Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 9 مظاهر ازدهار الكتابة الفنية (المقالة أنموذجا)

منزلة المثقّفين في الأمّة (البشير الإبراهيمي)

🔊 La maîtresse lit pour toi

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

محمّد البشير الإبراهيميّ (1889 – 1965م) رجلُ إصلاحٍ وأدبٍ وسياسة، وأحدُ روّاد النّهضة في الجزائر الحديثة. عمل على استرجاع الجزائر هويّتَها، وعلى النّهوض بالمجتمع الجزائريّ حتّى يلحق بالمجتمعات المتقدّمة. كان شغلَه الشّاغلَ التّربيةُ والتّعليم، يؤمن بأنّ العلم والأخلاق دعامةُ تقدّم الشّعوب والأمم. ويُعرَف الإبراهيميّ بكتاباته الأدبيّة الرّاقية، وقد خلّف مجموعةً من المقالات جُمِعَ معظمُها في «عيون البصائر».

🚪تقديم النّصّ

إشكاليّةُ الثّقافة والمثقّف تُطرَح في المراحل الحسّاسة من تاريخ الأمّة: حين تصبو إلى النّهضة أو إلى التّحرّر. وتتعدّد الآراء في «من هم المثقّفون»؟

فما رأيُ الكاتب؟ — اقرأِ النّصَّ باحثا عن جوابين اثنين: مَن هم المثقّفون في نظر الإبراهيميّ؟ وما الواجبُ الّذي يحمّلهم إيّاه؟

📜النّصّ

المثقّفون في الأمم الحيّة هم خيارُها وسادتُها وقادتُها وحرّاسُ عزّها ومجدِها. تقوم الأمّةُ نحوهم بواجب الاعتبار والتّقدير، ويقومون هم لها بواجب القيادة والتّدبير، وما زالت عامّةُ الأمم، من أوّل التّاريخ، تابعةً لعلمائها وأهلِ الرّأي والبصيرة فيها، تحتاج إليهم في أيّام الأمن وفي أيّام الخوف. تحتاج إليهم في أيّام الأمن لينهجوا لها سبيلَ السّعادة في الحياة، ويُغَذُّوها من علمهم وآرائهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال، وتحتاج إليهم في أيّام الخوف ليحلّوا لها المشكلات المعقّدة ويخرجوها من المضائق محفوظةَ الشّرف والمصلحة.

والمثقّفون هم حفظةُ التّوازن في الأمم، وهم القَوَمَةُ على الحدود أن تُهدَم وعلى الحرمات أن تُنتَهَك وعلى الأخلاق أن تزيغ، وهم الميزانُ لمعرفة كلِّ إنسانٍ حدَّ نفسِه، يراهم العاميُّ المقصِّرُ فوقَه فيتقاصر عن التّسامي لما فوق منزلته، ويراهم الطّاغي المتجبّرُ عيونا حارسةً فيتراجع عن العبث والاستبداد. إذا كانوا متبوعين فمن حقّ غيرهم أن يكون تابعا، أو كانوا في المرتبة الأولى فمن حقّ غيرهم أن يكون في الثّانية، ولا أضرَّ على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب النّاس، ولكن هل عندنا مثقّفون بالمعنى الصّحيح لهذه الكلمة؟ ومادام حديثنا في دائرة محدودة وهي الأمّةُ الجزائريّة بصفتها الحاضرة، وتفصيلُنا للقول إنّما هو على مقدارها فلنقلْ مخلصين: هل فينا مثقّفون بالمعنى الصّحيح الكامل لهذه الكلمة؟ ولنكن صرحاء إلى أبعد حدّ. الحقُّ أنّه يوجد في الأمّة الجزائريّة اليوم مثقّفون على نسبة حالها، وعلى حسب حظّها من الإقبال على العلم، وعلى مقدار الوسائل الّتي تهيّأت لها في ذلك — ولكنّ المثقّفين منّا قليلٌ جدّا لا في الكمّ والعدد ولا في الكيف والحالة، ولا نطمع في زيادة عدد المثقّفين إلّا إذا زاد شعورُ الأمّة بضرورة التّثقيف، وتهيّأت أسبابُه أكثر ممّا هي متهيّئةٌ الآن — ولا نطمع في زيادة الكيفيّة إلّا إذا توحّدت طرائقُ التّثقيف وجرت على ما يوافق روحَ الأمّة في دينها وعقائدها الصّحيحة وتاريخها ولغتها وجميع مقوّماتها، واتّحدت الأهواءُ المتعاكسة واتّفقت المشاربُ المختلفة في الأمّة وصحّت نظرتُها للحياة وصحّ اختيارُها لطرقها المناسبة لوجودها.

إنّ أوّلَ واجبٍ على المثقّفين إصلاحُ أنفسهم قبل كلّ شيء، كلُّ واحدٍ في حدّ ذاته، إذ لا يُصلِحُ غيرَهُ مَنْ لم يُصلِحْ نفسَهُ، ثمّ إكمالُ نقائصهم العلميّة واستكمالُ مؤهّلاتهم التّثقيفيّة حتّى يصلحوا لتثقيف غيرهم، إذ ما كلُّ مثقّفٍ يكون أهلا لأن يثقّف، وإذا كان المثقّفون قبل اليوم في حالة إهمال فحالتُهم إذا هيّأوا أنفسَهم لتأدية الواجب تستلزم اهتماما آخرَ واستعدادا جديدا، وثاني واجبٍ هو إصلاحُ مجتمعهم كلُّ طائفةٍ مع كلّ طائفةٍ بالتّعارف أوّلا وبالتّقارب في الأفكار ثانيا، ومن طبيعة الاجتماع أنّه يحذف الفضولَ واللّغو، وبالتّفاهم في إدراك الحياة وتصحيح وجوه النّظر إليها ثالثا، وبالاتّفاق على تصحيح المقياس الّذي تُقاس به درجةُ الثّقافة رابعا.

