الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في العلوم الإنسانية
طبيعة الموضوع والعوائق الابستيمولوجية في: علم النفس
- تحديد طبيعة موضوع علم النفس، وبيان لماذا لا يشبه موضوعَ العلوم الطبيعية
- عرض العوائق الابستيمولوجية الأربعة للحادثة النفسية، وربط كلّ عائق بخاصية في الحادثة نفسها
- بيان كيف تجاوزها علماء النفس بالانفتاح على الفيزيولوجيا واتّخاذ السلوك موضوعا قابلا للملاحظة
- تقويم نتائج علم النفس: حدود السلوكية وحدود الاستبطان، وما بلغته المدارس من فهم أشمل
- شروط المنهج التجريبي: الملاحظة، الفرضية، التجربة، القانون، والتنبّؤ
- الفرق بين الشعور واللاشعور، وبين الحالة النفسية والسلوك الظاهر
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
كثر التساؤل عن مكانة العلوم الإنسانية ودورها في فهم الواقع البشري، وأصل هذا التساؤل: هل نستطيع أن نتنبّأ بما يصدر عن الإنسان من سلوكات إذا ما استطعنا الوصول إلى دراسته وعرفنا قواعد النظام الذي يحكمه ؟ ويبلغ هذا التساؤل في علم النفس أقصى حدّته، لأنّ موضوعه لا يقع تحت الحسّ ولا يُقاس ولا يثبت لحظتين متواليتين، ولأنّ الباحث فيه يشترك مع موضوعه في الطبيعة نفسها: فهو يدرس شعورا وهو ذو شعور. فهل يبقى بعد ذلك مجالٌ للحديث عن علم للنفس ؟ وللرّدّ على هذا التساؤل نمهّد لفهم المشكلة بالمدخل التالي.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (أ) : فماذا لو علمتَ بأنّ هذه الورقة هي وثيقة خطّتها أنامل «الأمير عبد القادر الجزائري» ؟ ـ (ب) : أهذا هو خطّه حقّا ؟ وما هذه الأشكال المتنوّعة الّتي تراها، أليست رسما لبندقية قديمة ولقطعة نقدية يصعب قراءتها ؟ ـ (أ) : فبشيء من الاجتهاد تهتدي إلى أنّ الوثيقة ظاهرة خاصّة ؛ فهي ليست جسما فيزيائيا ولا بيولوجيا ؛ إنّها ظاهرة تحمل سمات كائن بشري ؛ ـ (ب) : هذا صحيح ؛ إنّها لحظة تاريخية، ونفحة نفسية، ومرآة عاكسة لمؤثّرات اجتماعية ؟ ـ (أ) : إنّ صاحبها إنسان، والإنسان ليس جسما مثل الأجسام الأخرى: إنّه يبكي ويضحك، يتذكّر ويتخيّل، يدرك ويحلم … ؛ ـ (ب) : ( يقاطعه الحديث ) … إنّه إذن كائن الحياة النفسية ؛ ـ (أ) : أجل ؛ ولكنّه أيضا يعيش مع الناس، وينسج معهم علاقات اجتماعية وما يترتّب عنها من حقوق وواجبات … ؛ ـ (ب) : ( يقاطعه الحديث ) … إنّه إذن كائن الحياة الاجتماعية ؛ ـ (أ) : أضف إلى ذلك أنّه يمثّل لحظة من لحظات التاريخ، فيباشر الحاضر ليتحوّل إلى ماضٍ ؛ ـ (ب) : فهو إذن كائن أبعادٍ ثلاثة: بعدٍ نفسي وبعدٍ اجتماعي وبعدٍ تاريخي ؛ ـ (أ) : وكائن من هذا القبيل يحتاج إلى عناية منهجية خاصّة.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- بعدٌ نفسي داخل الأثر المادّي : فالورقة تسقط كما تسقط جميع الأجسام، ولكنّها في الوقت نفسه «نفحة نفسية» ؛ فهي ظاهرة إنسانية نفخ فيها الإنسان من روحه، ولا تكتسي معناها الحقيقي إلاّ في علاقتها به. وهذا البعد لا يُدرَك بأدوات قياس الأجسام.
- الإنسان كائن أبعاد ثلاثة : بعدٌ نفسي وبعدٌ اجتماعي وبعدٌ تاريخي ؛ والظاهرة الإنسانية معقّدة جدّا لأنّ عوامل إنتاجها متداخلة، ومترامية الأطراف لأنّ المؤثّرات النفسية والاجتماعية تتفاعل فيها ضمن حدود الزمان. ولذلك يشترك في تجليتها ثلاثة علوم، منها علم النفس.
