Philosophie🎓 objectif bac

الإشكالية الثانية: في العلاقات بين الناس الحرية والمسؤولية

المسؤولية

🔊 La maîtresse lit pour toi
أمّك تقول لك قبل أن تخرج: «أنت مسؤول عن أخيك الصغير حتى أعود»، والأستاذ يقول: «أنت مسؤول عن نظام القسم»، وجارك يودعك مفتاح بيته. لم يسألك أحد منهم هل أنت حرّ، ولم تسأل نفسك أنت أيضا. فهل تسبق المسؤولية الحرية ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • بيان أنّ الإنسان يُعرف بخاصية المسؤولية أكثر منها بخاصية الحرية، والتمثيل لذلك
  • التمييز بين حالتي المسؤولية: خاصية جوهرية، وتبعة تلحق الفعل
  • شرح موقع شروط المسؤولية (الحرية، التمييز بين الخير والشرّ، الإرادة) بعد تقرير المسؤولية لا قبله
  • ربط عظمة الإنسان بكونه مكرَّما مكلَّفا بالأمانة، خليفةً في الأرض
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • تعريف المسؤولية وعلاقتها بالحرية: تثبت بثبوت شرطها وتُرفع برفعه
  • مواقف مناصري الحرية ونفاتها، وخلاصة أنّه لا يمكن البرهان على الحرية ولا على نفيها
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
إذا كانت المسؤولية مشروطة بالحرية، فماذا يبقى لها من مشروعية أمام المناصرين للجبر والحتمية ؟

مقدمة : طرح المشكلة

تجد مقدّمة هذه المشكلة، والوضعيّة المشكلة (حوار القاضي والسجين) وتحليلها، في درس ضبط المفاهيم، أوّل دروس محور «الحرية والمسؤولية».

اقرأ المقدّمة من جديد

إنّ القراءة الأولية للقضية المطروحة تقودنا مباشرة إلى القول بأنّ المشكلة التي يجب معالجتها هي تلك التي تتعلّق بالمسؤولية، ما دامت مشروطة بالحرية ولا معنى لها في غيابها. ولكنّ الاختبار المتأنّي يجعلنا نتساءل، على العكس من ذلك، عمّا إذا لم يكن من الممكن اعتبار الشرط مشروطا بدوره، فنقع في مسألة: أيّهما يُعتبر المبدأ، المسؤولية أم الحرية ؟ إنّ المنطق السليم يوحي لنا، بادئ ذي بدء، بأنّ المسؤولية تثبت بثبوت شرطها وتُرفع برفعه ؛ ولكن، ألا يمكن مع ذلك إثبات المسؤولية كقاعدة أولى، ثمّ الانصراف إلى تبرير وجودها عن طريق الحرية ؟ فالمشكلة في الحقيقة مزدوجة: تدعونا تارة إلى الانطلاق من الحرية كشرط لتأسيس المسؤولية، وتارة أخرى إلى اعتبار المسؤولية شرطا يبرّر وجود الحرية ويستوجبه. وللوصول إلى نتائج مقنعة نحاول الردّ على الأسئلة الثلاثة الآتية: كيف يمكن اختزال المشكلة في الشرط لا في المشروط ؟ وكيف يمكن ردّ حقيقة المشكلة إلى المشروط لا إلى الشرط ؟ ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟

تحديد الوضعية المشكلة عرضا وتحليلا

عرض الوضعية المشكلة: حوار بين قاضي الجلسة (ق) وسجين (س)

