اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 10 القصة القصيرة في الجزائر

"الطريق إلى قرية الطوب" لمحمد شنوفي

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

محمّد شنّوفي قاصٌّ جزائريٌّ معاصر، وُلد سنة 1954 بالعزيزيّة، ولايةِ المديّة. درس بالجزائر وفي بغداد، ويشتغل أستاذا للنّقد الأدبيّ الحديث بجامعة الجزائر.

ظهر ميلُه مبكّرا إلى الأدب فكتب القصّة القصيرة والقصّة الموجَّهة إلى الأطفال، ونال عدّة جوائز. له مجموعتان قصصيّتان هما: «حين يعلو البحر» و«محض افتراء» — ومن هذه المجموعة الثّانية اختير هذا النّصّ.

⭐ ومفتاحُ قراءتِه في سطر: يُعدُّ الرّيفُ منبعَ قصصه الهادفة إلى إبراز الجانب الوجدانيّ في الإنسان، وتثمينِه بإبراز عنصر التّضامن بين النّاس، والتّمسّكِ بالقيم الإيجابيّة. فاحفظْ هذا وأنت تقرأ: قريةُ «الطّوب» ليست ديكورا، هي موضوعُ الكاتب المفضّل.

🚪تقديم النّصّ

قال أحدُ النّقّاد

«لا يمكن الحديثُ باطمئنانٍ عن قصّةٍ جزائريّةٍ قصيرةٍ بأتمّ معنى الكلمة إلّا مع أحمد رضا حوحو عبر مجموعته: صاحبة الوحي ونماذج بشريّة، وقصّتِه الطّويلة: غادة أمّ القرى، والواقعُ أنّنا نجد تفسيرَ ذلك ومبرّراتِه في مسار نشوء الفنّ القصصيّ الجزائريّ ذاتِه…»

وقبل أن تقرأ، اسألْ نفسَك :
  • لماذا تتطلّب الظّاهرةُ الأدبيّةُ المرورَ بمراحلَ تسبق النّضجَ والاستواء؟
  • ما الهدفُ المتوخّى من العمليّة الإبداعيّة قبل اندلاع الثّورة وأثناءها؟
⚖️ هذان السّؤالان مدخلٌ لا امتحان: لا تُجِبْ عنهما الآن. اقرأِ النّصَّ وفي ذهنك أنّ الفنَّ القصصيَّ الجزائريَّ كان لا يزال يبحث عن صورته، وأنّ الكتابةَ زمنَ الاحتلال لم تكن ترفا. ثمّ عُدْ إليهما بعد المحطّات كلِّها.

📜النّصّ

في غارةٍ خاطفةٍ على قرية «الطّوب»، جمع «الوقّاف» بطلبٍ من سيّده «القايد» الأهاليَ في البطحة الفسيحة. هذا — على كلّ حالٍ — ما كان يحدث أحيانا. لكنْ ما لم يكن يحدث على الإطلاق أن يحضر ضابطٌ فرنساويٌّ مثلَ هذا الأمر. كان الضّابط يضع مرفقَه على حافة الباب العليا لـ«الجيب»، رِجْلٌ على الباب وأخرى على الأرض، يتأمّل حشدا من حُفاةٍ يزحمهم أطفالُهم. تكلّم الضّابط، وترجم عنه الوقّاف:

— يقول لكم سيّدي… زاد اللهُ في مقامه (سيّدُك وحدك!) كان يمكن أن يكون يومُكم هذا أسود!… عارفين علاه؟ عاملين حالكم موش عارفين! «الدّانبير» الّذي خرّبتموه!… كان طولَ النّهار كالنّحلة، رايح جاي، يعاون المحبوسين على نقل الأغراض، ورفعِ التّراب… زدتهم شقاءً على شقائهم؛ سَرَيْتم إليه ولم تتركوه إلّا جثّة!… من يستطيع أن يقول لي ماذا فعل لكم؟!…

إلى هنا كانت القلوبُ قد بلغت الحناجرَ، فدسَّ بعضُهم أرجلَهم في التّراب، وبعضُهم ثنَوْا رُكَبَهم حتّى يتستّروا بما عليهم من ثياب. الحاصلُ أنّ الآلةَ العجيبةَ الّتي لم يروا مثلَها في البلاد كانت تتوقّف في كلّ مساءٍ عند حوش الوقّاف، أي في حمايته. لكنْ هناك من استغلّوا سِتْرَ اللّيل، وتسرّبوا إليها، واقتطعوا لأنفسهم أحذيةً من عجلاتها، وتفطّن بعضٌ من هذا البعض إلى المازوت الّذي في خزّانها فتنافسوا عليه… السّمُّ الّذي قد تكفي جرعةٌ منه لقتل الدّيدان الّتي سكنت بطونَهم، تأكل أمعاءَهم، تعذّبهم، يشربونها من نبعٍ وحيد… حفرةٍ آسنة… حَمْأٍ وماءٍ يترقّص فيه العَلَقُ، وتتزاحم عليه الضّفادع.

قال الضّابط، وترجم الوقّاف:

— هذا الطّريقُ تشقّه الدّولةُ ليصل إلى آخر واحدٍ منكم حتّى لو كان في رأس الجبل!… سيكون معبَّدا كي تسهل عليكم الحركةُ، وتتمكّنوا من قضاء مصالحكم… (الحرّيّةُ طريقُنا!) انظروا يا رؤوسَ البقر إلى حنان فرنسا، أم تظنّون أنّها في حاجةٍ إلى هذا الطّريق؟!… (نعم، هي في حاجةٍ إليه! حاجةٍ ماسّة، حتّى تلاحق الثّوّارَ وتجمع الضّرائب!…) إنّي أراكم مثلَ ذلك المخبول الّذي هبَّ النّاسُ يساعدونه على حفر قبر أمّه فخطف الفأسَ وهرب! (أحسنَ ما فعل!… لماذا يحفرون قبرا لأمّه ولا يحفرون قبورا لأمّهاتهم؟!)

وقال الوقّاف بغضب: — مَن ذا الّذي يُهمهم؟… بيّنْ نفسَك؟!…

وتكلّم الضّابط وقال الوقّاف: — إنّه يقول لكم: لستُ عبيطا، نائما على أذني! في مقدوري أن أذكر أسماءَ كلِّ الّذين تآمروا، وخرّبوا الآلةَ العزيزةَ، الغالية… هل سمعتم؟! وهو قادرٌ أن يختار منكم الآن عشرين أو ثلاثين حمارا لينضمّوا إلى أولئك اللّصوص.

والتفت إلى الطّريق، إلى المساجين الكالحين الّذين كان بعضُهم لا يقوى على رفع الفؤوس أو دفع الرّفش، ثمّ أكمل: — لكنّه يقول لكم: لم آتِ إلى هنا كي أعاقبَكم رغم خطورة ما حصل؛ فليس في سياستنا كلمةُ: عقاب! حِلْمُ الدّولة الفرنساويّة لا حدودَ له…

بدأت بعضُ الأرجل الآن تخرج من تحت التّراب، واعتدلت قاماتُ بعض النّاس. واصل الوقّاف: — ولا أنسى أن أقول لكم: إنّ الحاكمَ العامَّ — نصره اللهُ — قد حمّلني تحيّاتِه إليكم!

وغضب الوقّاف فجأة: — قولوا آمين، أم أنتم مُكمَّمون!؟ (ومن أين يعرف هذا «القاوري» «نصره الله» هذه؟) من ذا الّذي يتكلّم بغير إذن؟… لا أحد؟! اصبرْ عليّ شويّة؛ يروح هذا «القاوري»، كما يقولون، وأؤدّبك الأدبَ الّذي تحتاج إليه!… انظروا إلى هذا «القاوري» كيف يشعّ وجهُه. أمّا أنتم؟ يا لطيف! انظروا إلى بعضكم… وجوهٌ مكدودة، ممصوصة كأنّكم شياطين!… «هم» يبنون وأنتم تهدمون، وأكثرُ من ذلك لستم راضين!…

وسأل الضّابطُ الوقّافَ إن كان الأهالي قد تجاوبوا مع أفكاره، فردَّ عليه بالإيجاب؛ بالكلام وبهزِّ رأسه. فقال: إذن، يجب أن نتحرّك! فترجّاه الوقّافُ أن يمنحه دقيقةً أو اثنتين حتّى يسوّيَ بعضَ القضايا الّتي تتعلّق بالضّرائب، مُظهِرا حرصَه على مصالح الدّولة الفرنساويّة. وأشار إلى «الخوجة» أن يتقدّم فتقدّم، وناوله هذا الأخيرُ دفترا، ففتحه وصاح: هناك، في كلِّ مرّة، من يخالف قانونَ الضّرائب!…

— (فلان)؟ — نعم سيّدي! — أين هو السّلوقيُّ الأحمر؟ — مات يا سيّدي!… واللهِ العظيم!… ونحن وجدنا ما نأكله حتّى يعيش؟!… — عشرين فرنكا!… — (فلان)؟ — يا (وخذي)؟… — عندك ثلاثُ دجاجاتٍ وتقول: عندي واحدة؟… الكذبُ ملَّ منكم وأنتم لم تملّوا!… عشرُ فرنكات! — (فلان)؟ — نعم — كيف حالُ الدّيك؟ — أيُّ ديك؟!… — الرّماديّ! — أحلف لك يا سيّدي أنّي ذبحتُه لأمّ العيال، بعد أن كاد السّعالُ يقتلها… — ومثلُه يهون ويُذبَح؟! قلْ لأمّ العيال تُطلِقْ سراحَه!… سبعةُ فرنكات! — (فلان) — نعم! — تبارك اللهُ! تحمل جِزّةً في وجهك، ولا تدفع عنها شيئا إلى الحاكم؟!… خمسةَ عشرَ فرنكا! — سأحلقها؟! — ادفعْ أوّلا، ثمّ اصنعْ بها ما شئت!…

وتململ الضّابطُ فسارع الوقّافُ إلى القول: — نكتفي اليوم بهذا، وسنعود في مطلع الأسبوع!…

صاح الضّابطُ مُعلِنا نهايةَ التّجمّع: — عاشت الجمهوريّة، عاشت الحرّيّةُ والأخوّةُ والمساواة! (إنّ الّذين أسمعونا هذه الشّعاراتِ وضعونا دوما في قهرٍ ما بعده قهر! وأخضعونا للسُّخرة… إنّ ثورةً مباركةً، هي ثورتُكم، قد انطلقت، منذ أشهرٍ قليلة، لترفع عنكم الظّلمَ والضّرائبَ الجائرة… ولن تتوقّف، بحول الله، حتّى يضطرَّ المستعمرُ إلى الرّحيل!…)

ونادى الوقّافُ بأعلى صوته: — من هذا؟… — (صوتُ الثّورة!) — لماذا تتكلّم بصوتٍ واهن؟… — (لكنّه مسموعٌ عند هؤلاء! وسيقوى!…) — كنْ شجاعا وتقدّمْ إلى هنا! تقدّمْ لا تخفْ! يقول لك الضّابط: ستُلبَّى حاجتُك إن كانت لك حاجة! هذا «قاوري» حرٌّ؛ يؤمن، أوّلا وقبل كلِّ شيءٍ، بالحوار… — (في الأوّل هذا، يا مغفَّل، كانت الخديعةُ والغزو. ثمّ العنفُ والقمعُ وما ترى!…) — اقبضوا عليه من فضلكم، وقدّموه إلى هنا!…

وتكلّمت بنادقُ هنا وهناك… لم يكن البارودُ مألوفا في قرية الطّوب، فارتبك بعضُ النّاس، وذهلوا حتّى عن أبنائهم… جروا في كلّ الاتّجاهات، تلاقت أكتافُهم وتناطحت رؤوسُهم… وضرب الضّابطُ الوقّافَ في صدره باحثا عن منفذ… وهام على وجهه، تاركا خلفه حارسَه الشّخصيَّ وسيّارةَ الجيب.

