اللغة العربية🎓 هدف البكالوريا

المحور 12 الأدب المسرحي الجزائري

"لالة فاطمة نسومر، المرأة الصقر" لإدريس قرقوة

🔊 المعلّمة تقرأ لك

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

إدريس قرقوة — كاتبٌ مسرحيٌّ جزائريّ. وُلد في «تسالة» بولاية سيدي بلعبّاس في 16 ماي 1967م.

كانت لديه اهتماماتٌ بالمسرح منذ فترة دراسته، فحصل على شهادة الدّكتوراه من جامعة سيدي بلعبّاس — الّتي صار أستاذا بها — في موضوع «التّراث في المسرح الجزائريّ: الأشكال والمضامين». وشارك في إنشاء عدّة فرقٍ مسرحيّةٍ محلّيّة بعددٍ من المناطق.

وكتب عدّة مسرحيّاتٍ حول الشّخصيّات التّاريخيّة الوطنيّة، منها:
  • فارس الجزائر «الأمير عبد القادر»؛
  • «تينهينان» ملكة الطّاسيليّ؛
  • «يوغرطة» الملك الثّائر؛
  • «لالة فاطمة نسومر» المرأة الصّقر — وهي الّتي اقتُطع منها نصُّ اليوم.
⭐ لاحظِ الخيطَ الّذي يجمع أعمالَه: الأميرُ عبد القادر، تينهينان، يوغرطة، لالة فاطمة نسومر. أربعُ شخصيّاتٍ من تاريخ الجزائر، رجلان وامرأتان. وموضوعُ دكتوراهِه «التّراث في المسرح الجزائريّ». فالرّجلُ لم يكتبْ عن التّاريخ صدفةً: هو مشروعُه.

🚪تقديم النّصّ

لمجتمع الرّيف في الجزائر عاداتٌ وأعراف، وله أسسٌ وثوابتُ يحكمها الخُلقُ والدّينُ والأصالة. وللمرأة في هذا نصيبٌ، بل أثرٌ في كتابة التّاريخ وفي بناء صرح الأمّة الجزائريّة بما قدّمته من نضالٍ وتضحيةٍ حتّى صارت قدوةً ومثلا يُضرب.

وفي هذا النّصّ موقفٌ من المواقف العظيمة لامرأةٍ حفظت لها ذاكرةُ الأجيال هذا الموقفَ، بل هذه السّمعةَ الطّيّبة.

⛔ وانتبهْ قبل أن تقرأ: عنوانُ المسرحيّة يَعِدُك بامرأةٍ تقود الرّجال إلى ساحات القتال — «المرأة الصّقر». والمقطعُ الّذي بين يديك لا يجري في ساحة قتال، بل في بيتٍ، وخصمُه ليس جنديّا فرنسيّا بل زوجةَ الأخ. فاسألْ نفسَك وأنت تقرأ: لماذا اختار الكاتبُ أن يُعرِّفنا بالبطلة من هذا الباب بالذّات؟

📜النّصّ

(قريةُ آيت إيراثن بدار سي الطّاهر، سي الطّاهر وزوجتُه أمينة)

أمينة: واللهِ، لقد وصلتْ أختُك فاطمةُ مكانا لم تصلْه نساءُ نسومر كلُّها، بل ونساءُ الأرض جميعا، إذ أصبحتْ تُشدُّ إليها الرّحالُ ويقصدُها النّاسُ، ويسعى لديها الرُّكبان، حتّى لقّبوها بلالة فاطمة نسومر.

سي الطّاهر: أَثَناءٌ هذا أم تهكّمٌ واستهزاءٌ يا أمينة؟! وأنتِ تعلمين أنّه لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاثٍ: المسجدِ الحرام والمسجدِ النّبويّ والمسجدِ الأقصى.

أمينة: بل قلْ لي بربّك، وأنت سيّدُ القوم ومقدَّمُ القبيلة ووريثُ المرابطة، أَيُعْقَلَنْ أن تسترجلَ المرأةُ وتقودَ الرّجالَ إلى ساحات القتال، أَقَلَّ الرّجالُ وانتهى الشّجعان؟!

سي الطّاهر: كفّي يا امرأةُ لسانَك السّليط، وسمَّك الّذي لا زلتِ تنفثينه في ظهر فاطمة.

أمينة: أتشتمني يا سي الطّاهر وتسبّني وأنا الّتي أسعى للحفاظ على كرامتك وكرامة آلِ محمّد بن عيسى، فالمرأةُ لبيتها وزوجها وأولادها، لا للأزقّة والعراءِ مكشوفةً لمن هبَّ ودبَّ من الرّجال، و...

سي الطّاهر: كفى، كفى.

أمينة: لن أسكتَ فأختُكم مرّغتْ رؤوسَكم في الوحل.

سي الطّاهر: الوحلُ هو أنتِ يا امرأةَ السّوء.

(ويصفعها على خدّها فتصيح في وجهه)

أمينة: أوَ تضربُني يا سي الطّاهر وقد كنتُ سيّدةً في قومي!

سي الطّاهر: نعم أضربُك وقد صار كلامُك سهاما تخترق قلبي وظهرَ أختي العفيفة الطّاهرة فاطمة.

أمينة: الطّاهرةُ هه؟

(ويرفع سي الطّاهر يده ليصفعها مرّةً أخرى، عندها تدخل فاطمةُ وتُسرع لتمسكَ بيده قائلةً)

لالة فاطمة: ما دهاكما حتّى تتشاجرا هكذا، ما أصابكما؟

أمينة: أصابتْنا عينٌ حاسدة.

سي الطّاهر: ويلكِ!

(تمسك فاطمةُ على فمه)

لالة فاطمة: أرجوك لا تنطقْها فإنّها بغيضةٌ ومنغِّصة.

أمينة: بل دعْيه، أريده أن ينطقَها، ألا تفهمين يا امرأة، أنتِ السّببُ، أنتِ السّببُ، منذ جئتِ هذا البيتَ، دخلتِ من بابٍ والسّعادةُ خرجتْ من الآخر، لقد هدمتِ كلَّ شيءٍ بيننا.

لالة فاطمة: لماذا لم تقولي ذلك عند مجيئي، لِمَ أخفيتِ عنّي كلَّ هذا؟

أمينة: أتدرين لماذا؟

سي الطّاهر: كفّي يا امرأةُ، كفّي سمومَك.

لالة فاطمة: دعْها، دعْها يا سي الطّاهر، دعْها تقولُ ما في نفسها.

أمينة: الطّلاقُ ليس نصيبي بل أنتِ الّتي ينبغي أن تُطلِّقي هذا البيتَ، أظهرتُ لك الإحسانَ ابتداءً، شفقةً عليك واحتراما لمشاعر أخيك وحفاظا على المودّة الّتي جمعتني مع زوجي سي الطّاهر، لكنّ الأمرَ طال.

لالة فاطمة: إذا كان كذلك فابقَيْ مع زوجك، أرجوك سي الطّاهر لا تُؤْذِيَنْها بشيءٍ، فواللهِ لو سمعتُ أنّك آذيتَها أو لمتَها حرّمتُ نفسي من رؤيتك إلى يوم القيامة، فزوجتُك حرّةٌ في قولها واعتقادها ولا أحدَ يجبرها على غير رأيها، فهي وفيّةٌ لك، ولبيتها، ولولا ذلك لما كان منها هذا، أحمدُ اللهَ أن رزقك بامرأةٍ تسعى لصلاحك وتبذل جهدَها في نصحك.

