الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في علوم المادة الجامدة و علوم المادة الحية
الملاحظة العلمية وقيمة الفرضية
- بيان أنّ الملاحظة العلمية ليست استقبالا سلبيا، وتحديد ما يضيفه الفكر إليها
- تمييز مستويات الملاحظة: عادية وعلمية، بسيطة ومسلَّحة، كيفية وكمّية
- تعليل انتقال الباحث من الملاحظة إلى الفرضية، وبيان أنّ الوقائع لا تُنتج الفرضية وحدها
- تقدير قيمة الفرضية بشروطها الثلاثة، والردّ على من يعدّها مجرّد تخمين ذاتي
- خطوات المنهج التجريبي الثلاث وترتيبها
- معنى العلّة والقانون العلمي، ومعنى التفسير
- الفرق بين الحكم الّذي يصف والحكم الّذي يفسّر
مقدمة : طرح المشكلة
يتألّف المنهج التجريبي من ثلاث خطوات أساسية: الملاحظة والفرضية والتجريب. غير أنّ الخطوتين الأوليين تُثيران مشكلةً خاصّة، لأنّهما تبدوان للوهلة الأولى متعارضتين: فالملاحظة تطلب من الباحث أن يتجرّد ويستقبل الظاهرة كما هي، والفرضية تطلب منه أن يضيف إليها من عنده تفسيرا لم تُعطِه. فإن كان صادقا في تجرّده، فمن أين تأتيه الفرضية ؟ وإن كان مضيفا من عنده، فأين ذهبت الموضوعية الّتي بُني عليها المنهج كلّه ؟ ولا يُحَلّ هذا التعارض إلاّ بضبط طبيعة الملاحظة العلمية أوّلا، ثمّ بتقدير قيمة الفرضية ثانيا.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
إنّ الباحث الملاحِظ لا يستقبل كلّ ما يقع في عالَم الأشياء استقبالا سلبيا على نحو ما تصنع الآلة ؛ فهو يملك إلى جانب حواسّه فكرا يساعده على التنظيم العقلي للظواهر. وتدخُّلُ الفكر من شأنه أن يوحي له بفكرة خيالية يفترضها من أجل تفسير ما يبحث عن فهمه في عالَم الأشياء. ولاحِظ ما يترتّب على هذا الوصف من إحراج: إن كان الفكر يتدخّل في الملاحظة نفسها — يوجّه الانتباه، ويختار، وينظّم — فالملاحظة إذن ليست بريئة ؛ وإن كانت غير بريئة، فكيف نطلب من الباحث أن يُقبل على الظاهرة متجرّدا تماما من أحكامه المسبقة ؟ والسؤال الّذي يفرض نفسه: أيكون تدخّلُ الفكر عيبا في الملاحظة، أم هو بالضبط ما يجعلها علمية ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الملاحظة المقصودة ليست مجرّد مشاهدة : وإنّما هي الاتّصال بعالَم الأشياء عن طريق الحواسّ، وتوجيهُ الانتباه إلى ظواهر معيّنة، الغرضُ منه الكشف عن نظامها وفهم أحوالها ؛ وبتعبير آخر، هي مشاهدة الظواهر ومراقبتها بالذهن والحواسّ على ما هي عليه بالذات، رغبةً في الكشف عن خصائصها وتحويلها إلى جملة من المفاهيم أو الظواهر العلمية. فالذهن حاضرٌ في التعريف نفسه، إلى جانب الحواسّ.
- وتدخّل الفكر ليس هو تدخّل الهوى : فثمّة فرقٌ بين أن يوجّه الفكرُ الانتباه إلى ما يستحقّ النظر — وهذا هو التنظيم العقلي — وبين أن تفرض سوابقُ الأحكام على الظاهرة ما ليس فيها. الأوّل شرطُ الملاحظة العلمية، والثاني آفتُها ؛ ولهذا اشتُرط الترفّع عن الأهواء والرغبات وكلّ ما هو ذاتي، ولم يُشترط تعطيلُ الفكر.
