Langue arabe

2 — الإعلام و المجتمع فهم المنطوق

نصّ منطوق : ثقافة الصّورة

🔊 La maîtresse lit pour toi
عُدَّ في يومك الواحد كم صورةً مرّت أمام عينيك: في الهاتف، وفي التّلفاز، وعلى جدران الطّريق. ثمّ عُدَّ كم صفحةً قرأتَها. ستستمع في هذا الدّرس إلى خطابٍ يقول إنّ الصّورة أخذت مكانَ الكلمة في حياتنا، وإنّها «ثقافةٌ مفروضةٌ علينا». فهل صارت الصّورةُ تُفكِّر عنّا؟ ومن الّذي يختار ما نراه؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • فهمِ خطابٍ مسموع وتحديدِ موضوعه وأفكارِه دون أن تراه مكتوبًا
  • التّعرّفِ على الأنماط الّتي بُني عليها الخطاب: الحِجاجيّ والتّفسيريّ والسّرديّ، وذِكرِ مؤشّرات كلٍّ منها
  • تمييزِ وجهة النّظر من الحُجّة، وتصنيفِ الحُجَج إلى شواهدَ واقعيّةٍ وأقوالٍ داعمة
  • بيانِ العلاقة بين نمطَين في خطابٍ واحد: أيُّهما الغالبُ وأيُّهما الخادم
  • بناءِ كلمةٍ شفويّةٍ في موضوعٍ إعلاميّ، وعرضِ موقفٍ مؤيِّدٍ أو معارضٍ مع تعليله
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • تمييزَ الأنماط: السّرديّ والوصفيّ والتّفسيريّ والحِجاجيّ
  • أزمنةَ الفعل: الماضي والمضارع، وأدواتِ النّفي (لم يعُدْ · لم يفقدْ)
  • أدواتِ التّعليل والاستنتاج: لأنّ · فـ · قد · ممّا يعني · لذا
🎧 كيف تدرس نصًّا منطوقًا وأنت وحدك؟ في القسم يقرأ الأستاذ الخطابَ بصوته وأنت تستمع. وهنا زرُّ الاستماع في أعلى الصّفحة يقوم مقامه. ① اضغطْ على ▶ واستمعْ إلى الخطاب كلَّه دون أن تفتح الإطار الّذي يحويه. ② أجِبْ عن الأسئلة من ذاكرتك — هذه هي الكفاءة المطلوبة: أن تفهم بأذنك. ③ ثمّ افتحِ الإطار واقرأِ النّصّ لتراجع إجاباتك. ⭐ لا تقلبِ الترتيب: من قرأ قبل أن يسمع لم يتدرّبْ على شيء.

أستمع إلى الخطاب بِوَعْي

🎧 الخطاب المنطوق — ⛔ لا تفتحْه إلّا بعد أن تستمع وتجيب

«ثَقافةُ الصُّورةِ»

أفرزَ التّطوّرُ العديدَ من الأساليب الّتي تتعامل مع الصّورة وصولًا إلى عصر الكاميرا والتّلفزيون اليوم، حيث اكتستْ خصائصَ جديدةً جعلتها متميّزةَ التّأثير. ويمكن الإشارةُ إلى بعض التّأثيرات للصّورة، منها:

التّأثيرات النّفسيّة والتّربويّة للصّورة:

إنّ انجذابَ المتلقّي تجاه المادّة المعروضة بفعل التّأثيرات النّفسيّة للصّورة كونَها تنقل الواقعَ بأشكال صورٍ خياليّةٍ وذاتِ سماتٍ ساحرةٍ جذّابة، كما يقول أرسطو: «إنّ التّفكيرَ مستحيلٌ من دون صور». لقد كان الأدبُ هو الّذي يقوم بتلك المهمّة طيلةَ القرون الماضية فكان هو مقياسَ ثقافات الأمم ويعكس واقعَها الاجتماعيّ وتاريخَها، ولا يزال الأدبُ في بعض الشّعوب هو الأكثرَ شعبيّة، ولكنّ هذا الدّورَ بدأ ينحصر بعد اختراع الصّورة المتحرّكة كوسيلةٍ للتّعبير سواءٌ في السّينما أو التّلفزيون، خصوصًا بعد انتشار القَمَرات الفضائيّة، حيث لم تعُدِ الصّورُ حكرًا على دولةٍ أو أمّة.

من هذا الحديث يمكن أن نستنتج أهمّيّةَ الصّورة في العصر الرّاهن قياسًا بالأدب، وممّا جاء في المثل الصّينيّ: «الصّورةُ تساوي ألفَ كلمة». إنّ ثقافةَ الصّورة أمستِ اليومَ علامةً على التّغيير الحديث وهي أيضًا السّببُ فيه، لذا اهتمّ الجميعُ بها. حقًّا إنّ الصّورةَ ليست وليدةَ اليوم؛ إلّا أنّ أهمّيّتَها ازدادت بشكلٍ كبيرٍ في العصر الحديث، فالحياةُ المعاصرة لا يمكن تصوّرُها من دون صور، وهذا ما أكّده رأيُ النّاقد الفرنسيّ «رولان بارت» حيث يقول: «إنّنا نعيش في حضارة الصّورة». لقد جعلتِ الصّورةُ بشكلها في القنوات الفضائيّة الإنسانَ في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الحدث.

إنّ ثقافةَ الصّورة هي ثقافةٌ مفروضةٌ علينا، تقتحم بيوتَنا وتؤثّر على ثقافتنا وأفكارنا وليس لنا سيطرةٌ عليها، فهي قابلةٌ للتّكرار، ومن خلال هذه العمليّة يحدث نوعٌ من الأهمّيّة والتّأثير ومن ثمّ التّفاعل. كما يعمل العديدُ من البرامج الثّقافيّة على التّنميط الثّقافيّ الّذي يعني إنتاجَ نمطٍ ثقافيٍّ واحدٍ وفق إرادة المنتِج المهيمن بالتّعاون مع المخرِج والمعِدّ والمقدِّم، ويكون ذلك عبر احتكار وسائل الاتّصال والسّيطرة المختلفة كالتّقنيّة والمعلوماتيّة وتكنولوجيا الاتّصالات. إنّ لسِحر الصّورة مكانتَها المثيرةَ والسّاحرةَ في نفوس الآخرين.

