الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الذاكرة والخيال
طبيعة الذاكرة
- عرض التفسير العضوي للذاكرة وبيان ما يستند إليه من مخازن ومنبّهات
- عرض التفسير الشعوري للذاكرة وبيان ما يضيفه على التفسير العضوي
- التمييز بين الذاكرة والعادة في المثال الواحد
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في كلّ من التفسيرين
- تعريف الذاكرة والتذكّر، والفرق بين الذاكرة والعادة
- أنواع الذاكرة الثلاثة: الحسّية والعقلية والانفعالية
- الفرق بين التفسير المادّي والتفسير النفسي لظاهرة واحدة
مقدمة : طرح المشكلة
لم يتّفق العلماء على تفسير واحد لعملية التذكّر، من حيث إنّه عملية يتداخل فيها ما هو عضوي جسمي بما هو نفسي ؛ فضلا عن أنّ هناك صعوبة كبيرة في تذكّر الأحداث الماضية البعيدة نسبيا، وصعوبة في ربط الذكريات بعضها ببعض ربطا يساعد على بناء الماضي. وبهذا يكون التذكّر جهدا فكريا تتدخّل فيه العضوية والإرادة وكلّ الفاعليات النفسية الأخرى. ومن هنا ينقسم النظر في طبيعة الذاكرة إلى وجهتين: وجهة تردّها إلى الجهاز الذي يحفظ ويسترجع، ووجهة تردّها إلى الذات التي تحيا ماضيها في حاضرها ؛ والسؤال ليس أيّهما أصدق، بل ما الذي يفسّره كلّ منهما، وما الذي يتركه للآخر.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
تتوقّف سيارة أحدهم فجأة في أحد الشوارع المكتظّة ؛ يدير مفتاح المحرّك فيأبى المحرّك أن يدور، ثمّ يكرّر المحاولة ثانية وثالثة ورابعة… ولكن عبثا تحاول السيارة الانطلاق، والبطارية تكاد تنضب، والسيارات الأخرى تزعجه بمنبّهاتها الحادّة. فماذا يمكنه أن يفعل لحلّ هذه المشكلة ؟ إنّه ليس خبيرا في الميكانيك ؛ ولكن بعد دقائق يتذكّر أنّ الأمر قد يتعلّق بالشمعات، لأنّه عاش المشكلة نفسها من قبل: إذن يمكن أن تكون الشرارة الكهربائية المنبعثة عن الشمعات ضعيفة جدّا. ومن حسن حظّه أنّ الشمعات الجديدة محفوظة معه في الصندوق الأمامي للسيارة. فماذا نلاحظ من خلال هذه الحادثة ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الإدراك والذكاء وحدهما لم يجديا نفعا : فمعطيات اللحظة الراهنة — المحرّك، والبطارية، والزحام — لم تكن كافية لحلّ المشكلة، وكان من الضروري الرجوع إلى خبرات الماضي للاستعانة بها.
- والماضي المسترجَع ليس ماضيا مجرّدا : إنّه ماضي المدرِك نفسه ؛ فإذا تذكّر أمرا من الأمور وجد نفسه فيه، ووجده في ماضيه، ورأى بعده الزماني وبعده المكاني، وتتابع أدواره.
- والاسترجاع ليس نسخا للصورة الأولى : فهو حين يستعيد تلك الحالة الشعورية التي صاحبته وهو يخوض التجربة لأوّل مرّة، يدرك أنّه لا يستعيد الماضي على شاكلة الصورة الأولى الآلية، بل إنّه يحيا الماضي في الحاضر ؛ إنّها ذكرى حادثة نفسية واحدة لا تتكرّر، بل إنّ التكرار قد يضعف حيويتها.
I – كيف يمكن اعتبار التذكر استعادة لما هو ماضٍ من أجل إعادة بناء ما هو راهن ؟
أولا : من الفعالية العضوية إلى الفعالية الشعورية
إنّ الخلاف في طبيعة الذاكرة ليس خلافا بين علم وفلسفة، بل بين مستويين من التفسير لظاهرة واحدة: مستوى يسأل «بأيّ جهاز يتمّ الحفظ والاسترجاع ؟»، ومستوى يسأل «مَن الذي يتذكّر، وكيف يعود إليه ماضيه ؟». ولهذا نبدأ بما يقوله المدافعون عن التفسير العضوي، ثمّ ننظر فيما لا يبلغه هذا التفسير.
1 ـ الخصائص العضوية للتذكر
إنّ تفسير عمليات تثبيت الذكريات واسترجاعها الذي يدافع عنه الفيزيولوجيون والماديون بشكل عامّ يتمثّل في أنّ هناك أجهزة عضوية للذاكرة تُخزَّن فيها الحوادث التي تمّ إدراكها ؛ ومن ثمّ فهي بحاجة إلى وسائل للتخزين والحفظ على مستوى الدماغ من جهة، وإلى وسائل لاسترجاع المعلومات أو إخراجها من الذاكرة على المستوى نفسه من جهة أخرى. ولذلك يتحدّث العلماء الماديون عن آثار الذاكرة المنقوشة على سطح المخّ، رغم اختلافهم فيما يتعلّق بشكلها.
