Philosophie🎓 objectif bac

الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم في فلسفة الرياضيات

طبيعة البرهان الرياضي

🔊 La maîtresse lit pour toi
طُلب منك أن تُثبت أنّ مستقيمين متوازيان، فبدأتَ إجابتك بأن افترضتَ أنّهما ليسا متوازيين ؛ ثمّ مضيتَ في هذا الافتراض حتّى انتهيتَ إلى ما لا يستقيم، فقلتَ: إذن هما متوازيان. ولاحظ ما فعلتَه: أثبتَّ القضية دون أن تمرّ بها، وإنّما بأن أرَيتَ أنّ نقيضها مستحيل. فكيف يكون إثبات الشيء بافتراض ضدّه ؟ وهل كلّ البراهين الرياضية على هذا النحو، أم أنّ للبرهان طرقا يختار بينها الرياضي بحسب المطلوب ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • التمييز بين منطلقات البرهان الرياضي الثلاثة: البديهيات والمصادرات والتعريفات، والتمثيل لكلّ منها
  • التمييز بين الطريقة التحليلية والطريقة التركيبية، وتحديد اتّجاه كلّ واحدة
  • شرح البرهان بالخُلف وبيان لماذا يُعدّ تحليلا غير مباشر
  • تحديد مصدر قوّة البرهان الرياضي وحدودها: الصحّة الاستنتاجية شيء، وقيمة المنطلقات شيء آخر
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • طبيعة الموضوع الرياضي بوصفه مفاهيم مجرّدة ينشئها الذهن
  • مبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض، ومعنى اللزوم المنطقي
  • الفرق بين التحليل والتركيب، وبين الصدق والاتّساق
ما هي المنهجية التي يتّبعها الرياضي في البرهنة على استنتاجاته، وما يترتّب عن ذلك من نتائج ؟ وإذا كانت البديهيات والمسلَّمات والتعريفات هي أسس البرهنة، فكيف يتمّ الانتقال منها إلى النتائج التي تلزم عنها ؟ ثمّ هل يمكن وصف الرياضيات بالصناعة الصحيحة في كلّ الأحوال، في منطلقاتها واستنتاجاتها معا ؟

مقدمة : طرح المشكلة

إذا كان موضوع الرياضيات يتحدّد في أنّه جملة من المفاهيم المجرّدة ينشئها الذهن ويجرّدها من كلّ اعتبار حسّي، وأنّه ذو خصائص معيّنة تمتّعه بوجود موضوعي مستقلّ، فإنّ الرياضي بواسطة هذا الموضوع يقوم بكلّ إنشاء وبناء. ولمّا كان كلّ بناء ينهض وفق منهج، وكان هذا المنهج يُستوحى في الغالب من طبيعة الموضوع، وجب أن نتساءل عن المنهجية التي يتّبعها الرياضي في البرهنة على استنتاجاته. والسؤال ليس تقنيا كما قد يُظنّ: فالبرهان هو موضع القوّة في هذه الصناعة، وهو الذي جعلها نموذجا لكلّ فكر صحيح ؛ فإذا فهمنا كيف يشتغل، فهمنا من أين جاء يقينها — وأين يقف.

I – منطلقات البرهان

تقوم هذه المنهجية على الاستدلال الاستنتاجي ؛ وهو استدلال يعتمد بالضرورة على منطلقات أوّلية تُعرف بالأوّليات والمسلَّمات والتعريفات، لإقامة البرهان على صدق أو كذب قضية مطروحة للحلّ.

  1. البديهيات : قضايا في غاية الوضوح لا تحتاج إلى برهان، تفرض نفسها على العقل ؛ فالقول بأنّ «الكلّ أكبر من أحد أجزائه»، وبأنّ «الشيئين المساويين لثالث متساويان فيما بينهما»، وبأنّه «إذا طُرحت كمّية ثابتة من متساويين جاءت النتيجة متساوية» — كلّها حقائق بديهية تستند إلى مبادئ تماسك العقل مع ذاته.
  2. المسلَّمات، وتُدعى أيضا المصادرات : قضايا غير بيّنة بذاتها، يضعها العقل كمطلب ويسلّم بصدقها قصد بناء البراهين.
  3. التعريفات : جمع تعريف، وهو القول الشارح لمفهوم الشيء، أو مجموع الصفات التي تكوّن هذا المفهوم مميَّزا عمّا عداه، بحيث يساوي التعريفُ معرَّفَه — مع العلم بأنّ الأوّل موجز والثاني مفصّل ؛ فالنقطة هي «ما ليس له بُعد» أو «حاصل التقاء خطّين»، والمثلّث هو «شكل هندسي يتألّف من ثلاثة خطوط وثلاث زوايا».
أوقليدس — أمثلة المصادرات

