الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في فلسفة الرياضيات
الرياضيات لغة العلوم
- بيان موقع الرياضيات في المنهج التجريبي: من الملاحظة إلى الاستنباط الرياضي ثمّ العودة إلى الوقائع
- الاستدلال بمثال تاريخي على أنّ الملاحظة وحدها لا تكفي دون عقلية رياضية
- تحديد ما تمدّ به الرياضيات العلمَ: الدقّة، والتكميم، والصياغة الصورية، والإحصاء
- تفسير لماذا صلحت الرياضيات لهذا الدور، وتحديد ما لا تُغني عنه في البحث العلمي
- خطوات المنهج التجريبي: الملاحظة، الفرضية، التجربة، القانون
- الفرق بين الاستقراء والاستنباط، وبين الكيف والكمّ
- معنى القانون العلمي بوصفه علاقة ثابتة بين ظواهر
مقدمة : طرح المشكلة
لم تبقَ الرياضيات — هذه الصناعة المجرّدة — حبيسة عالمها ؛ فإذا نظرتَ في أيّ علم من علوم الطبيعة اليوم وجدتها فيه: في صياغة قانونه، وفي حساب نتائجه، وفي تقدير احتمالاته. حتّى صار يقال إنّ العلم لا يبلغ الدقّة إلاّ بقدر ما يترياضى. وهذا يثير سؤالا فلسفيا: كيف يمكن لمعرفةٍ جرّدت نفسها من كلّ محسوس أن تكون لغةً لعلمٍ موضوعه المحسوس بعينه ؟ وهل هي مجرّد أداة قياس يستعيرها العالِم، أم أنّ في بنيتها ما يجعلها ملائمة لقول الطبيعة ؟ وقبل ذلك: هل تكفي وحدها، أم يبقى للواقع حكمٌ لا تنوب عنه فيه ؟
أولا : النسق الرياضي في قلب المنهج التجريبي
يقوم الباحث على ضوء معطيات الملاحظة والتجريب بإجراء عمليات استنباطية تستخدم الرياضيات كأداة للتحليل ؛ ثمّ يرتدّ ثانيةً إلى الوقائع لمعرفة ما إذا كانت نتائج الاستنباط صحيحة أم خاطئة ؛ فإذا خلص إلى القانون صاغه وفق التكميم الرياضي. فالحركة إذن ثلاثية: من الواقع إلى الرمز، ومن الرمز إلى نتيجة، ومن النتيجة إلى الواقع مرّة أخرى.
تبيّن أعمال الفلكي «تيكوبراهي» (ت. 1601) أنّه كان ملاحظا جيّدا، ثابر على رصد حركة الكواكب معتمدا على البصر وبعض الأدوات البسيطة كالمنقلة المدرّجة — وذلك قبل اختراع التلسكوب ؛ إلاّ أنّه افتقر إلى العقلية الرياضية التي يمكن أن تُخضع نتائج الملاحظة للاستنباط الرياضي. وهو ما توافر لمعاصره «كبلر» (ت. 1630)، الذي استنبط من تلك الملاحظة النسبة بين الزمن الذي يستغرقه الكوكب ليدور حول الشمس وبين بُعده عنها، فحسبها رياضيا متخيّلا أنّ مساراتها دائرية ؛ ثمّ عدّل ذلك بعدما لاحظ تغيّرا في مسار المرّيخ، فتخيّلها بيضاوية، ووجد أنّ نتائج عملياته الرياضية تتّفق مع الوقائع الملاحَظة. فالتفسير الرياضي في هذه الحالة يتجاوز نطاق الظواهر التي سبقت ملاحظتها، لتُختبَر نتائجه بالرجوع إلى الواقع مرّة أخرى.
ولهذا فإنّ العالِم التجريبي حين يستخدم الاستنباط الرياضي إنّما ينظر إليه على أنّه مرشدٌ للبحث عن وقائع جديدة والكشف عنها بناءً على الملاحظة. فالمنهج التجريبي الحديث أصبح إذن يعتمد على الجمع بين منهج الملاحظة والمنهج الرياضي ؛ وبالتالي فإنّ نتائجه تتضمّن نسبةً من اليقين العقلي ونسبةً من الاحتمال الواقعي — وهذا وحده يكفي لبيان أنّ الرياضيات لم تدخل العلم زينةً، بل غيّرت طبيعة نتائجه.
ثانيا : الرياضيات تمدّ العلم التجريبي بلغته الدقيقة
من المعروف أنّ «غاليلي» (ت. 1642) أدرك مبكّرا فاعلية الرياضيات كأداة من أدوات العلم الحديث، فأكّد «أنّ الطبيعة كتبت قوانينها بلغة رياضية» ؛ والتجارب التي قام بها لإثبات قانون سقوط الأجسام تمثّل نموذج المنهج الذي يجمع بين التجربة والقياس والرياضيات. وسايره «نيوتن» في وضعه لنظرية الجاذبية في صيغة رياضية دقيقة بناءً على حسابٍ كمّي هو حساب التفاضل ؛ وواصل على النهج نفسه سائرُ العلماء اللاحقين. نقلا عن ماهر عبد القادر محمد علي، ص 340
وسرّ هذه الملاءمة أنّ الرياضيات تحتوي في مفاهيمها وتحوّلاتها على كلّ ما هو جوهري من الخواصّ الكمّية والصورية للأجسام وظواهر الطبيعة ؛ وهذا العنصر الذي تحتوي عليه هو من صنع عقولنا كتجريد، وكوسيلة موظَّفة في المنهج التجريبي. فهي لا تصف لون الشيء ولا رائحته — وليس ذلك من شأنها — وإنّما تمسك منه بما يقبل القياس والصياغة: المقدار، والعلاقة، والتحوّل.