ويتطلّب الانتباهَ إلى ذلك ومتابعةَ أثرِها على ثقافة المجتمع والتّربية وعلى نفسيّة المتلقّي، فالعديدُ من البرامج — خصوصًا برامج البثّ المباشر — ممكنٌ أن تكون ذاتَ تأثيرٍ ثقافيٍّ كبير، خصوصًا على الفئات الّتي تعاني من النّسيان والتّهميش الاجتماعيّ وتشاهد التّلفزيونَ بكثرة، فتحتاج إلى من يأخذ بيدها وينتبه لها.

إنّ ثقافةَ الصّورة هي ثقافةُ المستقبل، والّتي لا يمكن لرقيبٍ أن يمنعها، كما أنّها تنشر كلَّ الثّقافات ولكن تبقى ثقافةُ الأقوى «المالكِ لهذه التّقنيّة والمتحكِّمِ بها». ومعظمُ ثقافات الأمم باتت تواجه اليومَ اقتحامَ البرامج المعوْلَمة بالصّورة والصّوت من الخارج، لتحلَّ بديلًا عن البرامج المحلّيّة الّتي تخلق الرّتابةَ والملل، لتأتيَ من خلال البرامج الثّقافيّة وغيرِها والّتي تتّخذ التّسليةَ والمرحَ رسالةً لها كهدفٍ ظاهر، ولتمريرِ ثقافاتٍ هادفةٍ كهدفٍ مُبطَّن.

إنّ ثقافةَ الصّورة بأشكالها المتعدّدة، وأخطرِها القنواتُ الفضائيّة، تلعب ولعِبتْ دورًا أساسيًّا في تشكيل وعي الإنسان المعاصر بأشكالٍ إيجابيّةٍ حينًا وأشكالٍ سلبيّةٍ حينًا آخر.

التّأثيرات الاجتماعيّة والسّياسيّة لثقافة الصّورة:

إنّ ثقافةَ الصّورة وتأثيراتِها دخلتْ كلَّ مجالات الحياة البشريّة، فقد كسرتِ الصّورةُ حاجزَ التّلقّي لدى الأمّيّين وأصبح بإمكانهم مشاهدةُ ومتابعةُ ما تعرضه الفضائيّات، ولم يعُدْ ذلك حكرًا على الأغنياء، بل تتوفّر اليومَ أجهزةُ الاستقبال وبأسعارٍ زهيدةٍ بإمكان معظم النّاس اقتناؤها، كما يشاهد الفضائيّاتِ الصّغيرُ والكبير، ممّا يعني سعةَ تأثيرها. فاليومَ لا يحتاج المتلقّي إلى معرفة اللّغة أو امتلاكِه مستوى وعيٍ ثقافيٍّ معيّنٍ لمتابعة الموادّ عبر التّلفزيون، فقد راح عصرُ النّخبة، رغم أنّها لم تفقدْ دورَها القياديّ، فهي الّتي عليها أن ترسم وتخطّط، وبدون ذلك سنفقد البوصلة.

إنّ الحديثَ عن القنوات الفضائيّة يجرّنا إلى الحديث عن الانعكاسات السّلبيّة لها، وكثيرًا ما ننسى أنّ هذه الثّورةَ قد شجّعتِ القطاعاتِ الثّقافيّةَ على النّموّ بما قلّص من المسافات بين الشّعوب والمجموعات، ولعِبتْ دورًا في تربية الأفراد وتنميةِ قدراتهم ومداركهم ومعارفهم، كما لعِبتْ دورًا في تربية ديناميكيّة المجتمع: «فلسنا وحدَنا مَن سوف تقع عليه هذه التّحوّلات، فالمجتمعاتُ جميعُها في مرحلة ثقافة الصّورة هي الغازيةُ والمغزوّةُ في اللّحظة ذاتها». باختصارٍ، لقد دخلتِ الصّورةُ في صميم التّكوين النّفسيّ والعقليّ للمجتمع…

صلاح عبد الحميد، الإعلام وثقافة الصّورة، أطفالنا للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى، الجزائر ⁦2015⁩.

⁦1⁩ — ما المقصود بثقافة الصّورة؟ وما الثّقافة الّتي تقابلها؟

ثقافةُ الصّورة هي أن تصير الصّورةُ — في التّلفزيون والسّينما والقنوات الفضائيّة — هي الوسيلةَ الأولى الّتي يتلقّى بها النّاسُ المعرفةَ ويتكوّن بها وعيُهم. والخطاب يصفها بثلاثة أوصاف: إنّها «ثقافةٌ مفروضةٌ علينا»، وإنّها «ثقافةُ المستقبل»، وإنّها «لا يمكن لرقيبٍ أن يمنعها».

والثّقافةُ الّتي تقابلها هي ثقافةُ الكلمة، أي الأدب. والخطابُ يقابل بينهما صراحةً: «لقد كان الأدبُ هو الّذي يقوم بتلك المهمّة طيلةَ القرون الماضية فكان هو مقياسَ ثقافات الأمم».

ثقافتان في ميزان الخطاب
الوجهثقافة الكلمة (الأدب)ثقافة الصّورة
الوسيلةالكتابُ والقراءةالكاميرا والتّلفزيون والقنوات الفضائيّة
الزّمن«طيلةَ القرون الماضية»«العصر الرّاهن» و«ثقافة المستقبل»
مَن تبلغهمن يقرأ ويملك لغةً ومستوىالجميع: «الصّغيرُ والكبير»، وحتّى «الأمّيّون»
حالها اليوم«بدأ ينحصر» و«لا يزال… في بعض الشّعوب»«أمستِ اليومَ علامةً على التّغيير الحديث»

⭐ ولاحِظْ أنّ الخطاب لم يقلْ إنّ الأدب مات: قال «بدأ ينحصر»، وقال «ولا يزال الأدبُ في بعض الشّعوب هو الأكثرَ شعبيّة». وهذا احتراسٌ في القول لا يُهمَل: صاحبُ الخطاب يَزِن ولا يبالغ.

⁦2⁩ — جاء في الخطاب «الصّورةُ تساوي ألفَ كلمة». علّقْ على هذه العبارة مبيّنًا كيف طغتِ الصّورةُ على الكلمة.

العبارةُ مثلٌ صينيّ، ذكره صاحبُ الخطاب لا ليُزيّن كلامَه، بل ليُقوّيَ رأيَه: هو يرى أنّ الصّورة سبقتِ الكلمةَ، فاستشهد بمثلٍ يقول ذلك في أربع كلمات.

ومعناها: ما تحتاج فيه إلى ألف كلمةٍ لتصفه، تُغنيك عنه صورةٌ واحدةٌ في لحظة. وهي مبالغةٌ مقصودة لا عدَدٌ يُحسَب: «ألف» هنا تعني الكثرةَ لا الرّقم.