سي الطّاهر: ما هذا يا فاطمة! أبعدَ أن شتمتْك وأهانتْك أمام عينيَّ تشكرينها بل توصينني بها خيرا؟

لالة فاطمة: أنا مخطئةٌ أنْ تركتُ بيتَ والدي وفرضتُ نفسي عليكم، وكان أَولى بالضّيف ألّا يُثقلَ ضيافتَه فيُملَّ، ولا يُكثرَ الكلامَ فيُرغَمَ على الرّحيل. سأحمل أمتعتي، ففي «سومر» منزلُنا.

سي الطّاهر: لا، لن أتركَك ترحلين على هذا النّحو، واللهِ لَتَرْحَلَنَّ هي، نعم أمينةُ هي الّتي سترحل.

فاطمة: لا واللهِ لن يكون ذلك، كيف وهؤلاء الصّبيةُ مَنْ لهم، وأنت مَنْ لك، وهي مَنْ لها في دنيا لا ترحم؟

سي الطّاهر: لي اللهُ وأهلي، وأنتِ منهم يا فاطمة، إنّ الّذي ليس فيه خيرٌ في أهله ليس فيه خيرٌ في النّاس.

لالة فاطمة: لا تراجعْني أرجوك، فمن هناك أشاركُ المجاهدين قتالَهم للفرنسيّين... وأنت تعرف أنْ لا أحدَ له سلطانٌ عليَّ إلّا ربُّ العالمين، وابقَ أنت مع زوجتك...

(تحمل لالة فاطمة أمتعتَها وتخرج من البيت، وأمينةُ تنظر إلى فاطمة، لم تتوقّعْ أبدا منها كلَّ هذا وهي الّتي كانت تظنّها مغترّةً بنفسها وشبابها، متحرّقةً للشّهرة وذياعِ الصّيت ولا يهمُّها من النّاس شيءٌ، تابعتْها بذهولٍ كبير، كانت كلماتُ لالة فاطمة طرقا عنيفا يضرب جنباتِ قلبها، لتفيقَ من غفوتها وترفعَ الغشاوةَ عن نفسها، استدار إليها زوجُها قائلا):

سي الطّاهر: أرأيتِ ماذا فعلتِ بحماقتك يا امرأة!

(لم تسمعْ شيئا من كلام زوجها ولم تُعِرْه اهتماما، بل أسرعتْ وفتحتِ البابَ وحملها الذّهولُ والإعجابُ بفاطمة أن نادتْها بأعلى صوتها)

أمينة: فاطمةُ، فاطمة.

(تلتفت فاطمةُ وقد ابتعدتْ عن الباب بعدّة خطوات، أسرعتْ نحوها أمينةُ وعانقتْها طويلا، وبكتْ كثيرا، حتّى نزلتْ دموعُها على كتف فاطمة، ثمّ قالت)

أمينة: أرجوكِ سامحيني، سامحيني يا فاطمة، سامحيني يا أختي.

لالة فاطمة: بل سامحيني أنتِ، لقد كدتُ أن أهدمَ المودّةَ الّتي جمعتْكما.

أمينة: ابقَيْ معنا يا فاطمة.

فاطمة: لا، لن أستطيعَ ذلك فقد بعتُ نفسي لله، ولن أرجعَ عن بيعي، والجهادُ سبيلي إلى رضائه ورحمته.

أمينة: إذا كانت هذه إرادتَك، فليُعِنْك اللهُ يا فاطمة.

(وتعانقتا)

(خرج سي الطّاهر يتابع المنظرَ المؤثِّرَ وقد اغرورقتْ عيناه بالدّموع)

إدريس قرقوة — من مسرحيّة «لالة فاطمة نسومر» المرأة الصّقر

📖أثري رصيدي اللّغويّ

في معاني الألفاظ

  • تهكّم: استهزاء.
  • تنفثينه: ترمين به وتُلقين به من فمك.
  • الوحل: الطّينُ يتلطّخ به.
  • السّليط: الطّويل.
  • آل: آلُ الرّجل أهلُه، ولا يُستعمل إلّا في ما فيه شرف.
⭐ ثلاثةٌ من هذه الألفاظ الخمسة ستعود إليك في آخر الدّرس، فاحفظْ معناها الأصليّ الآن: الوحل ستبني عليه قاعدةَ المشاكلة، والسّليط ستبني عليه الحقلَ الدّلاليّ، وآل ستبني عليه الحقلَ المعجميّ. معاني الألفاظ ليست تمهيدا للدّرس: هي مادّتُه.

في الحقل المعجميّ

تتضمّن الألفاظُ الآتية قِيَما رمزيّةً في المجتمع الجزائريّ، تحت أيّ مجالٍ تندرج؟ لالة، سي، آل، القبيلة

تندرج كلُّها تحت مجالٍ واحد: ألقابُ التّكريم وبِنى التّراتب الاجتماعيّ في المجتمع الرّيفيّ الجزائريّ. والنّصُّ نفسُه يقيم الدّليل على ذلك، لفظا لفظا:

  • لالة: ليس اسما بل لقبا، والنّصُّ يقوله صراحةً: «حتّى لقّبوها بلالة فاطمة نسومر». ولا يُلقَّب المرءُ إلّا تكريما؛
  • سي: يلازم اسمَ الطّاهر في كلّ ردٍّ من النّصّ («يا سي الطّاهر»)، حتّى في لحظة الشّتيمة — فاللّقب أثبتُ من الغضب؛
  • آل: «كرامةِ آلِ محمّد بن عيسى». وقد قرأتَ في معاني الألفاظ أنّه لا يُستعمل إلّا في ما فيه شرف — فاللّفظ نفسُه يحمل قيمةً، لا وصفا محايدا؛
  • القبيلة: «وأنت سيّدُ القوم ومقدَّمُ القبيلة ووريثُ المرابطة». ثلاثةُ ألقابٍ متتابعةٍ في نَفَسٍ واحد: القومُ، القبيلةُ، المرابطة.
⚖️ وانظرْ إلى ما تفعله أمينةُ بهذا الحقل: هي لا تجادل أخاها في الدّين أوّلا، بل في مقامه الاجتماعيّ — «وأنت سيّدُ القوم ومقدَّمُ القبيلة». فالحقلُ المعجميُّ هنا سلاحُ الخصومة، لا زينةَ لفظ.

في الحقل الدّلاليّ

استعنْ بالقاموس لإبراز الفروق الدّلاليّة بين الألفاظ الآتية: السّليط، سلطان، سلطنة، سلطة، متسلّط

الألفاظُ الخمسةُ من مادّةٍ واحدة (س ل ط)، وموضعُ الامتحان أنّها لا تؤدّي معنًى واحدا. ولفظان منها واردان في نصّك، فابدأْ بهما:

اللّفظان المشهودان في النّصّ
اللّفظالشّاهد من النّصّمعناه هنا
السّليط«كفّي يا امرأةُ لسانَك السّليط»الطّويل (كما في معاني الألفاظ) — ولسانٌ طويلٌ أي بذيءٌ لا يُمسَك
سلطان«لا أحدَ له سلطانٌ عليَّ إلّا ربُّ العالمين»التّمكّنُ والقهرُ — أي لا أحدَ يملك أمري
والثّلاثةُ الباقيةُ تُميَّز أوّلا بصيغتها الصّرفيّة، وهذا يُدرَك بلا قاموس:
  • سلطنة: على وزن «فَعْلَلَة» — مصدرٌ، أي الحدثُ نفسُه أو ما يقوم عليه الحُكم؛
  • سلطة: اسمٌ جامد، يدلّ على الشّيء لا على الحدث؛
  • متسلّط: على وزن «مُتَفَعِّل» — اسمُ فاعلٍ من «تسلّط»، ووزنُ «تفعّل» يفيد التّكلّفَ والاعتداء، ومن هنا جاءت فيه المذمّة.
💡 ثمّ افتحِ القاموسَ على مادّة (س ل ط) — وهذه هي الخطوةُ الّتي يطلبها منك الكتاب — وسجّلْ لكلّ لفظٍ جملةً واحدة تستعمله فيها. الفرقُ الدّلاليُّ لا يُحفظ، يُستعمل.

