومن هنا تُقرأ الدّلالة: أن تأمر التّاريخَ والسّحبَ واللّحظةَ والطّيرَ فأنت لا تطلب طاعةً — بل تعلن أنّك صرت في مستوى هذه الأشياء. ⟸ الأمرُ هنا صيغةُ افتخار لا صيغةُ طلب؛ ولذلك جاء بعد كلٍّ منها تعليلٌ بـ«أنا…» (4، 14، 22، 24، 27).
«محمّد الصّالح باوية لا يكتب بلغةٍ جاهزة، ولكن بلغةٍ تخلقها التّجربةُ ذاتُها» — ما المقصود باللّغة الجاهزة؟ وما الفرق بينها وبين اللّغة الّتي تنبع من التّجربة؟
⚖️ هذا القولُ حكمٌ نقديٌّ يسوقه الكتابُ عن الشّاعر، وليس بيتًا من القصيدة — فلا تطلبْه بين الأسطر. ووظيفتُه أن يعطيك مصطلحين تحكم بهما على النّصّ: «اللّغة الجاهزة» و«اللّغة الّتي تخلقها التّجربة».
لغةُ الشّعر في العادة تتراوح بين طرفين:
  • اللّغةُ الجاهزة — وهي التّقليدُ في التّعابير السّابقة: ألفاظٌ وصورٌ يتوارثها الشّعراء ويعيدون استعمالَها كما هي؛
  • واللّغةُ النّابعة من التّجربة — وهي التّجديدُ في التّجربة الشّعريّة بخلق صورٍ جديدةٍ من التّراكيب والتّعابير؛
  • ودأبُ الشّاعر في هذا النّصّ هو الثّاني: فقد أنشأ فيه معجمًا جديدًا من التّعابير غير المألوفة.
وهذه شواهدُ المعجم الجديد من النّصّ نفسِه — كلُّها تراكيبُ لا تجدها في غيره:
  • «في دمي كنزُ السّنابل» ⁦(9)⁩ — الدّمُ خزانةٌ للسّنابل؛
  • «أنا حَدَثٌ ثَرّ» ⁦(14)⁩ — الحدثُ يوصف بما يوصف به الماء؛
  • «عصاراتُ متاعي» ⁦(32)⁩؛
  • «ثورةُ إنسانةِ الغلّاتِ» ⁦(36)⁩؛
  • «توقظُ الأرضَ بفأسٍ ولهاة» ⁦(34)⁩ — آلةٌ وعضوٌ في أداةٍ واحدة.
💡 والميزانُ الّذي يفصل بينهما عمليّ: خذْ تركيبًا من النّصّ واسألْ: هل يمكن أن أضعه في قصيدةٍ أخرى دون أن يتغيّر شيء؟ إن أمكن فهو من اللّغة الجاهزة؛ وإن لم يُفهم إلّا داخل هذه التّجربة فهو منها. جرّبْ «كنزُ السّنابل» في قصيدة غزل، تجدْه لا يُقرأ.
النّصُّ الّذي بين يديك صورةٌ عاكسةٌ لطموحات صاحبه — أين يتجلّى ذلك؟
يتجلّى في ثلاثة طموحاتٍ يقولها النّصُّ بأسطرٍ يمكن الإشارةُ إليها:
  • طموحُ الحرّيّة ورحيلِ المستعمِر: أوامرُ الإطفاء والإسكات موجّهةٌ إلى رموزه «للأساطيل العتيقه / للطّواغيت، لأصنامٍ غبيّه» ⁦(24-25)⁩؛
  • طموحُ الوحدة العربيّة: «لم تزلْ تنثرُ في الكون حكايا وهدايا عربيّه» ⁦(23)⁩، «تشدو في عروقٍ عربيّه» ⁦(27)⁩ — والقصيدةُ نُظمت في سنة الوحدة المصريّة السّوريّة؛
  • طموحُ الحياة والإعمار: «توقظُ الأرضَ بفأسٍ» ⁦(34)⁩، «وتُعيدُ العطرَ كلَّ العطرِ للزّهرِ المُدَمَّى… للحياة» ⁦(35)⁩، «تسقي أمنياتي» ⁦(36)⁩.