- عناية منهجية خاصّة : فكائنٌ يبكي ويضحك ويتذكّر ويتخيّل ويدرك ويحلم لا يُدرَس بمنهج صُنع للأجسام الجامدة ؛ والسؤال المعلّق هو: أيّ منهج إذن ؟
I – ضبط مفهوم العلوم الإنسانية وموضع علم النفس منها
تتّخذ العلوم الإنسانية من أحوال الناس وسلوكاتهم موضوعَ بحث بطريقة منهجية منظّمة، ساعيةً إلى ضبط طبيعة فاعليات الإنسان وتحديد عناصرها وتجلية دلالاتها ومقاصدها. ونقول «إنسانية» نسبةً إلى موضوعها، كما نقول «تجريبية» نسبةً إلى منهجها، و«معيارية» نسبةً إلى المعيار الذي يُقدَّر على مثاله السلوك. وموضوع هذه العلوم هو كلّ ما يصدر عن الإنسان من أنواع السلوك: فهو يحيا ويتكلّم ويدرك ويتصوّر ويتألّم، له ميول وعواطف — وهذا بالذات هو موضوع علم النفس ؛ ثمّ إنّه يعيش في جماعة ويخضع لتأثيراتها، ويترك وراءه أحداثا تدلّ على حضوره. فعلم النفس يأخذ من الإنسان جانبه الأوّل: الحياة الباطنية بما فيها من إحساس وإدراك وانفعال وتذكّر وإرادة.
أولا : طبيعة موضوع علم النفس
موضوع علم النفس هو الحادثة النفسية ؛ وهي شعورٌ قبل أن تكون سلوكا. فوراء الكائن الحيّ، وخاصّة منه الإنسان، إرثٌ نفسي وثقلٌ ثقافي، ولذلك لا ترتدّ الحادثة النفسية إلى تلك العلاقة الآلية التي تجمع المنبّه بالاستجابة. وهي بهذه الطبيعة تخالف ظواهر الطبيعة في كلّ ما يجعل هذه الأخيرة قابلة للتجريب: فالظاهرة الإنسانية ذاتية وقصدية، توجّهها القيم والقواعد، ولا تثبت على حال لأنّها مصدر ابتداع وحرية، ولا يمكن التنبّؤ بها. ومن هنا تنشأ عوائقها.
ثانيا : العوائق الابستيمولوجية للحادثة النفسية
- موضوعٌ لا يعرف السكون ولا يشغل مكانا محدّدا : فلا مكان للشعور، ولا محلّ للانتباه، ولا حجم للتذكّر أو الحلم. إنّها سيلٌ لا ينقطع عن الحركة والديمومة، لا تبقى على حالها في زمنين متواليين ؛ فلو طبّقنا عليها المنهج التجريبي لقضينا على ديمومتها، ولدرسناها كماضٍ لا كحاضر، أي كشيء ثابت لواقع حيّ.
- شديدة التداخل والاختلاط : يشتبك فيها الإدراك مع الإحساس، والذكاء مع الخيال، والانتباه مع الإرادة … فلا تُعزَل عناصرها كما تُعزَل المتغيّرات في المخبر.
- فريدة في نوعها لا تقبل التكرار : والنتائج المستخلصة بعد دراستها تكون لها صبغة ذاتية يعوزها التعميم ؛ بل إنّ نتائجها لا تتجاوز حدود الوصف والكيف. واللغة المستعملة تعجز أحيانا عن وصف كلّ ما يجري في النفس، فضلا عن النطق الفصيح باللاشعور.
- داخلية وشخصية : لا يدركها مباشرةً سوى صاحبها ؛ فالحادثة النفسية التي تسري في نفسي لا يمكن أن تجري هي بعينها في نفس أيّ شخص آخر سواي، لأنّ لي ذكريات وتجارب خاصّة واهتمامات وميولا تميّزني عن غيري من الناس.
