Langue arabe🎓 objectif bac

المحور 3 شعر المنفى لدى الشعراء الرواد

من وحي المنفى لأحمد شوقي

🔊 La maîtresse lit pour toi

✍️أتعرّف على صاحب النّصّ

أحمد شوقي (1868 – 1932 م)، شاعرٌ مصريّ من مواليد القاهرة. نشأ وتربّى في قصر الخديويّ حيث اعتُني به وشُجّع على الدّراسة الّتي واصلها في فرنسا طالبا في الحقوق والآداب. ولمّا رجع قرّبه الخديويّ ورفع مكانتَه؛ فلمّا عُزل الخديويّ توجّه الشّاعرُ إلى إسبانيا حيث كان منفاه. وهناك تشبّع بالرّوح القوميّة والوطنيّة، ممّا جعله يغيّر مجرى حياته الفكريّة والأدبيّة متحوّلا إلى شاعرٍ للشّعب والأمّة. تُوفّي سنة 1932 م مخلّفا ديوانا شعريّا ضخما، منه وطنيّاتُه الّتي نظمها بمنفاه.
مفتاحان في هذه التّرجمة، وبدونهما لا يُفهم النّصّ:
  • المنفى كان بإسبانيا — أي في الأندلس. وهذا وحده يفسّر لماذا استحضر شاعرٌ مصريٌّ ملكا أندلسيّا وشاعرا أندلسيّا في قصيدةٍ عن مصر.
  • التّحوّل: من شاعر قصرٍ إلى شاعر الشّعب والأمّة، وسببُه المنفى نفسُه. ⟸ فالقصيدةُ الّتي بين يديك ليست شكوى فرد، بل مولدُ شاعرٍ آخر.

🚪تقديم النّصّ

كثيرا ما يلجأ الشّعراءُ — وهم في الغربة — إلى التّخفيف من آلامهم وأشواقهم باستحضار أوطانهم وأحيائهم للاستئناس بهم، مثلما فعل شوقي في النّصّ الآتي.
قبل أن تقرأ: بمن تظنّ الغريبَ يستأنس، وليس حوله من أهله أحد؟
لا تجبْ من فراغ — استخرجِ الجوابَ من المطلع ثمّ تحقّقْ:
  • الغريبُ لا يجد إنسانا يشكو إليه، فيبحث عمّن يشبهه في الحال لا في الجنس؛
  • وأوّلُ كلمةٍ في القصيدة نداءٌ لـ«نائح الطّلح» — أي طائرٍ يبكي على شجرة؛
  • ⟸ فالمخاطَبُ في هذا النّصّ ليس إنسانا. وهذه أوّلُ مفاجآت القصيدة، وستبني عليها كلَّ ما يأتي بعدُ.

📜النّصّ

«من وحي المنفى» — أحمد شوقي · 18 بيتا، قافيتُها موحّدةٌ على «ـينا»
الرّقمالصّدرالعجز
1يا نائح الطّلح، أشباه عوادينانشجى لواديك أم نأسى لوادينا ؟
2ماذا تقصّ علينا غير أنّ يداقصّت جناحك جالت في حواشينا ؟
3رمى بنا البين أيكا غير سامرناأخا الغريب وظلّا غير نادينا
4فإن يك الجنس يا ابن الطّلح فرّقناإنّ المصائب يجمعن المصابينا
5لكنّ مصر وإن أغضت على مقةعين من الخلد بالكافور تسقينا
6على جوانبها رفّت تمائمناوحول حافاتها قامت رواقينا
7بنا، فلم نخل من روح يراوحنامن برّ مصر، و ريحان يغادينا
8كأمّ موسى، على اسم الله تكفلناوباسمه ذهبت في اليمّ تلقينا
9يا ساري البرق يرمي عن جوانحنابعد الهدوء و يهمي عن مآقينا
10لمّا ترقرق في دمع السّماء دماهاج البكا فخضبنا الأرض باكينا
11فقف إلى النّيل واهتف في خمائلهوانزل كما نزل الطّلّ الرّياحينا
12وآس من بات يذوي من منازلنابالحادثات و يضوى من مغانينا
13إلى الّذين وجدنا ودّ غيرهمدنيا و ودّهم الصّافي هو الدّينا
14نابَ الحنينُ إليكم في خواطرِناعنِ الدَّلالِ عليكم في أمانينا
15جئنا إلى الصّبر ندعوه كعادتنافي النّائبات فلم يأخذ بأيدينا
16سعيا إلى مصر نقضي حقّ ذاكرنافيها إذا نسي الوافي و باكينا
17لو غاب كلّ عزيز عنه غيبتَنالم يأته الشّوق إلّا من نواحينا
18إذا حملنا لمصر أو له شجنالم ندر: أيّ هوى الأُمَّيْن شاجينا ؟