وكيف طغتِ الصّورةُ على الكلمة؟ الخطابُ يعطي أربعةَ أسباب:
  • السّرعة: الصّورةُ تضع الإنسانَ «في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الحدث»، والكلمةُ تحتاج إلى وقتٍ ليُقرأ ويُفهَم.
  • سهولةُ البلوغ: «كسرتِ الصّورةُ حاجزَ التّلقّي لدى الأمّيّين» — الكلمةُ تحتاج إلى من يقرأ، والصّورةُ لا تحتاج.
  • سعةُ الانتشار: «لم يعُدْ ذلك حكرًا على الأغنياء» و«تتوفّر اليومَ أجهزةُ الاستقبال بأسعارٍ زهيدة».
  • قوّةُ الأثر في النّفس: «سماتٌ ساحرةٌ جذّابة»، و«إنّ لسِحر الصّورة مكانتَها المثيرةَ… في نفوس الآخرين».

⭐ وفي الخطاب قولٌ ثانٍ لا يقلّ قوّةً عن المثل الصّينيّ، وهو لأرسطو: «إنّ التّفكيرَ مستحيلٌ من دون صور». ولاحِظِ الفرقَ بينهما: المثلُ الصّينيّ يقيس قوّةَ الصّورة، وقولُ أرسطو يجعلها شرطًا للتّفكير نفسِه. الأوّلُ يمدح، والثّاني يؤسّس.

في سؤالٍ يقول «علّقْ على هذه العبارة»، لا تُعِدْ صياغتَها بكلماتك ثمّ تقف. المطلوب ثلاثةٌ: أن تشرح معناها، وأن تقول لماذا استشهد بها صاحبُ الخطاب في هذا الموضع، وأن تُبديَ رأيك فيها بجملةٍ واحدة.
⁦3⁩ — هل توافق الخطابَ في كون الصّورة مفروضةً على المجتمع؟ علّلْ إجابتك من خلال الخطاب ومن خلال واقعك الاجتماعيّ المَعيش.

سؤالُ رأيٍ، وجوابُه لك. لكنّ السّؤال يفرض عليك دليلَين لا دليلًا واحدًا: دليلًا من الخطاب ودليلًا من واقعك. ومن أجاب بواحدٍ منهما فقد أجاب نصفَ جواب.

أوّلًا — ماذا يقول الخطابُ نفسُه في هذا؟ ثلاثةُ ألفاظٍ حاسمة:
  • «مفروضةٌ علينا» — والفرضُ ضدُّ الاختيار.
  • «تقتحم بيوتَنا» — والاقتحامُ دخولٌ بلا إذن.
  • «وليس لنا سيطرةٌ عليها» — ثمّ يزيد: «لا يمكن لرقيبٍ أن يمنعها».

وأقوى حُجّةٍ عنده هي «التّنميط الثّقافيّ»: أن يُنتَج «نمطٌ ثقافيٌّ واحدٌ وفق إرادة المنتِج المهيمن». ⟸ فالمفروضُ عليك في رأيه ليس الجهازَ، بل ما يُعرَض عليه ومن يختاره.

ثانيًا — كيف تأخذ دليلَك من واقعك أنت
  1. اِختَرْ موقفًا واحدًا تعرفه من قرب: البرامج الّتي يشاهدها بيتُك، أو ما يظهر لك أوّلَ ما تفتح هاتفك.
  2. اسألْ: هل اخترتُه أم عُرِض عليّ؟ هذا هو السّؤال الّذي يقيس «الفرض» في واقعك.
  3. ثمّ اسألْ سؤالًا مضادًّا: أستطيع أن أُطفئ، وأستطيع أن أختار؛ فهل هذا فرضٌ حقًّا أم اختيارٌ سهل؟ الرّأيُ الّذي لم يواجه ضدَّه رأيٌ ضعيف.
  4. اِختِمْ بحكمٍ واحدٍ صريح: «أوافق/لا أوافق لأنّ…»، وضَعْ فيه دليلَك من الخطاب ودليلَك من واقعك معًا.
⁦4⁩ — ما إيجابيّاتُ القنوات الفضائيّة وما سلبيّاتها؟
وجها القنوات الفضائيّة كما جاءا في الخطاب
الإيجابيّاتالسّلبيّات
نشرُ الثّقافات كلِّها: «تنشر كلَّ الثّقافات»سيادةُ ثقافة الأقوى: «تبقى ثقافةُ الأقوى، المالكِ لهذه التّقنيّة والمتحكِّمِ بها»
تقريبُ الشّعوب: «قلّص من المسافات بين الشّعوب والمجموعات»التّنميطُ الثّقافيّ: «إنتاجُ نمطٍ ثقافيٍّ واحدٍ وفق إرادة المنتِج المهيمن»
تربيةُ الأفراد: «لعِبتْ دورًا في تربية الأفراد وتنميةِ قدراتهم ومداركهم ومعارفهم»إزاحةُ البرامج المحلّيّة: البرامجُ المعوْلَمة «لتحلَّ بديلًا عن البرامج المحلّيّة»
بلوغُ من لا يقرأ: «كسرتِ الصّورةُ حاجزَ التّلقّي لدى الأمّيّين»الهدفُ المُبطَّن: تتّخذ «التّسليةَ والمرحَ رسالةً لها كهدفٍ ظاهر، ولتمريرِ ثقافاتٍ… كهدفٍ مُبطَّن»
رخصُ الوسيلة: «أجهزةُ الاستقبال بأسعارٍ زهيدة»الأثرُ في الفئات الهشّة: «الفئات الّتي تعاني من النّسيان والتّهميش الاجتماعيّ»

⭐ والخطابُ يجمع الوجهين في جملةٍ واحدةٍ فاصلة: «تلعب ولعِبتْ دورًا أساسيًّا في تشكيل وعي الإنسان المعاصر بأشكالٍ إيجابيّةٍ حينًا وأشكالٍ سلبيّةٍ حينًا آخر». ⟸ فهو لا يُدين ولا يمدح: يقول إنّ الأثرَ كبيرٌ في الحالين، وأنّ الخطرَ في الغفلة لا في الجهاز.

⭐ وأدقُّ ما في الخطاب جملةٌ يسهل المرورُ عليها: «فالمجتمعاتُ جميعُها… هي الغازيةُ والمغزوّةُ في اللّحظة ذاتها». أي أنّ كلَّ مجتمعٍ يُرسِل ويستقبل معًا. وهذه الجملةُ تمنع الجوابَ السّهل الّذي يقسم العالمَ إلى ظالمٍ ومظلوم.