هذه هي أهمّ العوائق التي تقف في وجه الباحثين في هذا الحقل: موضوعٌ لا يثبت، ولا يُعزَل، ولا يتكرّر، ولا يُدرَك من الخارج. فكيف استطاعوا اقتحامها على منوالهم ؟
ثالثا : تجاوز العوائق
لم يتقدّم علماء النفس في مجال الدراسات السيكولوجية إلاّ يوم أدركوا أنّ الموضوعية ليست حكرا على العلوم المعروفة بالتجريبية، وأنّ حدودها ليست منكمشة إلى درجة أنّها لا تستوعب مواقف علمية جديدة ؛ ولم تتّضح مناهج أعمالهم إلاّ متى وقع الانفتاح على طرائق العمل التي كانت سببا في ازدهار هذه العلوم، وعلى رأسها الفيزيولوجيا. وأوّل من خاض المبادرة منهم السلوكيون ؛ وهي مبادرة استوحاها «واطسن» رائد السلوكية من تجربة «بافلوف» الفيزيولوجي الروسي.
أخذ كلبا وأجرى عليه عملية تشريحية بعد أن ثبّت أطرافه كلّها، وأحضر أدوات لالتقاط قطرات اللعاب وقياس مقداره. فكان يقدّم له الطعام ليستثير سيلان لعابه، ولاحظ أنّ اللعاب يأخذ في السيلان بمقدار معيّن عندما يضع على لسانه قطعة من اللحم المجفّف. وكان في الوقت الذي يقدّم فيه الطعام يقرع جرسا. وبعد أن كرّر التجربة مرّات، لاحظ أنّ قرع الجرس وحده — أي المنبّه المصطنع — كفيلٌ باستثارة سيلان اللعاب. ولقد اختار مصطلح المنعكس الشرطي ليؤكّد وجود منعكس تكون فيه الاستجابة مرتبطة بمؤثّر يقوم مقام المؤثّر الطبيعي. وسمّى دراسته هذه «فيزيولوجيا الدماغ»، ولم يدّعِ العمل في حقل علم النفس ؛ ومع ذلك أثارت مبادرته من اهتمام الباحثين السيكولوجيين أكثر ممّا أثارت انتباه علماء الفيزيولوجيا، إذ ساعد المنعكس الشرطي على فهم كلّ عمليات التعلّم من عادة وتذكّر وإدراك.
«إنّ علم النفس كما يرى السلوكي فرعٌ موضوعي وتجريبي من فروع العلوم الطبيعية، هدفه النظري التنبّؤ عن السلوك وضبطه … ويبدو أنّ الوقت قد حان ليتخلّص علم النفس من كلّ إشارة إلى الشعور.» وهكذا اتّخذت المدرسة السلوكية من الفعل المنعكس الشرطي دعامةً منهجية لدراسة السلوك، باعتباره المرآة العاكسة للحادثة النفسية.
- نقل الموضوع من الباطن إلى الظاهر : فلم يعد الفكر أمرا يخصّ العالم الباطني للفرد ؛ فما الفكر في لغة السلوكيين سوى اللغة التي نتكلّم بها، وما الذكاء سوى السلوك الذي نذلّل من خلاله العقبات التي تواجهنا.
- اختيار موضوع قابل للملاحظة : وبهذا أعرض علم النفس عن الأفكار الفلسفية إلى دراسة السلوك، وهو موضوع قابل للملاحظة العلمية وما يتبعها من وضع الفروض والتحقّق منها تجريبيا ومن تدوين القوانين.
- بلوغ صيغ كمّية : ومن هذه القوانين قانون «فختر» القائل بأنّ الإحساس يساوي لوغاريتم المؤثّر، وقانون «بيرون» القائل بأنّ النسيان يزداد بصورة متناسبة مع قوّة لوغاريتم الزمن.
رابعا : نقد النتائج — حدود السلوك وحدود الاستبطان
وعلى الرغم من الجهود التي بذلها علماء النفس في المجال المنهجي، فإنّهم ليسوا راضين كلّ الرضا عن النتائج التي وصلوا إليها: إنّ قوانينهم مجرّد تعميمات وليست دساتير ثابتة يرتفع فيها الاستثناء والشذوذ. وأصل ذلك أنّ الحادثة النفسية ليست بمجرّد سلوك يرتدّ إلى العلاقة الآلية بين المنبّه والاستجابة. ولقد أدرك القدماء هذه الحقيقة فأوحوا للعالم السيكولوجي باصطناع التأمّل الباطني أو الاستبطان، وهو تحليل الشعور لذاته قصد الاطّلاع على ما يجري فيه: فكيف يتمكّن من إدراك الانفعال الحادّ ومن فهمه إذا لم يعش حادثة من حوادثه كالخوف ولم يحلّلها عن طريق الاستبطان ؟ غير أنّ ضرورة إدراك الجذور الداخلية للحادثة النفسية لا تبرّئ طريقة الاستبطان من العيوب: فتحليل الحوادث النفسية وهي لا تنقطع عن الديمومة أمرٌ مستحيل، ولذلك ارتأى بعضهم ممارسة هذا التحليل لا في شكله المباشر وإنّما في شكله الاسترجاعي — وحتّى في هذا الأسلوب غير المباشر تبقى الصعوبة قائمة، لأنّ المسترجَع ليس هو المعيش.