⭐ وخلاصةُ الطّموحات الثّلاث في بيتٍ واحدٍ من القصيدة: «أنا إنسانُ حياتي» ⁦(39)⁩. فقد تغنّى الشّاعرُ بالقيم الإنسانيّة الّتي تبنّاها الشّعبُ الجزائريّ — الّذي لم يلجأ إلى الكفاح المسلّح إلّا بعد استنفاد سبل التّفاوض — وتفاءل بالنّصر المبين، وبإعمار الأرض الطّيّبة الّتي سُقيت بدماء الأبرياء.
حدّدْ عناصرَ المنهجيّة الّتي اعتمدها الشّاعر في عرضه لمعانيه.
المنهجيّة هنا لا تعني خطّةَ مقالٍ، بل النّظامَ الّذي يعود في كلّ مقطع. وهي في هذا النّصّ قابلةٌ للعدّ، فتحقّقْ منها بنفسك على الأسطر.
عناصرُها أربعة:
  • ① اللّازمةُ الفاصلة: «يا جراحي» (3، 8، 13) و«قال شعبي يومَ وحّدنا المصير» (1، 19) — تفصل بين الحركات كما يفصل اللّازمُ بين مقاطع الأغنية؛
  • ② الأمرُ في مفتتح كلّ حركة: «أَوْقِفي» (4، 14)، «أَحْبِسِ» ⁦(20)⁩، «أَوْقِفِ» ⁦(22)⁩، «أَطفِئِ» ⁦(24)⁩، «أَسْكِتِ» ⁦(26)⁩؛
  • ③ التّعليلُ بـ«أنا…» بعد كلّ أمر: «أنا نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩، «أنا حَدَثٌ ثَرّ» ⁦(14)⁩، «أنا لحظةٌ كبرى غنيّه» ⁦(22)⁩، «أنا قلبُ بُركان» ⁦(24)⁩، «فأنا خلجةُ الإنسان» ⁦(27)⁩؛
  • ④ التّوسيعُ بجملةٍ وصفيّةٍ تتبع التّعليل: «يزرعُ الكونَ⁦…» (5)⁩ بعد ⁦(4)⁩، «يغرقُ التّاريخَ⁦…» (15)⁩ بعد ⁦(14)⁩، «لم تزلْ تنثرُ⁦…» (23)⁩ بعد ⁦(22)⁩.
⚖️ والبرهانُ على أنّ هذا نظامٌ لا صدفة: اختبرْه على مقطعٍ لم تدرسه بعدُ من القصيدة. خذِ السّطر 20: أمرٌ («أَحْبِسِ السُّحُبْ») ثمّ توسيعٌ («هنا بحرٌ وأمطارٌ سخيّه»). ⟸ النّظامُ يصدق حيث لم تنظرْ — وتلك علامةُ المنهج، لا الملاحظة.
للنّصّ أبعادٌ إنسانيّةٌ شتّى حاول الشّاعر تأكيدَها بأساليبَ متنوّعة؛ حدّدْها وبيّنْ أثرَها على المستوى الوطنيّ والعربيّ والعالميّ.
المستوياتُ الثّلاثة كلُّها منصوصٌ عليها في القصيدة، فلا يُتَوهَّم أنّها تأويل:
  • ① الوطنيّ: «من ضلوعي من دمي عَبْرَ الجزائر» ⁦(6)⁩، «يحملُ المدفعَ في أرض الجزائر» ⁦(7)⁩، «فبلادي ثورةٌ بِكر» ⁦(16)⁩. وأثرُه: تثبيتُ الحسّ الوطنيّ وربطُ الفرد بأرضه؛
  • ② العربيّ: «حكايا وهدايا عربيّه» ⁦(23)⁩، «في عروقٍ عربيّه» ⁦(27)⁩، وقبلهما «وحّدنا المصير» (1، 19). وأثرُه: جعلُ الثّورة الجزائريّة قضيّةَ أمّة لا قضيّةَ قُطر؛
  • ③ العالميّ / الإنسانيّ: «يزرعُ الكونَ سلامًا» ⁦(5)⁩، «وكَوْنٌ لا يُحسد» ⁦(14)⁩، «للشّمس السّخيّه» ⁦(28)⁩، «للحياة» ⁦(35)⁩، «من نبعِ الحياة» ⁦(37)⁩. وأثرُه: نقلُ القضيّة من مطلبٍ سياسيّ إلى قيمةٍ إنسانيّة يفهمها كلُّ إنسان.