⁦5⁩ — هل توافق صاحبَ الخطاب فيما ذهب إليه؟ علّلْ.

سؤالُ رأيٍ، وأقوى جوابٍ فيه هو الّذي يميّز بين ما يوافق عليه وما يعترض عليه، لا الّذي يوافق على كلّ شيءٍ أو يرفض كلَّ شيء.

وإليك المواضعَ الّتي يُبنى عليها الحكم:
  • ما يصعب الاعتراضُ عليه: أنّ الصّورة صارت في كلّ بيت، وأنّها تبلغ من لا يقرأ. وهذه وقائعُ يشهد لها واقعُك.
  • ما يحتمل النّقاش: قولُه إنّها «مفروضةٌ» و«ليس لنا سيطرةٌ عليها». فللمتلقّي اختيارٌ ما: أن يُطفئ، وأن ينتقيَ، وأن يتعلّم كيف يقرأ الصّورة. والخطابُ نفسُه يفتح هذا الباب حين يقول عن النّخبة: «هي الّتي عليها أن ترسم وتخطّط».
  • ما يحتاج إلى تفصيل: قولُه «ثقافةُ الأقوى». فالأقوى تقنيًّا ليس هو الأقوى دائمًا أثرًا: قد ينتشر عملٌ محلّيٌّ فيبلغ العالم.

ثمّ اِختِمْ بموقفٍ واحدٍ صريح: «أوافقه في… وأخالفه في… لأنّ…». والجوابُ الّذي يقول «كلامُه صحيح» ويقف لا يُظهر أنّك فهمتَ الخطاب.

⛔ ولا تنسَ أنّ هذا خطابٌ حِجاجيّ: صاحبُه يريد أن يُقنِعك. ⟸ فمن حقّك أن تسأل عن حُجَجه: هل الشّاهدُ الّذي قدّمه يكفي؟ ومن أين له بها؟ الموافقةُ من غير فحصٍ ليست موافقةً، بل تصديقًا.

أحلِّل الخطاب وأحدِّد نمطه

سنستمع الآن إلى الخطاب جزءًا جزءًا. وفي كلّ جزءٍ نمطٌ مختلف، أو نمطان أحدُهما يخدم الآخر. أعِدِ الاستماعَ إلى المقطع المعنيّ وحدَه قبل أن تجيب، ثمّ افتحِ الإطارَ لتراجع.

الجزء الأوّل — «لقد كان الأدبُ… حكرًا على دولةٍ أو أمّة»

⁦1⁩ — وردت في هذا الجزء الأفعالُ الآتية: «كان يقوم — كان يعكس — بدأ ينحصر — لم يعُدْ». ما زمنُ هذه الأفعال؟

كلُّها في زمن الماضي، وإن اختلفتْ صياغتُها. وهذا موضعُ الفائدة في السّؤال: الماضي لا يأتي دائمًا بصيغةٍ واحدة.

أربعةُ أفعالٍ، وكلُّها ماضية
الفعلتركيبهزمنه
«كان يقوم»فعلٌ ماضٍ ناقص + مضارعماضٍ مستمرّ: عملٌ تكرّر في الماضي ودام
«كان يعكس»فعلٌ ماضٍ ناقص + مضارعماضٍ مستمرّ كذلك
«بدأ ينحصر»فعلُ شروعٍ ماضٍ + مضارعماضٍ يدلّ على ابتداء التّحوّل
«لم يعُدْ»«لم» جازمة + مضارع مجزومماضٍ منفيّ: انقطاعُ ما كان

⭐ ولاحِظْ ترتيبَها في الجزء: كان ⟸ بدأ ⟸ لم يعُدْ. ثلاثُ مراحلَ في ثلاثة أفعال: حالٌ دامت، ثمّ تحوّلٌ ابتدأ، ثمّ حالٌ انتهت. ⟸ هذا وحدَه سردٌ، وإن لم تُذكَرْ فيه قصّةٌ ولا شخصيّات.

⁦2⁩ — في هذا الجزء حدثان متتابعان، ما هما؟
  1. الحدث الأوّل: كان الأدبُ هو مقياسَ ثقافات الأمم، «طيلةَ القرون الماضية».
  2. الحدث الثّاني: اختُرِعتِ الصّورةُ المتحرّكة (السّينما والتّلفزيون)، ثمّ انتشرتِ القَمَراتُ الفضائيّة، فبدأ دورُ الأدب ينحصر ولم تعُدِ الصّورُ «حكرًا على دولةٍ أو أمّة».

وما الّذي يثبت أنّهما متتابعان لا متزامنَين؟ لفظٌ واحدٌ في النّصّ: «بعد اختراع الصّورة المتحرّكة»، ثمّ «خصوصًا بعد انتشار القَمَرات الفضائيّة». و«بعدَ» ظرفٌ لا يحتمل غيرَ التّتابع.

⭐ وهذا ما يسمّى في السّرد العُقدة: حالٌ مستقرّةٌ يقطعها حَدَثٌ جديد. غير أنّ بطلَ هذه القصّة ليس إنسانًا، بل وسيلةٌ للتّعبير.

⁦3⁩ — ما الضّمير المهيمن على هذا الجزء؟

ضميرُ الغائب، وهو مهيمنٌ ظاهرًا ومستترًا: «هو الّذي يقوم» · «فكان هو مقياسَ ثقافات الأمم» · «يعكس واقعَها وتاريخَها» · «ولكنّ هذا الدّورَ بدأ ينحصر».

وعلامَ يعود؟ على الأدب في أكثر مواضعه، وعلى الأمم في الهاءَين («واقعَها» و«تاريخَها»). ⟸ فليس في الجزء متكلّمٌ ولا مخاطَب: صاحبُ الخطاب يروي عن غيره، ولا يدخل هو في المشهد.

⭐ وهذه علامةٌ فارقة: حين يغيب المتكلّم والمخاطَب، غاب الحوارُ وغابت الحُجّة المباشرة، وبقي السّرد. وستراها تنقلب في الجزء الموالي حين يقول: «يمكن أن نستنتج».

⁦4⁩ — في هذا الجزء ظرفُ زمان، حدِّدْه.

«طيلةَ القرون الماضية» — وهو ظرفُ زمانٍ يدلّ على مدّةٍ طويلةٍ ممتدّة.