- ومن هنا تولد الفرضية بالضرورة : فالعالِم لكي يفهم الحوادث لا يكتفي بملاحظتها ومراقبتها ؛ إنّه يتعدّاها بالبحث عن الوحدة أو القانون الّذي تنتظم تحته الحوادث. فالفرضية ليست خيانةً للملاحظة، بل هي امتدادها الطبيعي: هي الجواب الّذي يقترحه الفكر على السؤال الّذي فتحته العين.
III – وإذا كانت الملاحظة أوّل الخطوات، فهل تكفي وحدها ؟ وما الّذي يمنح الفرضية قيمتها ؟
أولا : ما يميّز الملاحظة العلمية ومستوياتها
إنّ الملاحظة الّتي يقوم بها الرجل العادي في حياته اليومية تختلف عن ملاحظة العالِم. فالرجل العادي لا يبغي التوصّل لكشف علمي، ممّا يجعل ملاحظته عرضية، وغالبا ما تخضع لغرض النفع العامّ ؛ فلا تتضمّن النقد الفاحص للظواهر، ولا تطرح إشكالا ما. أمّا الملاحظة العلمية فإنّها تتجاوز مجرّد المشاهدة: إنّها «تركيزُ الانتباه لغرض البحث، وبصيرةٌ ذات تمييز، وإدراكٌ عقلي لأوجه الشبه والاختلاف، وحدّةُ الذهن وقدرتُه على التمييز والفهم العميق». والعالِم حين يلاحظ ظاهرة معيّنة فإنّ ملاحظته لها تكون بهدف الكشف عمّا هو جديد فيها، ليصبح جزءا مكمّلا لنسق معرفته عن العالَم. ولهذه الملاحظة مستويات:
- عرضية أو مقصودة : فالملاحظة العرضية قد تتحوّل، من خلال النشاط العقلي، إلى ملاحظة مقصودة ومنظَّمة ؛ والتحوّل هنا عمل الباحث لا هبةُ الصدفة.
- بسيطة أو مسلَّحة : فالحواسّ هي الأدوات المباشرة للملاحظة، وعلى وجه أخصّ حاسّة البصر ؛ وإذا كانت سلامتها شرطا ضروريا، إلاّ أنّ أداءها محدودٌ بحدٍّ أعلى وحدٍّ أدنى لا يتجاوزهما، ولذلك تحتاج أحيانا إلى أجهزة تقنية متخصّصة، ترصد حوادث العالَمين: اللاّمتناهي في الكِبَر واللاّمتناهي في الصِّغَر.
- كيفية أو كمّية : فقد تصف الظاهرة بصفاتها، وقد تقيسها على نحو كمّيّ دقيق ؛ والانتقال من الأولى إلى الثانية هو ما يجعل الظاهرة قابلة للتداول بين الباحثين.
- وهي في كلّ أحوالها مشروطة بالتجرّد : بالأناة والصبر، والابتعاد عن سوابق الأحكام، والترفّع عن الأهواء والرغبات وكلّ ما هو ذاتي.
لقد ارتقى الباحثون في شؤون الطبيعة إلى مصافّ العلماء عندما اهتدوا إلى استخدام التجربة في مفهومها المنهجي ؛ ولم يتأتَّ لهم ذلك إلاّ بعد أن اتّضحت لديهم خطوط الانفصال بين الفلسفة والعلم. وتحقّق لهم هذا الانفصال يوم أعرضوا عن طرح المسائل الميتافيزيقية، وتجرّدوا لدراسة الظواهر الّتي تقع تحت المشاهدة دراسةً موضوعية ؛ وهو الأمر الّذي اقتضى منهم الإعراض عن منطق الأهواء وأحكام الذات، وتبنّيَ المنهج التجريبي. ولاحِظ أنّ الشرط الّذي ذُكر هنا هو الشرط نفسه الّذي يُطلب من التلميذ في ملاحظته: الإعراض عن منطق الأهواء وأحكام الذات. فالموضوعية ليست موهبةً عند العلماء، بل هي قاعدةٌ اشتُرطت فصار من التزمها عالِما.