وطوَّح المساجينُ بالفؤوس والرّفش بعيدا، وصاحوا: اللهُ أكبر! تحيا الحرّيّةُ… الحرّيّة!…

محمّد شنّوفي — من مجموعة محض افتراء

📖أثري رصيدي اللّغويّ

في معاني الألفاظ
اللّفظمعناه
سَرَيْتمجئتموه ليلا وخفيةً
المخبولمَن فسد عقلُه وجُنَّ
يُهمهميتكلّم كلاما خفيّا يُسمَع ولا يُفهَم
عبيطأبلهُ غيرُ ناضج
الكالحينالّذين أضناهم الهمُّ فشحَبت وجوهُهم
مكدودةألحَّ عليهم العملُ وأرهقهم
طوَّحرمى بالشّيء بعيدا («طوّح بالفأس»)
في الحقل المعجميّ — ابحثْ في النّصّ عن الكلمات الّتي يجمعها مجالُ: الاستغلال.
ثماني كلماتٍ يجمعها هذا المجال :
  • رؤوس البقر
  • المساجين
  • الكالحين
  • شقاء
  • تعذّبهم
  • قهر
  • أخضعونا
  • الضّرائب
⭐ ولاحظْ كيف يُبنى الحقلُ المعجميّ: الكلماتُ الثّمانُ ليست مترادفة، بل تتوزّع على ثلاثة أوجهٍ للاستغلال الواحد — الاحتقارُ (رؤوس البقر)، والتّقييدُ (المساجين، أخضعونا، الضّرائب)، والأثرُ في الأجساد (الكالحين، شقاء، تعذّبهم، قهر). فالحقلُ المعجميُّ لا يُحصى فقط، يُصنَّف.
في الحقل الدّلاليّ — استخدمْ أحد المعاجم لمعرفة مشتقّات الكلمة الآتية: خَبَالٌ.
كيف تصنع ذلك في المعجم، خطوةً خطوة :
  1. ردَّ الكلمةَ إلى جذرها: خَبَال ⟵ خ ب ل (احذفْ حروفَ الزّيادة، وأعِدِ الحرفَ المحذوفَ إن وُجد)؛
  2. ابحثْ في باب الخاء، فصلِ الباء، مادّةِ (خبل) — لا في باب الألف ولا تحت «خَبَال»؛
  3. اقرأِ المادّةَ كلَّها: المعجمُ يسرد تحت الجذر الواحد الفعلَ ومصادرَه وأسماءَ الفاعل والمفعول والصّفاتِ المشبّهة؛
  4. دوّنْ لكلِّ مشتقٍّ نوعَه ومعناه، ثمّ ابحثْ عن أيِّها ورد في النّصّ.
⭐ ولك في النّصّ نقطةُ انطلاق: وردت فيه كلمةُ «المخبول»، وقد فسّرها الدّرسُ في معاني الألفاظ بـ«مَن فسد عقلُه وجُنَّ». فهي اسمُ مفعولٍ من الجذر نفسِه، وهي الشّاهدُ الّذي يربط عملَك في المعجم بالنّصّ.
في الحقل الدّلاليّ — استعنْ بأستاذك في مادّة التّاريخ لمعرفة دلالة الألقاب الآتية: الوقّاف — القايد — الخوجة.
⚖️ هذه الألقابُ إداريّةٌ تاريخيّة، ودلالتُها الدّقيقةُ من عمل أستاذ التّاريخ كما يطلب الدّرس. غير أنّ النّصَّ نفسَه يُثبت لكلِّ لقبٍ وظيفتَه داخل المشهد — وهذا ما تستطيع استخراجَه وحدك، وهو ما يُسأل عنه في التّحليل.
ما يُثبته النّصُّ لكلِّ لقب
اللّقبما يفعله في النّصّموقعُه في السّلّم
القايدهو «سيّدُ» الوقّاف، وبطلبٍ منه جُمِع الأهالي في البطحةالآمر المحلّيّ — لا يظهر في المشهد، ويأمر من بعيد
الوقّافيجمع الأهاليَ، ويترجم كلامَ الضّابط، ويخطب فيهم، ويجبي الضّرائب، والآلةُ تبيت «عند حوش الوقّاف، أي في حمايته»الوسيط المنفّذ — كلُّ الكلام يمرُّ به
الخوجةيتقدّم بإشارةٍ من الوقّاف ويناوله الدّفتر الّذي فيه المخالفونكاتب السّجلّ — لا يتكلّم، ويحمل الأداة
⭐ والفائدةُ من هذا الجدول أنّه يُريك سلسلةَ السّلطة كاملةً في مشهدٍ واحد: الحاكم العامّ ← الضّابط ← القايد ← الوقّاف ← الخوجة ← الأهالي. وستحتاج إليها في محطّة أناقش حين تبحث عن المُرسِل والمعارِض.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ، وكلُّ جوابٍ يحمل شاهدَه. اقرأْ وأجبْ في كرّاسك، ثمّ افتحْ لتقابل.
حدّدْ ملامحَ صورة «الوقّاف» كما يراها الكاتب.

الوقّافُ هو الشّخصيّةُ الرّئيسة، وهو عند الكاتب الرّجلُ الجزائريُّ الخائنُ لوطنه، عميلُ فرنسا.

وملامحُه في النّصّ :
  • ظالمٌ مستغلٌّ قاسٍ على الأهالي: «انظروا يا رؤوسَ البقر»، «وجوهٌ مكدودة، ممصوصة كأنّكم شياطين»؛
  • يغضب من غير سببٍ منطقيّ: «وغضب الوقّاف فجأة: قولوا آمين، أم أنتم مُكمَّمون!؟»؛
  • يكلّف نفسَه فوقَ ما يأمره به الضّابط: هو الّذي ترجّى الضّابطَ أن يمنحه دقيقةً «حتّى يسوّي بعض القضايا الّتي تتعلّق بالضّرائب، مُظهِرا حرصَه على مصالح الدّولة»؛
  • يتلذّذ بتعذيب أبناء وطنه: «وأؤدّبك الأدبَ الّذي تحتاج إليه»؛
  • متذلّلٌ جبان: «إنّ الحاكمَ العامَّ — نصره اللهُ — قد حمّلني تحيّاتِه إليكم!».
⚖️ وانتبهْ إلى مفارقةٍ يبنيها الكاتبُ عمدا: الوقّافُ يدعو للحاكم العامّ بـ«نصره الله» ويسمّي الضّابطَ «القاوري» في النَّفَس نفسِه. وقد التقط النّصُّ هذا التّناقضَ في الجملة المعترضة: «(ومن أين يعرف هذا «القاوري» «نصره الله» هذه؟)». فصورةُ الوقّاف ليست صورةَ ظالمٍ فحسب، بل صورةَ مُمَزَّقٍ يستعمل لسانَ قومه ضدَّهم.
استخلصْ مظاهرَ الحياة الاجتماعيّة قبل الثّورة وأثناءها.

هي كلُّ مظاهر الحرمان والشّقاء والبؤس: من جوعٍ وعُرْيٍ ومرضٍ وبطالة وأمّيّةٍ واعتقالات. وهذه شواهدُ من النّصّ على أظهرِها:

المظهر وشاهدُه في النّصّ
المظهرالشّاهد
الجوع«ونحن وجدنا ما نأكله حتّى يعيش؟!» — يعتذر عن كلبٍ لم يجد ما يُطعِمه
العُرْي«حشدا من حُفاة»، و«ثنَوْا رُكَبَهم حتّى يتستّروا بما عليهم من ثياب»
المرض«الدّيدان الّتي سكنت بطونَهم، تأكل أمعاءَهم»، والماءُ من «حفرةٍ آسنة»
الفقر«اقتطعوا لأنفسهم أحذيةً من عجلاتها» — الحذاءُ يُصنَع من إطار
الاعتقالات والسُّخرة«المساجين الكالحين» يشقّون الطّريق بالفؤوس والرّفش، و«أخضعونا للسُّخرة»
الجباية الجائرةضريبةٌ على سلوقيٍّ وثلاثِ دجاجاتٍ وديكٍ وجِزّةِ وجه
⭐ وأمّا «أثناءها» فمظهرٌ واحدٌ جديد يقابل هذه كلَّها: الصّوتُ. «(صوتُ الثّورة!)» «لكنّه مسموعٌ عند هؤلاء! وسيقوى!». فما كان مكتوما في الجمل المعترضة صار يُنادى به جهرا — وهذا هو الفرقُ بين الحالين في النّصّ.
قارنْ بين معاملة «الوقّاف» للجزائريّين وبين معاملة الضّابط الفرنسيّ. ماذا تستنتج؟

كانت معاملةُ الوقّاف للجزائريّين أشدَّ قسوةً وظلما من معاملة الضّابط الفرنسيّ.