وفي الجزء معه ما يقوم مقامَ الظّرف:
  • «بعد اختراع الصّورة المتحرّكة» — ظرفُ زمانٍ مضاف.
  • «خصوصًا بعد انتشار القَمَرات الفضائيّة» — ظرفٌ ثانٍ يُحدِّد لحظةَ التّحوّل بدقّةٍ أكبر.

⭐ ووظيفتُها في السّرد أن تؤطّر الزّمن: القارئُ لا يقبل تحوّلًا لا يعرف متى وقع. فالظّرفُ يثبّت الحدثَ في مكانه من الزّمن كما يثبّت ظرفُ المكان المشهدَ في مكانه.

⁦5⁩ — استنتجْ نمطَ الخطاب في هذا الجزء.

نمطُه سرديّ. والأدلّةُ هي أجوبةُ الأسئلة الأربعة السّابقة مجموعةً: أفعالٌ ماضية، وحدثان متتابعان، وضميرُ غائبٍ مهيمن، وظروفُ زمان.

⭐ ولاحِظْ فائدةً تنفعك في كلّ خطاب: السّردُ ليس حكرًا على القصص. هنا سردٌ لا أبطالَ فيه ولا حوار، موضوعُه تاريخُ وسيلةٍ: كيف كان الأدبُ سيّدًا، وكيف حلّت الصّورةُ محلَّه.

أستنتج. هذا الجزءُ من الخطاب هو من نمط السّرد، ومن مؤشّراته: الأفعالُ الماضية · تتابعُ الأحداث · غَلَبَةُ ضمير الغائب · وجودُ ظروف الزّمان.

الجزء الثّاني — «من هذا الحديث يمكن أن نستنتج… في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الحدث»

⁦1⁩ — أعِدِ الاستماعَ. هل تغيّر نمطُ الخطاب؟ ولماذا؟

نعم، تغيّر. انتقل الخطابُ من السّرد إلى الحِجاج. ولم يتغيّر الموضوعُ، بل تغيّر قصدُ المتكلّم: كان يحكي فصار يُقنِع.

وأربعُ علاماتٍ تُنبِئ بالتّحوّل، تسمعها قبل أن تُحلِّل:
  • ضميرُ المتكلّم يحلّ محلَّ الغائب: «يمكن أن نستنتج» · «إنّنا نعيش».
  • أداةُ الاستنتاج في أوّل الجزء: «من هذا الحديث يمكن أن نستنتج» — أي: ممّا سبق أستخلص حُكمًا.
  • دخولُ أدوات التّوكيد: «إنّ ثقافةَ الصّورة أمستْ…» · «حقًّا إنّ الصّورةَ ليست وليدةَ اليوم».
  • الاستشهادُ بأقوال الغير: المثلُ الصّينيّ، ورأيُ رولان بارت. ولا يُستشهَد إلّا لتقوية رأي.

⟸ ولماذا تغيّر؟ لأنّ السّردَ في الجزء الأوّل كان تمهيدًا: عرَض الوقائعَ أوّلًا (كان الأدب… ثمّ جاءت الصّورة)، ليبنيَ عليها في الجزء الثّاني حُكمَه (أهمّيّةُ الصّورة اليوم). مَن يريد أن يُقنِع، يبدأ بما لا يُختلَف فيه.

⁦2⁩ — تأمّلْ هذا التّقطيع للجزء، ثمّ علّقْ على هذه الهيكلة واستنتجْ نمطَ المقطع.
وجهةُ النّظر — الرّأي — الموقف
وجهة النّظر
يمكن أن نستنتج أهمّيّةَ الصّورة في العصر الرّاهن قياسًا بالأدب
الحُجَج
شواهد واقعيّةأقوال داعمة
فالحياةُ المعاصرة لا يمكن تصوّرُها من دون صورجاء في المثل الصّينيّ: «الصّورةُ تساوي ألفَ كلمة»
لقد جعلتِ الصّورةُ بشكلها في القنوات الفضائيّة الإنسانَ في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الحدثرأيُ النّاقد الفرنسيّ «رولان بارت»: «إنّنا نعيش في حضارة الصّورة»

التّعليق على الهيكلة: الجزءُ مبنيٌّ على طابقين — طابقٌ يحمل الرّأي، وطابقٌ يحمل ما يُسنِده. والرّأيُ جملةٌ واحدة، والحُجَجُ أربع. ⟸ وهذه هي صورةُ الحِجاج: قليلٌ من الدّعوى، وكثيرٌ من الدّليل.

ولاحِظْ صنفَي الحُجّة: الشّاهدُ الواقعيّ يقول «انظرْ حولك»، والقولُ الدّاعم يقول «ولستُ وحدي أقول هذا». الأوّلُ يخاطب تجربتَك، والثّاني يخاطب ثقتَك بمن هو أعلمُ منك.

⭐ وفائدةٌ تنفعك حين تكتب أنت: صاحبُ الخطاب قابَل بين شاهدٍ وقولٍ في كلّ سطر. لم يجمعْ ثلاثةَ أقوالٍ ثمّ ثلاثةَ شواهد، بل نوّع. والحُجَجُ المتنوّعة أقوى من الحُجَج المتشابهة ولو كثُرتْ.

أستنتج. من بين مؤشّرات بناء النّمط الحِجاجيّ قيامُه على: ① عرضِ وجهة النّظر · ② تقديمِ الحُجَج (شواهدَ واقعيّةً وأقوالًا داعمة).
⁦3⁩ — حدِّدِ البناءَ الفكريّ للجزءين ونمطَ كلٍّ منهما، ثمّ بيّنْ سببَ اعتماد الفقرة الأولى على النّمط الأوّل والثّانية على النّمط الثّاني.
البناء الفكريّ للجزءين
الفقرةالمضمونالنّمطمؤشّرات النّمط
«لقد كان الأدبُ… حكرًا على دولةٍ أو أمّة»تحوُّلُ وسيلة الثّقافة من الأدب إلى الصّورة عبر الزّمنسرديّأفعالٌ ماضية (كان يقوم · بدأ ينحصر · لم يعُدْ) · حدثان متتابعان · ضميرُ الغائب · ظروفُ الزّمان (طيلةَ القرون الماضية · بعد اختراع…)
«من هذا الحديث يمكن أن نستنتج… في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الحدث»الحكمُ بأهمّيّة الصّورة اليومَ قياسًا بالأدب، وتدعيمُهحِجاجيّعرضُ وجهة النّظر ثمّ الحُجَج · أدواتُ الاستنتاج (من هذا الحديث · يمكن أن نستنتج) · أدواتُ التّوكيد (إنّ · حقًّا) · الاستشهادُ بالأقوال (المثل الصّينيّ · رولان بارت) · ضميرُ المتكلّم

ولمَ الفقرةُ الأولى سرديّة؟ لأنّ موضوعَها تحوّلٌ وقع في الزّمن، ولا يُروى التّحوّلُ إلّا بالسّرد: كان، ثمّ بدأ، ثمّ لم يعُدْ. ولو أراد صاحبُ الخطاب أن يحاجَّ في هذا الموضع لَما وجد ما يحاجّ فيه: الوقائعُ لا يُحتجّ عليها، بل يُحتجّ بها.

