الإشكالية الثانية: في فلسفة العلوم › في العلوم الإنسانية
قيمة العلم وحدوده
- بيان وجه سموّ العلم في تحويل عالم الناس والأشياء: محاربة الجهل والتحكّم في الطبيعة وتيسير حياة الناس
- تحديد حدود العلم الابستيمولوجية: أنّه لا يدرك من الحقيقة إلاّ ما تسمح به طرائق العمل وأدواتها
- التمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبيان لماذا لا يصلح مقياس أحدهما للآخر
- تفسير كون العلم مصدر خير وشرّ في آن واحد، وربط ذلك بالحاجة إلى فلسفة القيم
- نتائج المشكلات السابقة: نسبية الحقيقة العلمية، وعوائق العلوم الإنسانية وحدود نتائجها
- الفرق بين العلوم الإنسانية والعلوم المعيارية، وبين المنطق والأخلاق وعلم الجمال
- الفرق بين الحكم الواقعي والحكم التقديري (حكم القيمة)
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ لمتتبّع كلّ هاته الحملات التي وجّهها النقد الفلسفي للعلم — من نسبية الحقيقة العلمية إلى عوائق العلوم الإنسانية وحدود نتائجها — الحقَّ الشرعي في التساؤل عمّا بقي لهذا العلم من اعتبار في مصفّ المعارف الكبرى التي أبدعتها عبقرية الإنسان. ولكن من جهة أخرى: ماذا يبقى لهذا التساؤل من مبرّر أمام تقدّم العلوم المذهل، وما قدّمته لنا وما تزال من مساعدات جليلة في مجالات شتّى ؟ ولحلّ هذه المفارقة الفلسفية يتعيّن علينا عرض وضعية مشكلة وتحليلها كمدخل، ثمّ الانتقال إلى اكتشاف سموّ العلم في تحويل عالم الناس والأشياء، وضبط مدى قصوره في تحقيق مهامّه، والتساؤل من ثمّة: لماذا يشكّل مصدر خير وشرّ في آنٍ واحد ؟
I – مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
يدخل الحفيد غرفة جدّه بألحان يردّدها كما يسمعها في جهاز قارئ الأقراص عن طريق المسمَّع الذي يصل أذنيه ؛ ـ (ج) : أين مقدّمات الاستئذان والتحية ؟ هل تسمعني ؟ يظهر لي أنّك في عالم الغفلة والشرود ؛ ـ (ح) : ( يُقبِّلُ جدَّه وهو ما يزال مرتبطا بالجهاز ) ؛ ـ (ج) : إنّك حقيقةً متمرِّدٌ عن مناخ البيت ؛ ـ (ح) : الآن أسمعك ؛ فَلِمَ هذا القلق، ولِمَ هذا الحكم القاسي ؛ فما زلتُ حفيدَك البارَّ يا جدّي ؛ ( في هذا الوقت يرنّ الهاتف النقّال الذي يحمله الحفيد، فيجيب الطالبَ وينسى الجدّ ) ؛ ـ (ج) : يا هذا، ما لك تقطع الحديثَ بيننا من غير استئذان ولا وقار ؟ ـ (ح) : ( يقطع المكالمة، ويحاول التملّص من الإجابة ) إنّك بخير ؟ ـ (ج) : لقد فَتَحْنا عيوننا في مناخ الألفة الواسعة، وفتحنا آذاننا على لغتنا وتراثنا من أمثال وألغاز وقصائد شعبية ؛ وما كنّا حافظين للعهد لولا تقديرُنا لقِيَم المجالسة الحميميّة والإصغاء المباشر والتواصل الحيّ، دون هذه الوسائط المشوَّشة.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الجهاز حاضرٌ في المشهد كلّه : قارئ الأقراص والمسمَّع والهاتف النقّال ؛ وكلّها ثمرة علم وتكنولوجيا، وكلّها في يد شابّ لا يشعر أنّه يستعمل «علما»، لأنّ التطبيق العلمي حين يعمّ يصير جزءا من الأثاث اليومي. فأوّل ما يعلّمنا الحوار أنّ قيمة العلم لا تُقاس في المخبر وحده، بل في البيت.