ويبدو ذلك من كلامه هو :
  • «…قد حمّلني تحيّاتِه إليكم! وغضب الوقّاف فجأة… قولوا آمين، أم أنتم مُكمَّمون…»؛
  • «اصبرْ عليّ شويّة، يروح هذا «القاوري»، وأؤدّبك الأدبَ الّذي تحتاج إليه…».
موازنةُ الخطابين
الوجهالضّابطالوقّاف
اللّغةلا نسمعه مباشرةً؛ كلامُه يصل مترجَمايخاطب مباشرةً بالعامّيّة والشّتم
الوعد«لم آتِ إلى هنا كي أعاقبَكم»، «حِلْمُ الدّولة الفرنساويّة لا حدودَ له»«وأؤدّبك الأدبَ الّذي تحتاج إليه»
المبادرةأراد أن يتحرّك: «إذن، يجب أن نتحرّك!»استزاد وقتا ليجبيَ الضّرائب
⭐ والاستنتاج: العميلُ أقسى على أهله من المستعمِر نفسِه، لأنّ المستعمِرَ يحتاج إلى صورةٍ يحفظها («ليس في سياستنا كلمةُ عقاب»)، أمّا العميلُ فيحتاج إلى أن يُثبِت ولاءه، ولا يثبته إلّا بالزّيادة. ولهذا كلّف نفسَه فوقَ ما أُمِر به.
ما رأيك في الشّعارات الّتي كان ينادي بها المستعمِر؟
⛔ هذا سؤالُ رأيٍ وحكم، ولا جوابَ جاهزٌ له: الحكمُ يُبنى ولا يُتلقّى. وهذه طريقةُ بنائه — والنّصُّ نفسُه أعطاك موادَّها.
اِبنِ رأيَك في أربع خطوات :
  1. أحصِ الشّعاراتِ كما وردت على لسان المستعمِر ومترجِمِه: «حنانُ فرنسا»، «حِلْمُ الدّولة الفرنساويّة لا حدودَ له»، «ليس في سياستنا كلمةُ: عقاب»، «عاشت الجمهوريّة، عاشت الحرّيّةُ والأخوّةُ والمساواة»؛
  2. ضعْ أمام كلِّ شعارٍ ما يقابله من وقائع النّصّ: «حنانُ فرنسا» يجاوره «يا رؤوسَ البقر»؛ و«ليس في سياستنا كلمةُ: عقاب» يجاوره تهديدٌ بعشرين أو ثلاثين رجلا؛ و«عاشت الحرّيّةُ والأخوّةُ والمساواة» يجاورها طريقٌ يشقّه المساجين بالفؤوس؛
  3. قِسِ المسافةَ بين القول والفعل في كلِّ سطرٍ — فهي مقياسُ الحكم، لا ذوقُك؛
  4. احكمْ بعبارةٍ مقيّدة تذكر فيها ما رأيتَ لا ما تشعر به، واستشهدْ. ولك في النّصّ معينٌ: الرّدُّ على الشّعارات موجودٌ فيه بين قوسين — «(الحرّيّةُ طريقُنا!)»، و«(إنّ الّذين أسمعونا هذه الشّعاراتِ وضعونا دوما في قهرٍ ما بعده قهر!)».
عيّنِ المشهدَ الّذي انطبع في ذهنك وأثّر في مشاعرك.
⛔ هذا سؤالٌ عن أثرٍ فيك أنت؛ لا يصحُّ أن يُملى عليك مشهدٌ بعينه. المطلوبُ أن تختار، ثمّ تُبرِّر اختيارك بالنّصّ.
كيف تختار وتُبرّر :
  1. عُدْ إلى النّصّ وضعْ علامةً عند كلِّ موضعٍ توقّفتَ عنده وأنت تقرأ أوّلَ مرّة؛
  2. اختَرْ واحدا فقط — الأقوى أثرا فيك؛
  3. سمِّ ما فعله بك: أهو الشّفقةُ؟ الغضبُ؟ السّخريةُ المرّة؟ الخوف؟
  4. ابحثْ عن سبب الأثر في اللّغة نفسِها: أهو صورةٌ (كالنّحلة، كأنّكم شياطين)؟ أم مفارقةٌ (ضريبةٌ على ديكٍ مذبوح)؟ أم تفصيلٌ حسّيٌّ (العَلَقُ في الماء)؟ أم صمتٌ («لا أحد؟!»)؟ فالمشهدُ لا يؤثّر بمضمونه وحده، بل بالطّريقة الّتي كُتِب بها — وهذا الشّقُّ الأخير هو المطلوبُ منك، وهو الّذي يُقوَّم.
كيف ترى الرّاوي؟ مشاركا في الأحداث أم مجرّدَ ناقلٍ لها؟

يبدو الرّاوي مشاركا في الأحداث، لا ناقلا محايدا، ويظهر ذلك من عواطفه السّاخطة على ظلم الاستعمار وأتباعه.

والدّليلُ ثلاثةُ مواضعَ في اللّغة نفسِها :
  • الجملُ المعترضةُ بين قوسين، وهي صوتٌ يعلّق ويردُّ ويسخر: «(سيّدُك وحدك!)»، «(أحسنَ ما فعل!)»، «(نعم، هي في حاجةٍ إليه!)»؛
  • ألفاظُ التّقويم الّتي لا يقولها شاهدٌ محايد: «الضّرائبُ الجائرة»، «المساجين الكالحين»، «ثورةٌ مباركة»؛
  • اطّلاعُه على البواطن: «إلى هنا كانت القلوبُ قد بلغت الحناجر» — من يعرف ما في القلوب ليس واقفا خارجَ المشهد.
⚖️ ولا تُطلقِ الحكمَ: الرّاوي ليس شخصيّةً من شخصيّات القصّة، ولا يقول «أنا»، ولا يفعل شيئا في الأحداث. مشاركتُه موقفٌ لا فعل. فقلْ: «مشاركٌ بعاطفته وتعليقه، لا ببطولته» — وهذا هو التّدقيقُ الّذي يفصل بين إجابةٍ وإجابة.
اذكرْ عناصرَ الخيال الّتي أضفت على الواقع مسحةً من الفنّ.

الحادثةُ واقعيّة، لكنّ الكاتبَ لم يَرْوِها تقريرا. وهذه العناصرُ هي الّتي حوّلت الواقعةَ إلى فنّ:

عنصرُ الخيال وأثرُه
العنصرالشّاهد من النّصّما أضافه
التّشبيه«كان طولَ النّهار كالنّحلة، رايح جاي»يجعل الآلةَ كائنا نافعا دائبا — فيقلب المعنى: الآلةُ تُمدَح والنّاسُ يُذمّون
التّشبيه والاستعارة المُهينان«يا رؤوسَ البقر»، «كأنّكم شياطين»، «ثلاثين حمارا»يُري الاحتقارَ بدل أن يخبر عنه
الكناية«كانت القلوبُ قد بلغت الحناجرَ»يصوّر الخوفَ الجماعيَّ في حركةٍ واحدة
التّشخيص«وتكلّمت بنادقُ هنا وهناك»يمنح البارودَ لسانا، فيصير الرّصاصُ جوابا على الخطبة
الرّمز«(صوتُ الثّورة!)» — متكلّمٌ بلا اسمٍ ولا جسديرفع الحادثةَ من قريةٍ بعينها إلى الشّعب كلِّه
التّفصيلُ الحسّيّ«حَمْأٍ وماءٍ يترقّص فيه العَلَقُ، وتتزاحم عليه الضّفادع»يُشعِرك بالبؤس بدل أن يقول لك «كانوا بائسين»
⭐ والميزانُ الّذي يجمع هذه كلَّها: الخيالُ هنا لم يخترعْ وقائعَ، بل جعل الوقائعَ تُرى. ولهذا لا يتعارض مع مرجعيّة الشّخصيّات التّاريخيّة الواقعيّة الّتي ستذكرها في السّؤال الأخير.
صنّفْ أنواعَ الحوار الواردة في النّصّ، وبيّنْ دورَها في تقدّم الأحداث.
أنواعُ الحوار في النّصّ
النّوعأين هودورُه في تقدّم الأحداث
حوارٌ خارجيٌّ مباشربين الوقّاف والأهالي: «— من ذا الّذي يُهمهم؟…»يفتح المشهدَ ويصعّد التّوتّر: كلُّ سؤالٍ يزيد الخناقَ ضيقا
حوارٌ منقولٌ مترجَم«تكلّم الضّابط، وترجم عنه الوقّاف: — يقول لكم سيّدي…»يبني بنيةَ الوساطة كلَّها: لا يصل صوتُ السّلطة إلّا عبر عميل
حوارٌ داخليٌّ معترضكلُّ ما بين قوسين: «(سيّدُك وحدك!)»، «(الحرّيّةُ طريقُنا!)»يكشف ما لا يُقال جهرا — وهو الّذي يُنبِت صوتَ الثّورة في آخر القصّة
حوارُ الإحصاء والجباية«— أين هو السّلوقيُّ الأحمر؟ — مات يا سيّدي!»يبطئ الإيقاعَ عمدا قبل الانفجار، ويكشف عبثَ النّظام الجبائيّ
⭐ وهذه هي الحركةُ الّتي تجمعها: الحوارُ في القصّة يسير من الخارجيِّ المفروض إلى الدّاخليِّ المكتوم، ثمّ ينقلب الدّاخليُّ خارجيّا حين يُنادى: «— من هذا؟… — (صوتُ الثّورة!)». فالحوارُ ليس زينة: هو آلةُ التّحوّل في هذا النّصّ.
ما مرجعيّةُ الشّخصيّات الواردة في هذه القصّة؟

مرجعيّةُ الشّخصيّات في النّصّ هي مرجعيّاتٌ تاريخيّةٌ واقعيّة: الضّابطُ الفرنسيّ، الوقّاف، القايد، الخوجة، الحاكمُ العامّ، المساجين، الأهالي — كلُّهم من واقع الجزائر أيّامَ الاحتلال، لا من ابتكار الخيال.

وما يُثبت ذلك في النّصّ :
  • الألقابُ الإداريّةُ الحقيقيّة (الوقّاف، القايد، الخوجة، الحاكم العامّ) — ولذلك طلب الدّرسُ أن تستعين عليها بأستاذ التّاريخ؛
  • المؤسّساتُ: الضّرائبُ والدّفترُ وقانونُ الضّرائب والسُّخرة؛
  • الحدثُ المؤرَّخ: «إنّ ثورةً مباركة… قد انطلقت، منذ أشهرٍ قليلة».
⚖️ ولا تخلطْ بين شيئين: المرجعيّةُ واقعيّةٌ تاريخيّة، لكنّ الشّخصيّاتِ بلا أسماء: «(فلان)»، «الوقّاف»، «الضّابط». وهذا اختيارٌ فنّيٌّ مقصود: الشّخصيّةُ وظيفةٌ لا فرد، وما جرى في «الطّوب» جرى في غيرها. فالمرجعيّةُ تاريخيّة، والدّلالةُ عامّة.

