الإشكالية الأولى: في المشكلة والإشكالية › الاشكالية الفلسفية و المشكلة العلمية
خصائص المشكلة العلمية
- تحديد مجال المشكلة العلمية وطبيعة الموضوعات الّتي تعالجها
- بيان الوسيلة الّتي تُحَلّ بها المشكلة العلمية، وربطها بطبيعة موضوعها لا بذوق الباحث
- التمييز بين مشكلة علمية بسيطة ومشكلة علمية محرِجة، والتمثيل لكلّ واحدة
- استخراج خصائص المشكلة العلمية من وضعية تاريخية واقعية، لا من تعريف محفوظ
- الفرق بين المشكلة والمعضلة والقضية والمسألة، وخاصّية كلّ واحدة منها
- أصناف الأسئلة الأربعة، وموقع صنف المكتسبات منها
- معنى الفرض في العلوم، والفرق بين المشاهدة والتجربة
مقدمة : طرح المشكلة
انتهينا إلى أنّ الصعوبة لا تصير مشكلةً إلاّ حين يلتبس الأمر ويستعصي الجواب. غير أنّ الالتباس لا يقع في مجال واحد: فقد يقع في عالَم الطبيعة حيث الظواهر تُرى وتُقاس وتُعاد، وقد يقع فيما وراء الطبيعة حيث لا حسّ ولا قياس. ولمّا كانت طبيعة المجال هي الّتي تحدّد وسيلة الحلّ، لزم أن نبدأ بالمجال الأقرب إلينا وبالمشكلة الّتي ألِفنا رؤيتها تُحَلّ أمام أعيننا في المخبر: المشكلة العلمية. فما مجالها، وما طبيعة موضوعاتها، وبأيّ وسيلة تُحَلّ، وهل هي على درجة واحدة من الصعوبة ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لقد وجد «تورشلي» نفسه أمام الوضعية التالية: ـ سجّل أنّه شاعت بين الناس فكرةٌ أرسطية تقول إنّ الطبيعة تخشى الفراغ، أي أنّ الطبيعة تملأ الفراغ في كلّ الأحوال ؛ ـ ومن جهة أخرى، سجّل ما لاحظه سقّاؤو «فلورنسا» في حيرة، من أنّ الماء لا يرتفع في المضخّات الفارغة أكثر من 10.33 أمتار. وأمام هذه الوضعية، اضطُرّ «تورشلي» إلى الفصل في القضية: فإمّا أن يأخذ بالفكرة الأرسطية ويرفض حادثة امتناع الماء من الارتفاع أكثر من 10.33 أمتار، أو العكس، أي يأخذ بحادثة الماء ويرفض الفكرة الأرسطية. لقد حتّم عليه الموقف دراسة الظاهرة المشاهَدة وتفسير طبيعتها، وأُثبت أنّ وجود قوّة الضغط الجوّي هو السبب في تحديد ارتفاع الماء في الأنبوب ؛ فكلّما كان الضغط أقوى، كان الارتفاع أعلى. تورشلي (Torricelli)، عالم فيزيائي إيطالي، توفّي سنة 1647
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- التناقض هو مصدر المشكلة، لا الجهل : لم يكن «تورشلي» جاهلا بالظاهرة، بل كان يملك عنها قولين لا يجتمعان: قولٌ موروث يقول إنّ الطبيعة تملأ الفراغ، وحادثةٌ مقيسة تقول إنّ الماء يقف عند حدّ. والمشكلة العلمية تولد من هذا التصادم بين ما نعتقده وما نقيسه، لا من فراغ المعرفة.
- الوضعية تفرض الفصل : «حتّم عليه الموقف» — أي أنّ البقاء على الاثنين معا لم يكن ممكنا. وهذا ما يميّز المشكلة العلمية: أطرافها لا يمكن أن تكون كلّها صادقة في وقت واحد، فيلزم الترجيح بينها بحجّة من خارج الاعتقاد.
- المَخرَج جاء بالتجربة، وكان له سببان : لقد وجد مَخرَجا للقضية لسببين على الأقلّ: تجاوز التناقض بين فكرة أنّ الطبيعة تملأ الفراغ وامتناع ارتفاع الماء لوجود الفراغ في الأنبوب ؛ والفضول العلمي ومعرفة الحقيقة. فالمشكلة العلمية إذن قابلة للحلّ، وحلّها يُرسي حقيقةً جديدة ويُسقط فكرةً شائعة.