ثانيا : لماذا لا تكفي الملاحظة وحدها
إنّ العالِم لكي يفهم الحوادث لا يكتفي بملاحظتها ومراقبتها ؛ إنّه يتعدّاها بالبحث عن الوحدة أو القانون الّذي تنتظم تحته الحوادث. والسبب أنّ الملاحظة مهما تكرّرت لا تعطي إلاّ ما وقع، ولا تعطي أبدا لماذا وقع ؛ فهي تُحصي ولا تفسّر. ومن هنا تأتي الفرضية، وهي الخطوة الثانية بعد الملاحظة، وهي التفسير المؤقّت للظواهر المبحوثة. وأصدق دليل على أنّ الوقائع وحدها لا تُنتج الفرضية، أنّ الوقائع نفسها كانت معروضة على الجميع:
الفرضية هي — على حدّ تعبير «ماخ» (ت. 1916) — «تفسيرٌ مؤقّت لوقائع معيّنة بمعزل عن امتحان الوقائع ؛ حتّى إذا ما امتُحن في الوقائع، أصبح من بعدُ إمّا فرضا فاشلا يجب العدول عنه إلى غيره، وإمّا قانونا يفسّر مجرى الظواهر.» وفي هذا التعريف جوابُ من يتّهم الفرضية بالذاتية: هي مؤقّتة بالتعريف، ومصيرُها معلَّق على امتحان الوقائع لا على تمسّك صاحبها. وما القانون العلمي في نهاية الأمر سوى فرضية أثبتت التجربة صحّتها. عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات، ط. 3، الكويت، 1977، ص 145
«فظاهرة سقوط الأجسام مثلا ظاهرةٌ مشاهَدة في كلّ دقيقة وعند كلّ إنسان، ومع ذلك لم يصل أحدٌ قبل «نيوتن» إلى وضع قانون الجاذبية.» وهذه الجملة وحدها تهدم تصوّرا شائعا عن العلم: أنّه تراكمُ ملاحظات. فلو كان كذلك لَكان أكثرُ الناس مشاهدةً أكثرَهم علما. والحقيقة أنّ العوامل الخارجية ليست إلاّ مجرّد فرص ومناسبات لوضع الفرضية، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تكون شروطا كافية للافتراض. فالمناسبة تُتاح للجميع، والفرضية لا يضعها إلاّ من كان مستعدّا لها ؛ وهذا الاستعداد هو ما تصنعه الملاحظة العلمية حين تكون مقصودة منظَّمة، لا حين تكون عرضية.
ثالثا : قيمة الفرضية
وإذا ثبت أنّ الفرضية ضرورية، بقي أن نقدّر قيمتها: فهي في معناها العامّ «ظنٌّ، أو تخمينٌ، أو مشروعٌ نتقدّم به لتفسير واقعة ما، أو إيجاد علاقة ما بين مجموعة من الوقائع». وهذا التعريف نفسه يبدو مقلقا: كيف يقوم أوثق مناهجنا على «ظنّ» و«تخمين» ؟ والجواب أنّ قيمة الفرضية لا تُقاس بمصدرها بل بما يُشترط فيها وبما يُفعل بها.
