الإشكالية الرابعة: انطباق الفكر مع نفسه › في انطباق الفكر مع نفسه
حدود القياس ومجال توسيعه (منطق متعدد القيم: المنطق الرياضي، المنطق الجدلي)
- بيان حدود المنطق الصوري الثلاثة، وتعليل قولهم إنّ القياس تحصيل حاصل
- تعريف المنطق الرمزي وبيان ما يميّزه عن القياس: التركيب بدل التحليل، والرمز بدل اللفظ
- تمييز العقل المكوَّن من العقل المكوِّن، وربط كلٍّ منهما بتصوّر للمبادئ
- تعرّف الحالات الّتي لا يكفي فيها المنطق الثنائي القيمة، وتحديد ما يضيفه المبدأ الجدلي
- بنية القياس وأشكاله وقواعده، ومعنى صحّة الصورة
- مبادئ العقل الثلاثة: الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع
- الفرق بين حكم تحليلي لا يضيف جديدا وحكم تركيبي يضيف صفة إلى الموضوع
مقدمة : طرح المشكلة
رأينا أنّ القياس يضمن لنا انتقالا سليما من المقدّمات إلى النتيجة، وأنّ لكلّ شكل من أشكاله قواعدَ لا يُنتج إلاّ بها. غير أنّ هذا الضمان نفسه هو مصدر ضِيقه: فما دام لا يُخرج إلاّ ما أُدخل، فهو أمينٌ عقيم. يُضاف إلى ذلك أنّه يشتغل بألفاظ اللغة العادية وما تحمله من إبهام وتاريخ ومذاهب، فيصير الخلاف فيه خلافا في المعاني لا في البراهين. ومن هنا يُطرح السؤال مزدوجا: ما حدود هذا المنطق ؟ وبأيّ سبيل يوسَّع مجاله حتّى يلاحق واقعا متغيّرا لا يقف عند الصدق والكذب ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
إنّ تطوّر الرياضيات والفيزياء — وهما العلمان اللذان يسعى المناطقة على أساسهما إلى استنباط الأدوات الواقعية للفكر الموضوعي — بيّن أنّ هناك حالات لا يكفي فيها المنطق الثنائي القيمة. ومن أمثلة ذلك: ـ في الرياضيات : حدسيّةٌ تتعلّق بخصوصية الأعداد الأولية تُنسب إلى «غولدباخ»: كلّ عدد زوجي أكبر من 2 هو مجموع عددين أوّليين ؛ فهي ليست مسلَّمة، من حيث إنّنا لسنا أحرارا في قبولها أو رفضها ؛ إنّها قانون حسابي غير كاذب لأنّه مُثبَت في كلّ ما جُرّب من الأعداد، ولكنّه ليس صادقا لأنّه لم يُبرهَن عليه. ـ في الفيزياء : النظريتان حول الإشعاع الجُسَيمي أو التموّجي، اللتان كانتا سابقا متناقضتين، تظهران اليوم لامتناقضتين ؛ فكلّ واحدة منهما لا هي صادقة ولا هي كاذبة، ولكنّها تُعتبر صادقة أو كاذبة حسب المجموعة التجريبية الّتي نعمل فيها.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الحالتان لا تخرقان قاعدةً، بل تخرجان عن مجالها : ليس في المثالين أنّ (أ) هو (لا أ) في الوقت نفسه وبالاعتبار نفسه ؛ وإنّما فيهما أنّ القسمة إلى «صادق» و«كاذب» لم تعد تستوعب كلّ ما يقوله العلم. فالأولى قضية غير كاذبة وغير صادقة، والثانية قضية صدقها مرهون بالمجموعة التجريبية.
- والمشكلة منطقية لا فيزيائية : فالعالِم لم يطلب من المنطقي شيئا، وإنّما وجد المنطقي نفسه أمام معرفة قائمة لا يستطيع أن يصفها بأدواته. ومن هنا نشأ السؤال: أَتُردّ المعرفة إلى المنطق، أم يوسَّع المنطق حتّى يسعها ؟
- وهذا يفتح على سؤال أعمق : فإن كان المنطق يوسَّع، فمعنى ذلك أنّ مبادئه ليست ثابتة ثباتا مطلقا. ومن الخطأ أن يظنّ ظانٌّ أنّ هذه المبادئ العقلية لا تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والظروف والأحوال ؛ فإنّ استقراء تاريخ العلم عامّةً يشهد بأنّ هذه المبادئ قد نشأت على صورة، ثمّ أخذت في التطوّر حتّى بلغت صورتها الراهنة.