وهذه النّقطةُ الأخيرة من ألزم اللّوازم، فإنّ التّباعد بين المثقّفين وخصوصا بين أهل الثّقافة العربيّة والثّقافة الأوروبيّة، أدّى إلى فتح الباب وكثرة المتطفّلين، فأنا من جهتي لا أرضى بحالٍ أن أَحشُرَ في زمرة المثقّفين كلَّ مَن يكتب بالعربيّة الصّحيحة مقالةً في جريدة ولا كلَّ مَن يستطيع أن يخطب في مجتمع، وهو مع ذلك عارٍ من الأخلاق أو لا يُحسِن الضّروريّاتِ من المعارف العصريّة، وما أكثرَ هذا الصّنفَ فينا، وهم يُعَدُّون في نظر النّاس وفي نظر أنفسهم من المثقّفين، وأنا أُشْهِدُ اللهَ أنّ هذا ظلمٌ للثّقافة ما بعده ظلم، كما أنّه يوجد في قرّاء الفرنسيّة عددٌ كثيرٌ من حملة الشّهادات يزعمون لأنفسهم أو يزعم لهم النّاس أو يزعم لهم العرفُ الخاطئ أنّهم من المثقّفين، وهذا كذلك ظلمٌ للثّقافة لا أرضاه. وإنّ أمثال هؤلاء من الطّرفين لو دخلوا في عملٍ أفسدوه، لنقص معلوماتهم أو فساد أخلاقهم وقِصَر أنظارهم وجهلهم بالتّطبيق، ولا نستريح من هؤلاء إلّا إذا جاء وقتُ العمل، فإنّ القافلة إذا سارت وشدّت الرِّحال تخلّف العاطلُ، وظهر الحقُّ من الباطل.

آثار الإبراهيميّ — ج2

📖أثري رصيدي اللّغويّ

في معاني الألفاظ:
  • القَوَمَة: من الفعل قام يقوم فهو قائم، وجمعُه قائمون وقَوَمَة، أي الرّاعون والحارسون لمصالح الأمّة؛
  • تزيغ: تنحرف؛
  • الاستبداد: التّفرّد بالحكم.
⚖️ لاحظْ أنّ الكاتب اختار القَوَمَة ولم يقلْ الحرّاس: الجمعُ القديمُ يحمل معنى القيام بالأمر لا مجرّدَ الحراسة. وهذه العنايةُ بانتقاء اللّفظ هي ما ستعود إليه في «أحدّد بناء النّصّ».

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة مستخرَجةٌ من النّصّ نفسِه: اقرأْ أوّلا، ثمّ افتحِ الجوابَ لتقابلَه بما وجدْتَ. كلُّ جوابٍ يذكر الفقرةَ الّتي يستند إليها.
لِمَ تحتاج الأمّةُ إلى مثقّفيها أيّامَ الأمن؟ ولِمَ تحتاجُ إليهم أيّامَ الخوف؟
الفقرة الأولى تفصل الحاجتين تفصيلا:
  • أيّامَ الأمن: لينهجوا لها سبيلَ السّعادة في الحياة، ويُغَذُّوها من علمهم وآرائهم بما يحملها على الاستقامة والاعتدال — أي وظيفةُ التّوجيه والبناء؛
  • أيّامَ الخوف: ليحلّوا لها المشكلات المعقّدة ويخرجوها من المضائق محفوظةَ الشّرف والمصلحة — أي وظيفةُ الإنقاذ؛
  • ⟸ فالحاجةُ إليهم دائمة، وإنّما يتغيّر دورُهم بتغيّر حال الأمّة.
كيف ينظر كلٌّ من العاميّ والطّاغي إلى الفئة المثقّفة؟
الفقرة الثّانية تقابل بين نظرتين:
  • العاميُّ المقصّر يراهم فوقه، فيتقاصر عن التّسامي لما فوق منزلته — نظرةُ إجلالٍ تردعه عن تجاوز حدّه؛
  • الطّاغي المتجبّر يراهم عيونا حارسة، فيتراجع عن العبث والاستبداد — نظرةُ خشيةٍ تردعه عن الظّلم؛
  • ⟸ وبهذا يصحّ قولُ الكاتب إنّهم الميزان لمعرفة كلِّ إنسانٍ حدَّ نفسِه: الميزانُ واحدٌ والوزنُ يختلف.
هل كانت الجزائرُ تحظى في عصر الكاتب بنسبةٍ كبيرة من المثقّفين؟
لا. والنّصّ يقولها بصراحةٍ في الفقرة الثّانية:
  • «الحقُّ أنّه يوجد في الأمّة الجزائريّة اليوم مثقّفون على نسبة حالها… ولكنّ المثقّفين منّا قليلٌ جدّا»؛
  • والنّقصُ مزدوجٌ: «لا في الكمّ والعدد ولا في الكيف والحالة»؛
  • ⟸ فالقلّةُ ليست في العدد وحدَه — وهذا ما يجعل الحلَّ عند الكاتب أعمقَ من مجرّد تكثير الشّهادات.
متى تحظى الجزائرُ — في نظر الكاتب — بما يكفيها من المثقّفين؟
📜النّصّ يضع شرطين، واحدا للكمّ وواحدا للكيف (الفقرة الثّانية):
  • في الكمّ: «لا نطمع في زيادة عدد المثقّفين إلّا إذا زاد شعورُ الأمّة بضرورة التّثقيف، وتهيّأت أسبابُه أكثر ممّا هي متهيّئةٌ الآن»؛
  • في الكيف: «لا نطمع في زيادة الكيفيّة إلّا إذا توحّدت طرائقُ التّثقيف وجرت على ما يوافق روحَ الأمّة في دينها وعقائدها الصّحيحة وتاريخها ولغتها وجميع مقوّماتها»؛
  • ويُلحِق بهما شرطا اجتماعيّا: أن تتّحد الأهواءُ المتعاكسة وتتّفق المشاربُ المختلفة، وتصحّ نظرةُ الأمّة للحياة واختيارُها لطرقها.
ما هو الواجب الأوّل للمثقّفين؟
الفقرة الثّالثة تفتتح بجواب صريح:
  • «إنّ أوّلَ واجبٍ على المثقّفين إصلاحُ أنفسهم قبل كلّ شيء، كلُّ واحدٍ في حدّ ذاته»؛
  • وعلّتُه في الجملة نفسِها: «إذ لا يُصلِحُ غيرَهُ مَنْ لم يُصلِحْ نفسَهُ»؛
  • ويتبعُه واجبٌ ثانٍ ملحقٌ بالأوّل: إكمالُ النّقائص العلميّة واستكمالُ المؤهّلات التّثقيفيّة، «إذ ما كلُّ مثقّفٍ يكون أهلا لأن يثقّف».
كيف تتمّ عمليّةُ إصلاح المجتمع؟
الفقرة الثّالثة ترتّبها في أربع خطوات مرقَّمة بلفظها:
  • أوّلا — بالتّعارف بين الطّوائف؛
  • ثانيا — بالتّقارب في الأفكار؛
  • ثالثا — بالتّفاهم في إدراك الحياة وتصحيح وجوه النّظر إليها؛
  • رابعا — بالاتّفاق على تصحيح المقياس الّذي تُقاس به درجةُ الثّقافة.
⭐ ولاحظِ التّرتيبَ: من التّعارف (أيسرُها) إلى المقياس (أصعبُها). والكاتب نفسُه يقول عن الرّابعة إنّها «من ألزم اللّوازم» — فهو يعرف أنّها الأثقل.
ما الّذي يعتبره الكاتبُ ظلما للثّقافة؟
الفقرة الرّابعة تسمّي ظلمين متقابلين، لا ظلما واحدا:
  • أن يُحشَر في زمرة المثقّفين كلُّ من يكتب بالعربيّة الصّحيحة مقالةً في جريدة، أو كلُّ من يستطيع أن يخطب في مجتمع، «وهو مع ذلك عارٍ من الأخلاق أو لا يُحسِن الضّروريّاتِ من المعارف العصريّة» — «وأنا أُشْهِدُ اللهَ أنّ هذا ظلمٌ للثّقافة ما بعده ظلم»؛
  • وأن يُعَدَّ من المثقّفين حملةُ الشّهادات من قرّاء الفرنسيّة الّذين «يزعمون لأنفسهم أو يزعم لهم النّاس أو يزعم لهم العرفُ الخاطئ أنّهم من المثقّفين» — «وهذا كذلك ظلمٌ للثّقافة لا أرضاه»؛
  • ⟸ فالكاتبُ لا يهاجم لغةً دون لغة: هو يهاجم الادّعاء في الطّرفين معا.