في نهاية محاكمة، وقع خلاف بين قاضي الجلسة وسجين: ـ (ق) : لقد طُلب منك أن توقّع على التقرير، فلماذا لم تفعل ؟ ـ (س) : (لا جواب…) ؛ ـ (ق) : يجب أن توقّع ! ـ (س) : لست في حالة تسمح لي بتلبية الطلب، ولا في حالة عدم تلبيته ؛ ـ (ق) : ما هذه السخافة ؟ ـ (س) : فكيف أوقّع ويداي مغلولتان ؟ ـ (ق) : (بعد أن أمر الحارس بفكّ يديه، أعاد القاضي الطلب) ننتظر ؛ ـ (س) : الآن، وفي هذه الحالة، بإمكاني أن أضع توقيعي أو أرفض ؛ ـ (ق) : ليس بإمكانك أن ترفض ؛ ولماذا ترفض ؟ ـ (س) : أنا حرّ في اختياري ؛ أمّا لماذا، فأنا صاحب القرار ؛ أرفض من أجل أن أرفض ؛ ـ (ق) : وتعتقد بأنّك، والحالة هاته، حرّ ؟ ما هي مبرّراتك ؟ ـ (س) : (متهكّما) أنا مسؤول عن مواقفي ؛ ـ (ق) : ألا تعلم بأنّ المسؤولية تفترض الحرية، ولقد أقررتَ بأنّك حرّ ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : ولكنّك كائن مكلَّف أصلا، خُلقت لتتحمّل المسؤولية أوّلا، ولتكون بعد ذلك وبالضرورة حرّا ؛ ـ (س) : أنا أوّلا أشعر بحرّية اختياري، ولي في مواقفي مبرّرات ؛ ـ (ق) : إذن، ليست حرّيتك مطلقة، لأنّها مقيّدة بأسباب ومؤثّرات، ولأنّك لا تستطيع الانفلات في قراراتك عن نظام الكون ؛ ـ (س) : أجل ؛ ـ (ق) : يجب أن تقول إذن: أنا مسؤول (واعٍ بقراراتي، وبأنّي جزء من الكون، وفرد يحترم الآخرين)، فأنا إذن حرّ ؛ ـ (س) : هل أفهم من هذا أنّ الحرية المطلقة لا معنى لها في عالمنا، وأنّنا كائنات تنفرد بالمسؤولية ؟ ـ (ق) : إنّك دائما مسؤول ؛ عظمة الإنسان وكرامته في هذه الخاصية ؛ فلو كنتَ مخيَّرا ـ للتعبير عن هذه العظمة الإنسانية ـ بين الحرية والمسؤولية، فما عساك أن تختار ؟

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. لا مسؤولية بلا حرّية : السجين لا يمكن أن يصدر عنه فعل أو لافعل في حالة انعدام حرّيته ما دام مقيّدا: فكيف يوقّع تقريرا وهو مقيّد اليدين ؟ ولو بقي على هذه الحال فلم يلبِّ الأمر، ثمّ حاسبه القاضي، لكان مظلوما، لأنّه غير مسؤول ما دام شرط الحرية غير متوفّر.
  2. لا اختيار بلا مبرّرات : حتى إن فُكّت أغلاله، فلا يختار السجين التوقيع بالضرورة، لأنّه أمام احتمالين: التوقيع أو رفضه. وقد ثبت من خلال مناقشتهما أنّ أيّ إنسان لا يمكنه اتّخاذ موقف بالإيجاب أو بالسلب من غير مبرّرات تعلّله ؛ وعندئذ فقط يأخذ في تحمّل مسؤوليته.
  3. الشعور بالحرية تجاهلٌ للأسباب : الشعور بالحرية يملي على السجين الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه، ولكنّه في النهاية ضرب من تجاهل الأسباب والمؤثّرات التي تحدّد الأفعال، لأنّه كائن تابع لنظام الكون ولا يستطيع الانفلات منه قطعا.
  4. الإنسان حيوان مسؤول : لا يمكن الحديث عن الحرية المطلقة بقدر ما يجب الحديث أوّلا، وقبل كلّ شيء، عن المسؤولية: فثمّة جوهر الإنسان وعظمته. ولو أردنا أن نعرّف الإنسان من زاوية عظمته لقلنا إنّه حيوان مسؤول ؛ وبذلك نحاول الإجابة عن السؤال الذي تركه القاضي معلّقا.