والأساليبُ الّتي أكّد بها هذه الأبعاد أربعة، وكلُّها درسْتَها في هذه المحطّة:
  • النّداء (يا جراحي، يا رفيقي، يا جموعي) — يُدخل المتلقّي في النّصّ؛
  • الأمر (أوقفي، أحبسِ، أطفئِ، أسكتِ) — يعلن العلوّ والافتخار؛
  • التّكرار (اللّازمة، ينحني ثلاثًا) — يرسّخ الرّسالة؛
  • الرّمز (بركان، مناجل، أصنام) — يحمل المعنى إلى من لا يعرف تفاصيلَ الحدث.
⭐ ولاحظِ التّدرّج في اتّساع الدّائرة، فهو بناءُ القصيدة نفسِه: الجزائرُ (6، 7) ثمّ العروبةُ (23، 27) ثمّ الكون (5، 14). وهو التّدرّجُ نفسُه الّذي وجدتَه في النّداء (جراحي ← رفيقي ← جموعي). ⟸ حين يتّفق بناءان مستقلّان على اتّجاهٍ واحد، فذاك قصدُ الشّاعر، لا صدفةُ القراءة.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

حاول الشّاعرُ في هذا النّصّ أن يرسم لنا لوحةً فنّيّةً عن الثّورة الجزائريّة بقيمها الإنسانيّة، وليس من المصادفة حين جمع بين الحبّ والحرب، بلغةٍ مثّلت طابع البيئة الطّبيعيّة الجزائريّة إلى حدٍّ بعيد: السّنابلُ والمناجلُ والرّبى والزّهرُ والأمطار، كلُّها من أرضٍ يعرفها قارئُه قبل أن يقرأه.

يقول عنه النّاقد محمود الرّبيعيّ

«إنّ العالم الّذي يشغل الشّاعر، ويستوعب تجربتَه الفنّيّة، هو عالمٌ لا يستطيع أيُّ فنّانٍ مكترثٍ أن يتجاهله؛ إنّه الوطنُ والانشغالُ الشّديد بهموم البيئة الّتي يضطرب فيها الإنسانُ بين أبناء هذا الوطن؛ إنّه التّبشيرُ بالحرّيّة، والبحثُ الدّائب عن العناصر الأصيلة الّتي تشكّل الشّخصيّة القوميّة؛ إنّه الوعيُ الكاملُ بمشكلات الماضي والحاضر والمستقبل…»

بمَ تغنّى الشّاعر؟ وبمَ تفاءل؟
تغنّى بـالقيم الإنسانيّة الّتي تبنّاها الشّعبُ الجزائريّ، الّذي لم يلجأ إلى الكفاح المسلّح إلّا بعد استنفاد سبل التّفاوض. وتفاءل بأمرين:
  • بالنّصر المبين؛
  • وبإعمار الأرض الطّيّبة الّتي سُقيت بدماء الأبرياء.
⭐ وانظرْ كيف يصدّق كلامُ الرّبيعيّ على القصيدة سطرًا سطرًا: «التّبشيرُ بالحرّيّة» هو أوامرُ الإطفاء والإسكات (24، 26)؛ و«البحثُ الدّائب عن العناصر الأصيلة» هو المناجلُ والسّنابلُ والزّغاريد (9، 10، 12)؛ و«الوعيُ الكامل بمشكلات الماضي والحاضر والمستقبل» هو «أنا نبعُ تاريخٍ جديد» ⁦(4)⁩. ⟸ الحكمُ النّقديّ لا يُحفظ، يُقابَل بالنّصّ.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 : في مجال قواعد اللّغة (أحكام التّمييز والحال وما بينهما من فروق)

عُدْ إلى النّصّ واقرأْ قول الشّاعر — فمنه يبدأ الدّرس:
من النّصّ (السّطران 5 و10)

يزرعُ الكونَ سلامًا وابتسامًا وبطولاتِ شهيد ينحني شوقًا إلى صوتِ المناجل

وهذا ما تعلّمتَه من قبل، وعليه يُبنى الجديد:
  • أنّ التّمييز نوعان: تمييزُ مفردٍ وتمييزُ نسبة؛ وأنّ أحكامَه إمّا النّصب وإمّا الجرّ وإمّا الرّفع على البدليّة؛
  • وأنّ صاحب الحال لا يكون إلّا فاعلًا أو مفعولًا به أو مجرورًا أو مبتدأً أو نائب فاعل؛
  • وأنّ الحال الأصلُ فيها أن تكون نكرة، وإذا وردت معرفةً أُوِّلت بالنّكرة، وأنّها تتعدّد وصاحبُها واحد؛
  • وأنّها تأتي على أشكالٍ مختلفة: مفردة، وجملة، وشبه جملة.