💬أناقش معطيات النّصّ

يرى الكاتبُ أنّ المثقّفين هم أعمدةُ المجتمع والأمّة. هل توافقه في ذلك؟ علّلْ.
⛔ هذا حكمٌ، والحكمُ يُبنى ولا يُتلقّى: لا تجدْ هنا رأيا جاهزا تنقلُه، بل الطّريقَ إلى رأيك أنتَ، والمادّةَ الّتي يقوم عليها.
① المادّةُ الّتي يقدّمها النّصّ لمن يوافق:
  • وظيفةٌ في السّلم: التّوجيه إلى «سبيل السّعادة في الحياة» و«الاستقامة والاعتدال»؛
  • وظيفةٌ في الأزمة: حلُّ «المشكلات المعقّدة» والإخراجُ من المضائق «محفوظةَ الشّرف والمصلحة»؛
  • وظيفةٌ أخلاقيّة: هم «حفظةُ التّوازن» و«الميزان» الّذي يردع العاميَّ والطّاغيَ معا.
② المادّةُ الّتي يقدّمها النّصّ لمن يقيّد موافقتَه:
  • الكاتب نفسُه يقول إنّ «ما كلُّ مثقّفٍ يكون أهلا لأن يثقّف» — فالعمادُ ليس كلَّ مثقّف؛
  • وهو يذكر المتطفّلين الّذين «لو دخلوا في عملٍ أفسدوه» — فالصّفةُ وحدَها لا تُنهِض أمّة.
③ خطواتُ بناء جوابك، بالتّرتيب:
  1. حدّدْ موقفك في جملةٍ واحدة (موافقٌ / موافقٌ بشرط / مخالف)؛
  2. استدلَّ بشاهدين من النّصّ على الأقلّ، وانقلْهما بنصّهما؛
  3. أضفْ حجّةً من خارج النّصّ (مثالٌ من تاريخ الجزائر أو من واقعك)؛
  4. اختمْ بردّ الاعتراض المضادّ: ماذا تقول لمن يحتجّ عليك بـ«المتطفّلين»؟
من هو المثقّفُ الحقّ في نظر الكاتب؟ وما هي المقاييسُ الّتي تجعله كذلك؟
الجوابُ مبنيٌّ من الفقرتين الثّالثة والرّابعة:
  • تعريفُه: هو الّذي يهتمّ بإصلاح نفسه قبل أن يهتمّ بإصلاح مجتمعه، الحريصُ على مصالح الأمّة، المدافعُ عن مقوّماتها؛
  • المقياس الأوّل — حسن الخُلُق: لأنّ الكاتب يستثني صراحةً من هو «عارٍ من الأخلاق»؛
  • المقياس الثّاني — التّأهيلُ العلميّ والمعرفيّ: لأنّه يستثني كذلك من «لا يُحسِن الضّروريّاتِ من المعارف العصريّة»، ويشترط «إكمالُ نقائصهم العلميّة واستكمالُ مؤهّلاتهم التّثقيفيّة»؛
  • ⟸ فالمعادلةُ عند الإبراهيميّ: علمٌ صحيحٌ + خلقٌ رفيعٌ = ثقافةٌ حقّة، وما نقص أحدُ طرفيها فليس ثقافة.
ما الهدفُ الّذي يرمي إليه الكاتب في حديثه عن «متطفّلي الثّقافة»؟ وضّحْ.
ثلاثةُ أهدافٍ متلاحقة، تُقرأ في الفقرة الرّابعة — واللّفظُ لفظُ النّصّ نفسِه: «أدّى إلى فتح الباب وكثرة المتطفّلين»:
  • تصحيحُ ماهيّة الثّقافة الحقّة — أن يُعرَف المثقّفُ بما يحمل، لا بما يُقال عنه؛
  • الدّعوةُ إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة — فهو يشترط العربيّةَ الصّحيحة و المعارفَ العصريّة، ويعيب التّباعدَ «بين أهل الثّقافة العربيّة والثّقافة الأوروبيّة»؛
  • تعريةُ الانتهازيّين وأشباه المثقّفين، وحثُّ المثقّفين الحقيقيّين على القيام بواجبهم نحو الأمّة.
⚖️ ولاحظْ أنّ الكاتب لا يترك التّعرية بلا معيارٍ زمنيّ: «ولا نستريح من هؤلاء إلّا إذا جاء وقتُ العمل». فالامتحانُ عنده هو العمل، لا الجدل.
نتحدّث كثيرا عن أمّةٍ حيّةٍ وأخرى ميّتة، ولغةٍ حيّةٍ وأخرى ميّتة. ما المقصود من هذه المفاهيم؟ وما معيارُ هذا التّصنيف؟
① ما يعطيه النّصّ مباشرةً — تعريفُ الأمّة الحيّة (الفقرة الأولى):
  • هي الّتي لها مثقّفون هم «خيارُها وسادتُها وقادتُها وحرّاسُ عزّها ومجدها»؛
  • والّتي يتبادَل فيها الطّرفان الواجبَ: «تقوم الأمّةُ نحوهم بواجب الاعتبار والتّقدير، ويقومون هم لها بواجب القيادة والتّدبير»؛
  • ⟸ فالمعيارُ ليس العددَ ولا الثّروة، بل أداءُ الوظيفة: أمّةٌ تُنتِج نخبتَها ثمّ تتبعها.
② وما يقابلُها في النّصّ نفسِه — علامةُ الأمّة الّتي فقدت حياتها:
  • «ولا أضرَّ على الأمم من الفوضى في الأخلاق والفوضى في مراتب النّاس»؛
  • أي حين يسقط الميزانُ فلا يُعرَف لكلِّ إنسانٍ حدُّ نفسِه — وهي الحالُ الّتي يصفها الكاتب في الجزائر: مثقّفون قليلون، ومتطفّلون كثيرون.
③ والاستنتاجُ الّذي يُنقل به المعيارُ من الأمّة إلى اللّغة — خطوتان لا أكثر:
  1. المعيارُ في النّصّ هو الوظيفة: حيٌّ ما يؤدّي وظيفتَه، ميّتٌ ما تعطّلت وظيفتُه؛
  2. واللّغةُ عند الكاتب واحدةٌ من مقوّمات الأمّة الّتي يجب أن يجري عليها التّثقيف: «ما يوافق روحَ الأمّة في دينها وعقائدها الصّحيحة وتاريخها ولغتها وجميع مقوّماتها» ⟸ فاللّغةُ الحيّةُ هي الّتي ما تزال تحمل علمَ أهلها وحياتَهم، والميّتةُ هي الّتي انقطعت عن ذلك.