II – وإذا كانت المشكلة تولد من الالتباس، فبأيّ الخصائص تُعرَف حين تُطرح في مجال العلم ؟
أولا : مجالها وطبيعة موضوعاتها
إنّ مجال السؤال العلمي هو المحسوسات، أي عالَمُ الطبيعة وما تستوجبه من التخصّصات الجزئية. فهو لا يتناول كلّ الظواهر الطبيعية في شكلها الشامل كما هو الشأن في السؤال الفلسفي ؛ فهو يتناول عالَم الطبيعة من زوايا متفرّقة. وهو يتّخذ من ظواهر الطبيعة الجزئية مجالا له لأنّها تخضع للحواسّ. فطبيعة الموضوعات الّتي يُعنى بها السؤال العلمي هي طبيعة حسّية، يتيسّر علاجُها باصطناع المنهج العلمي الّذي يقوم على المشاهدة والتجربة. ومن هنا تتحدّد أولى خصائص المشكلة العلمية:
- مجالها محسوس : موضوعها من عالَم الطبيعة، لا ممّا وراءها ؛ فهي تسأل عن الماء وعن الضغط وعن الحرارة، لا عن العلّة الأولى للوجود.
- موضوعها جزئي لا شامل : تتناول الطبيعة «من زوايا متفرّقة» ؛ فالسؤال عن ارتفاع الماء في أنبوب لا يدّعي الكلام عن الكون كلّه، وهذا التحديد شرطُ إمكان الجواب لا نقصٌ فيه.
- موضوعها خاضع للحواسّ : يمكن مشاهدته وقياسه وإعادة إنتاجه ؛ ولولا أنّ ارتفاع الماء يُقاس بالمتر لَما كان هناك رقم 10.33 ولَما كانت هناك مشكلة أصلا.
- غايتها الحقيقة القريبة : المشكلة العلمية تهتمّ بالحقيقة القريبة، خلافا للمشكلة الفلسفية الّتي تسعى إلى البحث عن الحقيقة البعيدة ؛ ولا يجب الخلط بين الاثنتين.
عندما يواجهنا هذا السؤال، لا يسعنا في الردّ عليه إلاّ الاحتكام إلى المقاييس العلمية الّتي اكتسبناها في الدروس والمخابر الكيميائية. وهو لذلك من صنف أسئلة المكتسبات، أي الأسئلة الّتي تحكمها المعطيات العلمية الّتي اكتسبناها. ولاحِظ أنّ ما جعله علميّا ليس صيغته الاستفهامية، بل أنّ الجهة الّتي نحتكم إليها في الجواب عنه هي المخبر: فالمجال هو الّذي يعيّن الحَكَم.
ثانيا : وسيلتها — التجريب واختبار الفروض
أمّا الأمور المستعصية في مجال العلم، فتُحَلّ بالتجريب وما يقتضيه من اختبار الفروض المحتمَلة وحسابات رياضية مناسبة. والعالِم يطمئنّ إلى الحلّ الّذي يستفتي فيه التجربة الحسّية وحدها، أو يستفتي فيه جامع الحقائق العلمية. وهذه هي الخاصّية الّتي تفصل المشكلة العلمية عن سائر المشكلات: أنّ لها مرجعا خارج صاحبها. فالفرض في العلم ليس رأيا يُدافَع عنه، بل احتمالٌ يُعرَض على التجربة لتقبله أو تردّه ؛ ولهذا كان بإمكان «تورشلي» أن يُسقط فكرةً شاعت بين العوامّ والخواصّ قرونا، من غير أن يكون في ذلك تطاولٌ على أحد.
إنّ الفكرة الّتي كان يستند إليها تفسير الحوادث الطبيعية، والّتي شاعت في أوساط العوامّ والخواصّ قبل استقلال العلوم عن الفلسفة، هي أنّ الطبيعة لا تترك فراغا إلاّ وتكون قد ملأته ؛ وهي فكرة تُنسب إلى «أرسطو» على الرغم من أنّ الفيلسوف يؤمن بمبدأ السببية. وفي هذا درسٌ منهجي مزدوج: أنّ الفكرة الشائعة قد تُنسب إلى فيلسوف لم يقل بها على وجهها، وأنّ سقوط الفكرة أمام التجربة لا يعني سقوط صاحبها المزعوم.