في الأعلام

  • المرابطة: مكانةُ «المرابطين»، وهم في الرّيف الجزائريّ أُسَرٌ دينيّةٌ يتوارث أهلُها العلمَ والقيامَ على الزّوايا، ولهم مكانةٌ محترمة؛ و«وريثُ المرابطة» مَن ورث هذه المكانةَ عن آبائه. والكلمةُ من «الرِّباط»، ومنه اسمُ دولة «المرابطين» الّتي اشتُهر من ملوكها «يوسف بن تاشفين»؛
  • سومر: قريةٌ في منطقة جرجرة بالجزائر؛
  • لالة فاطمة نسومر: امرأةٌ جزائريّةٌ مكافحة، ثارت ضدّ المستعمر الفرنسيّ، تُنسب إلى قرية «سومر» الّتي استقرّت فيها، فيقال لها: «نسومر».
⭐ وهذا يفكُّ لك عقدةً في النّصّ: حين تقول لالة فاطمة «ففي سومر منزلُنا» فهي لا تختار منفًى، بل ترجع إلى منزلها. واسمُها نفسُه — «نسومر» — يعني «الّتي من سومر». فالمرأةُ الّتي تُطرَد من بيتٍ لها اسمٌ يحمل بيتَها الآخر.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه: اقرأْ أوّلا، وحاولْ، ثمّ افتحْ الجوابَ لتقابلَه بما وجدتَ.
ما موضوعُ هذا المقطع المسرحيّ؟

موضوعُه يتعلّق بـالمرأة الجزائريّة إبّان الثّورة، وهي مواقفُ:

  • متعلّقةٌ بجوانبَ اجتماعيّة، من حيث كونُها أمّا وأختا وعمّةً وكَنّةً؛
  • ومرتبطةٌ بجوانبَ سياسيّة، من حيث مساندةُ الثّوّار في مهمّتهم.

وهي في الحالتين كلتيهما رمزُ التّضحية.

علامَ أقدمتْ أمينةُ بحضرة زوجها «سي الطّاهر»؟

أقدمتْ على التّكلّم في عِرض أخته «لالة فاطمة».

والشّاهدُ في ردودها الأولى:
  • التّهكّمُ على مكانتها: «حتّى لقّبوها بلالة فاطمة نسومر»؛
  • ثمّ الطّعنُ الصّريح: «أَيُعْقَلَنْ أن تسترجلَ المرأةُ وتقودَ الرّجالَ إلى ساحات القتال»؛
  • ثمّ الاتّهامُ في السّمعة: «فأختُكم مرّغتْ رؤوسَكم في الوحل».
ماذا اعتبر سي الطّاهرُ هذا التّصرّفَ؟

اعتبره انتقاصا من قدر أخته وعائلته، وعدمَ احترامٍ له هو شخصيّا ولأسرته.

والدّليلُ من كلامه: «وقد صار كلامُك سهاما تخترق قلبي وظهرَ أختي» — فجعل الطّعنَ في الأخت طعنا فيه هو.

كيف أدّب زوجتَه أمينة؟
على درجتين:
  • بصفعها: «(ويصفعها على خدّها فتصيح في وجهه)»، ثمّ همَّ بالثّانية؛
  • ثمّ همَّ أن يتلفّظ بالطّلاق بعد احتدام الكلام بينهما — وهو ما ردّته عنه فاطمةُ بيدها: «(تمسك فاطمةُ على فمه)».
ما كان ردُّ فعل «لالة فاطمة» إزاء هذا الوضع؟
ثلاث خطواتٍ متتابعة:
  • منعتْ أخاها من التّلفّظ بالطّلاق: «أرجوك لا تنطقْها فإنّها بغيضةٌ ومنغِّصة»؛
  • ثمّ قرّرتِ الرّحيل عن بيت أخيها، إذ شعرتْ بأنّها هي السّببُ في الخلاف النّاشب بينه وبين زوجته: «أنا مخطئةٌ أنْ تركتُ بيتَ والدي وفرضتُ نفسي عليكم»؛
  • ثمّ أقنعتْه بضرورة الرّحيل لأنّ مهامَّ أخرى تنتظرها: «فمن هناك أشاركُ المجاهدين قتالَهم للفرنسيّين».
ما الموقفُ الّذي آلت إليه أمينةُ في آخر المطاف؟

في آخر المطاف حاولتْ أمينةُ إقناعَ فاطمة بالبقاء معها في بيت أخيها، بعد أن اعترفتْ لها بخطئها والتمستْ منها العفو.

والشّاهدُ: «أرجوكِ سامحيني، سامحيني يا فاطمة، سامحيني يا أختي» ثمّ «ابقَيْ معنا يا فاطمة». ولاحظِ الكلمةَ الأخيرة: «يا أختي» — الّتي كانت «أختَكم» صارت «أختي».

💬أناقش معطيات النّصّ

ما الشّعورُ الّذي أبدتْه أمينةُ تجاه لالة فاطمة؟ وما سببُه؟

الشّعورُ هو الحسد.

وسببُه أنّ لالة فاطمة احتلّتْ مكانةً اجتماعيّةً مرموقة، إذ صار يقصدها النّاسُ ويسعى لديها الرُّكبان حتّى استحقّتْ لقبَ «لالة فاطمة نسومر».

⭐ والدّليلُ الحاسم أنّ أمينةَ تسمّيه بنفسها دون أن تشعر: «أصابتْنا عينٌ حاسدة». تظنّ أنّها تصف عينا خارجيّة، وهي تصف نفسَها. وهذا من أدقّ ما في بناء الشّخصيّة عند الكاتب.
كيف كان موقفُ سي الطّاهر؟ وكيف تصرّف؟ وإلى أيّ مدًى بلغ؟
موقفُه رفضٌ تامّ، وتصرّفُه تدرّج في أربع درجات، وهذا هو «المدى» الّذي بلغه:
  • ① الزّجرُ بالحجّة الدّينيّة: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاث»؛
  • ② الزّجرُ بالتّوبيخ: «كفّي يا امرأةُ لسانَك السّليط»، ثمّ «كفى، كفى»؛
  • ③ الصّفعُ: «(ويصفعها على خدّها)»، ثمّ رفعُ اليد مرّةً ثانية؛
  • ④ القسمُ بالطّرد: «واللهِ لَتَرْحَلَنَّ هي» — وهو أقصى ما بلغ.
⚖️ واحترسْ من حكمٍ متسرّع: الرّجلُ الّذي بلغ به الغضبُ هذا المبلغَ هو نفسُه الّذي اغرورقتْ عيناه بالدّموع في آخر المقطع. فالشّدّةُ هنا غيرةٌ على العِرض، لا قسوةٌ في الطّبع — وهذا ما تُسمّيه محطّةُ الملامح «غيورٌ على أهله، سريعُ الانفعال، مرهفُ الحسّ».
أبرِزْ ملامحَ كلّ شخصيّةٍ من شخصيّات هذا المقطع المسرحيّ بمختلف أبعادها.
سي الطّاهر
  • سيّدُ القوم، مقدَّمُ القبيلة، مرابط (البعد الاجتماعيّ)؛
  • أبيٌّ، أنوفٌ، غيورٌ على أهله (البعد النّفسيّ)؛
  • صارمٌ، سريعُ الانفعال، مرهفُ الحسّ (البعد الخُلقيّ).
لالة فاطمة
  • سيّدةٌ في قومها، مصلحةٌ اجتماعيّة، مجاهدة (البعد الاجتماعيّ والسّياسيّ)؛
  • صبورةٌ، حليمةٌ، متروّية (البعد النّفسيّ)؛
  • شديدةُ الإيمان بالله، متسامحة، عفيفةٌ طاهرة (البعد الدّينيّ والخُلقيّ).
أمينة
  • ربّةُ بيت (البعد الاجتماعيّ)؛
  • حسودٌ، عنيدة، متهوّرة (البعد النّفسيّ)؛
  • جريئةٌ، صريحةٌ، تعترف بأخطائها (البعد الخُلقيّ).
⛔ ولا تُسقطْ آخرَ ملمحٍ من ملامح أمينة — «تعترف بأخطائها» — لأنّه الملمحُ الّذي يصنع نهايةَ المقطع. لو لم يكنْ فيها هذا لَما كان هناك عناق.
بمَ تباينتْ شخصيّةُ لالة فاطمة عن شخصيّة أمينة؟