ولمَ الفقرةُ الثّانية حِجاجيّة؟ لأنّ موضوعَها حُكمٌ يقبل الخلاف: «أهمّيّةُ الصّورة في العصر الرّاهن قياسًا بالأدب». وهذا رأيٌ لا واقعة، فقد يخالفه قارئٌ يرى الأدبَ أبقى. ⟸ وما كان مَظِنّةَ الخلاف يحتاج إلى دليل.

⭐ والعلاقةُ بين النّمطين هي جوهر هذا الدّرس: السّردُ في الفقرة الأولى خادمٌ، يمهّد ويُقدِّم الوقائع؛ والحِجاجُ في الثّانية غالبٌ، يبني عليها الحُكم. ⟸ فلا تقلْ «الخطابُ سرديّ» لأنّك سمعتَ أفعالًا ماضية: اسألْ عن قصد صاحبه، فالقصدُ هو الّذي يسمّي النّمط الغالب.

الجزء الثّالث — «إنّ ثقافةَ الصّورة… وينتبه لها»

⁦1⁩ — كم نمطًا وُظِّف في هذا الجزء؟ واستمعْ إلى الفقرة الأولى منه وبيّنِ النّمط الموظَّف فيها، مستعينًا بالجدول.

نمطٌ واحدٌ غالبٌ على الجزء كلِّه: التّفسيريّ، وقد جاء بطريقتين مختلفتين، واحدةٍ في كلّ فقرة. والغرضُ من هذا الجزء ليس الإقناعَ بل الإفهامَ: أن تعرف ما «ثقافةُ الصّورة» وما «التّنميطُ الثّقافيّ».

الفقرة الأولى — الطّريقة الأولى: طرحُ الفكرة ثمّ شرحُها وتحليلُها
جُمَل الفقرةالمعطيات
إنّ ثقافةَ الصّورة هي ثقافةٌ مفروضةٌ عليناالفكرة
تقتحم بيوتَنا وتؤثّر على ثقافتنا وأفكارنا وليس لنا سيطرةٌ عليهاشرحٌ وتحليل
فهي قابلةٌ للتّكرارشرحٌ وتحليل
يحدث نوعٌ من الأهمّيّة والتّأثير، ومن ثمّ التّفاعلشرحٌ وتحليل

كيف بُنيت الفقرة؟ بُنيت على هرمٍ مقلوب: جملةٌ واحدةٌ في الأعلى تحمل الفكرة، وتحتها ثلاثُ جُملٍ تشرحها. ولاحِظْ أنّ كلَّ جملةٍ تشرح ما قبلها لا الفكرةَ وحدَها: مفروضةٌ ⟸ لأنّها تقتحم ⟸ لأنّها تتكرّر ⟸ فيحدث التّفاعل. سلسلةٌ من الشّرح لا كومةٌ منه.

الفقرة الأولى (تتمّة) — التّنميط الثّقافيّ
مقاطع الفقرةطريقة العرضالنّمط
يعمل العديدُ من البرامج الثّقافيّة على التّنميط الثّقافيّطرحُ الفكرة (المصطلح)تفسيريّ
يعني إنتاجَ نمطٍ ثقافيٍّ واحدٍ وفق إرادة المنتِج المهيمن بالتّعاون مع المخرِج والمعِدّ…الشّرحُ بالتّعريف — لاحِظِ الأداة «يعني»تفسيريّ
يكون ذلك عبر احتكار وسائل الاتّصال والسّيطرة المختلفة كالتّقنيّة والمعلوماتيّةالتّحليلُ ببيان الوسيلة — لاحِظِ الأداة «عبر» وأداةَ التّمثيل «كـ»تفسيريّ

⭐ وهذه أوضحُ علامةٍ على النّمط التّفسيريّ: أداةُ التّعريف «يعني». حين يقف الكاتبُ ليشرح مصطلحًا استعمله، فهو يخاطب من لا يعرف، لا من يخالف. ⟸ التّفسيرُ يخاطب الجهلَ، والحِجاجُ يخاطب الخلاف.

أستنتج. يعتمد النّمط التّفسيريّ على طرقٍ متعدّدةٍ لإيصال الخطاب إلى المستمع؛ من ذلك طرحُ الفكرة وإتباعُها بالشّرح والتّحليل.
⁦2⁩ — إليك الفقرة الثّانية مهيكلةً في هذا الجدول: كيف بُنيت الفقرة؟ فما نمطُها؟
الفقرة الثّانية — الطّريقة الثّانية: طرحُ الفكرة ثمّ تعليلُها
جُمَل الفقرةالمعطيات
ويتطلّب الانتباهَ إلى ذلك ومتابعةَ أثرِها على ثقافة المجتمع والمتلقّيالفكرة
فالعديدُ من البرامج… ممكنٌ أن تكون ذاتَ تأثيرٍ ثقافيٍّ كبيرتعليلُها
فتحتاج إلى من يأخذ بيدها وينتبه لهاتعليلُها

كيف بُنيت؟ بُنيت على دعوةٍ ثمّ سببِها: الفكرةُ أمرٌ («يتطلّب الانتباهَ»)، وما بعدها جوابٌ عن سؤالٍ واحد — ولمَ ننتبه؟

والأداةُ الّتي تكشف البناءَ هي الفاء: «فـالعديدُ من البرامج…» و«فـتحتاج إلى من يأخذ بيدها». فاءُ التّعليل مرّتين. ⟸ ونمطُها تفسيريّ، لكنّه تفسيرٌ بطريقةٍ ثانية: لا شرحَ للفكرة، بل بيانٌ لصحّتها.

⭐ والفرقُ بين الطّريقتين دقيقٌ ويستحقّ أن تحفظه: الشّرحُ يجيب عن «ما معنى ذلك؟»، والتّعليلُ يجيب عن «ولمَ هو كذلك؟». وكلاهما تفسيرٌ ما دام القصدُ الإفهامَ لا الإقناع.