- النزاع ليس على الجهاز، بل على القيم : فالجدّ لا ينكر على حفيده وسيلته، وإنّما ينكر ما ذهب معها: الاستئذان، والتحية، والوقار، والإصغاء المباشر. وهذه كلّها ليست وقائع تُقاس، بل قيمٌ تُقدَّر ؛ والعلم الذي أنتج الجهاز لا يملك في شأنها حكما.
- سؤالٌ ترك معلّقا : فالحوار لا ينتهي إلى إدانة العلم ولا إلى تبرئته، وإنّما يضعنا أمام مفارقة: الوسيلة نفسها التي قرّبت البعيد باعدت بين القريبين. فمن أين تأتي هذه الازدواجية: أمِن العلم نفسه، أم ممّن يستعمله ؟
II – سمو العلم في تحويل عالم الناس والأشياء
أولا : محاربة الجهل ورعاية التحكّم في الطبيعة
أوّل ما يُحسَب للعلم أنّه أخرج الإنسان من تفسير الظواهر بالخرافة إلى تفسيرها بالعلل ؛ فحيث كان الجهل يملأ الفراغ بالأوهام، صار المنهج يملؤه بالفرض المختبَر والقانون المدوَّن. وهذا الكسب لم يقتصر على علوم المادّة: فحتّى في أصعب الميادين — حيث الموضوع إنسانٌ لا يُعاد ولا يُقاس — استطاع العلماء أن يحرّروا الدراسات من الاعتبارات الخرافية، وأن يثبتوا لكلّ ميدان موضوعَه ومنهجيته واستنتاجاته. وبمقدار ما فُهمت الظاهرة أمكن التحكّم فيها: فالمعرفة بأسباب الشيء هي في الوقت نفسه معرفةٌ بشروط تغييره. وهكذا انتقل الإنسان من موقع المتفرّج على الطبيعة إلى موقع المتصرّف فيها، حتّى بلغ تحويل العالم وإنشاء عالم التكنولوجيا.
ثانيا : تيسير حياة الناس
ولم يبقَ العلم حبيس المخابر والمجلاّت المتخصّصة: لقد دخل بالفعل البيوت والمدارس والمصانع وميادين القضاء والتجارة والدفاع. ويكفي أن ننظر إلى مشهد الحوار: صوتٌ مسجّل يُسمَع متى شاء صاحبه، ومكالمة تصل في لحظتها من مكان بعيد ؛ وهي أمورٌ كانت في زمن الجدّ من باب المستحيل. ويضاف إلى التيسير المادّي تيسيرٌ آخر أقلّ ظهورا: فالدراسات الإنسانية فتحت للإنسان نافذة يطلّ منها على نفسه وما يجري في دواخلها من إحساسات وميول ومقاصد، فيتمكّن من مراقبتها ؛ ومنحه التاريخ هويّته ومرجعيةً ينهل منها مقوّماته ؛ وصحّحت له الدراسات الاجتماعية أحكاما تعسّفية كان يصنّف بها الشعوب. فالعلم لم يغيّر محيط الإنسان فحسب، بل غيّر نظرته إلى نفسه وإلى غيره.
