الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
في الحياة الاقتصادية: الشغل فاعلية إنسانية
- تعريف العمل بوصفه ضرورة إنسانية اجتماعية لا حيوانية، وتمييزه من الفعل الغريزي
- تتبّع تطوّر مفهوم العمل من الاقتصاد البدائي المقفل إلى النظرة الإسلامية إليه
- بيان الأبعاد الإنسانية للعمل: الوعي بالغاية، وتغيير الطبيعة، والبعد الاجتماعي
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تقويم قيمة العمل
- الفرق بين الغريزة والفعل الواعي، وبين الحاجة الحيوية والحاجة الإنسانية
- معنى التقسيم الاجتماعي للعمل، وأنّ الإنسان مدنيّ بالطبع
- قراءة نصّ فلسفي واستخراج أطروحته وحجّته
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا في الأسرة كيف يتلقّى الفرد أوّل دروسه الاجتماعية ؛ وننتقل الآن إلى المؤسّسة الثانية من المؤسّسات الثلاث: النظام الاقتصادي، حيث يسعى الناس بالعمل الإنتاجي إلى الحصول من الطبيعة على الموادّ اللازمة لإشباع حاجاتهم الحيوية والإنسانية. غير أنّ النظر في الاقتصاد لا يبدأ من النظم ولا من الأرقام، بل ممّا تقوم عليه هذه كلّها: العمل. فالسؤال الأوّل ليس «أيّ نظام أفضل ؟»، بل «ما العمل نفسه، وبمَ صار قيمةً بعد أن كان في بعض العصور عارا يُنسب إلى العبيد ؟» ؛ وهو سؤال فلسفي لا اقتصادي، لأنّ جوابه يعيّن ما إذا كان الإنسان في عمله يستهلك نفسه أم يحقّقها.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ط) : لماذا تأخّرنا نحن وتقدّم غيرنا، ونحن نملك من الثروات ما لا يملكه غيرنا ؟ ـ (أ) : امتلاك الثروات لوحده لا يكفي لتحقيق التقدّم، بل يجب استغلالها عقلانيا… ـ (ط) : تقصدون غياب قوانين اقتصادية صارمة تنظّم النشاط الإنساني المنتج ووسائله ؟ ـ (أ) : نعم، هذا الذي قصدته بالتحديد ؛ فتنظيم الاقتصاد واحد من أسباب تقدّم غيرنا ؛ ـ (ط) : لكنّهم جرّبوا نظامين اقتصاديين، النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، ثمّ اكتفوا بأوّلهما وقالوا إنّه في طريقه إلى الأحادية العالمية ؛ فأيّ منهما أجدى وأنفع لأمّتنا ؟ ـ (أ) : مثل هذا السؤال كمثل سائل احتار وهو يرى ابنه الشابّ يعاني البطالة وسوء الحال: أيعطيه مصروفه اليومي فيدفع عنه العوز والحاجة، أم يمنعه إيّاه فيدفعه إلى البحث عن عمل فيه معاشه ومستقبله ؟ هل يتعامل معه برعاية الأب وعاطفته، أم بخُلق الناصح وصرامته ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الثروة وحدها لا تصنع تنمية : فأوّل ما ينبغي الاعتراف به ذلك التفوّق الذي بلغه الاقتصاد الإنتاجي في البلاد الغربية نتيجة انتهاج سياسات أثبتت فعاليتها، ومنها الاستغلال العقلاني للثروات ؛ وبالمقابل، فبالرغم من امتلاكنا نحن لمعظم تلك الثروات، فإنّها تبقى تدرّ علينا أموالا ولا تدرّ علينا تنمية وتقدّما.
- وتقديس العمل كان وراء ذلك التفوّق، ومعه ثمنه : فقد قدّس الغرب منذ نهضته الحديثة العمل كقيمة إنتاجية، وثبّتها بقوانين صارمة، ونظّر لها بمبادئ أفضت إلى نظم اقتصادية تكاد تكون مادّية صرفة ؛ وروّج لهذه النزعة المادّية على نطاق واسع، ممّا كان له الأثر السيّئ على موروثنا الأخلاقي ومعتقداتنا الروحية.