أحمد شوقي — من وطنيّاته الّتي نظمها بمنفاه.

📖أثري رصيدي اللّغويّ

① في معاني الألفاظ
اللّفظمعناه
نائح الطّلحالنّائحُ: الباكي. والطّلحُ: نوعٌ من الشّجر، أُطلق على وادٍ بإشبيليا
عوادينامصائبنا
الأيكالشّجرُ الكثيف
مقةحبّ
رواقيناجمعُ راقية، وهي الّتي ترقي الصّبيَّ تجنّبا للسّحر أو علاجا له
الطّلّأضعفُ المطر
غيبتَناغيابَنا
⚠️ لا تخلطْ بين «الطّلح» و«الطّلّ»، وكلاهما في القصيدة: الطّلحُ شجرٌ: «يا نائح الطّلح» ⁦(1)⁩ و«يا ابن الطّلح» ⁦(4)⁩؛ والطّلُّ أضعفُ المطر: «نزل الطّلّ الرّياحينا» ⁦(11)⁩.
② في الحقل المعجميّ — حقلان متقابلان، وعليهما تقوم القصيدة:
  • حقلُ البكاء والحزن: نائح · نشجى · نأسى · عوادينا · المصائب · المصابينا · البكا · باكينا · مآقينا · دمع · يهمي · دما؛
  • حقلُ الطّبيعة: الطّلح · الأيك · الظّلّ · الكافور · البرق · السّماء · الخمائل · الطّلّ · الرّياحين · ريحان · جوانبها · حافاتها.
لماذا اختلط الحقلان حتّى صار الواحدُ يُقال بألفاظ الآخر؟
لأنّ الشّاعر يجعل الطّبيعةَ ناطقةً بحاله، لا خلفيّةً لمشهد:
  • السّحابُ لا يمطر ماءً بل دما: «ترقرق في دمع السّماء دما» ⁦(10)⁩؛
  • والأرضُ تُخضَّب من البكاء: «خضبنا الأرض باكينا» ⁦(10)⁩؛
  • والبرقُ يُنادى كما يُنادى صاحب: «يا ساري البرق» ⁦(9)⁩؛
  • ⟸ فالطّبيعةُ عنده مرآةٌ للحزن. وهذا ما تسمّيه في المحطّة التّالية مصدرَ إيحاءٍ طبيعيّا.
③ في الحقل الدّلاليّ — تكرّرت «مصر» في النّصّ. ما دلالةُ هذا التّكرار؟
التّكرارُ هنا بناءٌ فكريّ لا زينة:
  • وردت «مصر» في الأبيات 5 و7 و16 و18؛
  • ودلالتُه أنّ مصر مصدرُ معاناة الشّاعر وإلهامه معا؛
  • فقد ولّد لديه إحساسُ الحبّ الشّعورَ بالغربة والحزن والأسى؛
  • ⟸ وهذه مفارقةُ القصيدة كلِّها: الشّيءُ الّذي يُعذّبه هو نفسُه الشّيءُ الّذي يُنطقه.