أستنتج. من بين تقنيّات النّمط التّفسيريّ: طرحُ الفكرة وإتباعُها بتعليل صحّتها.

الجزء الرّابع — «معظمُ ثقافات الأمم باتت تواجه اليومَ… حينًا آخر»

⁦1⁩ — قارِنْ بين القطعة الممتدّة من بداية الفقرة إلى «…لهذه التّقنيّة والمتحكِّم بها» وبين بقيّة الفقرة: أيٌّ منهما تعرض فكرةَ صاحب الخطاب؟ وأيٌّ تعرض تعليلَ الفكرة؟ وما نمطُ كلٍّ منهما؟
قطعتان في فقرةٍ واحدة
القطعةدورهانمطها
«إنّ ثقافةَ الصّورة هي ثقافةُ المستقبل… ولكن تبقى ثقافةُ الأقوى، المالكِ لهذه التّقنيّة والمتحكِّمِ بها»تعرض الفكرة — حُكمٌ عامّ على ثقافة الصّورةتفسيريّ (طرحُ الفكرة)
«ومعظمُ ثقافات الأمم باتت تواجه اليومَ اقتحامَ البرامج المعوْلَمة… وأشكالٍ سلبيّةٍ حينًا آخر»تعرض تعليلَ الفكرة — كيف صارت ثقافةُ الأقوى غالبةً بالفعلسرديّ في تركيبه

ولمَ قلنا إنّ القطعة الثّانية سرديّةٌ في تركيبها؟ انظرْ في أفعالها: «باتت تواجه» · «لتحلَّ بديلًا» · «لتأتيَ» · «لعِبتْ» · «تلعب ولعِبتْ». أفعالٌ تتابعتْ، ماضيةً («باتت»، «لعِبتْ») ومضارعةً («لتحلَّ»، «لتأتيَ»، «تلعب»)، وحركةٌ تجري في الزّمن: برامجُ تأتي من الخارج فتحلّ محلَّ برامجَ محلّيّة.

⟸ والفائدةُ هي هذه: نمطُ القطعة الثّانية سرديّ، لكنّه جاء ليعلّل حُكمًا. فلم يُقصَد به أن يحكي، بل أن يُثبِت. ⟸ وبالتّالي شكّلا معًا نصًّا تفسيريًّا.

⭐ وهذا هو الدّرسُ الّذي لا يُؤخَذ إلّا من خطابٍ طويل: النّمطُ لا يُعرَف من صيغة الأفعال وحدَها، بل من الوظيفة. الفعلُ الماضي علامةُ سرد؛ فإذا وُضِع تحت فكرةٍ ليُثبتها، صار السّردُ خادمًا للتّفسير.

أستنتج. قد يتخلّل النّمطُ السّرديُّ النّمطَ التّفسيريَّ، فيكون الأوّل خادمًا والثّاني غالبًا.

الجزء الخامس — «إنّ ثقافةَ الصّورة وتأثيراتِها… التّكوين النّفسيّ والعقليّ للمجتمع»

⁦1⁩ — يطرح صاحبُ الخطاب رأيًا بقوله «إنّ ثقافةَ الصّورة وتأثيراتِها دخلتْ كلَّ مجالات الحياة البشريّة»، فماذا يعرض في بقيّة الفقرة؟ وما نمطُها؟ وما علاقةُ السّرد فيها بالحِجاج؟

يعرض في بقيّة الفقرة حُجَجَه: أربعةَ تعليلاتٍ لرأيه، يُتبِع ثلاثةً منها بنتيجتها. ⟸ فالفقرةُ حِجاجيّةٌ في بنائها، وفيها سردٌ يخدم الحِجاج.

🔍تحليل الفقرة جملةً جملة
رقمالجملةتحليل الفقرةتحليل الخطابالنّمط
⁦1⁩إنّ ثقافةَ الصّورة وتأثيراتِها دخلتْ كلَّ مجالات الحياة البشريّةعرضُ الرّأيرأي—
⁦2⁩فقد كسرتِ الصّورةُ حاجزَ التّلقّي لدى الأمّيّين وأصبح بإمكانهم مشاهدةُ ومتابعةُ ما تعرضه الفضائيّاتتعليل ⁦1⁩حُجّةسرد
⁦3⁩ولم يعُدْ ذلك حكرًا على الأغنياءنتيجةُ التّعليل ⁦1⁩حُجّةسرد
⁦4⁩بل تتوفّر اليومَ أجهزةُ الاستقبال وبأسعارٍ زهيدةٍ بإمكان معظم النّاس اقتناؤهاتعليل ⁦2⁩حُجّة—
⁦5⁩كما يشاهد الفضائيّاتِ الصّغيرُ والكبيرتعليل ⁦3⁩حُجّة—
⁦6⁩ممّا يعني سعةَ تأثيرهانتيجةُ التّعليل ⁦3⁩حُجّة—
⁦7⁩فاليومَ لا يحتاج المتلقّي إلى معرفة اللّغة أو امتلاكِه مستوى وعيٍ ثقافيٍّ معيّنٍ لمتابعة الموادّ عبر التّلفزيونتعليل ⁦4⁩حُجّةسرد
⁦8⁩فقد راح عصرُ النّخبة، رغم أنّها لم تفقدْ دورَها القياديّ، فهي الّتي عليها أن ترسم وتخطّط، وبدون ذلك سنفقد البوصلةنتيجةُ التّعليل ⁦4⁩حُجّةسرد
الخلاصة——حِجاجيّسرديّ

والقصدُ من الخطاب في هذه الفقرة: تأكيدُ تعميم تأثير ثقافة الصّورة في كلّ فئات المجتمع — الأمّيّ والمتعلّم، والفقير والغنيّ، والصّغير والكبير.

وثلاثُ ملاحظاتٍ على بناء الفقرة:
  • أغلبُ التّعليلات تُتبَع بنتيجتها (الأوّل والثّالث والرّابع)، ويُتبَع الثّاني بتعليلٍ آخر يقوّيه. وهذا ما يجعل الحُجّةَ مسموعةً: دليلٌ ثمّ ما يترتّب عليه.
  • أدواتُ الرّبط كلُّها أدواتُ حِجاج: «فقد» · «بل» · «كما» · «ممّا يعني» · «رغم أنّ». اسمعْها وأنت تستمع، فهي تدلّك على النّمط قبل أن تحلّل.
  • الجملةُ الأخيرة تُحدِث انعطافًا: «رغم أنّها لم تفقدْ دورَها القياديّ». ⟸ صاحبُ الخطاب يستدرك على نفسه لئلّا يُفهَم منه أنّ النّخبة زالت. والاستدراكُ علامةُ حِجاجٍ ناضج.