المجموعة (أ) — أمثلةُ التّمييز:
  • 1. كم سطرًا في قصيدة «الإنسان الكبير»؟
  • 2. إنّها تتألّف من تسعةٍ وثلاثين سطرًا.
  • 3. كأيّنْ من فكرةٍ فيها أعجبتني، وكذا صورةً.
  • 4. يزرعُ الكونَ سلامًا وابتسامًا وبطولاتِ شهيد.
المجموعة (ب) — أمثلةُ الحال:
  • 1. قال تعالى: ﴿وأرسلناك للنّاس رسولًا﴾ (سورة النّساء).
  • 2. بدا لي النّصّان الأدبيّان السّابقان رائعَين.
  • 3. إنّما الميّتُ من يحيا خاملًا.
  • 4. لازمتُ البيتَ والمطرُ هاطلٌ.
  • 5. لازمتُ البيتَ وقد هطل المطرُ.
  • 6. يخرج الأطفالُ يومَ العيد في أبهى الثّياب.
⭐ ولاحظْ من أين جاءت الأمثلة: ثلاثةٌ من المجموعة (أ) — الأوّل والثّاني والرّابع — مأخوذةٌ من قصيدتك أنت: عددُ أسطرها، والسّطر 5 منها. وهذا مقصود: القاعدةُ ليست درسًا مستقلًّا، بل نتيجةٌ للنّصّ. فإذا نسيتَ حكمًا فارجعْ إلى السّطر الّذي وُلد منه.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — أكتشف أحكام القاعدة

ثمانيةُ أسئلة، جوابُ ستّةٍ منها في هذا الدّرس، واثنان يَكِلُهما الكتابُ إليك صراحةً في آخره: «أكملْ بقيّة الأحكام». ابحثْ أوّلًا في الأمثلة، ثمّ افتحِ الجواب.
① ما هي المواضع الّتي يُنصب فيها التّمييز وجوبًا؟
الأصلُ في التّمييز النّصبُ، والجرُّ رخصةٌ في مواضعَ معدودة. فيُنصب وجوبًا في كلّ موضعٍ ليس من تلك المواضع، ومنها:
  • تمييزُ «كم» الاستفهاميّة — المثال (أ)1: «كم سطرًا في قصيدة الإنسان الكبير؟»؛
  • تمييزُ «كذا» — المثال (أ)3: «وكذا صورةً»؛
  • تمييزُ الجملة (النّسبة) — المثال (أ)4: «يزرعُ الكونَ سلامًا»؛
  • العددُ المركّبُ والمعطوف (من أحد عشر إلى تسعةٍ وتسعين) — المثال (أ)2: «تسعةٍ وثلاثين سطرًا».
وأمّا مواضعُ جواز الجرّ فأربعة، وهي وحدَها الاستثناء:
  • المقادير (وزنٌ، كيلٌ، مساحةٌ، قياس)؛
  • العددُ غير المركّب (من ثلاثة إلى عشرة، ومئة، وألف): «ثلاثةُ أسطرٍ»، «مئةُ سطرٍ»؛
  • «كم» الخبريّة؛
  • «كأيّن» — المثال (أ)3: «كأيّنْ من فكرةٍ».
⚖️ واحفظِ المبدأ لا القائمة: التّمييزُ حكمُه النّصب؛ فإذا رأيتَه مجرورًا فاعلمْ أنّك أمام واحدٍ من الأربعة، ويُعرب حينئذٍ مضافًا إليه أو اسمًا مجرورًا — والنّصبُ يبقى حكمَه الأصليّ.