🧱أحدّد بناء النّصّ

برزت أساليبُ التّوكيد في النّصّ. استخرجْ بعض النّماذج وبيّنِ الغرضَ منها.
نماذجُ من النّصّ، ولكلٍّ أداتُه:
  • «إنّ أوّلَ واجبٍ على المثقّفين…» — التّوكيد بـإنّ؛
  • «المثقّفون في الأمم الحيّة هم خيارُها وسادتُها» — التّوكيد بضمير الفصل هم؛
  • «الحقُّ أنّه يوجد في الأمّة الجزائريّة اليوم مثقّفون على نسبة حالها» — التّوكيدُ بلفظ «الحقُّ» (مبتدأٌ خبرُه المصدرُ المؤوَّل من «أنّ» وما بعدها) ثمّ بـأنّ؛
  • «وأنا أُشْهِدُ اللهَ أنّ هذا ظلمٌ للثّقافة ما بعده ظلم» — توكيدٌ بالقسم في معناه، ثمّ بالمبالغة: «ما بعده ظلم» أي لا ظلمَ فوقه.
⭐ الغرض: ترسيخُ المعنى وتأكيدُه وتثبيتُه في ذهن المتلقّي بغرض المحاجّة — فالتّوكيد أحدُ أدوات الحجاج، والكاتب في موقف مُصلِحٍ يريد أن يُقنِع لا أن يخبر فحسب.
💡 الطّريقةُ لتجد البقيّة: مُرَّ على النّصّ باحثا عن هذه الأدوات وحدَها — إنّ / أنّ · اللّام المزحلقة · ضمير الفصل (هم، هو) · القسم · التّكرار · «ما» النّافية مع «إلّا». كلُّ موضعٍ تجد فيه واحدةً منها فهو شاهدُ توكيد.
انتقى الكاتبُ ألفاظا كثيرةً من «القاموس القديم». علامَ يدلّ ذلك؟ مثّلْ.
⚖️ و«القاموس القديم» عبارةُ السّؤال؛ والمرادُ بها معجمُ التّراث: ألفاظٌ ورثها الكاتبُ من كتب القدماء ومن النّصوص الدّينيّة، لا من لغة الصّحافة في عصره.
الشّواهد أوّلا، من النّصّ:
  • تزيغ — القَوَمَة — زُمرة — الرِّحال — الحرمات — المشارب — المضائق — العاطل.
والدّلالة:
  • على تأثّره الشّديد بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة واغترافِه من نبع التّراث الأدبيّ القديم؛
  • وعلى اهتمامه بانتقاء اللّفظ، لانتمائه إلى مدرسة الصّنعة اللّفظيّة والاتّجاه المحافظ الّذي يرى أنّ الفكرة النّبيلة لا بدّ لها من لغةٍ أنيقة تُرضي العقل وتُثير العاطفة.
وظّف الكاتبُ كثيرا من ألوان البيان والبديع. استخرجْ بعضَها وبيّنْ أثرَها في الكلام.
من ألوان البيان:
  • الاستعارة: «يُغَذُّوها من علمهم وآرائهم» — شبّه الآراءَ بالطّعام؛
  • التّشبيه البليغ: «هم الميزان» — حُذفت الأداةُ ووجهُ الشّبه فصار المشبّهُ عينَ المشبّه به.
من ألوان البديع:
  • الجناس: «تخلّف العاطل، وظهر الحقُّ من الباطل» — توافقٌ في مبنى اللّفظتين؛
  • السّجع: «الاعتبار والتّقدير… القيادة والتّدبير» — فيحدث موسيقى داخليّةً تطرب لها الأذن؛
  • الطّباق: (الحقّ ≠ الباطل) · (الأمن ≠ الخوف) · (كانوا متبوعين ≠ غيرهم تابعا).
⭐ الأثر: للصّور البيانيّة أثران — تقريبُ المعنى من ذهن القارئ بنقله إلى صورةٍ محسوسة، وزيادةُ الأسلوب رونقا لإثارة القارئ وجعلِه يستجيب للفكرة. وأمّا المحسّناتُ البديعيّة فتُحدِث الموسيقى الدّاخليّة، والطّباقُ يوضّح المعنى إذ بأضدادها تُعرَف الأشياء.
بيّنْ بلاغةَ الاستعارة وجمالَها في العبارات الآتية: «يُغَذُّوها من علمهم وآرائهم» — «الأخلاق أن تزيغ» — «اتّفقت المشارب».
⚖️ هذه الأسئلةُ من نوعٍ يُشتَقّ اشتقاقا: القاعدةُ معروفة والمادّةُ أمامك، فالجوابُ يُبنى في أربع خطوات ثابتة — ① أثبتْ أنّ اللّفظ استُعمِل في غير ما وُضِع له · ② سمِّ الطّرفَ المحذوف (المشبّهَ به في المكنيّة، والمشبّهَ في التّصريحيّة) · ③ اذكرِ القرينةَ الّتي دلّت عليه · ④ بيّنِ الأثر.
«يُغَذُّوها من علمهم وآرائهم» — استعارةٌ مكنيّة:
  • المشبّه: الأمّة؛ والمشبّه به محذوف: كائنٌ حيٌّ يُطعَم؛
  • القرينة: الفعل يُغَذُّو من لوازم الطّعام؛
  • الأثر: جعل العلمَ والرّأيَ غذاءً — فالأمّة تضعف بانقطاعه كما يضعف الجسدُ بالجوع، وهو أبلغُ من قول: يعلّمونها.