إنّ الوضعية الحاملة للتناقض قد أفضى المَخرَجُ منها إلى إثبات خطأ الفكرة الشائعة، وإرساء حقيقة علمية على أساس البحث والتجريب. فالمشكلة العلمية إذن لا تنتهي بترجيح رأيٍ على رأي، بل بانتقال المعرفة من حال إلى حال: كانت الفكرة تُتَداول لأنّها موروثة، فصارت الحقيقة تُقرَّر لأنّها مُختبَرة. وهذا الانتقال هو ثمرة المشكلة العلمية، ومقياسُ أنّها حُلَّت فعلا.
ثالثا : تفاوتها في الصعوبة
على أنّ المشكلات العلمية ليست كلّها على درجة واحدة. فالعقبات العلمية الّتي تواجهنا تتفاوت في الصعوبة، ولا يقاس هذا التفاوت بطول السؤال ولا بغرابة ألفاظه، وإنّما بما يستلزمه الجواب: أهو استدعاءٌ لمكتسَب سابق، أم بناءٌ لتجربة جديدة ؟
1 ـ من السؤال العلمي البسيط إلى السؤال العلمي المحرِج
فالانتقال من «الماء الكيميائي» إلى «توقّف الماء» هو انتقال من سؤال علمي بسيط إلى سؤال علمي محرِج. والسؤالان يتناولان الماء نفسه، ويقعان في المجال نفسه، ويُحتكم فيهما إلى المرجع نفسه ؛ ومع ذلك يفترقان:
- السؤال العلمي البسيط : «هل الماء جسم بسيط أو مركّب ؟» — جوابه موجود في جامع الحقائق العلمية المكتسَبة ؛ والعمل المطلوب هو استدعاؤه وتطبيقه، لا إنشاؤه.
- السؤال العلمي المحرِج : «لماذا يقف الماء عند 10.33 أمتار ولا يعلو ؟» — لا جواب له في المكتسَب، بل يصطدم بالمكتسَب نفسه ؛ والعمل المطلوب هو وضع فرض جديد وعرضه على التجربة.
- والفرق بينهما فرقٌ في العمل لا في المجال : كلاهما يبقى داخل عالَم المحسوسات وكلاهما يُحسم بالتجربة ؛ ولهذا يظلّ الاثنان مشكلتين علميّتين، ولا يتحوّل أحدهما إلى مشكلة فلسفية لمجرّد أنّه صعب.
وفي حالة تقدُّم السؤال في شكل وضعيات مستعصية، تأخذ الصعوبات في الظهور وتشتدّ. وعندما تصل هذه الصعوبات إلى غاياتها — بالنظر إلى طبيعة المجال الّذي تنبثق منه، وإلى حجم وقوّة الانفعال الّذي تثيره — يعسر الجواب، فيُعلَّق بين الإثبات والنفي تارةً، ويُطرح في حلقة مفرغة تارةً أخرى، وقد يُسكت عنه في حالة من الحيرة والارتياب ؛ وعندئذ نقول: إنّ السؤال ما يزال ينتظر جوابا. ولاحِظ أنّ هذا الوصف يتجاوز حدود العلم: فالمشكلة العلمية مهما اشتدّت تبقى في انتظار تجربة، أمّا حين يُعلَّق الجواب بين الإثبات والنفي في ذاته فنحن قد غادرنا مجال العلم.
لماذا نقول إنّ المشكلة العلمية «قابلة للحلّ» مع أنّ العلم لا يتوقّف عن مراجعة نفسه ؟لماذا نقول إنّ المشكلة العلمية «قابلة للحلّ» مع أنّ العلم لا يتوقّف عن مراجعة نفسه ؟
لأنّ «قابلة للحلّ» لا تعني «مقفلة إلى الأبد»، بل تعني أنّ لها إجراءً معلوما يُنهي النزاع فيها: عندما نتّفق على أنّ الحَكَم هو التجربة، فنحن نعرف مسبقا ما الّذي سيُنهي الخلاف، وإن لم نعرف بعدُ إلى أيّ طرف سينتهي. وهذا بالضبط ما ينقص المشكلة الّتي يدور الجواب عنها في حلقة مفرغة: لا لأنّنا لم نجتهد فيها بما يكفي، بل لأنّه ليس هناك إجراء متّفق عليه يستطيع أن يفصل. ولهذا فإنّ مراجعة العلم لنتائجه ليست علامة عجزٍ فيه، بل هي عين الخاصّية الّتي وصفناها: ما ثبت بالتجربة يجوز أن تراجعه تجربة، وهذا يظلّ داخل الإجراء نفسه.
Page 1/5
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net