«إنّ الطريقة الباطنية هي الطريقة الأساسية في علم النفس، وبدونها لا يمكن البدء بأيّة ملاحظة.»
خامسا : تقدّم فهمنا — مدارس علم النفس
- المدرسة الشكلية — مع «ورتيمر» و«كوفكا» و«كوهلر» : استفادت من تجربة السلوكيين ومن أخطائهم — وأبرزها إرجاع الحوادث النفسية كلّها إلى سلسلة من ردود الأفعال الآلية — وأبرزت تأثير العوامل الخارجية في تشكيل الحادثة النفسية من حيث هي إدراك.
- مدرسة التحليل النفسي — مع «فرويد» : صرّحت بأنّ الحياة النفسية ليست كلّها شعورية، ووجّهت عنايتها إلى وجود اللاشعور وانعكاساته على حياة الإنسان.
- المدرسة التلفيقية — مع «كورت لوين» صاحب النظرية المجالية و«هسرل» الفيلسوف الظواهري : بادرت بالنظرة الشمولية واعتبرت الحادثة النفسية كلاّ متكاملا غير قابل للتمييز بين مؤثّراته الباطنية والعوامل الخارجية ؛ فـ«الحالة السيكولوجية» في صورتها البسيطة وحدةٌ لا تقبل القسمة.
«إنّ الظواهر النفسية ليست عقلية ولا جسمية ؛ إنّها تحدث في الإنسان بأكمله، إذ ليست إلاّ سلوك هذا الإنسان مأخوذا في مجموعه.»
وممّا زاد في حجم نشاط علماء النفس تشعّبُ السيكولوجيا إلى فروع متنوّعة: علم النفس لدى الحيوان ولدى الطفل والمراهق، وعلم النفس المرضي، وغيرها ؛ وتعزّزت وسائل العمل تبعا لكلّ تخصّص. أمّا الفائدة فإنّهم استطاعوا أن يحرّروا نسبيا الدراسات النفسية من الاعتبارات الفلسفية والخرافية، وأن يثبتوا وجود علم النفس كعلم له موضوعه ومنهجيته واستنتاجاته ؛ وأن يفتحوا نافذة يطلّ منها الإنسان على نفسه وما يجري في دواخلها من إحساسات وميول ومقاصد، فيتمكّن من مراقبتها والتحكّم فيها. ولقد دخل علم النفس بالفعل البيوت والمدارس والمصانع وميادين القضاء والتجارة والدفاع.
إذا كانت السلوكية قد جعلت علم النفس علما، فلماذا لم يكتفِ به علماء النفس ؟إذا كانت السلوكية قد جعلت علم النفس علما، فلماذا لم يكتفِ به علماء النفس ؟
لأنّ الثمن الذي دفعته السلوكية لتحصيل الموضوعية كان الموضوع نفسه. فهي لم تحلّ مشكلة دراسة الشعور، وإنّما استبدلت به موضوعا آخر قابلا للملاحظة هو السلوك، ثمّ أعلنت أنّ الوقت حان للتخلّص من كلّ إشارة إلى الشعور. وهذا مكسبٌ منهجي حقيقي — به دخل علم النفس المخبر ودوّن قوانين — ولكنّه مكسبٌ يترك خارج العلم كلّ ما لا يظهر في سلوك. ولهذا كان تقدّم علم النفس بعد السلوكية تقدّما في توسيع الموضوع لا في التخلّي عن الصرامة: اللاشعور مع التحليل النفسي، والإدراك كصورة كلّية مع المدرسة الشكلية، والمجال الحيوي الذي يجمع الشخص وبيئته مع النظرية المجالية. والدرس الابستيمولوجي واحدٌ في الحالتين: طبيعة الموضوع هي التي تحدّد المنهج — فمن ضيّق الموضوع ليُرضي المنهج، ربح الدقّة وخسر الظاهرة.
Page 1/7
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net