التّباينُ لا يُقاس بجرد الصّفات، بل بوضع الملمحين وجها لوجه في الموقف نفسِه. وأوضحُ ما يكون ذلك في مسألة الرّحيل:

الشّخصيّتان في الموقف الواحد
وجهُ المقارنةأمينةلالة فاطمة
الباعثالغَيْرةُ على البيت والمكانةالحفاظُ على المودّة بين الزّوجين
الأسلوبالمواجهةُ والاتّهام: «أنتِ السّببُ»الرّجاءُ والتّزكية: «فهي وفيّةٌ لك»
من يرحل؟تريد إخراجَ فاطمة من البيتتختار الخروجَ بنفسها: «سأحمل أمتعتي»
الأفقأفقُ البيت وحدهأفقٌ أوسع: «أشاركُ المجاهدين قتالَهم»

فالتّباينُ إذن في مصدر الفعل: أمينةُ تتحرّك بما ينقصها، وفاطمةُ تتحرّك بما تعطيه. ولهذا انتهى الأمرُ بأمينةَ إلى الاعتذار: من واجه خصمَه بالإحسان أَعْجَزَه.

ما رأيُك في الموقف النّهائيّ لأمينة؟
⛔ هذا رأيُك أنت، ولا يُملى عليك: من حقّك أن ترى في اعتذارها صدقا، ومن حقّ زميلك أن يراه انفعالا عابرا. لكنّ الرّأيَ لا يُقبل إلّا إذا كان مبنيّا. وهذه خطواتُ بنائه:
  • ① اجمعْ أدلّةَ الصّدق من النّصّ: أنّها هي الّتي فتحتِ البابَ ونادتْ بأعلى صوتها؛ أنّها عانقتْ طويلا وبكتْ كثيرا؛ أنّها قالت «يا أختي» بعد أن كانت تقول «أختَكم»؛
  • ② اجمعْ أدلّةَ التّحفّظ: أنّ الاعتذارَ جاء بعد فوات الأوان (فاطمةُ كانت قد خرجتْ فعلا)؛ وأنّ ما حرّكها هو الذّهولُ والإعجاب، لا مراجعةُ الرّأي؛
  • ③ زِنِ الدّليلَين بميزانٍ واحدٍ: أيّهما يفسّر تصرّفَها كلَّه، لا بعضَه؟
  • ④ احكمْ، ثمّ صرّحْ بحدّ حكمك: قلْ «أراه صادقا في لحظته» أو «أراه انفعالا لا يضمن الغد» — ⛔ ولا تُطلقْ حكما لا يحدّه شيء.
  • ⑤ اربطْه بملمحٍ من ملامحها الّذي أثبتَّه في السّؤال السّابق: «تعترف بأخطائها». فالرّأيُ الّذي لا يتّصل بالنّصّ ليس رأيا في النّصّ.
هل ظلّتِ المرأةُ بمعزلٍ عن ملابسات الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة بالرّغم من ظروف الحرب؟ وضّحْ.

لا، والنّصُّ يبرهن على ذلك بامرأتين لا بامرأةٍ واحدة، وعلى جبهتين لا جبهةٍ واحدة:

  • في السّياسة: لالة فاطمةُ تترك البيتَ لتلتحق بالقتال — «فمن هناك أشاركُ المجاهدين قتالَهم للفرنسيّين»؛ وقد بلغتْ من المكانة أن «تُشدُّ إليها الرّحالُ ويقصدُها النّاسُ، ويسعى لديها الرُّكبان»؛
  • في الاجتماع: أمينةُ نفسُها ليست خارجَ الشّأن العامّ، فهي تخاصم دفاعا عن «كرامة آلِ محمّد بن عيسى» — أي عن سمعة البيت في القبيلة؛
  • وفي الاثنتين معا: المرأةُ هي الّتي فضّت النّزاعَ وحفظتِ الأسرةَ من الطّلاق.
⭐ وهذا بعينه ما يقوله الكتابُ في تقديره للنّصّ: إنّه «صوّر لنا شخصيّةَ المرأة إبّان فترة الاحتلال الفرنسيّ لبلادنا، وأثرَها في المحافظة على بناء الأسرة، ودورَها في مقاومة المستعمر». ⚖️ فالجوابُ مزدوج: المرأةُ حاضرةٌ في البيت وفي الميدان، ولم تكنْ في أحدهما على حساب الآخر.

🧱أحدّد بناء النّصّ

ما السّياقاتُ الدّالّةُ على مفهوم عملِ الخير والتّسامحِ والتّكفّلِ الاجتماعيّ في النّصّ؟
ثلاثةُ مفاهيمَ، ولكلٍّ منها سياقُه:
  • عملُ الخير: حين تُزكّي لالةُ فاطمةُ أمينةَ لدى زوجها سي الطّاهر وتأخذ عليه عهدا بعدم إيذائها — «أرجوك سي الطّاهر لا تُؤْذِيَنْها بشيءٍ... أحمدُ اللهَ أن رزقك بامرأةٍ تسعى لصلاحك»؛
  • التّسامح: حين أسرعتْ أمينةُ نحو لالة فاطمة تلتمس عفوَها — وهو المقطعُ الأخيرُ من النّصّ: «سامحيني يا أختي»؛
  • التّكفّلُ الاجتماعيّ: في مواضعَ مختلفة، أهمُّها حين تخبر لالةُ فاطمةُ أخاها بضرورة وقوفها إلى جانب المجاهدين — «فمن هناك أشاركُ المجاهدين قتالَهم».
ماذا يمثّل موقفُ لالة فاطمة بالنّسبة إلى جيل اليوم؟

يمثّل النّموذجَ الّذي يستحقّ أن يُقتدى به؛ فهي رمزُ المُثُل العليا بالنّسبة إلى جيل اليوم.

وليس ذلك لأنّها حملتِ السّلاحَ فحسب، بل لأنّها قدّمتْ راحتَها ثمنا لصلاح غيرها قبل أن تقدّم نفسَها للجهاد: خرجتْ من البيت لتبقى فيه المودّة.