«الأخلاق أن تزيغ» — استعارةٌ مكنيّة:
  • المشبّه: الأخلاق؛ والمشبّه به محذوف: سائرٌ في طريق؛
  • القرينة: الفعل تزيغ، أي تنحرف، ولا ينحرف إلّا سائر؛
  • الأثر: صار للأخلاق طريقٌ مستقيمٌ يُحاد عنه، فالانحرافُ خطأٌ في المسير لا مجرّد عيبٍ في الطّبع — ومن ثمّ صحّ أن يُحرَس عليها كما تُحرَس الحدود.
«اتّفقت المشارب» — استعارةٌ تصريحيّة (وعدّها الكتابُ في صوره البليغة مع الكناية):
  • المشرَبُ في الأصل موضعُ الشّرب؛ واستُعمِل هنا للمذهب والاتّجاه الفكريّ: فالمشبّهُ (المذاهب) محذوف، والمشبّهُ به (المشارب) مصرَّحٌ به؛
  • القرينة: «المختلفة في الأمّة» و«اتّفقت» — فمواردُ الماء لا تختلف في أمّةٍ ولا تتّفق، فعُلم أنّ المرادَ المذاهب؛
  • الأثر: جعل اختلافَ الآراء اختلافَ مواردِ ماء — وهي صورةٌ تُفهِم أنّ الوحدة ممكنة، لأنّ الوارِدين إلى الماء يلتقون.
ركّز الكاتبُ في نصّه على عرض الأحكام. علامَ يدلّ ذلك؟ هاتِ بعضَها.
الأحكام أوّلا:
  • «المثقّفون في الأمم الحيّة هم خيارُها وسادتُها»؛
  • «والمثقّفون هم حفظةُ التّوازن في الأمم»؛
  • «ولا أضرَّ على الأمم من الفوضى في الأخلاق»؛
  • «ما كلُّ مثقّفٍ يكون أهلا لأن يثقّف».
والدّلالة:
  • على منطقه وموضوعيّته في الطّرح، فالحكمُ خلاصةُ نظرٍ لا انفعالُ لحظة؛
  • وعلى الدّور الإصلاحيّ الّذي يقوم به الكاتب في سبيل الارتقاء بالأمّة: المصلحُ يقرّر القاعدةَ ثمّ يُنزِلها على الواقع.
في أيّ نوعٍ من أنواع النّثر يمكنك تصنيفُ النّصّ؟
التّصنيفُ على مرتبتين:
  • الفنّ: يُصنَّف النّصُّ ضمن فنّ المقال، وهو مقالةٌ اجتماعيّة؛
  • الدّليل من بنائه: مقدّمةٌ (منزلةُ المثقّفين عامّةً)، وعرضٌ (حالُ الجزائر، ثمّ الواجبان)، وخاتمةٌ (الفصلُ بين المثقّف والمتطفّل عند وقت العمل) — وهو البناءُ الفنّيُّ للمقال.
أكثر الكاتبُ من توظيف النّمط التّفسيريّ في نصّه. لماذا فعل ذلك في نظرك؟
لأنّه الأنسبُ لمقامه، والنّصُّ يُظهِر ذلك:
  • موقفُ الكاتب موقفُ تصحيح مفهوم: يريد أن يبيّن ما الثّقافةُ الحقّة ومن المثقّف الحقيقيّ — والتّصحيحُ يحتاج شرحا لا وصفا ولا سردا؛
  • والقضيّةُ مجرّدةٌ (الثّقافة، الواجب، المقياس)، والمجرّدُ لا يُفهَم إلّا بالتّوضيح والتّمثيل والتّصنيف؛
  • وغايتُه الإقناع بتصوّرٍ محدّد: علمٌ صحيحٌ + خلقٌ رفيعٌ = ثقافةٌ حقّة = مجتمعٌ ناهض.
اذكرْ بعض خصائص هذا النّمط النّصّيّ.
⚖️ لن نأتيَك بالخصائص من خارج الدّرس: كلُّ خصيصةٍ هنا يشهد لها سؤالٌ سبق في هذه المحطّة أو في الّتي تليها، وشاهدُها من النّصّ نفسِه.
خصائصُ النّمط التّفسيريّ كما تجتمع في هذا النّصّ:
  • الشّرحُ والتّوضيح غايةً — وهو ما لخّصه الكتابُ في تقدير النّصّ بقوله إنّ الإبراهيميّ «شرح بشكلٍ مستفيضٍ كيف يتمّ الارتقاءُ بالأمّة»؛
  • التّعريفُ والتّحديد: من هم المثقّفون، ومن المثقّف الحقّ؛
  • التّصنيف: العاميّ / الطّاغي · الكمّ / الكيف · ثقافةٌ عربيّة / ثقافةٌ أوروبيّة · مثقّفون / متطفّلون؛
  • الموازنة بين المتقابلات (وهي موضوعُ المحطّة التّالية)؛
  • التّمثيل لدعم الرّأي: «كلُّ من يكتب بالعربيّة الصّحيحة مقالةً في جريدة»…؛
  • عرضُ الأحكام في صيغةٍ مقرَّرة؛
  • غلبةُ الأسلوب الخبريّ وضميرِ الغائب، مع حضورٍ للمتكلّم عند إبداء الموقف؛
  • أدواتُ التّعليل والرّبط المنطقيّ: إذ · لأنّ · فإنّ · إذا · إلّا إذا — وهي الّتي تصنع تسلسلَ الفكرة.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