III – مدى قصور العلم في تحقيق مهامه
أولا : لا يدرك من الحقيقة إلاّ ما تسمح به طرائق العمل وأدواتها
إنّ العلوم على اختلاف أصنافها لا تدرك من الحقيقة إلاّ ما تسمح به طريقةُ العمل وأدواتُها. وهذا ليس عيبا عارضا يُرجى زواله بتحسين الأجهزة، بل هو حدٌّ ملازم لفكرة المنهج نفسها: فكلّ منهج يُقصي ما لا يستطيع تناوله، وكلّ أداة لا ترينا إلاّ ما صُنعت لتريه. وقد رأينا ذلك في كلّ مشكلة سبقت: الحقائق العلمية قوانين تعبّر عن علاقات «ثابتة» في شروط معيّنة، والمؤرّخ لا يبلغ الحادثة بل أثرها، وعالم النفس لا يبلغ الشعور بل السلوك الذي يظهر منه، وعالم الاجتماع لا يعالج الوقائع «على أنّها أشياء» إلاّ بقاعدة منهجية يعرف هو نفسه أنّها ليست وصفا لطبيعتها. فما يقدّمه العلم ليس الحقيقة كلّها، وإنّما ما استطاعت أدواته أن تمسك به منها.
ثانيا : من عواقب ازدهار العلم والتكنولوجيا
ويتجاوز القصور حدود المعرفة إلى آثار العلم في حياة الناس. فالجدّ في الحوار لا يشكو من جهاز، وإنّما يشكو من وسائط مشوَّشة حلّت محلّ المجالسة الحميمية والإصغاء المباشر والتواصل الحيّ. والحفيد حاضرٌ بجسده غائبٌ بسمعه، يقطع حديث الحاضر ليجيب الغائب. فما وفّرته التكنولوجيا من سرعة في الاتّصال أنقصته من كثافة العلاقة ؛ وما يسّرته من بلوغ البعيد جعله يزاحم القريب. وهذه عاقبةٌ لا يفسّرها القانون العلمي الذي صنع الجهاز، لأنّها ليست من جنسه: إنّها تمسّ الروابط والعادات والقيم — أي كلّ ما لا يدخل في حساب المهندس.
ثالثا : لا يقاس ما ينبغي أن يكون بمقياس ما هو كائن
وهنا يظهر الحدّ الأعمق: فالعلوم — إنسانيةً كانت أو تجريبية — تهتمّ بما هو كائن، أي بما هو ماثل أمامنا ؛ في حين أنّ العلوم التي تُدعى معيارية تهتمّ بما ينبغي أن يكون، أي بما تحمله الأماني: فالمنطق ومعياره الحقّ يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير السليم، وعلم الأخلاق ومعياره الخير يضع القوانين التي ينبغي أن يسير بمقتضاها السلوك الإنساني، وعلم الجمال ومعياره الجمال يبحث في القواعد التي يجب الالتزام بها عند تقويم عمل فنّي. ومن هنا فإنّ مطالبة العلم بأن يقول لنا ما ينبغي أن نفعل خطأٌ في المنهج قبل أن يكون خطأ في النتيجة: هو يصف ما هو كائن ويفسّره ويتنبّأ به أحيانا، ولكنّه لا يستنبط من الوصف حكم قيمة. فمعرفة ما يستطيع الإنسان فعله شيء، وتقدير ما يحقّ له فعله شيء آخر ؛ والمقياس لا يزن ما لم يُصنع لوزنه.
رابعا : اضطراب الحسّ الجمالي
ويصدق هذا في مجال الجمال بوجه خاصّ. فالتقدير الجمالي مختلَفٌ فيه بطبعه: هذا يرى الأيّام الجميلة في صحو الأجواء وصفاء السماء من الغيوم وسطوع الشمس، وذاك يراها في الرطوبة وسقوط الأمطار وإحياء الأرض بعد موتها وإغاثة الفلاحين والعطشى. وهذا الاختلاف أمرٌ طبيعي لأنّه يتعلّق بالأذواق. ويضاف إلى ذلك أنّ رؤية الأشياء الجميلة لا تعني رؤية «الجمال»، كما أنّ رؤية السلوك الخيّر لا تعني رؤية «الخير» ؛ فالجمال والخير وكذا الحقّ كلّها معايير نسعى إلى بلوغها أو نجتهد على الأقلّ من أجل الاقتراب منها. فإذا طُلب من العلم أن يحسم في الذوق، أو إذا تُرك الذوق لما تنتجه الآلة وتعمّمه، اضطرب الحسّ الجمالي: لا لأنّ الآلة رديئة، بل لأنّ المعيار لا يُستمدّ من الأداة.