🔍أكتشف معطيات النّصّ

أجوبةُ هذه المحطّة من النّصّ، وكلُّ جوابٍ يحمل رقمَ بيته. ابحثْ أوّلا، ثمّ قابلْ.
مَن يخاطب الشّاعر؟ وما الّذي يجمع بينه وبين مخاطَبه؟ علّلْ بقرائنَ لغويّة.
المخاطَبُ طائر، والجامعُ بينهما مصيبة:
  • يخاطب طائرا ينوح على شجر الطّلح، مستحضرا بذلك المعتمدَ بن عبّاد ملك إشبيلية، وهو آخرُ ملوك الطّوائف الّذي نفاه يوسفُ بنُ تاشفين إلى المغرب؛
  • والجامعُ بينهما: مصائبُ البعد والفراق؛
  • والقرائنُ اللّغويّة هي ضميرُ المتكلّمين الّذي يضمّهما في لفظٍ واحد: «عوادينا» ⁦(1)⁩ · «بنا» ⁦(3)⁩ · «فرّقنا» ⁦(4)⁩ · «نادينا» ⁦(3)⁩؛
  • ⟸ فالشّاعرُ لا يقول «أنا وأنت»، بل «نحن» — وهذا هو الدّليلُ النّحويُّ على الاشتراك في المصاب، لا مجرّدُ دعوى.
ما الصّورةُ الّتي رسمها الشّاعرُ لوطنه؟ وعلامَ يدلّ ذلك؟
صورةٌ واحدةٌ مركّبة، في البيت 5:
  • مصرُ عنده العينُ الّتي تسقيه بالذّكريات الطّيّبة كرائحة الكافور؛
  • «عين من الخلد بالكافور تسقينا» — فهي عينُ ماءٍ، وماؤها من الخلد أي الجنّة؛
  • ⟸ ويدلّ ذلك على شدّة تعلّق الشّاعر بوطنه: لم يجعله أرضا يُقيم فيها، بل ماءً يحيا به.
اذكرِ الأبياتِ المعبّرةَ عن حرقة الشّاعر وشدّة شوقه لوطنه، منتقيا المفرداتِ الموحية بحالته.
الأبياتُ والمفردات:
  • الأبيات: 7 · 9 · 10 · 11 · 12 · 13 · 14 · 17 · 18؛
  • المفرداتُ الموحية: يهمي · دما · هاج · مآقينا · خضبنا · باكينا؛
  • ⟸ ولاحظْ أنّ هذه السّتّ كلَّها في البيتين 9 و10 وحدهما: هما ذروةُ القصيدة عاطفيّا، وما قبلهما تمهيدٌ وما بعدهما أثر.
في القصيدة حبٌّ ووفاءٌ للوطن. أين تمثّل ذلك؟
تمثّل في أمرين لا واحد:
  • في إظهار الحنين والشّوق إليه؛
  • وفي الأسف على فراقه؛
  • والشّاهدُ الجامعُ لهما البيت 13: يقابل بين ودّ غيرهم الّذي هو «دنيا»، وودّهم الصّافي الّذي هو «الدّين» — ولا يبلغ الوفاءُ أبعدَ من هذا.