- الذاكرة الحسّية، أو المخزن الحسّي : تتلقّى المعلومات عن طريق الحواسّ فتحفظها بسرعة، لكنّها تكون عرضة للنسيان بسهولة ؛ وهي شبيهة بالصورة التي تبقى في المخيّلة بعد النظر إليها.
- الذاكرة قصيرة المدى : وإليها تُنقل المعلومة بالانتباه والتركيز لمدّة قصيرة لتدخل مجال الوعي ؛ فنحن نعي الأفكار والحوادث لفترة ما ولكن لا يبقى منها إلاّ القليل الذي حُفظ أو كُرّر.
- الذاكرة طويلة المدى : وإليها تُنقل المعلومة إذا تعاملنا معها بعمق وتأمّلناها جيّدا وربطنا بينها وبين أفكار أخرى موجودة في الذاكرة، أو كرّرناها ؛ وهناك تُنقش في منطقة مخصّصة للذكريات. والاتّصال بين المخزنين في الاتّجاهين: فيمكن نقل ما هو في المخزن الطويل إلى المخزن القصير.
- والمنبّهات هي مفاتيح الاسترجاع : فالمنبّه ينشّط دوائر المخّ العضوية التي تخزَّن فيها الذكريات، وهو يكون أحيانا كلمة، أو إشارة، أو فكرة، أو مكانا، أو صورة. وعلى هذا الأساس العضوي ينصح بعض العلماء التلاميذ أن يخلقوا لأنفسهم منبّهات للاسترجاع بتنظيم المادّة في مخطّطات أو حفظها تحت عناوين.
المعلومات التي نتلقّاها، عندما نفكّر فيها للحظة، تُحفظ في الذاكرة ذات المدى القصير لمدّة قصيرة، وبالتالي فهي عرضة للنسيان ؛ لكنّنا لو تعاملنا معها بعمق وتأمّلناها جيّدا وربطنا بين الأفكار — وحتّى الألفاظ — بأخرى موجودة في الذاكرة، أو قمنا بتكرارها، فإنّها تُنقل إلى المخزن ذي المدى الطويل. ليندال دافيدوف، مدخل إلى علم النفس، ترجمة مجموعة من الأساتذة، دار ماكجروهيل للنشر، ط 2، ص 333 و ص 372
يعتقد ريبو أنّه يمكن زرع الذكريات في منطقة مخصّصة من دماغ الإنسان ؛ فالذاكرة عنده ظاهرة يفسّرها موضعُها من الجهاز العصبي وحالتُه، ولذلك أمكن أن تُدرس أمراضها كما تُدرس أمراض الأعضاء. ريبو (1839 – 1916) فيلسوف وعالم نفس فرنسي ساهم بأبحاثه في تطوّر علم النفس التجريبي وعلم النفس العيادي ؛ درّس في السوربون ومعهد فرنسا، وأسّس المجلّة الفلسفية في 1876، ومن مؤلّفاته: علم نفس الإحساسات، وأمراض الذاكرة، وأمراض الإرادة
2 ـ الخصائص الشعورية للتذكر
إنّ الاستعانة بخبرات الماضي في حلّ مشكلة من مشكلات الحاضر يعجز عن حلّها الذكاء تسمّى عملية إعادة بناء حالة شعورية ماضية ؛ وهذه الحالة الشعورية هي التي تسمح بالتعرّف على مكوّنات الذاكرة، إذ فيها استبعادٌ لآثار العادة، وبيانٌ للدور الكبير الذي يلعبه الشعور في عملية التذكّر. فصاحب السيارة لم يستخرج «ملفّا» محفوظا، بل عاد إليه موقفٌ بأكمله: عجزُه يومها، وما جرّبه، وما انتهى إليه ؛ ولذلك كانت الذكرى حادثة نفسية واحدة لا تتكرّر.
- الذاكرة فعل واعٍ، والعادة فعل آليّ : فالعادة تُكتسب بالتكرار وتُؤدّى بغير شعور، أمّا الذاكرة ففعل حاضر يتعلّق بالماضي، يتميّز بطابعه الواعي، ويمارس تأثيرا على العادة والتداعي والإدراك.
- والذكرى تُحيا ولا تُستنسخ : فالإنسان لا يستعيد الماضي على شاكلة الصورة الأولى الآلية، بل يحيا الماضي في الحاضر ؛ وهذه هي ذاكرة الصور النفسية التي تعيش الماضي وتستحضره.
- والتكرار قد يضعف الذكرى بدل أن يقوّيها : وهو عكس ما يحدث في العادة تماما ؛ فما يشتدّ بالتكرار عادةٌ حركية، وما يخفت به ذكرى شعورية. وهذا الفرق وحده يمنع ردّ الذاكرة إلى العادة.