IV – لماذا يشكّل العلم مصدر خير وشرّ في آن واحد ؟
- مصدر المشاكل : لأنّ العلم يمنح قدرةً ولا يمنح غاية. فهو يعلّمنا كيف نفعل، ولا يقول لنا لماذا نفعل ولا إلى أين ننتهي. والقدرة إذا خلت من غاية تولّت الأهواءُ توجيهها ؛ فالأداة الواحدة تقرّب وتباعد، وتشفي وتؤذي، بحسب اليد التي تمسكها والنيّة التي تحرّكها. ولذلك لم يكن الخلاف في الحوار على الجهاز، بل على ما فعله الناس به.
- تنشيط فلسفة القيم : ولهذا فإنّ ازدهار العلم لا يُلغي الفلسفة بل يستدعيها. فكلّما اتّسعت قدرتنا على الفعل، اشتدّت الحاجة إلى من يسأل عن الغاية والمعيار: ما ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن. فالعلم يوسّع مجال الممكن، وفلسفة القيم هي التي تفصل في المرغوب فيه من هذا الممكن — وهذا هو الميدان الذي لا ينوب فيه العلم عن أحد.
خاتمة : حل المشكلة
إنّ الحملات التي وجّهها النقد الفلسفي للعلم لم تُسقط من قيمته شيئا، لأنّها لم تكن تطالبه بأن يكون معصوما، وإنّما تطالبه بأن يعرف حدوده. فالعلم يبقى أرقى ما أبدعته عبقرية الإنسان في مجاله: به حارب جهله، وتحكّم في الطبيعة، ويسّر حياته، وفهم نفسه ومجتمعه وماضيه. غير أنّه لا يدرك من الحقيقة إلاّ ما تسمح به طرائق العمل وأدواتها، ولا يملك أن ينتقل من وصف ما هو كائن إلى تقرير ما ينبغي أن يكون. فهو مصدر خير وشرّ في آن واحد لا لأنّه ناقص في ذاته، بل لأنّه قدرةٌ بلا غاية: يعطي الوسائل ويسكت عن المقاصد. ومن هنا كانت قيمته الحقيقية مشروطة بما يجاوره لا بما يلغيه: علمٌ يتقدّم، وفلسفة قيمٍ تسأله دائما إلى أين.
إذا كان العلم لا يقول لنا ما ينبغي أن يكون، فمن يقوله ؟ وهل يبقى كلامه مجرّد رأي ؟إذا كان العلم لا يقول لنا ما ينبغي أن يكون، فمن يقوله ؟ وهل يبقى كلامه مجرّد رأي ؟
يقوله من صُنع لهذا الغرض: العلوم المعيارية — المنطق ومعياره الحقّ، وعلم الأخلاق ومعياره الخير، وعلم الجمال ومعياره الجمال. وهذه لا تدرس ما هو ماثل أمامنا، وإنّما تبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير والسلوك والذوق ؛ فهي علومٌ بمعيارها لا بموضوعها. ومن ظنّ أنّها «مجرّد آراء» لأنّها لا تصف واقعا، فقد طلب منها أن تكون من جنس آخر. ولاحظ الدليل الذي يقدّمه الحوار نفسه: الجدّ لا يجادل حفيده في وقائع — الجهاز يعمل، والمكالمة وصلت، ولا خلاف في ذلك ؛ وإنّما يجادله في الاستئذان والتحية والوقار والإصغاء المباشر. فلو كان كلّ ما يُقال قابلا للردّ إلى وقائع تُقاس، لَما كان لهذا الحوار موضوع أصلا. وهذا بالضبط هو الميدان الذي يتّسع كلّما اتّسع العلم: فكلّما زاد ما نستطيع فعله، زادت الحاجة إلى من يسأل عمّا يحقّ لنا أن نفعله.
Page 1/7
© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net