💬أناقش معطيات النّصّ

اُدرسِ الشّخصيّةَ القصصيّةَ من حيث هويّتُها وخصائصُها (المادّيّة والمعنويّة) وأحوالُها (النّفسيّة والذّهنيّة).
① الشّخصيّةُ الرّئيسة — الوقّاف :
  • الهويّة: رجلٌ جزائريٌّ خائنٌ لوطنه، عميلُ فرنسا، تابعٌ لسيّده «القايد»؛
  • الخصائصُ المعنويّة: ظالمٌ مستغلّ، قاسٍ على الأهالي، يغضب من غير سببٍ منطقيّ، يكلّف نفسَه فوقَ ما يأمره به الضّابط، متذلّلٌ جبان؛
  • الأحوالُ النّفسيّة: يتلذّذ بتعذيب أبناء وطنه، ويتقلّب بين التّذلّل لسيّده والتّسلّط على قومه في السّطر الواحد؛
  • الأحوالُ الذّهنيّة: يعرف قيمةَ ما يفعل («مُظهِرا حرصَه على مصالح الدّولة»)، ويستعمل الدّينَ واللّغةَ أداتين («نصره الله»، «قولوا آمين»).
② الشّخصيّاتُ الثّانويّة :
  • الضّابط: شخصيّةُ الرّجل المسيطر على الأوضاع، الّذي يثق في أتباعه؛ لا نسمع صوتَه مباشرةً، ومع ذلك هو مصدرُ كلِّ كلام؛
  • الأهالي: هم الّذين يعانون من الظّلم والسّيطرة والفقر المفروض عليهم؛ لا يتكلّمون إلّا بين قوسين، أو بأجسادهم (دسُّ الأرجل، ثنيُ الرُّكَب)؛
  • الخوجة والقايد: حضورٌ وظيفيٌّ خالص — أداةٌ وأمرٌ، بلا كلام.
⭐ وأمّا الخصائصُ المادّيّة فلاحظْ ما لا يفعله الكاتب: لا يصف مظهرَ الوقّاف الخارجيَّ في سطرٍ واحد. الوصفُ المادّيُّ في النّصّ مصروفٌ كلُّه إلى الأهالي (حُفاة، وجوهٌ مكدودة ممصوصة، مساجينُ كالحون) وإلى الضّابط (المرفقُ على الباب، رِجلٌ هنا وأخرى هناك، وجهٌ يشعّ). وهذا اختيارٌ ذو معنًى: الكاتبُ ركّز على الشّخصيّة القصصيّة «الوقّاف» من حيث وظيفتُها وسلوكُها، لا من حيث صورتُها. فالعميلُ يُعرَف بما يفعل.
ابحثْ من خلال القصّة عن المُرسِل والمُرسَل إليه والذّات والموضوع والمعارِض والمساعِد.
العواملُ السّتّةُ في «الطّريق إلى قرية الطّوب»
العاملمَن هو في القصّةالشّاهد
الذّاتأهالي قرية الطّوب، ويتكلّم باسمهم «صوتُ الثّورة»«(صوتُ الثّورة!)» جوابا على «— من هذا؟»
الموضوعالتّخلّصُ من الظّلم والضّرائب الجائرة«لترفع عنكم الظّلمَ والضّرائبَ الجائرة»
المُرسِلالواقعُ الاستعماريُّ نفسُه: القهرُ والسُّخرةُ والجباية«وضعونا دوما في قهرٍ ما بعده قهر! وأخضعونا للسُّخرة»
المُرسَل إليهالشّعبُ الجزائريّ«إنّ ثورةً مباركة، هي ثورتُكم»
المساعِدالثّورةُ المنطلقةُ منذ أشهر، والبنادق، والمساجين«وتكلّمت بنادقُ هنا وهناك»، «وطوَّح المساجينُ بالفؤوس والرّفش»
المعارِضالضّابط، الوقّاف، القايد، الخوجة، الحاكمُ العامّ، والدّفترسلسلةُ السّلطة الّتي أحصيتَها في الحقل الدّلاليّ
⚖️ موضعُ التّردّد، وكيف يُحسَم: قد تجعل الذّاتَ «صوتَ الثّورة» وحده. والأصحُّ أنّه لسانُ الذّات لا الذّات، بدليل أنّ النّصّ لا يمنحه اسما ولا جسدا، ويقول عنه: «لكنّه مسموعٌ عند هؤلاء! وسيقوى!». فالضّميرُ يُرجِعه إلى الجماعة. ⟸ الذّاتُ جماعيّة، والصّوتُ تمثيلٌ لها.
يتحقّق البرنامجُ السّرديُّ عادةً بالتّرتيب الآتي: 1- المحفّز · 2- الكفاءة · 3- الإنجاز · 4- الجزاء. حاولْ أن تطبّق هذا البرنامج على هذه القصّة.
البرنامجُ السّرديُّ مطبَّقا
الطّورما يقابله في القصّةالشّاهد
1 - المحفّزالقهرُ والسُّخرةُ والضّرائب، ثمّ تخريبُ «الدّانبير» الّذي جعل الرّفضَ فعلا لا شعورا«الدّانبير الّذي خرّبتموه!»
2 - الكفاءةانطلاقُ الثّورة قبل أشهرٍ قليلة: صار للرّفض سندٌ ووسيلة«إنّ ثورةً مباركة… قد انطلقت، منذ أشهرٍ قليلة»
3 - الإنجازالجهرُ بالصّوت أوّلا، ثمّ البنادقُ وطرحُ الفؤوس«— من هذا؟… — (صوتُ الثّورة!)»، ثمّ «وتكلّمت بنادقُ هنا وهناك»
4 - الجزاءفرارُ الضّابط، وتحرّرُ المساجين، والهتافُ الجهريّ«وهام على وجهه، تاركا خلفه حارسَه الشّخصيَّ وسيّارةَ الجيب»، و«صاحوا: اللهُ أكبر! تحيا الحرّيّةُ… الحرّيّة!»
⭐ والدّليلُ على أنّ التّطبيقَ صحيحٌ لا مُقحَم: الطّورُ الرّابع يعكس الأوّلَ حرفا بحرف. في المحفّز كان الوقّاف يجمع الأهاليَ ويأمر، والمساجينُ يحملون الفؤوسَ عملا بالسُّخرة؛ وفي الجزاء يفرُّ الضّابط، والمساجينُ يطوّحون بالفؤوس نفسِها بعيدا. الأداةُ واحدة، والمعنى انقلب. هكذا يُقرأ برنامجٌ سرديٌّ: بالمقابلة بين طرفيه، لا بتوزيع الأسماء على الفقرات.

🧱أحدّد بناء النّصّ

الشّخصيّةُ القصصيّةُ لها عدّةُ وظائف، منها: إنّها تكشف عن خبايا النّفس الإنسانيّة. وضّحْ ذلك من خلال شخصيّة «الوقّاف».

الوقّافُ ليس شرّيرا مرسوما من الخارج؛ هو مِبْضَعٌ يفتح به الكاتبُ ما لا يُرى في النّفس. وثلاثُ خبايا يكشفها:

① الحاجةُ إلى الاعتراف من القويّ
  • «إنّ الحاكمَ العامَّ — نصره اللهُ — قد حمّلني تحيّاتِه إليكم!» — يفخر على قومه بتحيّةٍ ليست له؛
  • ثمّ يغضب فجأةً حين لا يُؤمَّن على دعائه: «قولوا آمين، أم أنتم مُكمَّمون!؟» — لأنّ صمتَهم يفضح أنّ التّحيّةَ لا قيمةَ لها.
② تعويضُ الذُّلِّ بالتّسلّط
  • يتذلّل للضّابط: «فترجّاه الوقّافُ أن يمنحه دقيقةً أو اثنتين»؛
  • ويتسلّط على قومه في السّطر التّالي: «وأؤدّبك الأدبَ الّذي تحتاج إليه». والنّفسُ المهانةُ تطلب مَن تُهينه.
③ الوعيُ بالخيانة، لا الجهلُ بها
  • «ومن أين يعرف هذا «القاوري» «نصره الله» هذه؟» — الجملةُ المعترضة تُثبت أنّ في القرية من يرى التّناقض؛
  • ويستعمل الوقّافُ لفظَ «القاوري» عن سيّده — فهو يعرف أنّه غريب، ويخدمه على معرفة.
⭐ ولهذا اختار الكاتبُ هذه الشّخصيّةَ محورا: وقد ركّز عليها من حيث وظيفتُها وسلوكُها، الّذي تجسّد في نصٍّ ذي طابعٍ فنّيّ. فالوقّافُ نافذةٌ على سؤالٍ أكبرَ من القرية: كيف يصير الرّجلُ أداةً على أهله؟
اذكرْ أهمَّ مكوّنات القصّة المشكِّلة للفنّ القصصيّ بالاعتماد على هذه القصّة.
مكوّناتُ القصّة — والقصّةُ تحتوي عليها كلَّها :
  • فكرةُ القصّة
  • المغزى
  • القصّة (مجرى الأحداث)
  • الحبكة
  • العقدة
  • الحلّ
  • الشّخصيّات
المكوّنُ في «الطّريق إلى قرية الطّوب»
المكوّنما يقابله هنا
الفكرةتجمّعٌ قسريٌّ في قريةٍ محتلّة ينقلب إلى لحظة رفض
المغزىأنّ القهرَ يصنع نقيضَه، وأنّ العميلَ أقسى من المستعمِر
القصّةغارةٌ خاطفة ← خطبةٌ وتهديد ← جبايةُ ضرائب ← صوتٌ يُنادي ← بنادقُ وفرار
الحبكةتَرابُطُ الأحداث سببًا ونتيجة: كلُّ حدثٍ في سلسلة «القصّة» أعلاه يستدعي ما بعده، في مشهدٍ واحدٍ لا يقطعه انتقالٌ في المكان (البطحة)
العقدة«— اقبضوا عليه من فضلكم، وقدّموه إلى هنا!» — الأمرُ الّذي لا رجعةَ بعده
الحلّ«وتكلّمت بنادقُ هنا وهناك»، وفرارُ الضّابط، وهتافُ المساجين
الشّخصيّاتالوقّاف (رئيسة) · الضّابط، الأهالي، الخوجة، صوتُ الثّورة (ثانويّة)
ما مراحلُ بناء القصّة انطلاقا من هذا النّصّ؟
المراحلُ الخمس، في تعريفها العامّ :
  1. الحالةُ البدائيّة: شخصٌ أو جماعةٌ يعيش في مكانٍ ما، بطريقةٍ ما؛
  2. عنصرُ التّحويل: ذاتَ يومٍ، وبشكلٍ مفاجئ، يقع خللٌ بهذه المعيشة؛
  3. نتائجُ عنصر التّحويل: تكوينُ عقدةٍ، ووضعٍ خطرٍ يتوقّف عليه مصيرُ البطل؛
  4. عنصرُ التّعديل: عملٌ أو حدثٌ يطرأ على الموقف فيُنهي حالةَ الخلل أو القلق؛
  5. الحالةُ النّهائيّة: عودةُ الأوضاع إلى مسارها الطّبيعيّ مع بعض التّعديل في الحالة البدائيّة.
المراحلُ الخمسُ مطبَّقةً على النّصّ
المرحلةما يقابلها
الحالةُ البدائيّةقريةٌ محتلّة، وأهلٌ حُفاةٌ يُجمَعون في البطحة كلّما طُلِبوا: «هذا — على كلّ حالٍ — ما كان يحدث أحيانا»
عنصرُ التّحويلما لم يحدثْ قطُّ: حضورُ ضابطٍ فرنساويٍّ بنفسه، بسبب تخريب الآلة
النّتائج (العقدة)التّهديدُ بأخذ عشرين أو ثلاثين رجلا، ثمّ الجباية، ثمّ الأمرُ بالقبض على صاحب الصّوت
عنصرُ التّعديلالجهرُ بـ«صوت الثّورة»، ثمّ كلامُ البنادق
الحالةُ النّهائيّةفرارُ الضّابط وتركُ الجيب، وتحرّرُ المساجين من الفؤوس — الوضعُ عاد، لكنّه لم يعدْ كما كان
الحوارُ لازمةٌ من لوازم القصّة كالسّرد والوصف، فما خصائصُه في هذه القصّة؟
أربعُ خصائص :
  • السّهولةُ والوضوح — جملٌ قصيرةٌ لا تحتاج إلى شرح؛
  • التّناسبُ في نسبته لكلِّ شخصيّة — كاستعمال اللّغة العامّيّة على لسان الوقّاف؛
  • خلوُّه من البريق الأدبيّ — لا صنعةَ فيه ولا زخرف، بخلاف لغة السّرد؛
  • حوارٌ مباشر — يُنقَل كما قيل، بشرطةٍ في أوّل السّطر.
⭐ ولمَ صنع الكاتبُ ذلك؟ لأنّ الحوارَ هنا وثيقةٌ لا زينة. لو أنطق الوقّافَ بلغةٍ فصيحةٍ أنيقةٍ لصدّقناه أدبا وكذّبناه واقعا. فخلوُّ الحوار من البريق هو ما يجعله صادقا — وهذا يمهّد لسؤال «الألفاظ العامّيّة» في المحطّة التّالية.
كيف تعامل الكاتبُ مع الزّمان والمكان في هذه القصّة؟
المكان :
  • الجزائر، في قرية «الطّوب»؛
  • ويتقلّص إلى مكانٍ واحدٍ داخلها: البطحة الفسيحة، ولا يغادرها السّردُ حتّى النّهاية؛
  • وحولها أمكنةٌ مذكورةٌ لا مرئيّة: حوشُ الوقّاف، الطّريقُ الّذي يُشقّ، رأسُ الجبل، النّبعُ والحفرةُ الآسنة.
الزّمان :
  • فترةُ الاحتلال الفرنسيّ؛
  • ويُحدَّد داخلها بدقّة: بعد اندلاع الثّورة بأشهرٍ قليلة — «إنّ ثورةً مباركة… قد انطلقت، منذ أشهرٍ قليلة»؛
  • وزمنُ الحكاية نفسِه مكثّفٌ جدّا: تجمّعٌ واحدٌ لا يتجاوز ساعةً، بدليل أنّ الوقّافَ طلب «دقيقةً أو اثنتين»؛
  • والغالبُ على الأفعال الماضي (جمع، تكلّم، ترجم، صاح)، وهو من مؤشّرات النّمط السّرديّ.
⭐ والعلاقةُ بينهما هي جوهرُ البناء: مكانٌ مغلقٌ وزمنٌ مكثّف يصنعان ضغطا لا مهربَ منه — فلا مشهدَ آخرَ يستريح إليه القارئ. ولهذا جاء الانفجارُ في آخر السّطور دون تمهيد: الضّغطُ هو التّمهيد.
صنّفْ هذا النّصَّ حسب نمط كتابته، واستنبطْ خصائصَه.

نمطُ النّصّ: سرديٌّ وصفيٌّ حواريّ — ثلاثةُ أنماطٍ متضافرة، الغالبُ فيها السّرد.

① النّمطُ السّرديّ، ومن مؤشّراته :
  • الإطارُ الزّمانيُّ والمكانيّ؛
  • غلبةُ الزّمن الماضي؛
  • كثرةُ الرّوابط الظّرفيّة؛
  • الأسلوبُ الخبريّ؛
  • أفعالُ الحركة؛
  • الأحداث.
② النّمطُ الوصفيّ، ومن مؤشّراته :
  • عناصرُ الإطار الزّمانيِّ والمكانيِّ والحركيِّ الّذي يهيّئ لخلق مناخٍ معيّن، ويتأكّد بوجود حقولٍ معجميّةٍ خاصّة؛
  • دقّةُ الوصف مع وجود الكثير من المجاز؛
  • وجهةُ نظر الواصف: الذّاتيّةُ أو الموضوعيّة؛
  • حقلٌ معجميٌّ لتجميل الموصوف أو تقبيحه؛
  • الحوارُ المباشرُ وغيرُ المباشر.
③ النّمطُ الحواريّ — وهو الطّريقةُ التّقنيّةُ المستخدَمةُ في إعداد النّصّ وإخراجه بغيةَ تحقيق غايةِ المرسِل منه. ومن مؤشّراته:
  • ضمائرُ الخطاب بالتّتابع: أنا، أنت؛
  • أفعالُ الأمر والنّهي؛
  • الاستفهامات.
⚖️ ولا تكتفِ بالتّسمية: بيّنْ أين يظهر كلُّ نمطٍ في هذا النّصّ بعينه. السّرد في الفقرة الأولى («جمع… كان… تكلّم… ترجم»)، والوصف في فقرة النّبع («حَمْأٍ وماءٍ يترقّص فيه العَلَقُ»)، والحوار في مشهد الجباية كلِّه. تسميةُ النّمط بلا شاهدٍ نصفُ جواب.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

مرّت هذه القصّةُ بالمراحل الآتية: وضعُ البداية — وضعُ التّحوّل — وضعُ الختام. حدّدْ بدايةَ وضع التّحوّل في هذه القصّة.

بدايةُ التّحوّل في القصّة تتمثّل في تدمير الآلة وتخريبها — وهو الحدثُ الّذي يمثّل حافزا ودافعا مشجّعا لتغيير الأوضاع والتّفكير في التّخلّص من الظّلم.