1 ـ الخيال والحدس، والشروط الّتي تضبطهما
إنّ دراسة أعمال العلماء واكتشافاتهم العلمية تكشف لنا صلات وثيقة بين الفرضية والخيال والحدس ؛ فهذه الأعمال والكشوفات هي من التعقيد والتشابك بحيث إنّه حين تستثير العالِمَ مشكلةٌ من المشكلات، فهو مطالَب بأن يأخذ في النظر إليها من جميع جوانبها ليختزلها إلى أقلّ عدد ممكن من المشكلات الجزئية، ويقلّبها على أوجهها المختلفة في الذهن للوصول إلى الحلول المقترحة. والعنصر السيكولوجي المتضمَّن عادةً في الفرضية هو ما يجعل منهج العلم مؤسَّسا على تخمينات جريئة هي من إنشاء التخيّل المبدع ؛ وقد يندفع حلٌّ من الحلول فجأةً أمام ذهن الباحث دون مقدّمات، وهو ما نطلق عليه الحدس أو الإلهام. غير أنّ هذه الحرّية في الوضع تقابلها ثلاثة قيود في القبول:
- أن تبدأ من واقعة مشاهَدة : فالفرضية العلمية ليست فكرةً تُستدعى من الفراغ، بل جوابٌ عن سؤال فتحته الملاحظة ؛ وهذا الشرط هو ما يربطها بالخطوة الأولى ويمنعها من أن تصير تأمّلا حرّا.
- أن تكون ممّا يقبل التحقّق : وهذا أخطر الشروط وأدقّها ؛ فالفرضية الّتي لا سبيل إلى امتحانها لا تكون خاطئة، بل تكون خارج العلم — وهذا أسوأ من الخطأ، لأنّ الخطأ يُصحَّح.
- أن تكون خاليةً من التناقض : فلا تجتمع فيها دعوى ونقيضُها، ولا تلزم عنها نتيجتان متنافيتان ؛ وهنا يعود المنطق ليضع شرطه على العلم التجريبي.
- وبهذه الشروط تتبوّأ مكانتها : كخطوة رئيسة من خطوات المنهج التجريبي، لا كزينةٍ فيه ولا كضعفٍ يُغتفر.
إنّ إنجاز عملية التحقّق من الفرضية لا يحتلّ فقط موقعا محوريا بالنسبة إلى خطوات المنهج في جملتها، بل يكاد يكون هو كلّ هذه الخطوات ؛ إذ لا معنى للملاحظة العلمية في حدّ ذاتها، ولا معنى للفرضية في حدّ ذاتها. إنّ التجربة تستوعب نتائج الخطوتين الأوليين وتوجّههما، بتدوين دستور العلاقات الثابتة بين الظواهر. وهذا هو الجواب الأخير عن سؤالنا: الملاحظة وحدها عمياء عن التفسير، والفرضية وحدها معلَّقة بلا سند ؛ وإنّما تكتسب كلٌّ منهما قيمتها من موقعها في السلسلة. فمن سألني: أيّهما أهمّ، الملاحظة أم الفرضية ؟ فجوابي أنّ السؤال نفسه لا يستقيم، لأنّ كلّ واحدة منهما إنّما هي خطوة، والخطوة لا قيمة لها خارج الطريق.
إذا كانت الملاحظة موجَّهة بالفكر، أفلا يجد الباحث دائما ما يبحث عنه ؟إذا كانت الملاحظة موجَّهة بالفكر، أفلا يجد الباحث دائما ما يبحث عنه ؟
هذا هو الخطر الحقيقي، وقد سمّاه المنهج باسمه: سوابق الأحكام. والفرق بينها وبين التوجيه العقلي المشروع دقيق ولكنّه حاسم: التوجيه العقلي يحدّد أين ننظر، وسوابق الأحكام تحدّد ماذا سنرى. الأوّل سؤال، والثاني جواب سابق لأوانه. ولهذا لم يشترط المنهج على الباحث أن يُفرغ ذهنه — وهو مستحيل — بل اشترط عليه أن يجعل فرضيته قابلة للتحقّق. فالضمانة ليست في نقاء النيّة بل في بنية الفرضية: ما دامت مصوغة بحيث يمكن للوقائع أن تردّها، فقد وضع الباحث نفسه تحت رقابة لا يملك التحايل عليها. وهذا هو معنى قول «ماخ» إنّ الفرضية تصير بعد الامتحان «فرضا فاشلا يجب العدول عنه»: العالِم الحقيقي هو من عدل عن فرضياته مرّاتٍ، لا من لم يخطئ قطّ.
Page 1/5
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net