ومن هنا نلمس ضرورة طرح العلاقة بين المسؤولية والحرية من زوايا ثلاث: المنطق يدعو إلى الانطلاق من الشرط (الحرية)، ثمّ يدعونا إلى الانطلاق من المشروط (المسؤولية)، وأخيرا يدعونا إلى الاهتداء إلى أنّ الإنسان مصدر المسؤولية والحرية. وقبل الخوض في هذه الزوايا، لا بدّ من ضبط المفاهيم التي يدور عليها النقاش.

افتح الدرس: ضبط المفاهيم والتصورات

لقد تبيّن أنّ الذين بحثوا في الحرية كموضوع فلسفي أو كشرط للمسؤولية، سواء كانوا من أنصارها أو ممّن وقف موقف النقيض أو التوسّط، لم يرفعوا إطلاقا المسؤولية ؛ وهذا لا يجب أن نستغربه، ما دام الإنسان كائنا مكلّفا بالطبيعة، وينفرد عن الكائنات الأخرى بالإرادة. فالإنسان يبقى في كلّ الحالات، ومن الناحية القيمية بوجه أخصّ، حضين المسؤولية ؛ وفي ذلك سرّ لا يعلمه إلاّ هو.

III – ألا يتمثّل مصدر المشكلة وحلّها في عظمة الإنسان ؟

أولا : عظمته في كونه كائن القيم لأنّه حضين المسؤولية وراعيها

يُعرف الإنسان بخاصية المسؤولية أكثر منها بخاصية الحرية، وتظهر بذورها منذ الطفولة إلى مرحلة ما قبل سنّ الرشد. والدليل على ذلك أنّ الطفل يُنظر إليه على أنّه كائن المسؤولية، يتحمّل تبعات أفعاله في البيت وخارج البيت وفي كلّ لحظة ؛ وهو، بقطع النظر عن أسلوب التعامل معه كما ينصح به البيداغوجيون، موضوع سخط وزجر وتوبيخ. وأكثر من هذا، فإنّ المسؤولية تسبق الحرية، وأحيانا لا يُطرح فيها شرط الحرية أصلا: فقد يقول لك قائل إنّك الآن مسؤول عن أخيك، أو عن نظام القسم، أو عن وديعة، دون أن ترفض له أمرا. فالآمر في معظم الحالات لا يسألك عمّا إذا توفّرت فيك الحرية أو ثبتت، وإن كان يفترضها ضمنيا ؛ يفترضها لأنّه لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها، فهو يسلّم بها كما يسجّل رضاك وقبولك بتنفيذ الأمر.

  1. المسؤولية خاصية جوهرية : يتميّز بها كلّ كائن بشري، بقطع النظر عن الأفعال من حيث هي موضوع قابل لأن يُحكم عليه بأنّه خير أو شرّ.
  2. المسؤولية تبعة : تلحق الشخص بعد فعله، وبوجه أخصّ إذا كان هذا الفعل قد انتهك به صاحبه حرمة سلطة الضمير أو سلطة نظام المجتمع.

ولهذا فالمسؤولية تنصبّ على الإنسان أوّلا، بدون التساؤل عن شروطها، لأنّ الشخص يُعتبر العلّة الأولى في القضية ؛ ثمّ تأتي شروطها ـ كالحرية مثلا، والتمييز بين الخير والشرّ، والإرادة ـ لإنصاف العدل وتبرير الحكم.

اصطدام لم نقصده

إلصاق المسؤولية بالإنسان نلمسه أحيانا في دفع الضرر لدى بعضنا البعض، حتى في حالة يتّضح فيها ضعف شرط الحرية: كأن نزعج اضطرارا أحد المارّة باصطدام مفاجئ لم نكن نقصد من ورائه مكروها، فنعتذر له، ونرافقه إلى المستشفى، ونعوّض نفقاته، مع علمنا بأنّ الانزعاج وقع هفوة لا نيّة فيها ولا قصد.