بنى الكاتبُ نصَّه على الموازنة. بين أيّ العناصر كان ذلك؟ وما الحكمةُ من هذه الموازنة؟
تعدّدت الموازنةُ في النّصّ، فوازن الكاتب بين:
  • نظرةِ العاميّ ونظرةِ الطّاغي إلى المثقّف؛
  • حاجةِ الأمّة إلى المثقّف أيّامَ الأمن وحاجتِها إليه أيّامَ الخوف؛
  • المثقّفين والمتطفّلين على الثّقافة؛
  • المثقّفين ثقافةً عربيّة والمثقّفين ثقافةً أوروبيّة؛
  • واجبِ المثقّف نحو نفسه وواجبِه نحو مجتمعه؛
  • الكمِّ والعدد والكيفِ والحالة.
⭐ الحكمة: توضيحُ الفكرة وإقناعُ المتلقّي بصحّة القضيّة، بالوقوف على أوجه الشّبه والاختلاف، حتّى تتحدّد في النّهاية مواصفاتُ المثقّفين المؤهّلين للنّهوض بالأمّة. والموازنةُ عند المصلح أداةُ تعريفٍ بالضّدّ: يُعرَف المثقّفُ الحقُّ حين تراه بجانب المتطفّل.
هل يحقّق النّصُّ الوحدةَ الموضوعيّة المطلوبة في فنّ المقال؟ وضّحْ ذلك بالوقوف عند ترابط الفقرات.
نعم، تحقّقت. والدّليلُ في تسلسل الفقرات:
  • الفقرة 1 تضع القاعدةَ العامّة: منزلةُ المثقّفين ووظيفتُهم في كلّ أمّة؛
  • الفقرة 2 تُنزِل القاعدةَ على حالةٍ خاصّة: الأمّةُ الجزائريّة، وتنتهي إلى شرطي الكمّ والكيف؛
  • الفقرة 3 تستخرج من ذلك الواجبات: إصلاحُ النّفس ثمّ إصلاحُ المجتمع في أربع خطوات؛
  • الفقرة 4 تعالج آخرَ هذه الخطوات (المقياس) وتنتهي إلى الفصل بين المثقّف والمتطفّل؛
  • ⟸ فالنّصُّ عالج موضوعا واحدا هو منزلةُ المثقّفين، وجاءت فقراتُه مترابطةً خضوعا للبناء الفنّيّ للمقال: مقدّمةٌ، عرضٌ، خاتمة.
💡 جرّبْ بنفسك: حاولْ أن تنقل الفقرةَ الثّالثة قبل الثّانية — ينكسر المنطق، لأنّ الواجبَ لا يُطلَب قبل تشخيص الحال. هذا الاختبارُ هو الدّليلُ العمليّ على الوحدة العضويّة.
عرض الكاتبُ بعض الأمثلة لدعم رأيه في: مَن يكون المثقّفَ ومَن ليس بمثقّف. اذكرْ بعضَها وبيّنْ مدلولَها.
أمثلةُ مَن ليس بمثقّفٍ (الفقرة الرّابعة):
  • «كلُّ مَن يكتب بالعربيّة الصّحيحة مقالةً في جريدة» وهو عارٍ من الأخلاق ⟵ مدلولُه: سلامةُ اللّسان ليست ثقافة؛
  • «كلُّ مَن يستطيع أن يخطب في مجتمع» ولا يُحسِن الضّروريّاتِ من المعارف العصريّة ⟵ مدلولُه: القدرةُ على الكلام ليست ثقافة؛
  • «يوجد في قرّاء الفرنسيّة عددٌ كثيرٌ من حملة الشّهادات» يُزعَم لهم ذلك ⟵ مدلولُه: الشّهادةُ ليست ثقافة، والعرفُ قد يكون خاطئا.
وأمثلةُ المثقّف الحقّ (الفقرة الثّالثة):
  • من أصلح نفسَه قبل أن يصلح غيرَه ⟵ الأولويّةُ للسّلوك؛
  • من أكمل نقائصَه العلميّة واستكمل مؤهّلاته التّثقيفيّة ⟵ الأهليّةُ تُكتسَب ولا تُدَّعى.
⚖️ ولاحظْ أنّ الأمثلةَ كلَّها سلبيّةٌ أوّلا: الكاتب يعرّف المثقّفَ بما ليس هو، لأنّ الالتباسَ في عصره كان في الادّعاء لا في الجهل.
اعتمد الكاتبُ طريقةَ التّصنيف في شرح أفكاره. فيمَ تمثّل ذلك؟ وما أثرُها في أبعاد النّصّ؟
فيمَ تمثّل — التّصنيفُ حاضرٌ في كلّ فقرة:
  • تصنيفُ النّاس إزاء المثقّف: العاميّ / الطّاغي؛
  • تصنيفُ النّقص: نقصٌ في الكمّ والعدد / نقصٌ في الكيف والحالة؛
  • تصنيفُ المثقّفين: أهلُ الثّقافة العربيّة / أهلُ الثّقافة الأوروبيّة؛
  • تصنيفُ الواجب: واجبٌ أوّل نحو النّفس / واجبٌ ثانٍ نحو المجتمع، وهذا الأخيرُ في أربع مراتب (أوّلا… رابعا)؛
  • تصنيفُ المنتسبين: مثقّفون / متطفّلون، وهؤلاء «من الطّرفين».
وأثرُها في أبعاد النّصّ:
  • بعدٌ منهجيّ: التّصنيفُ يحوّل القضيّةَ من رأيٍ إلى تحليل، فيصير الكلامُ قابلا للمناقشة جزءا جزءا؛
  • بعدٌ إقناعيّ: القارئ يجد نفسَه في إحدى الخانات، فيصير الحكمُ العامُّ خطابا موجَّها إليه هو؛
  • بعدٌ إصلاحيّ: التّصنيفُ يُظهِر مواضعَ الخلل بالضّبط، وهي شرطُ أيِّ إصلاح.
تأمّلِ الفقرة الثّالثة من النّصّ، وبيّنْ وظيفة «إذ» في الرّبط بين ما قبلها وما بعدها في قول الكاتب: «إذ لا يُصلِحُ غيرَهُ مَنْ لم يُصلِحْ نفسَهُ» و«إذ ما كلُّ مثقّفٍ يكون أهلا لأن يثقّف».
«إذ» هنا حرفُ تعليل، لا ظرفَ زمان. ووظيفتُها في الموضعين واحدة:
  • الموضع الأوّل: الحكم قبلها = «أوّلُ واجبٍ على المثقّفين إصلاحُ أنفسهم قبل كلّ شيء»؛ وما بعدها = علّةُ هذا الحكم: فاقدُ الشّيء لا يعطيه؛
  • الموضع الثّاني: الحكم قبلها = «ثمّ إكمالُ نقائصهم العلميّة… حتّى يصلحوا لتثقيف غيرهم»؛ وما بعدها = علّتُه: صفةُ المثقّف لا تستلزم أهليّةَ التّثقيف.
أثرُها في اتّساق النّصّ وانسجامه:
  • تجعل كلَّ واجبٍ مبرَّرا في موضعه، فلا يبدو أمرا مفروضا بل نتيجةً لازمة؛
  • وتصنع سلسلةً منطقيّة: حكمٌ ⟵ علّة ⟵ حكمٌ ⟵ علّة، وهي البنيةُ نفسُها الّتي يقوم عليها النّمطُ التّفسيريّ؛
  • ⟸ ولذلك لو حذفْتَ «إذ» وما بعدها لبقي النّصُّ مفهوما، ولكنّه يفقد قوّةَ الإلزام.
⭐ وهذا الرّبطُ بالحرف يمهّد لدرس القواعد الّذي يلي: هناك أيضا حرفٌ هو الّذي يحمل العلاقةَ كلَّها بين جملتين — «لو» و«لولا» و«لوما».