- ونحن في مفترق طرق : يتحتّم علينا فيه أن نختار بين الأخذ بالاقتصاد الموجّه والأخذ بالاقتصاد الحرّ، وأن نقرّر إمّا الانكفاء إلى تراثنا الماضي نستقي منه نظم معاشنا، أو الارتقاء بهذا التراث في عملية اندماج حضاري ضمن عولمة اقتصادية شاملة. ⟸ ومن هنا إشكال من شقّين: كيف قُدّر للعمل أن يصل بالنظم إلى ما وصلت إليه ؟ وكيف نجابه تحدّيات العولمة انطلاقا من مكتسباتنا التراثية ؟
II – ثم كيف يتأتّى للعمل أن يرفع من شأن تلك المكتسبات والقيم في ضوء تحدّي العولمة ؟
أولا : من العمل إلى الاقتصاد (المبادئ والنظم)
من نافلة القول إنّ العمل ضرورة إنسانية واجتماعية لا حيوانية، من حيث إنّ الإنسان مدنيّ بالطبع ؛ والحضارة المدنية تقوم على التقسيم الاجتماعي للعمل الذي يرتكز على التعاون بين الأفراد، ويتمّ على سند من استغلال الطبيعة بما يؤثّر على نوع العمران وأحوال الناس فيزيد منافعهم العامّة. ⚠️ ولاحظ في هذا التحديد ثلاثة قيود: أنّه إنساني لا حيواني، واجتماعي لا فردي، ومنتج للعمران لا مجرّد سدّ لحاجة ؛ وكلّ قيد منها سيعود في تحليل ما بعده.
1 ـ تطوّر المفهوم وإفرازاته الاقتصادية
- الاقتصاد البدائي المقفل : فالمجتمعات البشرية في بداية تكوينها كانت تعيش على الأغلب لونا من الاقتصاد البدائي المقفل، الذي يعني قيام كلّ عائلة بإنتاج كلّ ما تحتاج إليه دون الاستعانة بمجهود الآخرين ؛ وانصبّ مجهودهم على استغلال الموارد الطبيعية كاستخراج المعدن من الأرض وقطع الخشب من الأشجار، وليس للأفراد إلاّ إشباع حاجاتهم بصورة منعزلة وبسيطة.
- عند الإغريق: فكرٌ اقتصادي في أحضان الفلسفة، وعملٌ محتقَر : فقد ارتمى الفكر الاقتصادي في أحضان الفلسفة عند الإغريق قبل الميلاد، وكان جزءا لا يتجزّأ من المجتمع المنظّم في صورة دولة المدينة، وتركّز أساسه في النشاط الزراعي الذي لم يكونوا يساهمون فيه، وإنّما استخدموا العبيد الذين يخضعون لسيطرتهم ؛ ولذلك صحّ القول إنّ المجتمع الإغريقي القائم على العبودية احتقر الشغل العضلي وجعله خاصّا بالعبيد. ويعتقد أرسطو أنّ الرقيق هم بحكم الطبيعة النوع الأدنى، ومن الخير لهم — مثل كلّ الفئات الأقلّ شأنا — أن يكونوا تحت حكم الأسياد. ⚠️ ثمّ لم يفِ النشاط الزراعي بحاجيات المواطنين، فكان لزاما اللجوء إلى النشاط التجاري والصناعي.
- ولمّا جاء الإسلام غيّر النظرة إلى الشغل : فأضفى عليه الجانب الإنساني الذي يحفظ كرامته ويصون قيمته ؛ ومن ثمّ أصبح الشغل عبارة عن مجهود يقوم به الإنسان لإرضاء ربّه ومجتمعه، وقد انفرد الإسلام بذلك دون سائر الديانات السماوية والوضعية الأخرى. ⟸ ولاحظ أنّ الانقلاب هنا انقلابٌ في القيمة قبل أن يكون في التنظيم: انتقل الشغل من موقع ما يُحتقر إلى موقع ما يُتعبَّد به.
من العبر التاريخية في هذا نهي عمر بن الخطّاب رضي الله عنه لبعض المتقاعسين عن العمل، وهم يسألون غيرهم في المسجد، قائلا: «إنّ السماء لا تمطر ذهبا ولا فضّة». والحجّة في القول لا في القائل وحده: فالرزق لا ينزل من السماء مسكوكا، وإنّما يخرج من الأرض بجهد يُبذل فيها ؛ فمن انتظره جاهزا فقد انتظر ما ليس في سنّة الكون.