لقد «نزع [المنهج التجريبي] إلى صبّ قوانينه في لغة رياضية التماسا للدقّة … ومن أجل هذا دخل الإحصاء مجال البحث العلمي، واستُخدم خاصّة في الأبحاث التي تعذّر أو صعُب إجراء التجارب فيها … وميزة الإحصاء أنّه يسجّل الحقائق المتّصلة بالظواهر في صورة قياسية عددية، ويلخّصها بطريقة تمكّن الإنسان من الإلمام باتّجاهات هذه الظواهر والعلاقات القائمة بينها». توفيق الطويل، ص 174
ثالثا : لماذا صلحت الرياضيات لهذا الدور ؟
ولعلّ المقابلة بين قضايا العلم وقضايا الرياضيات تُظهر إلى أيّ حدّ يتجلّى بينهما التفاوت: فالحقائق العلمية تجسيدٌ لعلاقات بين ظواهر تخبرنا عن واقع، وهي شبه يقينية لأنّها تابعة لأسباب هذه الظواهر وأحوالها دون غيرها ؛ أمّا قضايا الرياضيات فتجريدٌ لموجودات وعلاقات وجودٍ تبقى في منأًى عن أيّ تغيّر — كإشارات الجمع والطرح والضرب والتساوي — وهي تأمّلٌ خالص يتّسم بالصورية والتجريد ؛ واستعمالها مع خلوّ البناء من كلّ تناقض داخلي يحقّق للرياضي الصدق ومن ثمّ اليقين. ومن هنا يُفهم سرّ الملاءمة: العلم يحتاج إلى أداة لا تتغيّر بتغيّر ما تصفه حتّى يستطيع أن يقارن ويتنبّأ ؛ والرياضيات هي المعرفة الوحيدة التي تملك هذه الصفة، لأنّها لا تخبر عن واقع بعينه فلا يكذّبها واقع. ولهذا استطاع العالِم بفضلها أن يحوّل سبل البحث ونتائجه من الكيف إلى الكمّ، ومن التجريب إلى التجريد، كما هو الحال في الفيزياء الرياضية والكيمياء الرياضية: إذ أصبح الفكر العلمي ينطلق من المبادئ ليصل إلى ما يوافقها من نتائج.
رابعا : ما الذي لا تُغني عنه اللغة الرياضية ؟
غير أنّ اللغة لا تصنع الخبر. فبين نوعَي الاستدلال تمايزٌ من حيث المبدأ: ففي الاستنباط تكون النتيجة متضمَّنة منطقيا في المقدّمات ؛ أمّا الاستقراء فيهدف إلى الكشف عمّا هو جديد، لأنّه ليس مجرّد تلخيص للملاحظات السابقة، بل يمنحنا القدرة على التنبّؤ. والانطباق مع الواقع يفترض تداخلا بينهما: فلا سبيل إلى إنكار أهمّية الاستقراء في الوصول إلى نتائج علمية حاسمة قد تكون قانونا أو نظرية، ولكنّ هذه النتائج تحتاج بعد ذلك إلى استنباط منطقي.
يرى «بوبر» (ت. 1994) أنّ النظرية العلمية — وهي عنده فرضٌ لا نتيجةُ استقراء — تحتاج إلى استنباط منطقي يمكّن من البحث عن الصورة المنطقية للنظرية، ومقارنة نتائجها بالاتّساق الداخلي وبغيرها من النظريات الأخرى ؛ كما أنّه باستخدام القضايا التي سبق قبولها تجريبيا يمكن اشتقاق قضايا أخرى جزئية عن طريق التنبّؤ. وفي هذه الحالة يمكن الاعتقاد «بأنّ البحث العلمي يبدأ بوضع فروض تستند إلى تعميمات تجريبية سابقة أو قوانين مسلَّم بها، ثمّ يستنبط الباحث من هذه الفروض نتائج … وتلي هذا مرحلةُ التثبّت من صحّتها عن طريق البحث عن وقائع تؤيّد أو تبطل هذه النتائج». توفيق الطويل، ص 177
هل الرياضيات أداةٌ للعلم أم لغتُه ؟هل الرياضيات أداةٌ للعلم أم لغتُه ؟
الفرق بين الوصفين ليس لفظيا. فالأداة تُستعمل بعد أن يكتمل الشيء: كالميزان يُؤتى به ليزن ما هو موجود ؛ أمّا اللغة فيُفكَّر بها لا بعدها — ولا يكون للمعنى وجودٌ قبل أن يُصاغ فيها. وما يرجّح الوصف الثاني هو حالة كبلر: فتيكوبراهي كان يرى ما يراه كبلر ويزيد، وكان يرصد ويسجّل ؛ ولكنّ ما «رآه» كبلر — النسبة بين زمن الدوران والبُعد — لم يكن في مجال الرؤية أصلا، وإنّما ظهر في الحساب ثمّ ذهب صاحبه يبحث عنه في السماء فوجده. فالرياضيات هنا لم تُرتِّب معطًى موجودا، بل أظهرت واقعةً لم تكن الملاحظة تملك أن تصل إليها. ومع ذلك تبقى لغةً لا خبرا: فهي تقول كلّ ما يقال بصرامة، ولا تقول لك أيّ القولين وقع في الطبيعة ؛ والفصل في ذلك للتجربة وحدها. ولهذا كانت نتائج العلم الحديث تحمل معا نسبةً من اليقين العقلي ونسبةً من الاحتمال الواقعي: يقينُها من الرياضيات، واحتمالُها من الواقع.
Page 1/4
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net