V – وإذا كان القياس مغلقا على مقدّماته ومرهونا بألفاظ اللغة، فهل للمنطق الصوري حدود ؟
أولا : حدود المنطق الصوري
لقد سجّل المناطقة والفلاسفة على المنطق الصوري ثلاث مؤاخذات، لا تنفي فضله في ضبط الاستدلال، ولكنّها تحدّ من دعواه في اكتشاف الحقيقة:
- أنّه يتعامل بالألفاظ لا بالرموز : فما دام كذلك، فإنّه يبقى مثار جدال حول معاني المفاهيم والتصوّرات المستعملة، فضلا عن عُقمه إذا تعلّق الأمر بالقياس الأرسطي. وقد رأينا في المناظرة كيف كان يكفي حدٌّ واحد مبهم لينهار الاستدلال كلّه.
- أنّه يصلح للمناقشة والجدل أكثر ممّا يصلح للبحث عن الحقيقة واكتشافها : ولمّا كان الغرض منه هو إفحام الخصم لا اكتشاف الحقيقة الموضوعية، فإنّ المنطق يتحوّل إلى فلسفةٍ للنحو، من حيث إنّه يُعنى بلغة البرهنة والمحاجّة والتفنيد لكسب قضية.
- أنّه ضيّق لا يعبّر عن كلّ العلاقات المنطقية : إذ يكتفي بالتحليلات الفكرية ؛ فنتائج القياس لا تأتي بشيء جديد زائد على المقدّمات، حتّى مع افتراض مطابقة مقدّماته للواقع. واستنتاج غير ما تتضمّنه المقدّمتان يُفضي إلى الأخطاء ؛ لأنّ القياس يكون صحيحا عندما يكون تحصيل حاصل (Tautologie)، فهو يُبرز ما نعلمه ولا يكشف عمّا نجهله. وشرط الاستنتاج الصحيح أن ينتهي بنا إلى علم جديد، لا إلى إعادة ما تتضمّنه المقدّمتان ؛ ولهذا يبدو المنطق الأرسطي «مغلقا ومُنقضيا».
«إنّ منطق الفلاسفة يستند أساسا إلى ألفاظ اللغة العادية في عرض قضاياه وبرهانها. ولم يستطع هذا المنطق طوال تاريخه أن يصطنع لنفسه لغةً علميةً، كالشأن في العلوم الأخرى الّتي استقلّت عن الفلسفة، مع شدّة حاجته إلى مثل هذه اللغة ؛ إذ إنّ العلوم الأخرى، وعلى رأسها الرياضيات، اصطنعت اللغة الرمزية الّتي أثبت استعمالُها أنّ العلوم غير ممكنة بدونها، وفيها يكمن سرّ النجاح المنقطع النظير في العلوم المضبوطة.» ويقول «بول فاليري»: «ليس للمنطق إلاّ مزايا جدُّ متواضعة حينما يستخدم اللغة العادية، أي دون تعريفات مطلقة.» محمد ثابت الفندي، أصول المنطق الرياضي، ص 34-35
ثانيا : السبيل الأوّل إلى التوسيع — المنطق الرمزي
وسدًّا للنقص الّذي عرفه المنطق الصوري، وتماشيا مع البحث عن الجديد، وتكيُّفا مع متطلّبات الواقع المتغيّر، اتّجهت اهتمامات المناطقة والرياضيين والعلماء إلى أساليب جديدة تسمح للفكر بالانتقال من اللفظ (أو التصوّر) إلى الرمز، ومن عالَم المجرّدات إلى عالَم المحسوسات: أي من المنطق الصوري إلى المنطق الرمزي، وكذا بالموازاة إلى المنطق المادّي. ولم يعرف المنطق الصوري اتّجاها مخالفا لاتّجاه المنطق الأرسطي إلاّ في منتصف القرن التاسع عشر.
- صفتُه المميِّزة: التركيب أو الإنشاء : أي الاستدلال على قضايا جزئية بالاستناد إلى مبادئ أوّلية عامّة، كالبديهيات (مثل: الكلّ أكبر من أحد أجزائه) والمصادرات (مثل: أنّه من نقطة خارج مستقيم لا يمرّ إلاّ موازٍ واحد) والتعريفات. ونتائج هذا الاستدلال ليست متضمَّنةً في المبادئ المسلَّم بصحّتها سابقا: إنّها «تُبنى مع قضاياها».