من أمثلة المصادرات قوله: «من نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلاّ موازٍ واحد» ؛ وقوله: «الخطّ هو ما يصل بين نقطتين» ؛ وقوله: «المكان ذو أبعاد ثلاثة: الطول والعرض والارتفاع». ولاحظ أنّ هذه القضايا ليست واضحة بذاتها كوضوح البديهية، وإنّما هي مطلبٌ سُلّم به ليُبنى عليه — وهذا بالذات ما سيسمح لاحقا ببناء هندسات أخرى على مصادرات مغايرة.

عبد الرحمن بدوي — في التعريف

التعريف قولٌ شارح لمفهوم الشيء، أو مجموع الصفات التي تجعل هذا المفهوم مميَّزا عمّا عداه، بحيث يساوي التعريفُ معرَّفَه ؛ فلا يزيد عليه فيدخل فيه غيره، ولا ينقص عنه فيخرج منه بعضه. والتعريف نوعان: تحليلي، وتركيبي — ويسمّى أيضا توليديا أو إنشائيا. عبد الرحمن بدوي، المنطق الصوري والرياضي، ص 75

وتجدر الإشارة إلى أنّ التفرقة بين البديهية والمصادرة بدأت تختفي في أواخر القرن التاسع عشر، وفي القرن العشرين بوجه أخصّ، مع ظهور الأكسيوماتيك ؛ إذ لم يعد المطلوب من المنطلق أن يكون واضحا بذاته، بل أن يكون متّسقا مع بقيّة البناء.

II – أساليب البرهنة

وإذا كانت هذه هي أسس البرهنة الرياضية ومبادئها، فكيف يتمّ الانتقال منها إلى النتائج التي تلزم عنها ؟ هناك طريقتان يلجأ إليهما الرياضي في إثبات قضاياه وبنائها: الطريقة التحليلية والطريقة التركيبية.

أ ـ الطريقة التحليلية

طريقة التحليل المباشر تقوم على إرجاع القضية المراد إثباتها إلى قضايا أخرى أبسط منها، معروفة لدى الرياضي وسبق له إثباتها ؛ فهي صعودٌ من النتائج إلى المبادئ، حيث يقوم الرياضي بحركة تراجعية من القضية المعطاة إلى القضية المبدأ التي لا يمكن تحليلها. ومثال ذلك أن يُطلب إيجاد المجهول في معادلة تقول: المجهول زائدَ ستّة يساوي اثني عشر. فحلّها يقتضي تطبيق البديهية القائلة إنّ «طرح كمّية ثابتة من متساويين لن يغيّر من تساويهما» ؛ فبطرح ستّة من طرفَي المعادلة يتعيّن ما كان مجهولا، ويتبيّن أنّه يساوي ستّة. فالبرهان هنا لم يُنشئ شيئا جديدا، وإنّما ردّ المجهول إلى مبدأ معلوم.

غير أنّ التحليل المباشر قد يكون غير ممكن ؛ وفي هذه الحالة يسلك الرياضي طريقا آخر غير مباشر، فيُلزم نفسه التسليمَ بالنتائج من دون أن يردّ القضية المراد إثباتها إلى المبادئ الأوّلية الواضحة: إنّه يحاول أن يثبت أنّ نقيض القضية المطلوب البرهنة عليها كاذب، ومن هذا الكذب يستنتج صدق قضيته ؛ ويُدعى هذا التحليل غير المباشر بـالبرهان بالخُلف. ومثاله: إذا كان المستقيم الأوّل يوازي الثاني، والثاني يوازي الثالث، فالمطلوب: هل يوازي الأوّلُ الثالثَ ؟ نقوم بافتراض أنّه لا يوازيه، ونبيّن أنّ هذه حالة مستحيلة كاذبة: فإذا لم يكن الأوّل يوازي الثالث فإنّه يقطعه ؛ وإذا قطعه قطع موازيَه — وهو الثاني ؛ وهذا يخالف المعطى الذي افتُرض فيه أنّه يوازيه ولا يقطعه. فالبرهنة غير المباشرة هنا تثبت أنّ العكس غير ممكن.