② ما هو حكمُ تمييز «كم» الاستفهاميّة و«كم» الخبريّة و«كأيّن» و«كذا»؟
أربعُ أدواتٍ، وأربعةُ أحكام — ولكلٍّ شاهدُه:
  • «كم» الاستفهاميّة: مميّزُها مفردٌ منصوب. مثل: كم كتابًا قرأتَ؟ وفي درسنا: «كم سطرًا في قصيدة الإنسان الكبير؟» — ولو حذفتَ «سطرًا» لما استقام معنى الجملة؛
  • «كم» الخبريّة: مميّزُها مجرورٌ بإضافتها إليه. مثل: كم تلميذٍ تخرّج في هذه الثّانويّة وصار من إطارات الأمّة؛
  • «كأيّن»: مميّزُها مفردٌ مجرورٌ بـ«من». قال تعالى: ﴿وكأيّنْ من نبيٍّ قُتل معه رِبّيّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا واللهُ يحبّ الصّابرين﴾ (آل عمران: 146)؛
  • «كذا»: مميّزُها مفردٌ منصوبٌ على التّمييز دائمًا. نحو: اشتريتُ كذا كتابًا.
💡 وكيف تفرّق بين «كم» الاستفهاميّة و«كم» الخبريّة؟ بالمعنى قبل الإعراب: الاستفهاميّةُ تسأل فتنتظر جوابًا («كم سطرًا في القصيدة؟» — والجوابُ: تسعةٌ وثلاثون)، والخبريّةُ تُخبر بالكثرة ولا تنتظر جوابًا («كم تلميذٍ تخرّج…»). ⟸ فإذا صحّ أن تضع مكانها «كثيرًا مِن» فهي خبريّة.
③ ما هو عاملُ التّمييز في المفرد وفي الجملة؟
التّمييزُ يفسّر إبهامًا، والعاملُ فيه هو المبهَمُ الّذي فسّره — وهو ما يسمّى المميَّز:
  • في المفرد: العاملُ هو اللّفظُ المبهَم الّذي سبقه — عددًا كان أو مقدارًا. ففي (أ)2 «تسعةٍ وثلاثين سطرًا» أزالت «سطرًا» غموضَ «تسعةٍ وثلاثين»، ولا يمكن حذفُها؛ وفي (أ)1 المميَّزُ هو «كم»، وفي (أ)3 هو «كأيّن»؛
  • في الجملة: العاملُ هو الجملةُ الّتي فيها نسبةٌ مبهمة. ففي (أ)4 المميَّزُ هو «يزرعُ الكونَ» — والنّسبةُ فيها مبهمة: يزرع الكونَ ماذا؟ فجاء «سلامًا» يرفع الإبهام.
⭐ وهذا هو الفرقُ بين نوعَي التّمييز، ويُقاس بالنّظر إلى ما قبله: إن كان المبهَمُ لفظًا واحدًا فهو تمييزُ المفرد (الذّات)؛ وإن كان جملةً فهو تمييزُ الجملة (النّسبة). وفي أمثلتنا: الثّلاثةُ الأولى مفردٌ، والرّابعُ جملة.
④ ما هي الحالات الّتي يجب فيها تأخيرُ الحال؟
يجب تأخيرُ الحال في ثلاث حالات، ولكلٍّ شاهدُها:
  • ① إذا كانت محصورة — نحو قوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلّا مبشّرين ومنذرين ويجادل الّذين كفروا بالباطل ليُدحضوا به الحقّ واتّخذوا آياتي وما أُنذروا هزوًا﴾ (الكهف: 56)؛
  • ② إذا كانت مرتبطةً بالواو — نحو: جاءني أخي وهو يحملُ البشرى؛ ومنه في أمثلتنا (ب)4: «لازمتُ البيتَ والمطرُ هاطلٌ»؛
  • ③ إذا كان صاحبُها مجرورًا بالإضافة أو بالحرف — نحو: مررتُ بهندٍ جالسةً؛ ومثالُ الإضافة: أزعجني صوتُ أخيكَ ثائرًا.