- نظامٌ ثابت من الرموز : فقد وقع الانصراف من اللغة الشائعة إلى لغة الرموز الجبرية ؛ فتواضع المناطقة المحدثون على بعض الرموز — ولم يتّفقوا عليها اتّفاقا كليّا — فأصبح من الممكن أن نشير إلى العطف أو الجمع بالرمز (∩)، وإلى الأداة (أو) بالرمز (∪)، وإلى التضمّن بالرمز (⊂).
- اللوجستيك : وما أن أطلّ القرن العشرون حتّى ازدهر المنطق ؛ وهو لا يستخدم الرموز فقط، ولكنّه يريد لنفسه أن يشير إشارة دقيقة إلى قواعد استعمال الرموز — وهذا ما يسمّى باللوجستيك.
- والفرق الجوهري عن القياس : أنّ الارتباط بين المبادئ والنتائج ليس تحليليا كما في القياس، بل هو إنشائي، أي يكسبنا معرفة جديدة زائدة على المقدّمات، وينقل الفكر من المعلوم إلى المجهول.
الأوّل — كيف تُبنى النتيجة : لو كان علينا الردّ على السؤال «كم يساوي مجموع زوايا المثلّث ؟» لقلنا إنّه يساوي قائمتين، لأنّنا نعتمد على مبدأ معلوم لدينا مسبقا، وهو أنّ زاوية الخطّ المستقيم لجهة واحدة تساوي قائمتين ؛ ويبقى علينا، انطلاقا من المعلوم، أن نبني استدلالنا غزوًا للمجهول، وذلك بأن نمدّد أحد أضلاع المثلّث. فلاحِظ الكلمة الحاسمة: نبني. المدّة الّتي أضفتَها لم تكن في المقدّمة، وهي الّتي أنتجت العلم الجديد. والثاني — كيف يُحسب الصدق : إذا تصوّرنا العطف بين قضيتين بـ(أ ∩ ب)، فإنّها تكون صادقة عندما تكون (أ) صادقة و(ب) صادقة ؛ أمّا إذا كانت إحداهما كاذبة أو كانتا كاذبتين معا، فإنّ النتيجة تكون كاذبة. وأمّا (أ ∪ ب) فتصدق عندما تكون إحداهما على الأقلّ صادقة، ولا يمكن أن تصدق إذا كانت (أ) كاذبة و(ب) كاذبة. فالصدق هنا يُحسب حسابا، ولا يُتنازع فيه.
ثالثا : السبيل الثاني — من المنطق الثابت إلى المنطق المتغيّر ومتعدّد القيم
يقسم المناطقة المنطق إلى صوري ومادّي: الأوّل يهتمّ بالتصوّرات والمفاهيم والرموز، أي بالفكر من حيث صورتُه ؛ والثاني يتّجه إلى الأشياء ويهتمّ بالفكر من حيث مادّتُه. وعلى هذا الأساس صار السؤال عن المبادئ نفسها ممكنا: أهي معطاةٌ للعقل مرّةً واحدة، أم يصنعها العقل في أثناء عمله ؟
1 ـ من العقل المكوَّن إلى العقل المكوِّن
يذهب «لالاند» إلى التمييز بين ما يسمّيه العقل المكوَّن والعقل المكوِّن: الأوّل عقلٌ داخلي يفرض نفسه، وهو ساكن يُمثَّل بمجموعة المبادئ الثابتة المديرة للمعرفة ؛ والثاني عقلٌ ديناميّ يتكوّن في أثناء نشاطه، ليصبح قادرا على تشكيل أدواته — أي المبادئ — بنفسه، أو تغييرها وتكييفها حسب ما يواجهه من معطيات حسّية جديدة. فهو في نظر التجريبيين دائما في تكوُّن مستمرّ، لأنّه اللوحة الّتي تنطبع فيها معطيات التجربة ؛ وما دامت المعرفة تأتي كلّها من التجربة، فليس هناك إلاّ المبادئ البَعدية، أي الّتي تأتي عن طريق الإحساس والعادة والاعتقاد وتداعي الأفكار. وقد جاءت من ميادين أخرى شهاداتٌ تسند هذا النظر:
- من الأنثروبولوجيا : لقد بيّن «ليفي برول» في عدد من كتبه أنّ الذهنية البدائية تختلف عن الذهنية المتحضّرة اختلافا جذريا ؛ فهي متمرّدة عن مبدأ الهوية وعدم التناقض، إذ إنّ الأشياء يمكن أن تكون نفسها وشيئا آخر غيرها ؛ فهي ذهنية لا تدرك الأشياء كما ندركها نحن. (وهي: «الوظائف الذهنية في المجتمعات السفلية» 1910، و«الذهنية البدائية» 1922، و«الروح البدائية» 1927.)