💬أناقش معطيات النّصّ

تنوّعت مصادرُ الإيحاء لدى الشّاعر من طبيعيّةٍ وثقافيّة. وضّحْ مستشهدا بالنّصّ. وعلامَ يدلّ ذلك بالنّسبة لشخصيّته الأدبيّة؟
مصدران، ثمّ نتيجة:
  • المصدرُ الطّبيعيّ: استوحى من الطّبيعة مظاهرَها — الطّلح · الأيك · الكافور · البرق · السّماء · الخمائل · الرّياحين؛
  • المصدرُ الثّقافيّ: عاد إلى التّراث الشّعريّ الأندلسيّ، إلى نونيّة ابن زيدون، للتّعبير عن حالته الشّعوريّة؛
  • ما يدلّ عليه ذلك: نبوغُ الشّاعر وسعةُ اطّلاعه وقدرتُه على الإبداع الفنّيّ.
⭐ ولاحظْ كيف يتعاون المصدران: الطّبيعةُ تعطيه المشهد (طائرٌ ينوح على شجرة)، والثّقافةُ تعطيه المعنى (ملكٌ أندلسيٌّ منفيّ). القصيدةُ كلُّها مبنيّةٌ على هذا التّراكب: مشهدٌ صغيرٌ يحمل تاريخا كبيرا.
بين أحمد شوقي في هذه القصيدة ونونيّة ابن زيدون الشّهيرة أوجهُ تشابهٍ عدّة. وضّحْها. هل تعيب ذلك على الشّاعر؟ لماذا؟
أوجهُ التّشابه ثلاثة:
  • الحالةُ الشّعوريّة: كلاهما عبّر عن الإحساس بالغربة والوحدة والشّوق إلى الوطن؛
  • الوزن: التزم شوقي الوزنَ نفسَه؛
  • حرفُ الرّويّ: النّون في «تدانينا / تجافينا» عند ابن زيدون، وفي «عوادينا / لوادينا» عند شوقي.
مطلعُ نونيّة ابن زيدون — وهو ما عارضه شوقي
الصّدرالعجز
أضحى التّنائي بديلا من تدانيناوناب عن طيب لقيانا تجافينا
وهل يُعاب؟ لا:
  • لأنّ الشّاعر أظهر قدرتَه على محاكاة القدامى ومعارضتِهم؛
  • والمعارضةُ فنٌّ قائمٌ بذاته في الأدب العربيّ: أن تنظم على وزن قصيدةٍ مشهورةٍ ورويِّها في موضوعك أنت؛
  • ⟸ فالعيبُ في أن تستعير التّجربة، لا في أن تستعير القالب. وتجربةُ شوقي تجربتُه هو: منفاه بإسبانيا، وحنينُه إلى مصر.
ما الدّلالاتُ الّتي يحملها الاستفهامُ في البيتين 1 و2؟
استفهامان، ولكلٍّ غرضٌ بلاغيٌّ مختلف — ولا يُخلط بينهما:
  • البيت 1 («نشجى لواديك أم نأسى لوادينا؟»): غرضُه إظهارُ الأسف والحسرة؛
  • البيت 2 («ماذا تقصّ علينا…؟»): غرضُه إظهارُ العجز والضّعف؛
  • ⟸ ولاحظِ التّدرّج: يبدأ بالحسرة، ثمّ ينتهي إلى الاعتراف بالعجز. وهذا التّدرّجُ نفسُه هو ما يبرّر مجيءَ «لكنّ» في البيت 5.
هل ترى في الصّورة الشّعريّة عند الشّاعر تقليدا أم إبداعا؟ علّلْ.
إبداعٌ لا تقليد، والتّعليل:
  • مصدرُها التّجربةُ الشّعوريّة الّتي عاشها هو؛
  • واستطاع بفضلها أن يصوّر أحداثا لشخصيّةٍ أخرى تشاركه في الإحساس — وهي شخصيّةُ المعتمد بن عبّاد؛
  • وهي صورةٌ ناجحةٌ جدّا وملائمةٌ للحالة النّفسيّة للشّاعر؛
  • ⟸ فالإبداعُ هنا ليس في اختراع صورةٍ لم تُقلْ، بل في أن يرى نفسَه في غيره ويصوّر به حالَه.
ما مدى مساهمة الجناس في الأبيات 1 و2 و12 في إضفاء المسحة الجماليّة على النّصّ؟
مواضعُ الجناس الثّلاثة
البيتالموضع
1«عوادينا» / «لوادينا»
2«تقصّ» / «قصّت»
12«يذوي» / «يضوى»
أثرُه:
  • أضفى الجناسُ على النّصّ مسحةً جماليّة، ممثّلةً في إحداث نغمةٍ موسيقيّةٍ عذبة تنشرح لها النّفسُ وترتاح لها الأذن؛
  • ⟸ وموضعُه ليس عبثا: جاء في المطلع (1 و2) حيث يُشدّ السّمع، ثمّ في البيت 12 حيث يبلغ الشّجى ذروتَه.