ثالثا : عظمته في كونه خليفة الله في الأرض مكلّفا بمهمّة

خليفة الله في الأرض

نحن أمام إشكالية لا تعرف طريقها نحو الحلّ إلاّ بالرجوع إلى العبرة من خلق الإنسان ومن تفضيل الله له. إنّه خليفة الله في الأرض في الحكم بين المكلّفين من خلقه، فيملكها ويتصرّف فيها، لينظر الله كيف يتصرّف هذا الإنسان خيرا أو شرّا، فيعامله على حسب عمله. انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير، الآيات: البقرة، 30 (ج. 2، ص 165) ؛ الأنعام، 165 (ج. 14، ص 13)

وإنّه مُكرَّم ومكلّف أصلا. يقول تعالى: «ولقد كرَّمنا بني آدمَ وحَمَلناهم في البَرِّ والبحر، ورزقناهم من الطيِّبات وفضَّلْناهم على كثيرٍ ممَّن خَلَقْنا تفضيلا» (الإسراء، 70)، ويقول أيضا: «إنَّا عَرَضْنا الأمانةَ على السَّماوات والأرضِ والجِبَال، فأَبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ منها، وحَمَلها الإنسانُ، إنه كان ظَلُوما جَهُولا» (الأحزاب، 72).

إذا كانت المسؤولية تسبق الحرية، فهل يعني ذلك أن نحاسب من لم يكن حرّا ؟

لا. فتقرير المسؤولية شيء، وتقدير الحكم شيء آخر. المسؤولية تنصبّ على الإنسان أوّلا لأنّه العلّة الأولى في فعله، ثمّ تأتي شروطها ـ الحرية، والتمييز بين الخير والشرّ، والإرادة ـ لا لتنشئها، بل لإنصاف العدل وتبرير الحكم. ولهذا يتحمّل الطفل تبعات أفعاله قبل سنّ الرشد، ونعتذر للمارّ الذي اصطدمنا به ونعوّض نفقاته مع علمنا بأنّ ما وقع هفوة لا نيّة فيها ولا قصد. فالحرية لا تسبق المسؤولية كأساس لها، بل تأتي بعدها ميزانا للعدل فيها ؛ وهذه الأسبقية هي ما يجعل الإنسان حضين المسؤولية وراعيها.

قد يأتي هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة جدلية أو استقصائية: «هل المسؤولية مشروطة بالحرية ؟» أو «أثبت أنّ المسؤولية تسبق الحرية». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر: ① شاهدان على أسبقية المسؤولية (الطفل الذي يتحمّل تبعات أفعاله قبل سنّ الرشد · من يُسند إليه أخوه أو نظام القسم أو وديعة دون أن يُسأل عن حرّيته) ؛ ② حالتا المسؤولية (خاصية جوهرية · تبعة تلحق الفعل)، وموقع الشروط: تأتي بعد تقرير المسؤولية لإنصاف العدل وتبرير الحكم ؛ ③ أساس هذه العظمة: الإنسان مكرَّم (الإسراء، 70) وحامل الأمانة (الأحزاب، 72)، خليفة في الأرض. ⚠️ خطأ شائع: جعل الحرية الأساس الوحيد للمسؤولية، والمطلوب في هذا المورد إثبات أنّ الترتيب يمكن أن ينقلب. ⚠️ وخطأ ثانٍ: الاستشهاد بالآية دون ذكر سورتها ورقمها.
نتيجة — يُعرف الإنسان بالمسؤولية أكثر ممّا يُعرف بالحرية: فهي تظهر منذ الطفولة، وتُسند إلينا قبل أن يُسأل عن حرّيتنا، وتتجلّى خاصيةً جوهرية فينا وتبعةً تلحق أفعالنا ؛ أمّا شروطها ـ الحرية، والتمييز بين الخير والشرّ، والإرادة ـ فتأتي بعدها لإنصاف العدل وتبرير الحكم. ومصدر هذه الأسبقية عظمة الإنسان: فهو كائن القيم، حضين المسؤولية وراعيها، وخليفة في الأرض حمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها. ⟸ فإذا كانت المسؤولية ملازمة للإنسان، فهل هي نوع واحد ؟

Page 1/4

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net