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

يُعَدُّ محمّد البشير الإبراهيميّ من روّاد الإصلاح في الجزائر، وقد برهن على ذلك في نصّه هذا، إذ شرح بشكلٍ مستفيضٍ كيف يتمّ الارتقاءُ بالأمّة، وحدّد من هم المؤهّلون لذلك، وبيّن مواصفاتِهم، وحصرهم في فئة المثقّفين المعتدلين الّذين يسايرون عصرَهم ويفهمون متطلّبات مجتمعهم. كلُّ ذلك بعرضٍ منهجيّ وأفكارٍ متناسقةٍ خضعت للتّسلسل المطلوب في فنّ المقال، وبلغةٍ راقيةٍ منتقاةٍ عُرِف بها الكاتب. فهو من كتّاب المقالة المرموقين، ومن الّذين يتأنّقون في أسلوبهم معجما وبلاغة، فلا تخفى علينا اقتباساتُه من النّصوص الدّينيّة (تزيغ — زمرة)، ولا صورُه البليغة مثل الاستعارة والكناية («اتّفقت المشارب» — «شدّت الرِّحال»)، ولا محسّناتُه البديعيّة مثل السّجع (الاعتبار والتّقدير، القيادة والتّدبير)، والطّباق مثل: الحقّ / الباطل. وهذا ما يجعله بحقٍّ أديبا من أدباء الصّنعة.

اذكرْ خصائصَ أسلوب الإبراهيميّ، والمدرسةَ الّتي ينتمي إليها.
خصائصُ أسلوبه:
  • جزالةُ الأسلوب والقدرةُ على التّعبير الجميل؛
  • عباراتٌ قويّةٌ واضحة لا غموض فيها؛
  • ألفاظٌ موحيةٌ منتقاةٌ ملائمةٌ لمعانيها؛
  • أسلوبٌ مليءٌ بالصّور البيانيّة والمحسّنات البديعيّة؛
  • الميلُ إلى استعمال التّوكيد، والاقتباسِ من القرآن الكريم والحديث الشّريف؛
  • تضمينُ الشّعر العربيّ؛
  • النّزعةُ الإصلاحيّة.
والمدرسة:
  • ينتمي البشير الإبراهيميّ إلى مدرسة الصّنعة اللّفظيّة، وهي امتدادٌ لما عُرِف منذ العصر العبّاسيّ عند أبي تمّام؛
  • وهو ما ختم به الكتابُ تقديرَه للنّصّ: «وهذا ما يجعله بحقٍّ أديبا من أدباء الصّنعة».

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1 في مجال قواعد اللّغة: «لو» و«لولا» و«لوما»

سبق وأن عرفْتَ أسلوبَ الشّرط وأدواتِه، وعرفْتَ أنّ منها «لو» و«لولا» و«لوما»، وهي أحرفُ شرطٍ غير جازمة.