⚖️ ولكلّ حالةٍ علّتُها، وهي أنفعُ من حفظ القائمة: ① المحصورةُ هي المقصودةُ بالحصر، فتقديمُها يُبطل الحصر؛ ② والمرتبطةُ بالواو جملةٌ، والجملةُ لا تتقدّم على ما تصفه؛ ③ وصاحبُ الحال المجرورُ لصيقٌ بجارّه، فلا يُفصل بينهما.
⑤ الحال لها عاملان: لفظيٌّ أو معنويّ — وضّحْ ذلك بأمثلة.
العاملُ في الحال هو ما نصبها. وهو قسمان:
  • العاملُ اللّفظيّ — وهو ظاهرٌ في الكلام، وكلُّ أمثلة درسنا منه، وكلُّها أفعال: «أرسلناك للنّاس رسولًا» (ب1)، «بدا لي… رائعَين» (ب2)، «يحيا خاملًا» (ب3)، «لازمتُ البيتَ والمطرُ هاطلٌ» (ب4)، «لازمتُ البيتَ وقد هطل المطرُ» (ب5)، «يخرج الأطفالُ… في أبهى الثّياب» (ب6)، و«جاءني أخي وهو يحمل البشرى»، و«مررتُ بهندٍ جالسةً»؛
  • العاملُ المعنويّ — وهو ما لا يظهر في الكلام لفظًا، وإنّما يُفهم من التّركيب.
💡 وهذا الشّقُّ الثّاني ممّا يَكِلُه إليك الكتابُ في «أكملْ بقيّة الأحكام» — وهذه طريقةُ إتمامه، وهي عمليّة: ① خذْ كلّ مثالٍ من (ب) وضعْ خطًّا تحت الفعل الّذي نصب الحال؛ ② ستجد فعلًا في الجميع ⟸ فالعاملُ لفظيّ في كلّها؛ ③ ثمّ ابحثْ في كتاب القواعد عن حالٍ صاحبُها مبتدأ — وقد علمْتَ في مفتتح هذا الدّرس أنّ صاحب الحال قد يكون مبتدأً، والمبتدأُ لا فعلَ قبله؛ فهناك يظهر لك العاملُ المعنويّ؛ ④ سجّلْ مثالًا واحدًا مع مصدره.
⑥ متى تتقدّم الحال على صاحبها؟
الجوابُ يُستخرج بالمقابلة، لا بالحفظ — وهو نتيجةٌ للسّؤال ④:
  • من الفروق بين الحال والتّمييز أنّ التّمييز لا يتقدّم، وتتقدّم الحالُ على صاحبها؛
  • وقد علمْتَ في السّؤال ④ أنّ التّأخير واجبٌ في ثلاث حالاتٍ فقط (الحصر · الارتباط بالواو · جرُّ صاحبها بالإضافة أو بالحرف)؛
  • ⟸ فتتقدّم الحالُ على صاحبها فيما عدا هذه الحالات الثّلاث — أي أنّ التّقدّم جائز، والتّأخير واجبٌ في الثّلاث فقط.
⚖️ وهذا مثالٌ على كيفيّة بناء حكمٍ من حكمين: القاعدةُ لم تُذكر لك صريحةً، لكنّها تلزم عن أمرين ذُكرا. ⛔ ولا تعمّمْ أكثرَ ممّا يحتمل الدّليل: قلْ «يجوز التّقدّم فيما عدا الثّلاث»، ولا تقلْ «يجب» — فالجوازُ غيرُ الوجوب.
⑦ متى يجب حذفُ عامل الحال؟
هذا هو السّؤالُ الثّاني الّذي يَكِلُه الكتابُ إليك في ختامه: «أكملْ بقيّة الأحكام». وهو تمرينُ بحثٍ، لا سؤالَ استظهار.
وهذه طريقةُ إنجازه في أربع خطوات:
  • ① ارجعْ إلى باب الحال في كتاب القواعد، وابحثْ عن عنوانٍ فيه لفظُ «حذف العامل» أو «العامل المحذوف وجوبًا»؛
  • ② سجّلْ لكلّ حالةٍ مثالَها، ولا تقبلْ حالةً بلا مثال؛
  • ③ في كلّ مثالٍ، أعِدِ العاملَ المحذوف إلى مكانه واقرأِ الجملة — إن ثقُلت أو تغيّر المعنى فقد فهمتَ لماذا حُذف؛
  • ④ ثمّ اكتبْ حكمَك في سطرٍ واحد، وسمِّ مصدرَك. ⛔ حكمٌ بلا مصدرٍ ليس حكمًا نحويًّا.