ب ـ الطريقة التركيبية

أمّا الطريقة التركيبية فيقوم الرياضي في أثنائها بـالهبوط من المبادئ — التي هي أوّليات البرهان — إلى النتائج ؛ وفي هذا البرهان تتجلّى قدرة الذهن على الخلق والإنشاء وإيجاد العلاقات المتنوّعة الجديدة، إذ ينتقل الرياضي من القضايا البسيطة إلى ما ينتج عنها من قضايا مركّبة. ومثاله أن يُطلب التركيب بين معادلتين بسيطتين من الدرجة الأولى ؛ فإذا ضرب الرياضي إحداهما في الأخرى حصل على معادلة من الدرجة الثانية. فالحاصل علاقةٌ جديدة يتجاوز فيها الرياضي المعطى برمّته، وتكشف لنا عن قدرة العقل على إنشاء المفاهيم والعلاقات والتركيب الجديد. ولاحظ الفرق: التحليل يردّ المجهول إلى معلوم، والتركيب يولّد من المعلوم ما لم يكن.

III – ما الذي يمنح البرهان الرياضي قوّته ؟

المعرفة الرياضية معرفة قطعية يقينية في خطّتها ونتائجها ؛ فهي تقوم على أساسٍ من الالتزام بالمبادئ والأسس، وتتّصف بـوفائها المطلق لمبدأ الهوية الصارم — ممّا جعلها تتّصف باليقين الذي لا يرقى إليه أيّ شكّ أو احتمال، ما دامت حريصةً على الانسجام مُحجمةً عن التناقض. ولذلك يمكن القول إنّ الرياضيات صناعة صحيحة بالنظر إلى العلاقة المنطقية التي تربط المقدّمات بنتائجها، ما دام الفكر الرياضي يبقى وفيا من خلال استدلالاته الاستنتاجية بمبدأ عدم تنازع العقل مع نفسه. فقوّة البرهان إذن ليست في أنّه يخبرنا عن العالم، بل في أنّه لا يتناقض: وهذا هو بالضبط ما يجعله صالحا في كلّ زمان ومكان.

IV – وماذا عن قيمة المنطلقات نفسها ؟

أمّا المنطلقات التي يبدأ منها الفكر في برهنته، فقيمتها تابعة لتقدير واضعيها واختيارهم لها. وقد تأكّد ذلك مع ظهور منهج الأكسيوماتيك القائم على الافتراض والاستنتاج، والتأكيد على عدم تناقض النتائج مع المقدّمات المفترضة: فالرياضيون أنفسهم لم تعد تهمّهم فكرة الملاءمة، ولا بساطة المبادئ ووضوحها — وقد اعتُبرت بمجرّد مواضعات أو تعاريف مقنعة — بل حصروا اهتمامهم في رفع كلّ تناقض قد يطرأ بين المنطلقات الافتراضية والنتائج الضرورية المترتّبة عنها.

هنري بوانكاري

ذهب الرياضي الفرنسي «هنري بوانكاري» ⁦(1854-1912)⁩ في كتابه «قيمة العلم» إلى أنّ المبادئ والأوّليات إنّما هي مواضعات — أي تعاريف مقنعة يُتّفق عليها — لا حقائق مفروضة على العقل بذاتها. وعلى هذا الأساس صار كلّ بناء رياضي يُنظر إليه على أنّه فرضي استنتاجي: يقوم على أسس افتراضية لم يقدّم البرهان شيئا عن صحّتها، وكلّ ما في الأمر وجودُ انسجام وتسلسل منطقي بينها وبين النتائج المترتّبة عليها.