ما القرائنُ اللّفظيّةُ الدّالّةُ على نمط النّصّ؟
القرائنُ أربع:
  • الأفعالُ بمختلف صيغها (ماضٍ، مضارع، أمر): «وصلتْ»، «أضربُك»، «كفّي»، «دعْها»؛
  • أدواتُ الاستفهام: «ما دهاكما؟»، «أتدرين لماذا؟»، «أَيُعْقَلَنْ...؟»؛
  • الضّمائرُ الّتي تتقاذفها الشّخصيّات: «أنتِ السّببُ»، «لي اللهُ وأهلي»، «وأنتِ منهم»؛
  • الحوارُ بمختلف صيغه، وهو القرينةُ الجامعةُ الّتي تنتظم القرائنَ الثّلاثَ قبلها.
⭐ ولاحظْ أنّ الثّلاثةَ الأولى لا تقوم إلّا بالحوار: لا يكون فعلُ أمرٍ إلّا لمخاطَب، ولا استفهامٌ إلّا لمُجيب، ولا ضميرُ مخاطبةٍ إلّا لحاضر. ولهذا يقول الكتابُ في تقديره للنّصّ: «اتّسم الحوارُ في المسرحيّة ببساطته وتلاؤمه مع ملامح الشّخصيّات».
هل يمكن تصنيفُ هذه القرائن تصنيفا دلاليّا؟

نعم، يمكن تصنيفُها دلاليّا إلى ثلاثة:

  • ما يدلّ على الوصف: «(قريةُ آيت إيراثن بدار سي الطّاهر، سي الطّاهر وزوجتُه أمينة)»، ووصفُ حال أمينة: «تابعتْها بذهولٍ كبير»؛
  • ما يدلّ على السّرد: التّوجيهاتُ المسرحيّةُ الّتي تحكي ما يجري — «(ويصفعها على خدّها)»، «(تحمل لالة فاطمة أمتعتَها وتخرج من البيت)»؛
  • ما يدلّ على الحِجاج والتّفسير: احتجاجُ سي الطّاهر «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاث»، وتعليلُ فاطمة «ولولا ذلك لما كان منها هذا».
حدّدِ العقدةَ في هذا المقطع.

العقدةُ هي حين تمسك لالةُ فاطمةُ بفم أخيها سي الطّاهر وقد همَّ بتطليق زوجته.

وهي عقدةٌ بالمعنى الدّقيق: في تلك اللّحظة يبلغ التّوتّرُ أقصاه — رجلٌ على وشك أن ينطق كلمةً لا تُستردّ، وامرأتان مصيرُهما معلَّقٌ بها — ولا يُدرى إلى أين يمضي الأمر.

كيف تمّ انفراجُها؟

الانفراجُ هو حين استطاعت لالةُ فاطمةُ إقناعَ أخيها بضرورة رحيلها عنه، بعد أن أخذتْ منه ميثاقا بأن يتصالح مع زوجته.

⚖️ ولاحظِ الثّمنَ: الانفراجُ لم يحصلْ بانتصار طرفٍ على طرف، بل بخروج الطّرف الثّالث. فاطمةُ حلّتِ العقدةَ بأن أخرجتْ نفسَها من المعادلة — وهذا ما جعل أمينةَ تعتذر.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

بمَ استهلّ الكاتبُ هذا المقطعَ المسرحيّ؟

استهلّه بتحديد المكان الّذي تجري فيه الأحداث: «(قريةُ آيت إيراثن بدار سي الطّاهر، سي الطّاهر وزوجتُه أمينة)».

وهو استهلالٌ يؤدّي ثلاث وظائفَ دفعةً واحدة: يعيّن المكان (بيتا، لا ساحةَ قتال)، ويعدّد الحاضرين (اثنين فقط، فيكون دخولُ فاطمة مفاجأة)، ويُلحق الدّارَ بصاحبها («بدار سي الطّاهر») — وهذه الإضافةُ هي ما ستجادل فيه أمينة طوالَ المقطع.

علامَ تدلّ كثرةُ القسم في النّصّ؟ حدّدِ الألفاظَ الدّالّةَ عليه.

تدلّ على الجانب الرّوحيّ الّذي طبع به الكاتبُ شخصيّاتِه.

والألفاظُ الدّالّةُ على القسم هي:
  • «والله» — وهي الأكثرُ دورانا، وعلى لسان الثّلاثة جميعا: أمينةُ تفتتح بها النّصَّ «واللهِ لقد وصلتْ أختُك»، وفاطمةُ تحلف بها مرّتين «فواللهِ لو سمعتُ» و«لا واللهِ لن يكون ذلك»، وسي الطّاهر يحلف بها عند أشدّ لحظاته «واللهِ لَتَرْحَلَنَّ هي»؛
  • «بربّك» — «بل قلْ لي بربّك».
⭐ ولاحظْ ما لا يُرى من أوّل قراءة: القسمُ يتحوّل إلى سلاح. فأمينةُ تحلف لتُثبت دعواها، وسي الطّاهر يحلف ليُنفّذ تهديدَه، وفاطمةُ تحلف لتمنع الأذى. اليمينُ واحدةٌ والغاياتُ ثلاث.
ساد النّصَّ جوٌّ ارتبط بالعقيدة؛ ما المصطلحاتُ الدّالّةُ على ذلك؟
المصطلحاتُ كثيرةٌ، وهذه شواهدُها في النّصّ:
  • ألفاظُ الجلالة والقسم: «والله»، «بربّك»، «لي اللهُ وأهلي»، «أحمدُ اللهَ»، «فليُعِنْك اللهُ»؛
  • ألفاظُ الرّبوبيّة والتّمكين: «لا أحدَ له سلطانٌ عليَّ إلّا ربُّ العالمين»؛
  • ألفاظُ الشّعائر والأمكنة المقدّسة: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثلاث: المسجدِ الحرام والمسجدِ النّبويّ والمسجدِ الأقصى»؛
  • ألفاظُ الجزاء والآخرة: «إلى يوم القيامة»، «بعتُ نفسي لله»، «والجهادُ سبيلي إلى رضائه ورحمته»؛
  • ألفاظُ الخُلق الدّينيّ: «العفيفةُ الطّاهرة»، «المودّة»، «الإحسانَ»، «شفقةً».

ويُضاف إلى ذلك أسماءُ الشّخصيّات نفسِها، وهي تحمل دلالاتٍ رمزيّةً تاريخيّةً ودينيّة: الطّاهر، فاطمة، أمينة.

في أيّ حقلٍ دلاليٍّ يمكن تصنيفُها؟

حقلُها الدّلاليُّ هو الدّين «الإسلام».

⚖️ وهذا هو مفتاحُ الانسجام في المقطع كلِّه: الخصومةُ فيه عائليّة، لكنّ لغتَها دينيّة. فسي الطّاهر يردّ على أمينةَ بحديثٍ عن شدّ الرّحال، وفاطمةُ تختم ببيعةٍ لله. ولذلك بدا النّصُّ نسيجا واحدا وإن تعدّدت المتكلّمون: المرجعُ واحدٌ عند الجميع.
ما مردُّ عدم اهتمام الكاتب بالصّور إلّا ما جاء منها تلقائيّا؟

مردُّه اهتمامُ الكاتب (المؤلّف) بالمعنى على حساب اللّفظ.

وهو اختيارٌ يقتضيه فنُّ المسرح نفسُه: الحوارُ يجب أن يشبه كلامَ النّاس، ولو أثقله الكاتبُ بالصّور لَخرج من فم الفلّاحة والمقدَّم كلامٌ لا يقولانه. ولذلك جاءت الصّورُ القليلةُ في النّصّ في مواضع الانفعال بالذّات — حين يعلو الكلامُ من تلقاء نفسه.