ولمَ هو بدايةُ التّحوّل بالضّبط؟ ثلاثةُ أدلّةٍ من النّصّ :
  • هو سببُ المشهد كلِّه: لولاه ما جاء الضّابط بنفسه — «ما لم يكن يحدث على الإطلاق أن يحضر ضابطٌ فرنساويٌّ مثلَ هذا الأمر»؛
  • هو أوّلُ فعلٍ جماعيٍّ يقوم به الأهالي في النّصّ، وقد سبق زمنَ الحكاية: «الدّانبير الّذي خرّبتموه!»؛
  • وهو يُروى بلسان الخصم لا بلسان الرّاوي — وهذا أبلغُ: الاعترافُ بالفعل يأتي من المتضرّر منه.
⚖️ ومَوضِعُ الخطأ الشّائع: قد تجعل التّحوّلَ في «(صوتُ الثّورة!)». وهي لحظةٌ قويّة، لكنّها نتيجةٌ لا بداية: النّصُّ يضع تخريبَ الآلة قبل بداية الحكاية، ويجعل كلَّ ما بعده ردَّ فعلٍ عليه. البدايةُ ما يُحدِث الخلل، لا ما يُتوّجه.
إليك المقطعُ المحصورُ بين «سأل الضّابط… وفي مطلع الأسبوع». حدّدْ مضمونَه وكيفيّةَ القول وقصديّةَ المؤلّف، ثمّ قيّمْ هذا المقطعَ وبيّنْ موقفَك من هذا العمل.
① المضمون
  • الوقّافُ يستأذن الضّابطَ في وقتٍ إضافيٍّ لتسوية «بعض القضايا الّتي تتعلّق بالضّرائب»؛
  • يناوله «الخوجة» الدّفتر، فيُنادي المخالفين واحدا واحدا؛
  • أربعُ محاسباتٍ متتالية: سلوقيٌّ أحمرُ ميّت (عشرون فرنكا)، ثلاثُ دجاجاتٍ أُخفيت (عشرُ فرنكات)، ديكٌ رماديٌّ مذبوح (سبعةُ فرنكات)، وجِزّةٌ في وجه رجل (خمسةَ عشرَ فرنكا)؛
  • ويُقفَل المقطعُ بوعيد: «نكتفي اليوم بهذا، وسنعود في مطلع الأسبوع!».
② كيفيّةُ القول
  • حوارٌ مباشرٌ سريع، جملُه قصيرةٌ متقطّعة، بشرطةٍ في أوّل كلِّ سطر؛
  • لا تعليقَ للرّاوي بينها: أربعُ محاسباتٍ متتاليةٍ بلا فاصل — فالإيقاعُ نفسُه يصنع الإحساسَ بالآليّة؛
  • سؤالٌ ثمّ عذرٌ ثمّ رقم: بنيةٌ واحدةٌ تتكرّر أربعَ مرّات، والرّقمُ دائما هو الكلمةُ الأخيرة؛
  • لغةٌ عامّيّةٌ مُدرَجةٌ في الفصيح: «يا (وخذي)»، «مات يا سيّدي!… واللهِ العظيم!».
③ قصديّةُ المؤلّف
  • فضحُ عبثيّة النّظام الجبائيّ: تُفرَض ضريبةٌ على كلبٍ مات، وعلى ديكٍ ذُبِح لمريضة، وعلى ما في وجه رجلٍ من شَعرٍ يقول صاحبُه: «سأحلقها؟!»؛
  • إظهارُ الجباية أداةَ إذلالٍ لا أداةَ ماليّة: «قلْ لأمّ العيال تُطلِقْ سراحَه!» — مزاحٌ ثقيلٌ فوق الغرامة؛
  • تهيئةُ القارئ للانفجار: هذا المقطعُ يُبطئ الإيقاعَ عمدا قبل «وتكلّمت بنادق»، فيزداد الأثر.
⛔ وأمّا «قيّمْ… وبيّنْ موقفَك» فهذا شقُّك أنت، ولا يُملى. وابنِه هكذا: ① قيِّمِ المقطعَ فنّيّا — أيخدم القصّةَ أم يعطّلها؟ (وازِنْ بين إبطاء الإيقاع وبين ما يكشفه). ② ثمّ بيّنْ موقفَك من العمل الّذي يصوّره — أي من الجباية نفسِها — مستشهدا بسطرٍ منه، لا بعبارةٍ عامّة. ⚖️ وميّزْ بين الحكمين: الأوّلُ على الكتابة، والثّاني على الوقائع؛ الخلطُ بينهما هو الخطأُ الأكثرُ شيوعا في هذا السّؤال.
من الوظائف الثّانويّة للّغة الوظيفةُ التّأثيريّة الّتي تركّز على المتلقّي للتّأثير فيه. استخرجْ من النّصّ بعضَ العبارات ذات التّأثير الشّديد على نفسيّة المتلقّي.
العبارةُ وأثرُها
العبارةعلى مَن تقعالأثر المقصود
«انظروا يا رؤوسَ البقر»الأهالينزعُ الصّفة الإنسانيّة
«يختار منكم… عشرين أو ثلاثين حمارا»الأهاليالتّهديدُ والاحتقارُ معا
«وجوهٌ مكدودة، ممصوصة كأنّكم شياطين»الأهاليقلبُ البؤس تهمةً
«كانت القلوبُ قد بلغت الحناجر»القارئنقلُ الرّعب الجماعيّ
«الدّيدان الّتي سكنت بطونَهم، تأكل أمعاءَهم»القارئالاشمئزازُ والشّفقة
«حَمْأٍ وماءٍ يترقّص فيه العَلَقُ»القارئتجسيدُ الحرمان في صورة
«اصبرْ عليّ شويّة… وأؤدّبك»الأهاليالوعيدُ المؤجَّل، وهو أشدُّ من الضّرب
⭐ ولاحظْ أنّ العبارات نوعان لا نوعٌ واحد: عباراتٌ يقولها الوقّاف للتّأثير في الأهالي (إذلالا وتخويفا)، وعباراتٌ يقولها الرّاوي للتّأثير في القارئ (شفقةً وغضبا). ففي النّصّ وظيفتان تأثيريّتان متقابلتان، وهذا التّقابلُ هو ما يجعلك تنحاز وأنت تقرأ.
فيم تتمثّل العلاقةُ بين مضمون النّصّ وبين العنوان؟ وضّحْ ذلك بإعطاء أمثلةٍ من النّصّ.

يُعتبَر عنوانُ القصّة النّواةَ الدّلاليّةَ الأصليّة الّتي تتفجّر منها الدّلالاتُ الفرعيّةُ الأخرى: يظهر من خلاله مدى معاناة الأهالي من قسوة الاستعمار، ويبرز بعضَ المظاهر الاجتماعيّة الّتي كان يتميّز بها الأهالي وقتَ الاستعمار — فدلالةُ الطّوب توحي بهشاشة البناء وشدّة تخلّف أهل القرية.

العنوانُ في ثلاث كلمات
الكلمةما تحمله من النّصّ
الطّريقليس طريقَ خلاص: «هذا الطّريقُ تشقّه الدّولة…» يشقّه المساجين بالفؤوس والرّفش، وغايتُه المعلَنة تسهيلُ الحركة، والمُضمَرة «تلاحق الثّوّارَ وتجمع الضّرائب»
قريةمكانٌ صغيرٌ مغلقٌ يُجمَع أهلُه في بطحةٍ واحدة كلّما طُلِبوا
الطّوبالطّينُ المجفَّف: بناءٌ هشٌّ يقابل «الآلةَ العجيبة» و«الجيب» — الفقرُ في مواجهة الحديد
⭐ والعلاقةُ في جملةٍ واحدة: العنوانُ يَعِد بطريقٍ إلى قرية، والنّصُّ يُري أنّ الطّريقَ لم يُشقَّ إلى أهلها بل عليهم. فالعنوانُ يقول ظاهرَ الشّعارات، والمتنُ يكشف باطنَها — وهو المسافةُ نفسُها الّتي قِستَها في سؤال الشّعارات.
وظّف الكاتبُ بعضَ الألفاظ العامّيّة ليُوهم القارئَ بواقعيّة القصّة. حدّدْها وبيّنْ قيمَها في القصّة.
الألفاظُ والتّراكيبُ العامّيّة في النّصّ :
  • عارفين علاه؟ · عاملين حالكم موش عارفين!
  • رايح جاي · الدّانبير · الجيب
  • اصبرْ عليّ شويّة · يروح هذا القاوري
  • يا (وخذي) · عبيط
  • سيّدي · يا لطيف · واللهِ العظيم
وقيمتُها في القصّة :
  • الإيهامُ بالواقعيّة: القارئُ يسمع كلاما كما يُقال في القرية، لا كما يُكتَب في الكتب؛
  • ملاءمةُ اللّغة للشّخصيّة: العامّيّةُ كلُّها تقريبا على لسان الوقّاف، وهو رجلٌ غيرُ متعلّمٍ يتوسّط بين لغتين لا يُتقن أيّا منهما؛
  • الوثيقةُ التّاريخيّة: ألفاظٌ مثل «الدّانبير» و«القاوري» تؤرّخ للحظةٍ بعينها، وتحمل معها موقفَ قائلها؛
  • السّخريةُ المضمرة: أن يدعوَ الوقّافُ لسيّده بـ«نصره الله» ثمّ يسمّيَه «القاوري» يكشف تهافتَه من لغته نفسِها.
⚖️ وحدُّ التّوظيف: العامّيّةُ في النّصّ في الحوار أساسا، ولا تدخل السّردَ إلّا في أسماء أشياء («الجيب»)، أمّا السّردُ والوصفُ ففصيحان مشدودان («حَمْأٍ وماءٍ يترقّص فيه العَلَقُ»). ولو عمّت العامّيّةُ النّصَّ كلَّه لصار تسجيلا لا قصّة. فالقيمةُ في الجرعة وموضعِها، لا في الاستعمال نفسِه.
استخدم الكاتبُ الحوارَ في مستوياتٍ مختلفة. اكشفْ عن هذه المستويات مدعّمةً بأمثلة.
مستوياتُ الحوار
المستوىمثالٌ من النّصّمن يتكلّم به
فصيحٌ مشدود«لم آتِ إلى هنا كي أعاقبَكم رغم خطورة ما حصل»الخطابُ الرّسميُّ المترجَم عن الضّابط
فصيحٌ مطعَّمٌ بالعامّيّة«اصبرْ عليّ شويّة؛ يروح هذا «القاوري»، كما يقولون»الوقّافُ حين يخاطب الأهاليَ باسمه هو
عامّيٌّ خالص«عارفين علاه؟ عاملين حالكم موش عارفين!»الوقّافُ في ذروة غضبه
داخليٌّ معترض«(نعم، هي في حاجةٍ إليه! حاجةٍ ماسّة…)»الصّوتُ المكتومُ للأهالي وللرّاوي
رمزيّ«— من هذا؟… — (صوتُ الثّورة!)»متكلّمٌ بلا اسمٍ ولا جسد
⭐ والقاعدةُ الّتي تنتظم هذه المستويات: كلّما اقترب المتكلّمُ من السّلطة ارتفعت لغتُه، وكلّما اقترب من الأرض نزلت. والوقّافُ وحده يتنقّل بين المستويين — لأنّه وحده يعيش بينهما.
ماذا تستنتج من تعدّد الجمل الاعتراضيّة؟

الجملُ الاعتراضيّةُ في هذا النّصّ بين قوسين، وهي كثيرةٌ حتّى صارت خطابا موازيا. وتعدّدُها يدلّ على أمورٍ ثلاثة:

  • ازدواجُ الخطاب: خطابٌ مُعلَنٌ مفروض (كلامُ الضّابط والوقّاف)، وخطابٌ مُضمَرٌ مقاوم (ما بين القوسين) — والقوسان نفسُهما صورةٌ للكتم؛
  • أنّ الصّمتَ ليس رضًى: «لا أحد؟!» يقولها الوقّاف، والقارئُ يعلم أنّ هناك مَن يتكلّم، لكنّه لا يُسمَع؛
  • أنّ الرّاويَ مشارك: هذه الجملُ هي موضعُ عاطفته، وقد استدللتَ بها من قبل؛
  • أنّها تُمهّد للنّهاية: ما ظلّ بين قوسين طولَ القصّة يخرج منها في آخرها — «— من هذا؟… — (صوتُ الثّورة!)» ثمّ يُنادى جهرا: «كنْ شجاعا وتقدّمْ إلى هنا!».
⭐ وهذا هو الرّبطُ بين الاتّساق والانسجام: القوسان أداةُ اتّساقٍ (علامةُ ترقيمٍ متكرّرة)، ووظيفتُهما انسجاميّة (يحملان الموقفَ الّذي يوحّد النّصّ). فالشّكلُ هنا يخدم المعنى مباشرةً.
ما دلالةُ تعدّد أفعال الأمر في هذه القصّة؟

تعدّدُ أفعال الأمر يدلّ على السّيطرة المطلقة، وفرض القوانين الظّالمة بالقوّة والقهر والغلبة والاستبداد.