🧱أحدّد بناء النّصّ

إلى أيّ نمطٍ يحيل هذا النّصّ؟ أكان خارجيّا أم داخليّا؟
النّمطُ وصفيّ، والوصفُ داخليّ:
  • نمطُ النّصّ وصفيّ؛
  • وهو وصفٌ داخليّ، لأنّ الشّاعر عبّر عن مأساته ومعاناته النّفسيّة، لا عن مشهدٍ تراه العين؛
  • ⟸ والفرقُ بينهما ميزانٌ تحمله معك: الوصفُ الخارجيّ يُرى بالعين ويمكن رسمُه، والوصفُ الدّاخليّ لا يُرى — يُعرف بأثره في صاحبه.
في النّصّ بعضُ السّرد والأمر. حدّدهما، وبيّنْ كيف خدما النّمطَ الغالب.
موضعان محدّدان:
  • السّرد: في قوله «رمى بنا البين» ⁦(3)⁩؛
  • الأمر: في قوله «قف» و«اهتف» ⁦(11)⁩ · «آسِ» ⁦(12)⁩ · «سعيا» ⁦(16)⁩؛
  • وكيف خدما النّمط؟ أسهما في التّعبير عن الحالة النّفسيّة والموقف الشّعوريّ؛
  • ⟸ فالسّردُ يقول كيف وصل إلى حاله، والأمرُ يقول ماذا يتمنّى لو استطاع. وكلاهما وصفٌ للدّاخل بوسيلةٍ أخرى.
على أيّ مبدإٍ تقوم موسيقى القصيدة؟
على مبدإ القصيدة العموديّة، بلا خروجٍ عليه:
  • قافيةٌ موحّدةٌ في الأبيات الثّمانية عشر كلِّها، على «ـينا»: عوادينا · حواشينا · نادينا · المصابينا · تسقينا · رواقينا · يغادينا · تلقينا · مآقينا · باكينا · الرّياحينا · مغانينا · الدّينا · أمانينا · بأيدينا · باكينا · نواحينا · شاجينا؛
  • ووزنٌ واحدٌ التزمه من مطلعها إلى ختامها، وهو الوزنُ نفسُه الّذي عارض به نونيّةَ ابن زيدون؛
  • ⟸ والتزامُ الوزن والرّويّ معا هو ما يجعل هذا النّصّ معارضةً لا مجرّدَ تشابه.

🔗أتفحّص الاتّساق والانسجام في النّصّ

ما الخيطُ العاطفيُّ الّذي يربط الأبياتِ الأربعةَ الأولى؟ ثمّ الأبياتِ الأربعةَ الثّانية؟
خيطان متعاقبان، لا خيطٌ واحد:
  • الأبيات 1 – 4: خيطُ الحزن والأسى لما حلّ بصاحبها من مأساة؛
  • الأبيات 5 – 8: عاطفةُ الشّوق ممزوجةٌ ببصيص الأمل في العودة إلى الوطن ولقاء الأهل؛
  • ⟸ فالقصيدةُ لا تسير على وتيرةٍ واحدة: تهبط ثمّ ترتفع. وهذا الانتقالُ هو ما يجعلها قصيدةَ منفًى لا قصيدةَ رثاء.
ما دورُ الرّابط المنطقيّ «لكنّ»؟ وماذا أحدث بين الفقرتين على مستوى التّدفّق العاطفيّ؟
رابطٌ واحدٌ يقلب اتّجاه القصيدة:
  • أفاد «لكنّ» معنى الاستدراك؛
  • إذ استدرك الشّاعرُ من خلاله أملَه في العودة إلى مصر؛
  • ⟸ فهو مفصلُ النّصّ: قبله يأسٌ خالص، وبعده أملٌ. ولذلك جاء في البيت 5 بالضّبط، أي بعد الأبيات الأربعة الأولى تماما.
⭐ جرّبْ لتتأكّد: احذفْ «لكنّ» من البيت 5 واقرأِ القصيدةَ متّصلة. ستجد الانتقالَ من «المصائب يجمعن المصابينا» إلى «مصر… عين من الخلد تسقينا» انتقالا مفاجئا بلا تمهيد. ⟸ الرّابطُ الّذي يُفقَد فيُختلّ المعنى هو رابطُ اتّساقٍ حقيقيّ، لا حشو.
ماذا أفاد تكرارُ «مصر» من حيث بناءُ النّصّ الفكريّ؟
أفاد أنّها محورُ النّصّ لا موضوعا من موضوعاته:
  • جاء التّكرارُ ليدلّ على أنّها مصدرُ معاناة الشّاعر وإلهامه؛
  • فقد ولّد لديه إحساسُ الحبّ الشّعورَ بالغربة والحزن والأسى؛
  • ⟸ وانظرْ إلى مواضعه: تفتتح «مصر» الأمل ⁦(5)⁩، وتُذكر في البرّ ⁦(7)⁩، ثمّ في السّعي ⁦(16)⁩، ثمّ في الخاتمة ⁦(18)⁩. فهي تعود كلّما همّت القصيدةُ أن تضلّ، وهذا هو الانسجام الفكريّ.