💡 وابدأْ بحثك من أمثلة درسك: انظرْ في (ب)4 و(ب)5 — «لازمتُ البيتَ والمطرُ هاطلٌ» و«لازمتُ البيتَ وقد هطل المطرُ». العاملُ فيهما مذكور. فابحثْ عن أمثلةٍ يكون فيها غيرَ مذكور، وقارنْها بهذين: المقابلةُ تُعلّم أكثر من التّعريف.
⑧ ما هي الجوانب الّتي يتّفق فيها الحال والتّمييز، وما هي الجوانب الّتي يفترقان فيها؟
جوانبُ الاتّفاق — يتّفقان في أنّهما اسمان:
  • نكرتان؛
  • فَضْلتان (أي ليستا من أركان الجملة)؛
  • منصوبتان؛
  • رافعتان للإبهام.
جوانبُ الافتراق — ثلاثةُ أمورٍ يذكرها الدّرس، ويُضاف إليها فرقان تُدركهما من الأمثلة:
  • ① الشّكل: تجيء الحالُ مفردةً وجملةً وشبهَ جملة، والتّمييزُ لا يكون إلّا اسمًا. قابلْ (ب)2 «رائعَين» بـ(ب)5 «وقد هطل المطرُ» بـ(ب)6 «في أبهى الثّياب»؛
  • ② الوظيفة: الحالُ مبيّنةٌ للهيئات، والتّمييزُ مبيّنٌ للذّوات؛ فالحالُ تبيّن هيئة صاحبها أثناء وقوع الفعل، والتّمييزُ يفسّر إبهامًا في مفردٍ قبله أو في جملة؛
  • ③ الاشتقاق: حقُّ الحال الاشتقاقُ (وصفٌ مشتقّ)، وحقُّ التّمييز الجمود؛
  • ④ التّقدّم: التّمييزُ لا يتقدّم، والحالُ تتقدّم على صاحبها (انظرِ السّؤال ⑥)؛
  • ⑤ التّعدّد: الحالُ تتعدّد والتّمييزُ لا يتعدّد.
⭐ وأسرعُ ميزانٍ للتّفريق بينهما في الامتحان، خطوتان: ① اسألْ: هل الكلمةُ مشتقّةٌ (رائع، خامل، هاطل) أم جامدة (سطر، فكرة، صورة)؟ المشتقُّ حال، والجامدُ تمييز. ② فإن أشكل، اسألْ: هل تجيب عن «كيف؟» أم عن «ماذا؟»؟ فـ«كيف يخرج الأطفال؟ في أبهى الثّياب» حال؛ و«يزرع الكونَ ماذا؟ سلامًا» تمييز.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — أبني أحكام القاعدة

① التّمييز: هو اسمٌ نكرةٌ يفسّر إبهامًا في مفردٍ قبله أو في جملة، وهو نوعان:
  • تمييزُ المفرد (الذّات): يوضّح إبهامًا في أسماء العدد أو المقادير (وزنٌ، كيلٌ، مساحةٌ، قياس)، ويرد اسمًا جامدًا؛
  • تمييزُ الجملة (النّسبة): يوضّح غموضَ جملةٍ فيها نسبةٌ مبهمة.
② المميَّز: هو المبهَمُ الّذي يفسّره التّمييز، ويكون مفردًا أو جملة.
  • في أمثلتنا: «كم» (أ1) · «تسعةٍ وثلاثين» (أ2) · «كأيّن» (أ3) — وهذه مفردات؛
  • و«يزرعُ الكونَ» (أ4) — وهذه جملة.
③ حكمُ التّمييز: منصوبٌ دائمًا؛
  • ويجوز في تمييز المقادير والعدد غير المركّب و«كم» الخبريّة و«كأيّن» الجرُّ بالإضافة أو بـ«من»؛
  • ويُعرب في هذه الحالة مضافًا إليه أو اسمًا مجرورًا — لأنّ حكم التّمييز النّصب.