استخرجْ تشبيها بليغا مبرزا دلالتَه وأثرَه في سياق النّصّ.

التّشبيهُ البليغ: «الوحلُ هو أنتِ».

وبيانُ ذلك:
  • المشبَّه: أنتِ (أمينة) · المشبَّه به: الوحل · الأداةُ ووجهُ الشّبه: محذوفان — وبحذفهما صار التّشبيهُ بليغا؛
  • دلالتُه: أنّه أفاد التّسوية، فقد سوّى المتكلّمُ بين طرفي التّشبيه؛
  • أثرُه في السّياق: لشدّة ما اعتراه من الغضب في ذلك الموقف من المسرحيّة — إذ لم يقلْ «أنتِ كالوحل» بل جعلها الوحلَ نفسَه.
💡 وبالطّريقة نفسِها تجد في النّصّ شاهدا ثانيا: «وقد صار كلامُك سهاما تخترق قلبي». فالمنهجُ واحد: ابحثْ عن اسمين تساويا في الجملة بلا «كاف» ولا «مثل» ولا وجهِ شبهٍ مذكور. ⭐ وسيعود إليك «الوحل» بعد قليل في مجال البلاغة من بابٍ آخر غيرِ التّشبيه.
هل وُفِّق الكاتبُ في إعطاء شخصيّاته حركةً طبيعيّة؟ ما دليلُك؟

نعم، وُفِّق الكاتبُ في إعطاء شخصيّاته حركةً طبيعيّة.

والدّليلُ كامنٌ في أمرين:
  • في التّصرّفات الّتي نسبها الكاتبُ لهذه الشّخصيّات من خلال السّياقات الّتي سبق توضيحُها — عملِ الخير، والتّسامح، والتّعاون الاجتماعيّ — فكلُّ تصرّفٍ منها يخرج من ملمحٍ سبق أن أثبتناه للشّخصيّة، لا من إرادة الكاتب؛
  • في خصائص الحوار الّذي نسبه الكاتبُ إلى كلّ شخصيّة: أمينةُ تطيل وتقاطع، وسي الطّاهر يقتضب وينفعل («كفى، كفى»)، وفاطمةُ تسترسل في الرّجاء والتّعليل. لكلٍّ لسانُه، ولو تبادلوا الكلامَ لَعُرِف الخلل.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

النّصُّ نموذجٌ من الأدب المسرحيّ الجزائريّ المعاصر، يعكس لنا صورةً اجتماعيّةً من صور المجتمع الجزائريّ أثناء المقاومة؛ فهو لا يؤرّخ للمعركة بل لِما كان يجري في البيوت بينما تجري المعركة.

وقد قدّم لنا الكاتبُ شخصيّاتِه متناميةً ومتفاعلةً فيما بينها في بساطةٍ لم تقلّلْ من قيمتها الفنّيّة: فأمينةُ الّتي بدأت حاسدةً تنتهي معتذرة، وسي الطّاهر الّذي بدأ صارما ينتهي مغرورقَ العينين. وهذا هو التّنامي: أن تخرج الشّخصيّةُ من المقطع غيرَ ما دخلتْ به، ومن داخلها لا بيد الكاتب.

وقد عكستِ الشّخصيّاتُ مقوّماتِ المجتمع الجزائريّ الّذي يقوده الوازعُ الدّينيّ؛ فما من حجّةٍ حاسمةٍ في المقطع إلّا وأصلُها دينيّ: من حديث شدّ الرّحال في أوّله، إلى بيعة الجهاد في آخره.

وصوّر لنا شخصيّةَ المرأة إبّان فترة الاحتلال الفرنسيّ لبلادنا، وأثرَها في المحافظة على بناء الأسرة، ودورَها في مقاومة المستعمر — وهما دوران لا دورٌ واحد. وقد اتّسم الحوارُ في المسرحيّة ببساطته وتلاؤمه مع ملامح الشّخصيّات، فكان اللّسانُ في كلّ مرّةٍ على قدر صاحبه.

⭐ وخلاصةُ التّقدير في جملة: مسرحيّةٌ عن بطلةٍ حربيّة، اختار كاتبُها أن يعرّفنا بها وهي تخسر بيتَها لتكسب أهلَها — فأثبت أنّ المرأةَ الصّقر لم تصرْ صقرا في الميدان، بل كانت كذلك قبل أن تصلَه.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها

محطّتان اثنتان، والقاعدةُ في كلٍّ منهما مستخرَجةٌ من هذا النّصّ بعينِه: في مجال قواعد اللّغة (نونا التّوكيد مع الأفعال)، ثمّ 2 في مجال البلاغة (المشاكلة). ⛔ ولا تأخذْ أمثلتَك من خارج النّصّ: القاعدةُ هنا نتيجةٌ للنّصّ، لا درسٌ مستقلٌّ أُلصق به.

في مجال قواعد اللّغة: نونا التّوكيد مع الأفعال

عُدْ إلى النّصّ وتأمّلِ العبارةَ الآتيةَ الواردةَ فيه: «واللهِ لَتَرْحَلَنَّ هي». ما صيغةُ الفعل «ترحلنّ»؟ وما زمانُه؟ أهو مثبتٌ أم منفيّ؟ وما موقعُه من الجملة؟ وماذا اتّصل بأوّله وبآخره؟ وبمَ سُبق؟

جوابُ هذه الأسئلة — وهو الّذي يعطيك شروطَ الوجوب
🔍تحليل «لَتَرْحَلَنَّ»
السّؤالالجواب
الصّيغةُ والزّمانفعلٌ مضارع، زمانُه الاستقبال
مثبتٌ أم منفيّ؟مثبت — لا نفيَ معه
موقعُه من الجملةجوابٌ للقسم «واللهِ»
ما اتّصل بأوّله وآخرهبأوّله لامُ التّوكيد، وبآخره نونُ التّوكيد الثّقيلة
بمَ سُبق؟بـالقسم

فاجتمعتْ فيه إذن أربعةُ شروطٍ: أن يقعَ جوابا للقسم، وأن يكون مثبتا، ومستقبلا، ومتّصلا بلامه. ومتى اجتمعتْ هذه الأربعةُ وجب توكيدُه بالنّون.

كيف نسمّي النّونين المتّصلتين بالفعل؟ وكيف نُعربهما؟
نونا التّوكيد اثنتان:
  • الثّقيلة: مشدّدةٌ ومبنيّةٌ على الفتح؛
  • الخفيفة: مخفّفةٌ ومبنيّةٌ على السّكون.
الشّاهدُ الجامع للنّونين

قال تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: 32)

