الإشكالية الثالثة: في المذاهب الفلسفية › في المذهب البرغماتي والمذهب الوجودي
المذهب البرغماتي (معيار الحقيقة هو العمل النافع)
- تحديد ظروف نشأة المذهب البراغماتي وأعلامه، وبيان لماذا ثار على الفلسفات التقليدية المجرّدة
- تعريف البراغماتية انطلاقا من أصل اللفظ ومن غايتها العملية
- صياغة معيار الحقيقة عند البراغماتيين: الصدق صدقٌ لأنّه نافع، وتوظيف أطروحة مسندة لكلّ من بيرس وجيمس وديوي
- استخراج ما يترتّب على هذا المعيار من مواقف: قبول كلّ تصوّر يثمر عملا، والانصراف من المبادئ إلى النتائج
- معنى المذهب الفلسفي والنسق، والفرق بين المنطلق والنتيجة
- تعريف الحقيقة بمطابقة الفكر للواقع، وهو التعريف الذي يعترض عليه هذا المذهب
- الفرق بين الحكم النظري والحكم العملي، وبين الغاية والوسيلة
مقدمة : طرح المشكلة
على الرغم من المفارقات التي نلمسها بين المذهب البراغماتي والمذهب الوجودي، ومن خصوصيات مصدر كلّ منهما، فإنّ لأحدنا الحقّ في أن يتساءل: هل الأصلح لي المذهب الذي يعود عليّ بفائدة تحلّ مشاكلي النظرية والعملية التي تواجهني، أم الذي يسوقني إلى أعماق نفسي فأعيها وأتدبّرها ؟ وهل هو الذي يرفع عنّي الغموض الذي يخيّم على مستقبلي فيستريح عقلي وتطمئنّ نفسي، أم الذي يمدّني بحكمة البدء — قبل كلّ شيء — بمعرفة حقيقة وجودي وبإمكانيات إثباتها من خلال ما أصنع وما أفعل ؟ وللرّدّ على هذه التساؤلات يجدر بنا الوقوف على الأسس الفكرية والمنطقية التي يرتكز عليها كلٌّ من المذهبين ؛ ونبدأ بالبراغماتي، وسؤاله المُشكل: هل يرضى الإنسان في عصر تنشط فيه الصناعة الانسياقَ وراء مذاهب فلسفية مجرّدة لا تحلّ مشاكله المعيشة ؟
I – المذهب البراغماتي : الأسس الفكرية والمنطقية
أولا : كيف ولماذا وقع رفض الفلسفات التقليدية المجرّدة ؟
نشأ المذهب البراغماتي في أمريكا مطلعَ القرن العشرين على يد ثلاثة من أعلام المفكّرين: «تشارلز بيرس» (1839-1914) و«وليم جيمس» (1842-1910) و«جون ديوي» (1859-1952). ولم تكن نشأته في فراغ: فقد عرفت الحياة الاقتصادية في أمريكا تطوّرا ملحوظا بفضل الصناعة، وذلك في وقتٍ اجتاحت فيه الفلسفاتُ الميتافيزيقية العالَم — كالفلسفة المثالية والفلسفة العقلانية وغيرهما. وقرّر المذهب، بحكم منشئه في هذا المحيط المتصنّع، استنكارَ الفلسفة التقليدية التي تجاوزتها الأحداث، والسعيَ إلى بناء منهج عصري يساير حاجات الناس المتجدّدة وتقلّبات رغباتهم اليومية ؛ وهو منهج يدعو إلى الانصراف عن الفكر إلى العمل، استجابةً لضرورات الحياة واستشرافا للمستقبل. وعلى هذا قام المذهب على ركيزتين: رفضِ الفلسفات التقليدية المجرّدة التي ليست في خدمة الحياة، وتأسيسِ منهج جديد أو فلسفة عملية.