الأمثلة:
  1. لو دخلوا في عملٍ أفسدوه. (من نصّ الإبراهيميّ، الفقرة الرّابعة)
  2. ﴿ولو شاء اللهُ لجعلكم أُمّةً واحدة﴾ (المائدة: 48) — وفي معناها ﴿ولو شاء ربُّك لجعل النّاسَ أمّةً واحدة﴾ (هود: 118)
  3. لو الشّهودُ حضروا لحكم القاضي.
  4. لولا رحمةُ اللهِ لهلك النّاسُ.
  5. لوما الكتابةُ لضاع أكثرُ العلم.
⭐ لاحظْ أنّ المثال الأوّل مأخوذٌ من النّصّ الّذي درسْتَه: الإبراهيميّ يقول عن أشباه المثقّفين «وإنّ أمثال هؤلاء من الطّرفين لو دخلوا في عملٍ أفسدوه». فالقاعدةُ ليست غريبةً عن الدّرس، بل هي أداةٌ استعملها الكاتبُ ليقول: لم يدخلوا، فلم يُفسِدوا — وهو حكمٌ على أمرٍ لم يقع.
حدّدْ أداةَ الشّرط في المثال 1 وبيّنِ المعنى الّذي دلّت عليه.
في «لو دخلوا في عملٍ أفسدوه»:
  • الأداةُ هي «لو»، وهي حرفُ شرطٍ غيرُ جازم؛
  • وقد جاءت هنا بمعنى «إنْ» الشّرطيّة، أي أنّها تربط جوابا بشرطٍ في الاستقبال.
علامَ يدلّ الفعل الّذي يأتي بعدها في هذا المثال؟
على المستقبل معنًى لا صيغةً:
  • الصّيغةُ ماضيةٌ (دخلوا، أفسدوا)؛
  • والمعنى مستقبلٌ: الكلامُ عن دخولٍ لم يقعْ بعدُ؛
  • ⟸ وهذه خصيصةُ «لو» إذا جاءت بمعنى «إنْ»: تنقل الماضيَ صيغةً إلى الاستقبال معنًى.
هل تحقّق جوابُ الشّرط في المثال 1؟ وما الّذي أفادته «لو» في المثال 2؟
في المثال 1:
  • لا، لم يتحقّق، لأنّ الشّرط لم يتحقّق: لم يدخلوا، فلم يُفسِدوا.
وفي المثال 2 ﴿ولو شاء اللهُ لجعلكم أُمّةً واحدة﴾ (المائدة: 48):
  • أفادت «لو» الامتناعَ للامتناع؛
  • فقد امتنع جعلُ النّاس أمّةً واحدة لامتناع مشيئة الله ذلك؛
  • ⟸ وهذا هو المعنى الأصليّ لـ«لو»: حرفُ امتناعٍ لامتناع.
كيف تُعرَب كلمةُ «الشّهود» بعد «لو» في المثال 3؟ وما نوعُ الجملة الّتي تدخل عليها «لو»؟
في «لو الشّهودُ حضروا لحكم القاضي»:
  • الشّهودُ: فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسّره الفعلُ بعده، والتّقدير: لو حضر الشّهودُ حضروا؛
  • والسّبب: «لو» تختصّ بالجملة الفعليّة، فإذا جاء بعدها اسمٌ قُدِّر له فعلٌ وأُعرِب الاسمُ فاعلا لذلك الفعل المحذوف؛
  • ومثلُه: لو النّجاحُ رافقني — النّجاحُ فاعلٌ لفعلٍ محذوف.
ماذا يأتي بعد «لو» عادةً؟
يأتي بعدها فعلان:
  • ماضيان: لو دخلوا أفسدوا؛
  • أو مضارعان: لو تُحسِنُ أَشكرُ؛
  • وإن جاء بعدها اسمٌ، قُدِّر له فعلٌ وأُعرِب فاعلا لفعلٍ محذوف (المثال 3).
ماذا أفادت «لولا» و«لوما» في المثالين 4 و5؟
أفادتا معنى الشّرط، ولكن على وجهٍ مقلوب: الامتناعُ لوجود.
  • في «لولا رحمةُ اللهِ لهلك النّاسُ»: امتنع هلاكُ النّاس لوجود الرّحمة؛
  • وفي «لوما الكتابةُ لضاع أكثرُ العلم»: امتنع ضياعُ العلم لوجود الكتابة؛
  • ⟸ ولكلٍّ من «لولا» و«لوما» إعرابٌ واستخدامٌ واحد: حرفُ شرطٍ غيرُ جازمٍ يفيد الامتناعَ لوجود.
وعلى أيّ نوعٍ من الجمل تدخل «لولا» و«لوما»؟ وأين خبرُ المبتدأ بعدهما؟
كلتاهما تدخل على المبتدإ والخبر — أي على الجملة الاسميّة:
  • والخبرُ يُحذَف وجوبا، والتّقدير: لوما الكتابةُ موجودةٌ لضاع أكثرُ العلم؛
  • وكذلك: لولا رحمةُ اللهِ موجودةٌ لهلك النّاسُ؛
  • ⟸ فهذا هو الفرقُ البنيويُّ بينهما وبين «لو»: «لو» للجملة الفعليّة، و«لولا»/«لوما» للجملة الاسميّة.
الخلاصةُ في ثلاثة أسطر: ① «لو» حرفُ شرطٍ غيرُ جازم، تدخل على الجملة الفعليّة، وتفيد الامتناعَ للامتناع (وقد تأتي بمعنى «إنْ» فيدلّ الفعلُ بعدها على المستقبل معنًى لا صيغة). ② «لولا» و«لوما» حرفا شرطٍ غيرُ جازمين، يدخلان على الجملة الاسميّة ويفيدان الامتناعَ لوجود، وخبرُ المبتدإ بعدهما محذوف. ③ وإذا دخلت «لوما» على فعلٍ مضارع أفادت التّحضيض.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — أختبر معرفتي

بيّنْ معاني الأدوات الآتية (لو — لولا — لوما) في الشّواهد الثّلاثة، ثمّ أعربْ كلَّ أداة. حاولْ أوّلا، ثمّ افتح الجواب.
① قال تعالى: ﴿ولو علم اللهُ فيهم خيرا لأسمعهم﴾ (الأنفال: 23)
لو:
  • حرفُ شرطٍ غيرُ جازم يفيد الامتناعَ للامتناع، مبنيٌّ على السّكون لا محلَّ له من الإعراب؛
  • والمعنى: امتنع إسماعُهم لامتناع علم الله فيهم خيرا.
② قال تعالى: ﴿ولولا دفعُ اللهِ النّاسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرضُ﴾ (البقرة: 251)
لولا:
  • حرفُ شرطٍ غيرُ جازم يفيد الامتناعَ لوجود، مبنيٌّ على السّكون لا محلَّ له من الإعراب؛
  • والمعنى: امتنع فسادُ الأرض لوجود دفع الله النّاسَ بعضَهم ببعض.
③ قال تعالى: ﴿لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصّادقين﴾ (الحجر: 7)
لوما:
  • دخلت هنا على فعلٍ مضارع (تأتينا)، فأفادت التّحضيض — أي الحثَّ على الفعل وطلبَه بشدّة؛
  • ⛔ فانتبهْ: «لوما» ليست دائما للامتناع لوجود؛ الّذي يحدّد معناها هو ما بعدها: اسمٌ ⟵ امتناعٌ لوجود، ومضارعٌ ⟵ تحضيض.
⭐ وهذه هي الفائدةُ العمليّة من هذا الدّرس كلِّه: لا تحكمْ على الأداة قبل أن تنظر إلى ما بعدها. اسمٌ بعد «لو»؟ ففعلٌ محذوف. اسمٌ بعد «لولا»؟ فمبتدأٌ خبرُه محذوف. مضارعٌ بعد «لوما»؟ فتحضيض.
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤال على النصّ أو على شاهد: «بيّن معنى الأداة (لو، لولا، لوما)، ثمّ أعربها»، كما في تمرين «أختبر معرفتي». جهّز ثلاثة عناصر: ① المعنيان: «لو» حرف امتناع لامتناع (امتنع الجواب لامتناع الشرط)، و«لولا» و«لوما» للامتناع لوجود (امتنع هلاك الناس لوجود الرحمة) ؛ ② صيغة الإعراب: حرف شرط غير جازم يفيد الامتناع للامتناع (أو الامتناع لوجود)، مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب ؛ ③ نوع الجملة بعدها: «لو» للجملة الفعلية، فإن وليها اسم أُعرب فاعلا لفعل محذوف يفسّره ما بعده («لو الشهودُ حضروا»)، و«لولا» و«لوما» للجملة الاسمية وخبر المبتدأ بعدهما محذوف وجوبا. ⚠️ الخطأ الشائع: الحكم على الأداة قبل النظر إلى ما بعدها ؛ إذا وليَ «لوما» مضارعٌ («لوما تأتينا بالملائكة») أفادت التحضيض لا الامتناع لوجود. ⚠️ وخطأ ثانٍ: نسيان أنّ «لو» قد تأتي بمعنى «إن»، فيدلّ الماضي بعدها على المستقبل معنى لا صيغة.

Page 1/6

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net