④ الحال: هي وصفٌ نكرةٌ مشتقّةٌ منصوبةٌ تبيّن هيئة صاحبها عند وقوع الفعل.
  • صاحبُ الحال: هو الاسمُ المعرفة الّذي تبيّن الحالُ هيئتَه، ويكون فاعلًا أو مفعولًا به أو نائبَ فاعل أو اسمًا مجرورًا أو مبتدأً.
⑤ أنواع الحال — ثلاثة:
  • الحال المفردة (لفظةٌ واحدة): تطابق صاحبَها في التّذكير والتّأنيث، والإفراد والتّثنية والجمع. ولذلك جاءت «رسولًا» (ب1) و«خاملًا» (ب3) مفردتين، وجاءت «رائعَين» (ب2) مثنّى لأنّها طابقت صاحبَها «النّصّان»؛
  • الحال الجملة (فعليّةٌ أو اسميّة): ترتبط بصاحبها بالواو (وتسمّى واوَ الحال) أو بالضّمير أو بهما معًا. فـ«والمطرُ هاطلٌ» (ب4) جملةٌ اسميّةٌ سُبقت بواو الحال، و«وقد هطل المطرُ» (ب5) جملةٌ فعليّة؛
  • الحال شبه الجملة: ظرفٌ أو جارٌّ ومجرور — «في أبهى الثّياب» (ب6).
⑥ أحكام الحال:
  • تتعدّد الحالُ بأنواعها الثّلاثة بشرط ألّا يفصل بينها فاصل. مثل: وقف الشّعراءُ مفتخرين يردّدون أناشيدَ الثّورة؛
  • الحالُ منصوبةٌ دائمًا أو في محلّ نصب؛
  • يجب تأخيرُها في ثلاث حالات (انظرِ السّؤال ④): الحصرُ · الارتباطُ بالواو · جرُّ صاحبها بالإضافة أو بالحرف.
⚖️ وسؤالٌ يُخطئ فيه كثيرون: هل يُشترط ذكرُ واو الحال إذا كانت الحالُ جملةً فعليّة؟ لا — مثل: دخل الأستاذُ يحملُ كتبًا. فالجملةُ الفعليّةُ ترتبط بصاحبها بالضّمير المستتر في «يحملُ»، والواوُ فيها جائزةٌ لا لازمة؛ أمّا الجملةُ الاسميّة فالغالبُ فيها الواو، كما في «والمطرُ هاطلٌ» (ب4).
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤال على النصّ: «استخرج تمييزا وحالا، وبيّن نوع كلّ منهما وأعربه»، وقد يُطلب الفرق بينهما. جهّز ثلاثة عناصر: ① نوعا التمييز: تمييز مفرد يفسّر عددا أو مقدارا («تسعة وثلاثين سطرا»)، وتمييز نسبة يفسّر جملة («يزرع الكون سلاما») ؛ وحكمه النصب، ويجوز جرّه في المقادير والعدد غير المركّب و«كم» الخبرية و«كأيّن» ؛ ② أنواع الحال الثلاثة: مفردة تطابق صاحبها، وجملة ترتبط بالواو أو بالضمير أو بهما، وشبه جملة ؛ ويجب تأخيرها إذا كانت محصورة، أو مرتبطة بالواو، أو كان صاحبها مجرورا ؛ ③ الفرق الحاسم: الحال تبيّن الهيئة وتأتي مفردة وجملة وشبه جملة وتتقدّم على صاحبها، والتمييز يبيّن الذات ولا يكون إلّا اسما ولا يتقدّم. ⚠️ الخطأ الشائع: اشتراط واو الحال في الجملة الفعلية ؛ في «دخل الأستاذ يحمل كتبا» ترتبط الحال بصاحبها بالضمير المستتر، والواو فيها جائزة لا لازمة.
⭐ وختامُ الدّرس هو أوّلُه: كلُّ ما بنيتَه هنا وُلد من سطرين في قصيدتك — «يزرعُ الكونَ سلامًا» و«ينحني شوقًا» — ومن سؤالٍ عن عدد أسطرها. فارجعْ إلى النّصّ وابحثْ بنفسك عن تمييزٍ آخرَ أو حالٍ أخرى؛ فالقاعدةُ لا تُحفظ، بل تُصطاد في نصّ.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net