والأمثلةُ من النّصّ :
  • انظروا يا رؤوسَ البقر · انظروا إلى بعضكم
  • قولوا آمين · بيّنْ نفسَك
  • اصبرْ عليّ شويّة · كنْ شجاعا وتقدّمْ إلى هنا
  • ادفعْ أوّلا، ثمّ اصنعْ بها ما شئت · قلْ لأمّ العيال
  • اقبضوا عليه وقدّموه إلى هنا
⚖️ وانتبهْ إلى مَن يصدر عنه الأمر: كلُّ هذه الأوامر تقريبا على لسان الوقّاف، لا على لسان الضّابط. فالعميلُ هو الّذي يأمر، والمستعمِرُ يكتفي بالإشارة. وهذا يُقوّي استنتاجَك في سؤال الموازنة: الأمرُ يُنطَق بلسانٍ جزائريّ، والسّلطةُ في يدٍ أخرى.
ما النّتيجةُ الّتي يمكن التّوصّل إليها من تكرار الجملة: «تكلّم الضّابط وترجم عنه الوقّاف»؟
الجملةُ تتكرّر بصيغٍ متقاربة :
  • «تكلّم الضّابط، وترجم عنه الوقّاف»
  • «قال الضّابط، وترجم الوقّاف»
  • «وتكلّم الضّابط وقال الوقّاف»
والنّتائجُ ثلاث :
  • بنيةُ الوساطة: لا يصل صوتُ السّلطة إلى الشّعب إلّا مترجَما؛ فالوقّافُ ليس طرفا، هو قناة؛
  • نفيُ صوت الوقّاف: هو يتكلّم كثيرا، لكنّه لا يملك كلاما — ولهذا يزيد من عنده ليُثبِت أنّه موجود؛
  • الاتّساقُ الإيقاعيّ: الجملةُ المكرّرة تعمل عملَ اللّازمة، تفصل مقاطعَ الخطبة وتشدُّ النّصَّ بعضَه إلى بعض؛ فهي وسيلةُ ترابطٍ قبل أن تكون خبرا.
⭐ واحفظْ هذه الجملة: ستعود إليها في مجال البلاغة، فالمقتطفُ الّذي يفتح به درسُ «الجمع مع التّقسيم» مبنيٌّ عليها بالضّبط: «الضّابطُ والوقّافُ يخدمان مصالحَ الدّولة الفرنساويّة، فالضّابطُ منفّذٌ والوقّافُ وسيلة».
التّعليقُ هو أحدُ وسائل الاتّساق في النّصّ وانسجامه. استخرجْ من النّصّ هذه الوسيلةَ وبيّنْ أثرَها في ترابط النّصّ.
مواضعُ التّعليق في النّصّ :
  • تعليقُ الرّاوي على ما يروي: «هذا — على كلّ حالٍ — ما كان يحدث أحيانا. لكنْ ما لم يكن يحدث على الإطلاق…»؛
  • تعليقٌ بأداة استئنافٍ تلخيصيّة: «الحاصلُ أنّ الآلةَ العجيبة…» — يجمع ما تفرّق قبله؛
  • تعليقٌ تفسيريّ: «كانت تتوقّف… عند حوش الوقّاف، أي في حمايته»؛
  • تعليقٌ تقويميّ داخل الوصف: «السّمُّ الّذي قد تكفي جرعةٌ منه لقتل الدّيدان…»؛
  • تعليقاتُ الجمل المعترضة كلُّها: «(سيّدُك وحدك!)»، «(أحسنَ ما فعل!)».
وأثرُها في ترابط النّصّ :
  • تربط الجديدَ بالسّابق: «الحاصلُ أنّ…» تجعل فقرةَ الآلة نتيجةً لما قبلها لا استطرادا؛
  • تملأ الفجواتِ الزّمنيّة: التّعليقُ هو الّذي يُدخِل ماضيَ القرية (تخريبُ الآلة، الأحذيةُ من العجلات) في مشهدٍ حاضرٍ واحد؛
  • توحّد الموقف: كلُّ تعليقٍ يميل الميلَ نفسَه، فينسجم النّصُّ حول رؤيةٍ واحدة — وهذا هو الانسجام، بخلاف الرّوابط الّتي تصنع الاتّساق.
⭐ والفرقُ الّذي يُختبَر عليه: احذفْ من النّصّ جملةً معترضةً واحدةً وأعِدْ قراءته — لن ينكسر البناءُ (فالاتّساقُ سليم)، لكنّك ستفقد الموقف. ⟸ التّعليقُ يخدم الانسجامَ أكثرَ ممّا يخدم الاتّساق.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

إنّ نصّ «الطّريق إلى قرية الطّوب» صورةٌ للغريب المحتلّ، الّتي تُعدُّ من أكثر صور الآخر تواترا في القصّة القصيرة الجزائريّة. تناولت فترةَ الاحتلال وانعكاساتِها، ومقاومةَ الشّعب وثورتَه، وقدّمت نماذجَ مثاليّةً في التّضحية والبطولة.

عن هذا يقول عبد الملك مرتاض في كتابه «القصّة الجزائريّة المعاصرة»

«إنّ الثّورةَ الجزائريّة ظلّت تؤثّر في الكُتّاب الجزائريّين: من النّاشئة الّذين عالجوا الكتابةَ في العهد المتأخّر، بل حتّى في مَن واكبوها وعايشوها، فظلّت تعتلج في أخيلتهم ورسيسُها يراود عواطفَهم، فتمدُّها بالخيال الدّافق، وتزوّدها بالإلهام الطّافح، وتوحي إليها بالإبداع والابتكار.»

وقد ركّز الكاتبُ على الشّخصيّة القصصيّة «الوقّاف» من حيث وظيفتُها وسلوكُها، الّذي تجسّد في نصٍّ ذي طابعٍ فنّيّ.

⭐ وهذا ما يجمع المحطّاتِ السّابقةَ كلَّها في خيطٍ واحد: القصّةُ لم تُدِنِ الاحتلالَ بخطبة، بل بـشخصيّةٍ واحدةٍ تُدار حولها اللّغةُ كلُّها — عامّيّتُها ومجازُها وأوامرُها وأقواسُها. ولهذا كان درسُ اللّغة الّذي يليها مأخوذا من النّصّ نفسِه: الفنُّ والقاعدةُ هنا شيءٌ واحد.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 : في مجال قواعد اللّغة (اسم الجمع)

عُدْ إلى النّصّ واقرأِ العبارة الآتية

«بدأت بعضُ الأرجل الآن تخرج من تحت التّراب، واعتدلت قاماتُ بعض النّاس…»

تعلّمتَ أنّ الجمعَ أنواعٌ كثيرة، اذكرْها مع إعطاء أمثلة.
أنواعُ الجمع الّتي تعرفها — والأمثلةُ كلُّها من النّصّ
النّوععلامتُهمن النّصّ
جمعُ المذكّر السّالمواوٌ ونونٌ أو ياءٌ ونون، مع سلامة المفردالمحبوسين · الكالحين · راضين · مُكمَّمون
جمعُ المؤنّث السّالمألفٌ وتاءٌ مزيدتانقامات · دجاجات · فرنكات · تحيّات · عجلات
جمعُ التّكسيرتغيُّرُ بناء المفردالأرجل (رِجْل) · وجوه (وجه) · رؤوس (رأس) · فؤوس (فأس) · أطفال (طفل)
صيغُ منتهى الجموعبعد ألف تكسيره حرفان أو ثلاثةٌ أوسطُها ساكنالحناجر · الضّفادع · مصالح · شياطين
⚖️ ولاحظْ في العبارة السّابقة أنّ «النّاس» لم تدخلْ في أيٍّ من هذه الأنواع: لا واوَ فيها ولا تاءَ، ولا مفردَ لها كُسِّر عنه. وهنا يبدأ الدّرسُ الجديد.

أكتشف أحكام القاعدة

ما المعنى الّذي أفادته كلمةُ «النّاس» الواردة في العبارة السّابقة؟

أفادت معنى الجماعة: «قاماتُ بعض النّاس» أي بعضِ الأشخاص. فهي تدلّ على أكثرَ من اثنين، وتتضمّن معنى الجمع.

⭐ ومع ذلك ليس لها مفردٌ من لفظها: لا تقول «ناسة» ولا «ناسيّ». مفردُها من لفظٍ آخر: إنسان أو رجل. وهذه هي العلامةُ الفارقة.
في أيِّ شيءٍ يختلف هذا النّوعُ من الجمع عن بقيّة الأنواع الأخرى؟
الفرقُ في سطرين
الجموعُ الّتي تعرفهااسمُ الجمع
المفردله مفردٌ من لفظه: قامات ⟵ قامة، فؤوس ⟵ فأسلا مفردَ له من لفظه: ناس ⟵ إنسان/رجل، قوم ⟵ رجل
الصّياغةيُصاغ من المفرد بزيادةٍ أو تكسيرليس مصوغا من مفردٍ، وإنّما وُضِع هكذا
الدّلالةيدلّ على آحادٍ متعدّدةيدلّ على الجماعة دلالةَ المفرد على أجزائه
كيف يُجمَع «اسمُ الجمع»؟

يُجمَع كما تُجمَع المفردات، لأنّه في اللّفظ مفرد: فيقال في قوم: أقوام، وفي شعب: شعوب.

⭐ ومثالٌ آخرُ على النّظير: «جَيْش» اسمُ جمعٍ (مفردُه جنديّ) وجمعُه جيوش. فالكلمةُ الواحدةُ تكون جمعا في المعنى، مفردا في اللّفظ، ثمّ تُجمَع مرّةً أخرى — ولا تناقضَ في ذلك.
كيف يتمّ التّعامل مع «اسم الجمع»؟
لك فيه وجهان :
  • معاملةُ الجمع باعتبار معناه: الرَّكْبُ ساروا؛
  • معاملةُ المفرد باعتبار لفظه: هذا الشّعبُ عظيم.
⭐ ولا يُعَدُّ ذلك اضطرابا: الوجهان جائزان معا في اللّفظ الواحد، لأنّ في اسم الجمع جهتين — لفظٌ مفرد ومعنًى جامع — فلك أن تحمله على أيّهما شئت. وهذه خصيصةٌ لا تجدها في جمع المذكّر السّالم ولا في جمع التّكسير.