- والشعور بالزمن ثمرة هذه التجربة : فمن خلال تجربة التذكّر نتمكّن من الشعور بالزمن، الذي هو في الواقع شعور يتمّ في النفس، ما دام الماضي لا يتجلّى فيه إلاّ من خلال الأحوال النفسية الراهنة دائما.
الاسترجاع ينتج عن المخروط الذي يحوي الذكريات المحفوظة في الأنا العميق، والتي لا يصل منها إلى ساحة الشعور إلاّ التي لها دخل في النشاط الراهن. فليست الذكرى هي التي تُبحث عنها في مكانٍ ما، بل هي التي تنزل إلى الشعور بمقدار ما يطلبها الحاضر ؛ وأمّا الفاعلية العضوية فتوضّح لنا الجانب المادّي في آلية الذاكرة فقط، وهذه الآلية ليست إلاّ أداة ناقلة تُسند إليها مهمّة تجميع الحركات وتحويلها إلى خبرات معيّنة. هنري برغسون (1859 – 1941) فيلسوف فرنسي مؤسّس المذهب الحدسي الحيوي ؛ كان عضوا في الأكاديمية الفرنسية ومدرّسا في معهد فرنسا، ونال جائزة نوبل في الآداب عام 1927، ومن مؤلّفاته: المعطيات المباشرة للوعي، والمادّة والذاكرة، والتطوّر الخالق
إذا أراد الممثّل أن يقوم بدوره على خشبة المسرح بنجاح، فعليه أن يتدرّب ويحفظ الدور الموكل إليه، مبتدئا بتقسيمه إلى أجزاء، ثمّ تكرار كلّ جزء وحده عدّة مرّات حتّى يتمكّن من حفظه ؛ وكلّما أعاد تكراره تحسّن حفظه له حتّى يصبح قادرا على أداء ذلك الجزء بدون أخطاء، ثمّ الدور ككلّ. وهذا النوع من تثبيت الذكريات واسترجاعها شبيه بالعادة الحركية، كما تُكتسب أيّة عادة حركية مثل تعلّم الضرب على الآلة الكاتبة ؛ ولذلك كان مثالا يُظهر بالمقابل ما ليس منه: فاسترجاع صاحب السيارة لخبرته لم يُكتسب بالتكرار، ولم يُؤدَّ بغير شعور.
3 ـ تعقيب : ما الذي يفسّره كلّ تفسير
إنّ الذاكرة، بوصفها حفظ الذات لتفاعلها مع العالم الخارجي، يمكن تحديد طبيعتها بعوامل تكوينها ؛ ومنها العوامل العضوية التي تحدّد دور الجسم والجملة العصبية، وهذا يقتضي البحث في طبيعة الدماغ ودوره في عملية التصوّر. غير أنّ من علماء النفس والفيزيولوجيا من يقرّ بالتمايز بين أنواع للذاكرة انطلاقا من طبيعة كلّ منها ومن درجة التعقيد والتداخل بينها. ⟸ ومن هنا يتبيّن أنّ التفسيرين لا يتنافيان بقدر ما يشتغلان في مستويين: فالتفسير العضوي يقول لنا بأيّ شيء يتمّ الحفظ والاسترجاع، ولا يقول لنا لماذا عاد هذا الماضي بالذات، في هذه اللحظة بالذات، وبهذه الحياة الشعورية بالذات ؛ وهذا ما يقوله التفسير الشعوري.
لماذا لا يكفي أن نقول إنّ الذكرى «مخزَّنة في الدماغ» ؟لماذا لا يكفي أن نقول إنّ الذكرى «مخزَّنة في الدماغ» ؟
لأنّ التخزين يفسّر البقاء، ولا يفسّر العودة. لو كانت الذكرى ملفّا محفوظا لوجب أن تعود كما خُزّنت كلّما طُلبت ؛ والحال أنّ صاحب السيارة لم تعُد إليه ذكراه حين أرادها في الدقيقة الأولى، بل عادت حين صار الحاضر في حاجة إليها ؛ وأنّ الذكرى الواحدة لا تعود مرّتين على صورة واحدة ؛ وأنّ التكرار الذي يقوّي العادة يضعف الذكرى. ولذلك قيل إنّ الآلية العضوية أداة ناقلة: هي شرط ضروري — فلا ذاكرة بلا دماغ سليم، ولا استرجاع بلا منبّه — ولكنّها ليست شرطا كافيا. والذي يجعل من الأثر ذكرى ليس بقاءَه، بل نسبتُه إلى ذات تعترف به ماضيا لها وتحياه في حاضرها. ⚠️ ولاحظ أنّ النتيجة ليست إلغاء أحد التفسيرين: من ألغى العضويّ عجز عن تفسير أمراض الذاكرة والنسيان، ومن ألغى الشعوريّ عجز عن تفسير لماذا نتذكّر ما نحتاج إليه دون سواه.
Page 1/6
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net