⭐أجمل القول في تقدير النّصّ

ما الدّوافعُ النّفسيّة الّتي دفعت الشّاعرَ إلى كتابة هذا النّصّ؟ وكيف تبدو لك شخصيّتُه الأدبيّة؟

حرّكت أسبابُ المنفى والبعدِ عن الوطن والأهل قريحةَ الشّاعر، فعبّر عن فيضٍ من العواطف تجاه وطنه. لم يكن الدّافعُ حادثةً بعينها، بل حالةُ إقامةٍ كاملة: رجلٌ نُقل من قصرٍ إلى منفى، فوجد نفسَه — لأوّل مرّة — يتكلّم بلسان من فقدوا أوطانَهم لا بلسان من يمدحون.

ويُعدّ شوقي شخصيّةً أدبيّةً فذّة، أفادت من التّاريخ ومن التّراث الأندلسيّ في نسج خيوط تجربتها الشّعريّة. فقد رأى أنّ وضعه يشبه وضعَ المعتمد بن عبّاد الّذي أُطيح به ونُفي، وأنّ حزنه يشبه حزن ابن زيدون فناغاه في بكائيّته، مستعيرا منه الوزنَ والقافيةَ والحالةَ الشّعوريّة. ⟸ وهذه هي مهارتُه الكبرى: أن يجعل من تاريخٍ قديمٍ مرآةً لحاضره، فلا يبدو التّراثُ عنده استعارةً بل شهادة.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 1) في مجال قواعد اللّغة: توظيف نون الوقاية