أبني أحكام القاعدة

اسمُ الجمع: هو الّذي يدلُّ على جماعةٍ ولا مفردَ له من لفظه، مثل: خَيْلٌ — شعب — ناس — نساء…
وتمامُ أحكامه :
  • ومنه ما لا يُستعمَل إلّا بصيغة الجمع، نحو أبابيل أي فِرَقٌ؛
  • إنّ اسمَ الجمع موضوعٌ لمجموع الآحاد دالّا عليها دلالةَ المفرد على أجزاءٍ مسمّاة: كـ(قوم) فإنّه يدلّ على الأفراد المندرجة فيه، كما تدلّ كلمةُ «النّاس» على الأشخاص الّتي تنطوي عليها؛
  • يُجمَع كلٌّ من «اسم الجمع» وشِبهِه كما تُجمَع المفردات، فيقال: في قوم أقوام، وفي شعب شعوب؛
  • لك في اسم الجمع أن تعامله معاملةَ الجمع باعتبار معناه، مثل: الرَّكْبُ ساروا، أو معاملةَ المفرد باعتبار لفظه، مثل: هذا الشّعبُ عظيم.
⭐ ولا يُخلَط بينه وبين جارَيْه — وهما ممّا يُسأل عنه معه :
اسمُ الجمع وجاراه
الاسمتعريفهأمثلة
اسمُ الجمعما دلَّ على أكثرَ من اثنين، ويتضمّن معنى الجمع، وليس له مفردٌ من لفظهجَيْش مفردُه جُنديّ وجمعُه جيوش · قوم مفردُه رَجُل وجمعُه أقوام
اسمُ الجنس الجمعيّما يتضمّن معنى الجمع دالّا على الجنس، ويُفرَّق بينه وبين مفرده بالتّاء أو بياء النّسبة المشدّدةتَمْر مفردُها تَمْرة · تفّاح مفردُها تفّاحة · رُوم مفردُها روميّ · عرب مفردُها عربيّ
اسمُ الجنس الإفراديّما يدلُّ على الجنس ويصلح أن يُطلَق على الكثير والقليللَبَن · رماد · عسل · زيت · خلّ
تطبيق — عُدْ إلى النّصّ واستخرجْ منه ما يصلح لكلِّ نوع، ثمّ اضبطْ حكمَه.
ما يقدّمه النّصّ
اللّفظ من النّصّنوعُهالدّليل
النّاساسمُ جمع«قاماتُ بعض النّاس»: لا مفردَ له من لفظه؛ مفردُه إنسان أو رجل
حشداسمُ جمع«يتأمّل حشدا من حُفاة»: لفظُه مفردٌ ومعناه جماعة، ولا مفردَ له من لفظه
البقراسمُ جنسٍ جمعيّ«يا رؤوسَ البقر»: مفردُه بقرة — بالتّاء
التّراب · البارود · الماءاسمُ جنسٍ إفراديّيصلح للقليل والكثير، ولا يُفرَّق فيه بتاءٍ ولا بياءِ نسبة
المساجين · الكالحينجمعُ تكسيرٍ وجمعُ مذكّرٍ سالم — لا اسمَ جمعلكلٍّ منهما مفردٌ من لفظه: مسجون، كالح
⚖️ والخطأُ المتوقَّع: أن تعدَّ «الأهالي» اسمَ جمع. وهي جمعُ أهل (والأصل أهالٍ)، فلها مفردٌ من لفظها ⟸ جمعُ تكسير. الميزانُ دائما سؤالٌ واحد: هل للفظ مفردٌ من لفظه؟ إن وجدتَه فليس اسمَ جمع.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2 : في مجال البلاغة (الجمع مع التّقسيم)

تأمّلْ هذا المقتطفَ المتصرَّفَ فيه ولاحظْ

«الضّابطُ والوقّافُ يخدمان مصالحَ الدّولة الفرنساويّة، فالضّابطُ منفّذٌ والوقّافُ وسيلة.»

في المقتطف وقع جمعٌ تحت حكمٍ واحد ثمّ وقع تقسيم. بيّنْ ذلك.

بيّنِ الجمعَ والتّقسيمَ في المقتطف.
الخطوتان ظاهرتان في ترتيب الكلام :
  • الجمع: ضمَّ المتكلّمُ اثنين — «الضّابطُ والوقّاف» — تحت حكمٍ واحد هو «يخدمان مصالحَ الدّولة الفرنساويّة»؛
  • التّقسيم: ثمّ قسّم هذا الحكمَ وأرجع كلَّ واحدٍ إلى ما يناسبه — «فالضّابطُ منفّذ» و«الوقّافُ وسيلة».
⭐ ولاحظْ الفاءَ: «فـالضّابط…» هي مفصلُ التّركيب، تفصل زمنَ الجمع عن زمن التّقسيم. ومن هنا تعرف الأسلوبَ في أيّ نصّ: حكمٌ عامٌّ ثمّ فاءٌ ثمّ توزيع.

تأمّلِ الأمثلةَ الآتية

المثالُ الأوّل — قولُ صفيّ الدّين الحلّيّ:

صفيُّ الدّين الحلّيّ
الصّدرالعجز
أبادَهُمْ فَلبَيْتِ المالِ ما جَمَعواوالرّوحُ للسّيفِ والأجسادُ للرُّخَمِ

المثالُ الثّاني — قولُ حسّان بن ثابت:

حسّانُ بنُ ثابت
الصّدرالعجز
قومٌ إذا حاربوا ضَرُّوا عدوَّهُمُأو حاولوا النّفعَ في أشياعِهم نفعوا
سجيّةٌ تلك فيهم غيرُ مُحدَثةٍإنّ الخلائقَ فاعلمْ شرُّها البِدَعُ
والسّؤالان اللّذان يقودانك إلى القاعدة :
  • جمع الشّاعرُ تحت حكمٍ واحدٍ أمورا، ما هي؟ ثمّ قسّم ذلك الحكمَ وأرجع كلَّ واحدٍ منها إلى ما يناسبه؛
  • ماذا وقع في المثال الثّاني؟ ألا ترى أنّه عكسُ الأوّل؟
الجمعُ مع التّقسيم: هو جمعُ متعدّدٍ تحت حكمٍ ثمّ تقسيمُه، أو العكسُ — أي تقسيمُ متعدّدٍ ثمّ جمعُه تحت حكمٍ واحد.
كيف تحقّق الأسلوبُ في بيت صفيّ الدّين الحلّيّ؟
بالتّرتيب: جمعٌ ثمّ تقسيم :
  • الجمع: جمع الشّاعرُ المتمرّدين على السّلطان تحت حكمٍ واحدٍ هو الإبادة («أبادَهُمْ»)؛
  • التّقسيم: ثمّ قسّم ذلك الحكمَ إلى المال والرّوح والأجساد؛
  • وأرجع كلَّ قسمٍ إلى ما يناسبه: المالُ لبيت المال، والرّوحُ للسّيف، والأجسادُ للرُّخَم.
التّقسيمُ الثّلاثيُّ في البيت
القسمما أُرجِع إليه
المالبيتُ المال
الرّوحالسّيف
الأجسادالرُّخَم
⭐ وما الّذي أفاده الأسلوب؟ أنّ الإبادةَ لم تكن كلمةً مجملة: التّقسيمُ يُريها في ثلاثة مواضعَ لا يبقى بعدها شيء — مالٌ، وروحٌ، وجسد. فالجمعُ يوجز، والتّقسيمُ يُثبِت.
وكيف تحقّق الأسلوبُ في بيتَي حسّان بن ثابت؟
بالتّرتيب المعكوس: تقسيمٌ ثمّ جمع :
  • التّقسيم في البيت الأوّل: قسّم صفةَ الممدوحين إلى ضَرِّ الأعداء في الحرب («ضَرُّوا عدوَّهم») ونفعِ الأشياع والموالين لهم («في أشياعهم نفعوا»)؛
  • الجمع في البيت الثّاني: ثمّ عاد فجمعها حيث قال: «سجيّةٌ تلك» — فردَّ الخصلتين إلى حكمٍ واحدٍ هو أنّها سجيّةٌ فيهم غيرُ مُحدَثة.
⭐ ولمَ قلبَ حسّانُ التّرتيبَ؟ لأنّ غرضَه المدح. لو بدأ بالحكم العامّ لصار دعوى؛ فبدأ بالوقائع (يضرّون وينفعون)، ثمّ ختم بالحكم («سجيّةٌ تلك») — فجاء الحكمُ نتيجةً مبرهَنة لا ادّعاءً. وهذا هو الفرقُ العمليُّ بين الصّورتين: جمعٌ ثمّ تقسيمٌ يُفصّل مُجمَلا، وتقسيمٌ ثمّ جمعٌ يستنتج حكما.
تطبيق — كيف تتعرّف على «الجمع مع التّقسيم» في أيّ نصّ؟
ثلاثُ خطوات، بهذا التّرتيب :
  1. ابحثْ عن حكمٍ واحدٍ يشمل متعدّدا (فعلٌ أو خبرٌ يعود على أكثرَ من واحد): «يخدمان»، «أبادَهم»، أو صفةٌ جامعةٌ مثل «سجيّةٌ تلك»؛
  2. ابحثْ عن التّوزيع: أطرافٌ يقابل بعضُها بعضا، غالبا بالفاء أو الواو أو «أو» — «فالضّابطُ… والوقّافُ…»، «والرّوحُ… والأجسادُ…»، «ضَرُّوا… أو… نفعوا»؛
  3. اضبطِ التّرتيبَ: أالجمعُ قبل التّقسيم أم بعده؟ فبه تسمّي الصّورة وتُبيّن غرضَها.
⚖️ ولا تخلطْ بينه وبين ما يجاوره: التّقسيمُ وحده (تعدادٌ بلا حكمٍ جامع) ليس هو المطلوب، والجمعُ وحده (حكمٌ يشمل متعدّدا بلا توزيع) ليس هو المطلوب. لا بدّ من الأمرين معا، في بيتٍ أو مقطعٍ واحد.
⭐ وعُدْ الآن إلى النّصّ: كنتَ قد استنتجتَ في أتفحّص الاتّساق أنّ تكرارَ «تكلّم الضّابطُ وترجم عنه الوقّاف» يقيم بنيةَ وساطة. والمقتطفُ الّذي فتح به هذا الدّرسُ يقول الشّيءَ نفسَه في سطرٍ واحد: جمعٌ («يخدمان مصالحَ الدّولة») ثمّ تقسيمٌ («منفّذٌ… وسيلة»). فالبلاغةُ هنا ليست زينةً فوق القصّة: هي الصّيغةُ الأدقُّ لما قالته القصّةُ في عشرين سطرا.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net