فما علاقةُ السّرد بالحِجاج هنا؟ الجُملُ ⁦2⁩ و⁦3⁩ و⁦7⁩ و⁦8⁩ سرديّةٌ في تركيبها: أفعالٌ ماضية («كسرتْ» · «أصبح» · «لم يعُدْ» · «راح»)، ومضارعٌ يقابل اليومَ بالأمس («فاليومَ لا يحتاج»)، وتحوّلٌ يجري في الزّمن. لكنّها ليست حكايةً: كلُّ واحدةٍ منها دليلٌ على الرّأي المطروح في الجملة الأولى. ⟸ السّردُ خادمٌ، والحِجاجُ غالب — وهي القاعدةُ نفسُها الّتي رأيتها في الجزء الرّابع، لكنّ الغالبَ هناك كان التّفسير وهنا الحِجاج.

⭐ وطبّقِ التّحليلَ نفسَه بنفسك على الفقرة الموالية — «إنّ الحديثَ عن القنوات الفضائيّة… في صميم التّكوين النّفسيّ والعقليّ للمجتمع». اِتبعْ أربعَ خطوات: ① ضَعْ بناءً فكريًّا للفقرة ② حدِّدِ النّمطين ③ بيّنِ العلاقة بينهما ④ بيّنِ القصدَ من استعمالهما. ⟸ وستجد الرّأيَ في أوّلها («الانعكاسات السّلبيّة»)، ثمّ استدراكًا يقلب الاتّجاه («وكثيرًا ما ننسى أنّ هذه الثّورة قد شجّعت…»).

أتدرّب على الإنتاج الشّفويّ

🎤 أعِدْ بناءَ الخطاب بصوتك. استمعْ إليه مرّةً أخيرة وأنت تعرف أنماطَه، ثمّ تكلّمْ دقيقتين — إلى نفسك أو مسجِّلًا صوتك — على هذا التّرتيب: ① لخِّصْ فكرتَه في جملةٍ واحدة. ② حدِّدِ العناصر الّتي جاء بها في التّحليل والتّعليل. ③ حدِّدِ الأنماط الّتي استعملها، وقُلْ أيُّها الغالب. ④ ثمّ اعرضْ موقفَك: مؤيِّدًا أو معارضًا، مع تعليله.
🎤 وتدريبٌ ثانٍ: كلمةٌ عن وسيلةٍ إعلاميّةٍ لا أفضِّلها. رتّبْ كلمتك في ثلاث خطوات كما رتّبها الخطاب: ① أُعرِّفُ الوسيلة ② أذكرُ تاريخَ اختراعها وتطوّرِها ③ أُبيّنُ سببَ عدم تفضيلي لها. ⭐ ثمّ تدرّبْ على التّعقيب: خُذْ رأيًا مخالفًا لرأيك — تقرؤه أو تسمعه — و① لخِّصْه بأمانة ② بيّنْ تأييدك أو عدم تأييدك ③ علّلْ موقفك. ⛔ ولا تُعقِّبْ على رأيٍ قبل أن تُحسِن تلخيصَه: من لخّص خصمَه تلخيصًا ناقصًا لم يُجِبْه، بل أجاب نفسَه.
🎓 نحو شهادة التّعليم المتوسّط. سؤالُ النّمط في النّصوص الفكريّة يأتي في صيغتين: «ما النّمط الغالب؟» أو «ما الأنماط الّتي وظّفها الكاتب وما العلاقة بينها؟». والثّانيةُ هي الّتي يسقط فيها أكثرُ التّلاميذ. ثلاثةُ مفاتيحَ تخرجك من السّؤال في سطر: التّفسيريّ ⟸ فكرةٌ ثمّ شرحٌ أو تعليل، وأدواتُه: يعني · أي · لأنّ · فـ · كـ (التّمثيل) · الحِجاجيّ ⟸ رأيٌ ثمّ حُجَج، وأدواتُه: إنّ · بل · لكنّ · رغم أنّ · ممّا يعني · الاستشهادُ بالأقوال · السّرديّ ⟸ فعلٌ ماضٍ وتتابعُ أحداثٍ وظروفُ زمان. ⛔ والخطأ الأكثر تكرارًا: أن يرى التّلميذ أفعالًا ماضيةً فيقول «النّصّ سرديّ». اسألْ عن القصد أوّلًا: إن كان يحكي فهو سرد، وإن كان يُفهِم فهو تفسير، وإن كان يُقنِع فهو حِجاج. ⟸ ثمّ قُلِ الغالبَ ثمّ الخادمَ، كما رأيتَ في هذا الدّرس: سردٌ يخدم تفسيرًا، وسردٌ يخدم حِجاجًا.
خلاصة الدّرس. «ثقافة الصّورة» خطابٌ منطوقٌ لصلاح عبد الحميد، غالبُه حِجاجيٌّ تفسيريّ، يقول إنّ الصّورة أخذت مكانَ الكلمة، وإنّها «ثقافةٌ مفروضةٌ علينا» تبلغ الجميع — الأمّيَّ والمتعلّم، والفقيرَ والغنيّ — وإنّ خطرَها في التّنميط: أن يُنتَج نمطٌ ثقافيٌّ واحدٌ وفق إرادة من يملك التّقنيّة. وقد تعلّمتَ فيه أنّ الخطابَ الواحد يجمع ثلاثةَ أنماط: سردًا يحكي كيف انحسر الأدبُ وجاءت الصّورة، وتفسيرًا يشرح المصطلحاتِ ويعلّل الأفكار، وحِجاجًا يعرض الرّأيَ ويُتبِعه بشواهدَ واقعيّةٍ وأقوالٍ داعمة. والنّمطُ لا يُعرَف من صيغة الفعل، بل من قصد صاحبه. ⭐ وقد تدرّبتَ هنا على كفاءةٍ لا تُتقَن بالقراءة: أن تفهم بأذنك. وفي الخطاب المسموع ما لا يُكتَب — نبرةُ الصّوت حين يقول «مفروضةٌ علينا» ليست نبرتَه حين يقول «تنشر كلَّ الثّقافات». أعِدِ الاستماعَ مرّةً أخيرة وأنت تعرف أنماطَه؛ ستسمع ما لم تسمعْه في المرّة الأولى.

Page 1/4

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net