درسْتَ نونَ الوقاية في النّصّ الأدبيّ السّابق («آلام الاغتراب» للبارودي). وهنا لا نعيد الدّرس، بل نستثمره: تطبيقٌ على هذه القصيدة بالذّات، وهي — كما سترى — حالةٌ خاصّةٌ تكشف القاعدةَ أكثرَ ممّا يكشفها المثالُ العاديّ.
ابحثْ في القصيدة كلِّها عن ياء متكلّمٍ مفردة. ماذا تجد؟
لا تجد ولا واحدة، وهذه هي المفاجأة:
  • الضّميرُ الغالبُ في النّصّ كلِّه هو ضميرُ المتكلّمين «نا»: عوادينا · لوادينا · حواشينا · بنا · نادينا · فرّقنا · تسقينا · تمائمنا · رواقينا · تكفلنا · مآقينا · منازلنا · مغانينا · خواطرنا · بأيدينا · نواحينا؛
  • ⟸ وهذا متّسقٌ مع ما أثبتّه في «أكتشف»: القرائنُ اللّغويّةُ على الاشتراك في المصاب هي بعينها ضمائرُ المتكلّمين. الشّاعرُ اختار أن يقول «نحن»، فاختفت ياءُ المتكلّم من قصيدته كلِّها.
التّطبيق — تأمّلِ الجملتين المأخوذتين من النّصّ:
  • «… على اسم الله تكفلنا» (البيت 8)؛
  • «… عين من الخلد بالكافور تسقينا» (البيت 5).
حوّلْ «تكفلنا» و«تسقينا» من ضمير المتكلّمين إلى ضمير المتكلّم المفرد. ماذا يظهر؟
التّحويل، ثمّ ما يكشفه:
  • تكفلنا ⟸ تكفلني · تسقينا ⟸ تسقيني؛
  • ولم تظهرِ النّونُ إلّا بعد التّحويل: فـ«نا» تلتصق بالفعل مباشرةً، أمّا الياء فلا؛
  • ⟸ ⭐ وهذه هي الفائدة: نونُ الوقاية لا تُطلب إلّا مع ياء المتكلّم، لا مع سائر ضمائر النّصب. ولو كتب شوقي قصيدتَه بلسان المفرد لظهرت النّونُ في كلّ بيتٍ تقريبا.
حدّدْ عناصرَ الجملتين بعد التّحويل، وأعربِ النّونَ.
العناصرُ أربعةٌ في كلٍّ منهما:
  • تكفلني: الفعلُ «تكفل» — النّونُ — الفاعلُ ضميرٌ مستترٌ تقديره «هي» — وياءُ المتكلّم مفعولٌ به؛
  • تسقيني: الفعلُ «تسقي» — النّونُ — الفاعلُ ضميرٌ مستترٌ تقديره «هي» (يعود على «عين») — وياءُ المتكلّم مفعولٌ به؛
  • إعرابُ النّون: حرفٌ مبنيٌّ على السّكون لا محلّ له من الإعراب.
حاولْ قراءةَ الكلمتين دون نطق النّون: «تكفلي»، «تسقيي». هل تستطيع؟
لا يمكن نطقُ الكلمتين دون نطق النّون — والقاعدةُ تُستخرج من هذه الاستحالة نفسِها:
  • نونُ الوقاية هي الّتي تأتي قبل ياء المتكلّم، ووظيفتُها لسانيّةٌ، إذ تقي من استحالة الجمع بين ياء المتكلّم وبين الكلمة المضافة إليها؛
  • ⟸ فلا هي نحويّةٌ (لا تُحدث إعرابا) ولا صرفيّةٌ (لا تبني صيغة): هي خدمةٌ يقدّمها اللّسانُ لنفسه.

🛠️أستثمر موارد النّصّ وأوظّفها — 2) في مجال البلاغة: توظيف المجاز المرسل والعقليّ