أمّا ثورته على الفلسفات المجرّدة فقد شملت الجميع دون تمييز: فقام على الأبحاث المجرّدة والمذاهب المغلقة والحلول المعلّقة في فضاء العلل الأولى والأسباب القبْلية ؛ فحمل على الفلسفة التجريبية التي لا تأخذ إلاّ بالحواسّ الخارجية منكِرةً قضايا الدين والإيمان، وحمل على الفلسفة العقلانية أو المثالية حين كانت حلولها للمشاكل مُغرقة في التجريد وغير مجدية، لأنّ المشاكل التي تطرحها هي بمجرّد خرافات على حدّ تعبير «جيمس». إنّه باختصار يستبشع المطلق والمجرّد والتأمّل الفارغ الذي يُبعد الإنسان عن انشغالاته الحياتية وعن تحقيق ما ينفعه.
ثانيا : تعريف المذهب
البراغماتية — أو الذرائعية — مذهبٌ فلسفي يجعل من كلّ منطلق أو مسلَّمة ذريعةً لتحقيق غايات عملية تعود بالنفع على الإنسان بالمفرد أو على الناس بالجمع. ومهما كانت طبيعة هذا المنطلق الذي نأخذ به — حسّيةً كانت أو عقلية أو ميتافيزيقية — فإنّ المهمّ أن نحقّق بواسطته مطالبَ عملية فعلية. ولفظ «براغْمَه» باليونانية يعني العمل والمزاولة ؛ وقد صاغ «بيرس» قاعدة هذا المذهب سنة 1878 في مقاله «كيف نوضّح أفكارنا لأنفسنا ؟». فكلّ موضوع هو مجرّد وسيلة لتحقيق أغراض الإنسان النظرية منها والعملية ؛ والحياة كلّها عند «جون ديوي» توافقٌ بين الفرد وبيئته.
ثالثا : معيار الحقيقة هو العمل النافع
إنّ أوّل مقياس يؤسّسون عليه قيمة أيّ فرض من الفروض أو منطلَق من المنطلقات هو تحقيق منفعة عملية ؛ وكلّ فكرة أو بحث لا تحمل في طيّاتها مشروعا قابلا لإنتاج آثار عملية نفعية تُعتبر خرافةً، شأنها شأن الكلام الفارغ. ومن هذه الزاوية يخالفون كلّ من يختزل وظيفة الفلسفة في البحث الأكاديمي المجرّد ؛ فإن قبلوا المعاني الميتافيزيقية فبشرط أن تكون ذات قابلية لبلوغ منفعة.
يؤكّد في مقاله «كيف نوضّح أفكارنا لأنفسنا ؟» أنّ كلّ فكرة — أو اعتقاد — لا تنتهي إلى سلوك عملي في دنيا الواقع تُعتبر فكرة باطلة ؛ وأنّ العبرة في ذلك هي العمل المنتج بدلا من التخمينات الفارغة ؛ وفي هذا العمل بالذات نقرأ الصدق والحقّ. ويقول أيضا: إنّ الحقيقة تُقاس بمعيار العمل المنتج، أي أنّ الفكرة خطّة للعمل أو مشروع له، وليست حقيقة في ذاتها. عن توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ط. 5، ص 65
مقياس هذا الصدق أو الحقّ في رأيه لا يقوم في مطابقته لموضوعاته، بل في مدى ما يحقّقه من نتائج للبشرية ؛ وليس ثمّة حقٌّ يقوم بمعزل عن هذه البشرية. وكان يتسامح في قبول كلّ مسلَّمة — ولو كانت ميتافيزيقية — متى أمكن الإفادة منها في الحياة الدنيا، ومتى قصدت أيضا إلى تحرير العقل من قيود العرف وجمود التقليد وطغيان السلطة. فرديناند شيلر (1864-1937)
«إنّي أستخدم البراغماتية بمعنى أوسع، أعني أنّها نظرية خاصّة في الصدق.» «أسمّي الفكرة صادقة حين أبدأ بتحقيقها تحقيقا تجريبيا ؛ فإذا ما انتهيتُ من التحقيق وتأكّدتُ من سلامة الفكرة، سمّيتها نافعة.» وليم جيمس، البراغماتية، ترجمة محمد علي العريان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1965، ص 352-353
«إنّ آية الحقّ النجاح، وآية الباطل الإخفاق» ؛ ويضيف: «الفكرة الصادقة هي تلك التي تؤدّي بنا إلى النجاح في الحياة» (ص 352-353). «إنّ كلّ ما يؤدّي إلى النجاح فهو حقيقي، وإنّ كلّ ما يعطينا أكبر قسط من الراحة وما هو صالح لأفكارنا ومفيد لنا بأيّ حال من الأحوال، فهو حقيقي.» وليم جيمس، البراغماتية، ص 237
وهنا يجتمع الصدق والنفع، أو بتعبير أدقّ: ليس الصدق صدقا إلاّ لأنّه نافع، وليس نافعا إلاّ لأنّه وسيلة تستجيب للواقع المشخَّص للإنسان. ومن هذا الموقع يصير الجدل النظري الخالص عبثا: فالنزاع بين الماديين والروحيين مضيعةٌ للوقت، لأنّه لن ينتهي إلى نتيجة تؤثّر في سلوكنا العملي ؛ ومع ذلك فإنّ النظر إلى مستقبل العالم يرجّح — عندهم — كفّة المذهب الروحي، لا لأنّه أصدق في ذاته، بل لأنّه يملأ الإنسان أملا ويثير في نفسه التفاؤل ويمكّنه من احتمال متاعب الحياة.