2 ـ قيم العمل في أبعاده الإنسانية
«… إنّ الكسب الذي يستفيده البشر إنّما هو قِيَم أعمالهم ؛ ولو قُدّر لأحد أن يكون عُطلا — أي بطّالا — عن العمل لفَقَد الكسب بالكلّية ؛ وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته، وعلى نسبة ذلك نموّ كسبه أو نقصانه.» وفي النصّ ثلاثة معايير لقيمة العمل لا معيار واحد: قدره في ذاته، وشرفه بين الأعمال، وحاجة الناس إليه ؛ ومن هنا كان الكسب أثرا للعمل لا أصلا مستقلاّ عنه. ابن خلدون، المقدمة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ص، 390
ومن ذلك يتبيّن أنّ العمل، باعتباره نشاطا إنسانيا، لا يقتصر على مجرّد توفير الحاجيات المادّية بصورة آلية، بقدر ما هو مجهود واعٍ يختلف عن مجهود الكائنات الأخرى ؛ فالإنسان كائن مفكّر يعي تضادّه مع الطبيعة، وهو لا يأخذ منها فحسب بوصفها المُشبع لحاجاته، بل إنّه حين يبذل الجهد يتصوّر مقدّما النتيجة التي سيوصله إليها عمله، والكيفية التي يبذل بها هذا العمل، ويتّبع لتحقيق هذه الغاية الوسيلة المناسبة.
إنّ العنكبوت ينسج نسيجا قد يعجز أمهر النسّاج عن أن يقوم بمثله ؛ وإنّما الفرق بين مجهود العنكبوت ومجهود النسّاج يتمثّل في أنّ الأوّل يبذل جهده على نحو غريزيّ دون وعي وتصوّر مسبق لما هو مقدم عليه، أمّا النسّاج فيتصوّر مقدّما النتيجة التي يريد الوصول إليها. ⟸ فالفارق إذن ليس في الإتقان ولا في النتيجة، بل في الصورة الذهنية التي تسبق الفعل ؛ وهذا وحده يكفي لإخراج فعل الحيوان من دائرة العمل بالمعنى الإنساني.
- بُعدٌ عقليّ : فالإنسان بواسطة عمله يغيّر قوى الطبيعة فيجعلها أقلّ بدائية وأكثر إنسانية، وفي نفس الوقت يخلق منها أدوات لعمله، عن طريقها يزيد من إتقان مجهوده الواعي.
- وبُعدٌ ذاتيّ : فكأنّه خلق بذلك من الطبيعة شيئا منه هو ؛ فتحويل الطبيعة تحويلٌ لنفسه — وهذه هي الفكرة التي تجعل العمل تربيةً للعامل قبل أن يكون إنتاجا للسلعة.
- وبُعدٌ خلقيّ : فهو يهدف بالعمل إلى أن يتحرّر من العوائق الذاتية، والتخلّص من الأنانية.
- وبُعدٌ اجتماعيّ : إذ يسخّره وسيلة لإبعاد القلق والآفات الاجتماعية على أساس من التعاون، ممّا يجعل البعد الاجتماعي خاصّية أساسية له.
لماذا احتقر مجتمعٌ فلسفيّ كالمجتمع الإغريقي العملَ اليدوي ؟لماذا احتقر مجتمعٌ فلسفيّ كالمجتمع الإغريقي العملَ اليدوي ؟
لأنّ الحكم على العمل ليس حكما على الفعل، بل على من يفعله وفي أيّ نظام. كان المجتمع الإغريقي قائما على العبودية: النشاط الزراعي يقوم به العبيد الخاضعون لسيطرة الأسياد، والمواطن الحرّ يتفرّغ للسياسة والفلسفة. فلمّا صار العمل العضلي علامةً على وضع العبد، انتقل الاحتقار من الوضع إلى الفعل ؛ حتّى ذهب أرسطو إلى أنّ الرقيق هم بحكم الطبيعة النوع الأدنى، ومن الخير لهم أن يكونوا تحت حكم الأسياد. ⚖️ والدرس الفلسفي هنا مزدوج. أوّلا: أنّ أعظم العقول قد تبرّر نظام عصرها بدل أن تنقده، فتصير الفلسفة تسويغا لا نقدا — وهذا ما يجعل يقظتك أنت مطلوبة حين تقرأ نصّا قديما. وثانيا: أنّ تحرير العمل لم يتمّ بحجّة نظرية فقط، بل بتغيّر في القيم نفسها — كما فعل الإسلام حين أضفى على الشغل الجانب الإنساني الذي يحفظ كرامته، فصار مجهودا يُرضى به الربّ والمجتمع بعد أن كان علامةً على الدُّون.
Page 1/5
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net