درسْتَ في النّصّ السّابق المجازَ المرسل (مجازٌ في الكلمة، علاقتُه غيرُ المشابهة، ومعه قرينةٌ لفظيّةٌ أو حاليّة) والمجازَ العقليّ (إسنادُ الفعل لغير فاعله الحقيقيّ). وهنا تطبّقهما، ولا تعيد تعريفَهما.
تطبيقٌ ① — المجازُ العقليّ: ما نوعُ المجاز في «رمى بنا البينُ أيكا» (البيت 3)؟
ثلاثُ خطوات، والحكمُ في الثّالثة:
  • ① أين الإسناد؟ أُسند فعلُ «رمى» إلى «البين» (الفراق)؛
  • ② من الفاعلُ الحقيقيّ؟ ليس البينَ: الفراقُ معنًى لا يَرمي؛ الّذي رماهم هو من قضى بالنّفي، والبينُ سببُ ما جرى لهما؛
  • ③ الحكم: مجازٌ عقليّ، علاقتُه السّببيّة؛
  • ⟸ وأثرُه: يجعل الفراقَ قوّةً فاعلةً تُلقي بالشّاعر والطّائر حيث شاءت، فيبدو الاثنان مفعولا بهما لا فاعلين — وهو عينُ ما تقوله القصيدة عن العجز.
تطبيقٌ ② — المجازُ المرسل: ما المرادُ بـ«يدا» في «غير أنّ يدا قصّت جناحك» (البيت 2)؟
طبّقِ الميزانَ نفسَه — العلاقةُ أوّلا، القرينةُ ثانيا:
  • ① المعنى الحقيقيّ لـ«اليد» هو العضو، ولم يقصده الشّاعر: العضوُ لا يقضي بنفيٍ ولا يقصّ جناحَ طائر قصدا؛
  • ② العلاقة: أُطلقت اليد وأُريدت القوّةُ الباطشة الّتي فعلت ذلك — واليدُ آلةُ البطش وسببُه ⟸ العلاقةُ ليست المشابهة، فهي مجازٌ مرسل؛
  • ③ القرينة: حاليّةٌ، يفهمها السّياقُ من قصّ الجناح وجولان الأثر «في حواشينا»؛
  • ⟸ ⭐ وقابلْ هذا بالمثال الّذي بُنيت عليه القاعدةُ نفسُها: «أسرعكنّ لحوقا بي أطولكنّ يدا» — فاليدُ هناك أُريد بها العطاء، وهنا أُريد بها البطش. اللّفظُ واحدٌ والعلاقةُ من بابٍ واحد، والمعنى نقيضُ المعنى: السّياقُ هو الّذي يعيّن المراد، لا اللّفظ.
تمرينُ تمييز — ما الصّورةُ في «لمّا ترقرق في دمع السّماء دما» (البيت 10)؟ أهي مجازٌ مرسل؟
لا، وهذا هو موضعُ الخطإ الشّائع:
  • ① العلاقةُ بين المطر والدّمع هي المشابهة (كلاهما ماءٌ ينحدر)؛
  • ② وقد سبق أن قرّرنا في القاعدة أنّ المجازَ المرسل علاقتُه غيرُ المشابهة؛
  • ③ ⟸ فالصّورةُ هنا استعارةٌ، لا مجازا مرسلا؛
  • ⛔ الميزانُ الّذي لا يخطئ: قبل أن تسمّي الصّورة، اسألْ سؤالا واحدا — هل العلاقةُ مشابهة؟ إن كان الجوابُ نعم فأنت أمام تشبيهٍ أو استعارة، وإن كان لا فابحثْ في جدول علاقات المجاز المرسل.
⚖️ ولا تُقحمْ شاهدا لا يحتمل: هذه القصيدةُ غنيّةٌ بالجناس وبالاستعارة أكثرَ ممّا هي غنيّةٌ بالمجاز المرسل. ⟸ حين لا تجد مثالا لبابٍ من الأبواب، قلْ «لم أجدْ» — فالاعترافُ بذلك جزءٌ من التّحليل، لا نقصٌ فيه.
في البكالوريا يأتي هذا الدرس في سؤالين على النصّ: «حوّل الفعل إلى ضمير المتكلّم المفرد، وأعرب النون»، و«ما نوع المجاز في العبارة؟ بيّن علاقته وقرينته». جهّز ثلاثة عناصر: ① نون الوقاية مع الياء وحدها: «تكفلنا» بلا نون لأنّ «نا» تلتصق بالفعل مباشرة، فإذا حوّلتها إلى «تكفلني» ظهرت النون ؛ وإعرابها حرف مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، والياء بعدها مفعول به ؛ ② ميزان المجاز: أين الإسناد؟ ومَن الفاعل الحقيقي؟ («رمى بنا البين»: مجاز عقليّ علاقته السببية) — أو: ما المعنى الحقيقي للكلمة؟ وما العلاقة؟ وما القرينة؟ («يدا قصّت جناحك»: مجاز مرسل) ؛ ③ الأثر: إشغال ذهن المتلقّي بالبحث والتأمّل وإثارة الفضول. ⚠️ الخطأ الشائع: تسمية الصورة مجازا مرسلا وعلاقتها المشابهة ؛ «ترقرق في دمع السماء» علاقتها المشابهة فهي استعارة، فاسأل قبل التسمية: هل العلاقة مشابهة؟ ⚠️ وخطأ ثانٍ: انتظار نون الوقاية مع ضمائر النصب الأخرى، وهي لا تُطلب إلّا مع ياء المتكلّم.
⭐ ولمَ كلُّ هذا؟ بلاغةُ البابين معا تكمن في إشغال ذهن المتلقّي بالبحث والتّأمّل وإثارة الفضول، فيثير ذلك فيه الإعجابَ والدّهشةَ ومتعةَ الاكتشاف والإحساسَ بجمال البلاغة. ولهذا كان النّصّ الّذي تحلّه بلا جهدٍ نصّا لا يُذكر.

Page 1/5

© Madrassati — leçon rédigée par Madrassati · madrassati.net