والإعراب:
  • ليُسجَنَنَّ: فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ على الفتح لاتّصاله بنون التّوكيد، ونائبُ فاعله ضميرٌ مستترٌ فيه جوازا تقديره «هو» يعود على يوسف. والنّونُ نونُ التّوكيد الثّقيلة، حرفٌ مبنيٌّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب؛
  • ليكونَنْ: فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ على الفتح لاتّصاله بنون التّوكيد الخفيفة، واسمُ «يكون» ضميرٌ مستترٌ جوازا تقديره «هو». والنّونُ نونُ التّوكيد الخفيفة، حرفٌ مبنيٌّ على السّكون لا محلّ له من الإعراب.
⭐ ولاحظْ كيف رُسمتِ النّونُ الخفيفةُ في المصحف: «وَلَيَكُونًا» بالألف والتّنوين. وستعود إليك هذه الكتابةُ بعد قليل في ﴿لَنَسْفَعًا﴾.
أحكامُ نوني التّوكيد مع الأفعال — ثلاثةٌ بحسب نوع الفعل:
  • الفعلُ الماضي: يمتنع توكيدُه بالنّون مطلقا، لأنّ زمنَ وقوعه قد فات، وما فات لا يُعاد؛
  • فعلُ الأمر: يجوز توكيدُه بالنّون دائما، لدلالته على الطّلب. نقول: «ساعِدِ الضّعيفَ» ⟸ «سَاعِدَنَّ الضّعيفَ»؛
  • الفعلُ المضارع: له ثلاثةُ أحكامٍ، وهي مدارُ الدّرس.
أحكامُ توكيد المضارع بالنّون
الحكممتى؟الشّاهد
① الوجوبإذا وقع جوابا للقسم، وكان مثبتا مستقبلا متّصلا بلامه«واللهِ لَتَرْحَلَنَّ هي» (من النّصّ) · ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (الأنبياء: 57)
② جوازٌ قريبٌ من الواجبالواقعُ بعد «إمّا» الشّرطيّة (وهي «إنْ» الشّرطيّة زِيدتْ عليها «ما»)﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ (يونس: 46)
③ جوازٌ كثيرإذا كان طلبيّا: بعد لامِ الأمر، أو لا النّاهية، أو الاستفهام، أو التّمنّي، أو التّرجّي، أو العرض، أو التّحضيض«أَيُعْقَلَنْ أن تسترجلَ المرأةُ» (استفهام، من النّصّ) · «لا تُؤْذِيَنْها بشيءٍ» (لا النّاهية، من النّصّ)
④ جوازٌ قليلبعد «لا» و«لم» النّافيتين، و«ما» الزّائدة، وبقيّةِ أدوات الشّرط غيرِ «إمّا»«أكره الرّياءَ ولا أَرْضَيَنَّ به» · «مَن تَثْقَفَنْ منهم فليس بآئبٍ»
⑤ الامتناعإذا كان منفيّا، أو دالّا على الحال، أو مفصولا عن لامه، أو كان خبرا مثبتا لا قسمَ فيه ولا طلب، أو لم يكنْ ممّا يجوز توكيدُه«واللهِ لا أسامحُك على فعلتك» (منفيّ) · «واللهِ لأذهبُ الآنَ إلى مكّة» (حال) · ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضّحى: 5) (مفصولٌ بـ«سوف») · ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: 222) (ليس جوابَ قسم) · ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ (لقمان: 34) (ليس ممّا يجوز توكيدُه)
وأين شواهدُ «الجواز القليل»؟ — أربعةُ أبياتٍ تحفظ لك الحالاتِ الأربع

جرتْ عادةُ النّحاة أن يحفظوا هذه الحالةَ بالشّعر، لأنّها قليلةٌ فلا تكاد تجدها في النّثر. ولكلّ أداةٍ بيتُها:

«لم» النّافيةُ الجازمة
الصّدرالعجز
يحسبُه الجاهلُ ما لم يَعْلَمَنْشيخا على كرسيِّه مُعَمَّما
«ما» الزّائدة
الصّدرالعجز
قليلا به ما يَحْمَدَنَّكَ وارثٌإذا نال ممّا كنتَ تجمعُ مَغْنَما
«مَن» الشّرطيّة
الصّدرالعجز
مَن تَثْقَفَنْ منهم فليس بآئبٍأبدا وقتلُ بني قتيبةَ شافِي
«مهما» الشّرطيّة
الصّدرالعجز
فمهما تَشَأْنْ منه فزارةُ تُعطِكمومهما تَشَأْنْ منه فزارةُ تمنعا
وأمّا «لا» النّافيةُ فشاهدُها نثريّ:
  • «أكرهُ الرّياءَ ولا أَرْضَيَنَّ به».
⛔ الفرقُ بين ③ و④ ليس في الجواز — كلاهما جائز — بل في الكثرة. فقلْ «الغالبُ في الطّلبيّ التّوكيدُ»، ولا تقلْ «يجب». وكذلك في ②: سُمّي «قريبا من الواجب» لأنّ الفعلَ الواقعَ بعد «إنْ» الشّرطيّة المؤكَّدةِ بـ«ما» الزّائدة يغلب عليه التّوكيدُ بالنّون — والغلبةُ ليست وجوبا.
تطبيقٌ ① — استخرجْ من النّصّ الأفعالَ المؤكّدةَ بالنّون، وبيّنْ حكمَ كلٍّ منها ونوعَ نونه
الأفعالُ المؤكّدةُ الثّلاثةُ في النّصّ
الفعلالأداةُ السّابقةالحكمنوعُ النّون
لَتَرْحَلَنَّالقسمُ «واللهِ» + اللّامواجب (جوابُ قسمٍ مثبتٌ مستقبلٌ متّصلٌ بلامه)الثّقيلة
أَيُعْقَلَنْهمزةُ الاستفهامجائزٌ جوازا كثيرا (طلبيّ)الخفيفة
لا تُؤْذِيَنْها«لا» النّاهيةجائزٌ جوازا كثيرا (طلبيّ)الخفيفة
⚖️ ثلاثةُ أفعالٍ، وثلاثةُ متكلّمين: الواجبُ على لسان سي الطّاهر وهو يقسم، والاستفهامُ على لسان أمينة وهي تتحدّى، والنّهيُ على لسان فاطمة وهي تترجّى. نونُ التّوكيد في هذا النّصّ ليست حِليةً نحويّة: هي مقياسُ حرارة الخصومة.

والآن تمعّنْ في الأمثلة الآتية، وعيّنِ الأداةَ الّتي سبقتِ الفعلَ المضارعَ المؤكَّدَ بالنّون، مع تحديد مختلف دلالاتها السّياقيّة:

جدولُ الأدوات ودلالاتها السّياقيّة
المثالالفعلُ المؤكَّدالأداةدلالتُها السّياقيّة
قال تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ (العلق: 15)نسفعًالامُ التّوكيدأسلوبٌ خبريّ
ليتَك تجدنَّ ما تصبو إليهتجدنَّليتَالتّمنّي
اعملْ لعلّك تفوزنَّ بالجائزةتفوزنَّلعلّالتّرجّي
ألا تزورنَّني؟تزورنَّألاالعرض
هل يكفَّنَّ الظّالمُ عن ظلمه؟يكفَّنَّهلالاستفهام
ماذا نستنتج؟
  • يجوز أن تُكتب النّونُ الخفيفةُ بالألف مع التّنوين: ﴿لَنَسْفَعًا﴾؛
  • والحالاتُ الأربعُ الأخيرةُ في الجدول من باب جواز التّوكيد (الطّلب)؛ أمّا ﴿لَنَسْفَعًا﴾ فجوابُ قسمٍ دلّت عليه اللّامُ في ﴿لَئِنْ لَمْ يَنتَهِ﴾، فتوكيدُه واجب (الحالة ①).
تطبيقٌ ② — أكّدِ الأفعالَ الآتية بالنّونين، ثمّ بيّنْ كيف تُعرَب
التّوكيد بالنّونين
الفعلبالنّون الثّقيلةبالنّون الخفيفة
يذهبُيذهبَنَّيذهبَنْ
يسعىيسعيَنَّيسعيَنْ
يمشييمشيَنَّيمشيَنْ

وكيف تُعرَب؟ لا شكّ أنّك لاحظتَ أنّها مبنيّةٌ على الفتح، ممّا يستلزم إعرابَها في محلّ رفعٍ أو نصبٍ أو جزم، بحسب العامل الّذي يسبقها أو عدمِه.