إذا كان البرهان بالخُلف لا يردّ القضية إلى المبادئ، فلماذا يُقبل ؟

يُقبل لأنّه يستند إلى مبدأ عدم التناقض لا إلى شهادة أخرى: فإذا ثبت أنّ نقيض القضية يقود إلى ما يخالف المعطى، لم يبقَ للعقل إلاّ التسليم بالقضية نفسها، وإلاّ ناقض العقلُ ذاته. فهو برهان يستمدّ قوّته من الشرط نفسه الذي تقوم عليه الرياضيات كلّها: انسجام الفكر مع نفسه. ومع ذلك تجدر الملاحظة إلى أنّ هذه الطريقة تُلزم العقل بالتسليم بالنتائج، وكان المطلوب الوصولَ إليها وإثباتها عن طريق ردّها إلى الأوّليات والمبادئ الواضحة. فهي إذن أضعف من التحليل المباشر لا في صحّتها بل في إفهامها: التحليل المباشر يريك لماذا القضية صادقة، والخُلف يريك فقط أنّها لا يمكن أن تكون كاذبة. ومن هنا يُفهم لماذا يفضّل الرياضي المباشرَ متى استطاع إليه سبيلا، ولا يلجأ إلى الخُلف إلاّ عند تعذّره.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة سؤال منهجي داخل مقالة، أو مقالة كاملة: «ما طبيعة البرهان الرياضي ؟» أو «هل يستمدّ البرهان الرياضي قيمته من مقدّماته أم من صورته ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① المنطلقات الثلاثة بأمثلتها (بديهية: الكلّ أكبر من جزئه · مصادرة: من نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلاّ موازٍ واحد · تعريف: النقطة ما ليس له بُعد) — ولا تخلط بين البديهية والمصادرة، فالأولى بيّنة بذاتها والثانية مطلبٌ يُسلَّم به ؛ ② اتّجاه كلّ طريقة في كلمة واحدة (التحليل: صعودٌ من النتائج إلى المبادئ · التركيب: هبوطٌ من المبادئ إلى النتائج) مع مثال البرهان بالخُلف كاملا ؛ ③ الجملة التي تحسم قيمة البرهان: الرياضيات صناعة صحيحة بالنظر إلى العلاقة المنطقية التي تربط المقدّمات بنتائجها، أمّا المنطلقات فقيمتها تابعة لتقدير واضعيها. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الخلط بين صحّة الاستنتاج وصدق المقدّمات ؛ فالبرهان قد يكون صحيحا تماما ومقدّماته مجرّد مواضعات. ⚠️ وخطأ ثانٍ : عرض البرهان بالخُلف على أنّه «تخمين» ؛ وهو استدلال صارم يستند إلى مبدأ عدم التناقض.
نتيجة — يقوم البرهان الرياضي على الاستدلال الاستنتاجي، منطلقاته ثلاثة: بديهياتٌ في غاية الوضوح تفرض نفسها على العقل، ومصادراتٌ غير بيّنة بذاتها يضعها العقل كمطلب ويسلّم بها ليبني عليها، وتعريفاتٌ يساوي فيها التعريفُ معرَّفَه. وله طريقتان: تحليلية تصعد من النتائج إلى المبادئ — مباشرةً بردّ القضية إلى ما هو أبسط منها، أو غير مباشرة بالبرهان بالخُلف حيث يُثبَت كذبُ النقيض فيُستنتج صدقُ القضية ؛ وتركيبية تهبط من المبادئ إلى النتائج، فتتجلّى فيها قدرة الذهن على إنشاء علاقات جديدة يتجاوز بها المعطى. وقوّة هذا البرهان في وفائه المطلق لمبدأ الهوية وحرصه على الانسجام وإحجامه عن التناقض ؛ فالرياضيات صناعة صحيحة بالنظر إلى العلاقة المنطقية التي تربط المقدّمات بنتائجها. أمّا المنطلقات نفسها فقيمتها تابعة لتقدير واضعيها واختيارهم لها — وقد صارت مع الأكسيوماتيك مواضعاتٍ يُشترط فيها الاتّساق لا الوضوح.

Page 1/5

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net