- من مبدأ السببية : فقد بيّن بعض الأنثروبولوجيين وفلاسفة العلوم أنّ مبدأ السببية — باعتباره مبدأ عالميا للعقل — أخذ يطرح تساؤلات أمام قضايا التفكير السحري، واكتشافاتٍ تثير الشكّ في مبدأ الحتمية ؛ فالإيمان بالقوى المفارِقة لا يُؤخذ في الذهنيات السحرية بمثابة الإيمان العلمي بالسبب في مفهومه المادّي.
- من الفيزياء : كما أنّ مبدأ اللاحتمية، القائل بأنّ هناك ظواهر تنفلت من نظام الكون، وخاصّة في الفيزياء الكوانتية الاحتمالية مع «هيزنبرغ»، أخذ يجدّد النظر في قواعد العلم وأسسه.
- ومن هنا المنطق المتعدّد القيم : وهو الّذي يقبل للقضية قيمةً ثالثة غير الصدق والكذب، أو يجعل قيمتها مرهونةً بالمجال الّذي نعمل فيه — كما رأينا في حدسيّة الأعداد الأولية وفي نظريتَي الإشعاع.
وفيما يتعلّق بتجديد الفكر المنطقي، يمكن القول بأنّ تطوّر المنطق التركيبي من «هيجل» إلى «هاملين» يكفي لتوعيتنا بوجود مبدأ ثالث للعقل، وهو المبدأ الجدلي للوحدة والتركيب. إنّه فاعلٌ في الجهد الاندماجي للمتنافرات في صعيد منطقي سامٍ حيث تلتقي دون أن تمتزج ؛ وهو نفسه مبدأ التقدّم الجدلي الّذي هو جهدٌ لتجاوز التناقض. إنّ الرضا الّذي يشعر به العقل في تخطّي تعارض الأطروحة ونقيضها داخل وحدة ثريّة وعالية للتركيب، يبرهن على أنّنا هنا في أحد المحاور الأساسية للعقل الديناميّ. فإذا كان المنطق القديم يعتمد كلّيا على مبدأ الهوية الثابت الّذي لا يتغيّر والّذي يقضي برفض التناقض، فإنّ المنطق الجدلي يرفض التعامل مع هذا المبدأ، من حيث إنّه يعكس فكرا ساكنا لا يصلح للعالَم الطبيعي والواقعي الّذي لا يتوقّف عن الحركة والسير. إنّ الحركية الّتي تتّسم بها الحياة الخارجية تقوم على مبدأ التناقض أو التغاير: يعني أنّ (أ) لا يبقى (أ)، لأنّه حتما ينتقل إلى (لا أ) الّذي بدوره يتحوّل إلى كائن مغاير له، وهكذا. فالانتقال من (أ) إلى (أ) هو الحلقة المفرغة الّتي يدور فيها الفكر القديم الّذي يرى نفسه دون غيره، وهذا لا يُرتجى منه جديدٌ ولا تقدّم.
إذا كانت مبادئ العقل تتغيّر، أفلا يسقط المنطق كلّه ويصير كلّ رأي جائزا ؟إذا كانت مبادئ العقل تتغيّر، أفلا يسقط المنطق كلّه ويصير كلّ رأي جائزا ؟
لا، وهذا هو موضع الدقّة في الدرس كلّه. فالتوسيع ليس إلغاءً: المنطق الرمزي لم يُبطل قاعدة عدم التناقض، بل جعلها تُحسب حسابا بدل أن يُتنازع فيها بالألفاظ ؛ والمنطق المتعدّد القيم لم يقل إنّ القضية تصدق وتكذب معا في الاعتبار نفسه، بل قال إنّ بعض القضايا لا يصفها الصدق ولا الكذب، أو أنّ صدقها مقيَّد بمجموعة تجريبية معيّنة — وهذا تقييد للحكم، لا رفعٌ له. والدليل أنّ كلّ منطق من هذه المناطق يأتي بقواعده هو أيضا: للوجستيك قواعده في استعمال الرموز، وللجدل قانونه في تجاوز التناقض نحو تركيب أعلى. فالّذي تغيّر هو عدد المبادئ ومجال تطبيقها، لا فكرة أنّ للفكر قانونا. ومن قرأ في هذا الدرس رخصةً في أن يقول ما يشاء، فقد قرأ عكس ما فيه: الخروج من منطقٍ إنّما يكون بالدخول في منطق أضبط منه.
Page 1/5
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net