يدعم هذا الموقف بتأكيده أنّ الفكر ليس إلاّ ذريعة لخدمة الحياة ؛ ويطالب بتطبيق المنهج العلمي في شتّى مجالات التفكير، وهو منهج يصطحبه الباحث في الخروج من نطاق الفكر إلى نطاق العمل. وبهذا يظلّ مخزون الفكر اقتراحا لحلّ مشكلة، فإن وُفِّق إلى حلّها كان صوابا ؛ وإذا كان هذا المخزون نظريةً فإنّها تصبح أداةً للبحث بدلا من إجابة عن لغز — فهي لا تصلح لنا من أجل أن نستريح، وإنّما من أجل أن نندفع إلى الأمام. عن توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ص 66-67
رابعا : ما الذي يترتّب على هذا المعيار ؟
- قبول كلّ التيارات ما دامت مثمرة : فالبراغماتيون يقبلون التفكير المنطقي وكذا نشاط الحواسّ، ويوافقون على الأخذ في حسبانهم أبسط التجارب وأخصّها ؛ وحتّى التجارب الصوفية يقبلونها إذا ما ترتّبت عنها حواصل عملية.
- صدق المعتقد بأثره : فهم يعتبرون المعتقد الديني صادقا طالما ترتّبت عليه آثار ونتائج عملية في حياتنا اليومية ؛ فصدق المعتقد وصدق المعنى مرهونان بآثارهما العملية.
- تحوّل وظيفة الفلسفة : فقد استحالت على أيديهم إلى منهج لاختبار فاعلية الأحاسيس والأفكار في الحياة ؛ لم تعد تسأل: ما الحقيقة في ذاتها ؟ بل: ماذا يترتّب على أن تكون هذه الفكرة حقّا ؟
- الانصراف من المبادئ إلى النتائج : فالتفكير معهم ينتقل من المبادئ والأوّليات إلى النتائج والغايات ؛ والفكرة لا تستمدّ صدقها من أصلها، بل من مآلها.
إذا كانت الفكرة النافعة صادقة، فهل يعني ذلك أنّ كلّ ما يفيدني صحيح ؟إذا كانت الفكرة النافعة صادقة، فهل يعني ذلك أنّ كلّ ما يفيدني صحيح ؟
لا، وهذا موضع يُخطئ فيه كثيرون. فالمذهب لا يجعل من الفرد مصدرا للحكم على الأشياء بالصدق أو الكذب ؛ الوقائع المادية والعلاقات فيما بينها ليست في حدّ ذاتها صادقة ولا كاذبة، وإنّما هي أشياء موجودة فحسب — وهي خرساء، ونحن الذين نكتشف قيمتها من خلال تجلّياتها النفعية فنصفها بالصدق أو بالكذب. ولهذا يبقى الواقع هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة عندهم: فالنفع الذي يُتحدّث عنه ليس هوًى شخصيا يُرضي صاحبه، بل نتيجة تُختبر في الواقع وتنجح فيه أو تخفق. والفرق بين الموقفين هو الفرق بين «هذه الفكرة أراحتني» و«هذه الفكرة أثمرت عملا نجح» — الأولى شعور، والثانية واقعة يمكن أن يشهد عليها غيري.
Page 1/4
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net