⭐ وانتبهْ إلى «يسعى» ويمشي: لامُهما حرفُ علّة، وقد انقلبتْ ياءً مفتوحةً عند التّوكيد. وهذان من الأفعال النّاقصة، وستدرس تصريفَها كاملا في النّصّ الأدبيّ الثّاني من هذا المحور نفسِه. ⚖️ محطّاتُ المحور يجيب بعضُها بعضا.
وهل كلُّ مضارعٍ تلحقه نونُ التّوكيد يُبنى على الفتح؟

لا. تأمّلِ الأمثلةَ الآتية: «اكتبُنَّ، اكتبِنَّ، ادعُنَّ، ادعِنَّ، ليدعُنَّ، ارمُنَّ، ارمِنَّ، ليرمُنَّ».

نلاحظ أنّ نونَ التّوكيد إذا وقعتْ بعد واو الجماعة المضمومِ ما قبلها، أو بعد ياء المخاطبة المكسورِ ما قبلها، حُذفت واوُ الجماعة وياءُ المخاطبة من الفعل لالتقاء السّاكنين، وبقيتْ حركةُ ما قبلهما على حالها، ولا يُبنى الفعلُ هنا على الفتح، لأنّ الضّميرَ المحذوفَ يفصل بينه وبين النّون: فالأمرُ مبنيٌّ على حذف النّون («اكتبُنَّ» من «اكتبوا»)، والمضارعُ مُعرَب («لَتكتبُنَّ» أصلُه «لَتكتبونَنَّ») كما مع ألف الاثنين؛ والضّمّةُ والكسرةُ دليلٌ على المحذوف، لا علامةُ بناء.

للتّنبيه — ثلاثُ مسائلَ يكثر الغلطُ فيها:
  • ① إذا أكّدتَ بالنّون الأمرَ المبنيَّ على حذف آخره والمضارعَ المجزومَ بحذف آخره، رددتَ إليه آخرَه — إن كان واوا أو ياءً — مبنيّا على الفتح: «ادعُ / لا تدعُ / امشِ / لا تمشِ» ⟸ «ادْعُوَنَّ / لا تدعُوَنَّ / امشِيَنَّ / لا تمشِيَنَّ». فإن كان المحذوفُ ألفا قلبتَها ياءً: «اخشَ ⟸ اخشَيَنَّ ⟸ اخشَيَنْ»؛
  • ② إذا وليَ نونَ النّسوة نونُ التّوكيد الثّقيلة، وجب الفصلُ بينهما بألف كراهةَ اجتماع النّونات: «يكتبْنَ / اكتبْنَ» ⟸ «يكتبْنانِّ / اكْتُبْنانِّ»، وحينئذٍ نكسر النّونَ وجوبا تشبيها لها بالنّون بعد ألف المثنّى، في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يونس: 89)؛
  • ③ إذا أُسندت النّونُ إلى ألف الاثنين أُعرِب الفعلُ ولم يُبْنَ، لأنّ أصله (لتكتبَانِنَّ).

2 في مجال البلاغة: المشاكلة

جاء في النّصّ:

الشّاهدان
المتكلّمالقول
أمينة«لن أسكتَ فأختُكم مرّغتْ رؤوسَكم في الوحل»
سي الطّاهر«الوحلُ هو أنتِ يا امرأةَ السّوء»
هل قصد سي الطّاهر بلفظة «الوحل» المعنى الموضوعَ له؟ ولمَ استعملها وليست موضوعةً للمعنى الّذي قصده؟
الجوابُ في ثلاث خطوات:
  • لا، لم يقصدِ المعنى الموضوعَ لها. فالموضوعُ لها — كما في «معاني الألفاظ» — هو الطّينُ يتلطّخ به، ولا يستقيم أن تكون أمينةُ طينا؛
  • بل أراد بالوحل الفسادَ وسوءَ السّمعة — وهو المعنى الّذي رمتْه أمينةُ أوّلا حين قالت «مرّغتْ رؤوسَكم في الوحل»؛
  • وإنّما عدَل عن المعنى الأساسيّ لوجود اللّفظ في صحبة لفظٍ آخر، أي لأنّ الخصمَ استعمله قبله فردّه عليه بلفظه. وهذه هي المشاكلة.
⭐ تعريفُ المشاكلة: أن يُعبَّر عن المعنى بلفظٍ غيرِ موضوعٍ له، لوقوع ذلك اللّفظ في صحبة لفظٍ آخر. أي أنّ اللّفظَ يُستعار من الجارِ لا من المعنى.
ومن هذا القبيل في القرآن الكريم
  • قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (المائدة: 116)؛ والمرادُ «ولا أعلمُ ما عندك»، وعبّر بالنّفس للمشاكلة — أي لأنّ لفظَ «نفسي» سبقه؛
  • وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحشر: 19)؛ أي أهملهم، فذكر الإهمالَ هنا بلفظ النّسيان لوقوعه في صحبته.
فائدة — في أيّ علمٍ من علوم البلاغة نُدرج المشاكلة؟ وما أثرُها في الكلام؟

تُدرج المشاكلةُ في علم البديع؛ وهي من المحسّنات المعنويّة.

وأثرُها ثلاثة:
  • تزيد الكلامَ من حيث المعنى وضوحا؛
  • وتُضفي على الأسلوب جمالا؛
  • وتصبغ على موسيقاه نعومةً ورقّة.
⛔ مزلقُ قراءةٍ يجب أن تتجاوزه: قرأتَ «الوحلُ هو أنتِ» مرّتين في هذا الدّرس، مرّةً تشبيها بليغا ومرّةً مشاكلةً — وليس في ذلك تناقض. التّشبيهُ حكمٌ على التّركيب (اسمان تساويا بلا أداةٍ ولا وجهِ شبه)، والمشاكلةُ حكمٌ على اختيار اللّفظ (لماذا «الوحل» بالذّات، دون سائر ما يُشبَّه به السّوء؟). فالبيتُ الواحدُ قد تجتمع فيه صورةٌ ومحسِّن، لأنّ كلّا منهما ينظر إلى جهة.
تطبيقٌ — كيف تتعرّف على المشاكلة في أيّ نصّ؟
ثلاثُ علاماتٍ يجب أن تجتمع، وإلّا فليست مشاكلة:
  • ① لفظٌ سبق في الكلام (من المتكلّم نفسِه أو من مخاطَبه)؛
  • ② يُعاد اللّفظُ نفسُه في الجواب أو فيما بعده؛
  • ③ وهو في الثّانية غيرُ موضوعٍ لمعناه، وإنّما جيء به لصحبة الأوّل.

طبّقْها على الشّاهدين: في ﴿تعلم ما في نفسي﴾ سبق لفظُ «نفسي» ⟸ فأُعيد «نفسك» ⟸ وهو غيرُ موضوعٍ للمراد («ما عندك») ⟸ مشاكلة. وفي «الوحل»: سبق على لسان أمينة ⟸ فأُعيد على لسان سي الطّاهر ⟸ وهو غيرُ موضوعٍ للمراد (الفساد وسوء السّمعة) ⟸ مشاكلة.

⚖️ وميّزْها ممّا يشبهها: لو قال سي الطّاهر «أنتِ الخبيثة» لَما كانت مشاكلة، وإن كان المعنى واحدا — لأنّ اللّفظَ لم يُنتزَعْ من كلام الخصم. المشاكلةُ تحتاج إلى صاحبٍ سابق، لا إلى معنًى قويّ.

الصفحة 1/7

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net