الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الإحساس والإدراك
ضبط المفاهيم والتصورات
- ضبط تصوّر الإحساس بوصفه نشاطا أوّليا مباشرا، وتحديد مراحله وشروطه الثلاثة
- بيان كيف يكون الإحساس بسيطا ومركّبا، ومتنوّعا وواحدا، في الآن نفسه دون تناقض
- التمييز بين الإحساس والشعور، وبين الظاهرة الحيوية والظاهرة النفسية في الإحساس
- ضبط تصوّر الإدراك بوصفه وظيفة عقلية عليا، وتوظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تعريفه
- الفرق بين ما هو مشترك بين الإنسان والحيوان وما هو خاصّ بالإنسان في السلوك
- الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ المشكلة التي تواجهنا في مثل هذه الموضوعات النفسية والمعرفية تكمن في صعوبة تحديد طبيعة العلاقة بين الإحساس والإدراك. فهي من جهة علاقة انفصال وتمايز على ما يبدو: إذ نظنّ لأوّل وهلة أنّ الألوان والأشكال والحركات والأصوات والروائح إنْ هي إلاّ ومضات عصبية تصل إلى المراكز الدماغية بواسطة الحواسّ، أمّا معرفتنا لها وتفسيرها فوظيفة موكولة إلى عقلنا بالاشتراك مع ذاكرتنا وخيالنا ؛ ومن هنا أمكن القول إنّ الإحساس يسبق الإدراك منطقيا، وبذلك فهو يختلف عنه من حيث الطبيعة والقيمة. ولكنّ العلاقة قد تتبدّى من جهة ثانية على نحو تداخل، ومبعث ذلك الاعتقاد أنّنا نتصوّر عالمنا كلاّ واحدا منسجما مع ذواتنا، فلا يوجد سوى إدراكات تتضمّن في طيّاتها إحساسات. وعلى ضوء هذا التعارض الذي تفرزه طبيعة الموضوع نفسها، لا يمكن الحكم في العلاقة قبل ضبط طرفيها: فما الإحساس في طبيعته وفي آليته ؟ وما الإدراك في خصوصيته الإنسانية ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ ها هو ذا الهاتف يرنّ بعيدا في بهو المنزل وأنا مستغرق في عملي بغرفة المكتب، فأنتبهُ لصوته ويخالجني إحساس ما بأن أقوم إليه فأرفع السمّاعة، أو أن أرى أن لا حاجة لي بذلك فأتركه وأواصل عملي. ـ ولنتصوّر أحدَنا وقد دُعي من قبل بعض أصدقائه ليشاركهم تناول وجبة بمطعم خاصّ، وعُرض عليهم طبق جديد لم يكن لصاحبنا به عهد ؛ فتراه، من التهيّب، لا يملك إلاّ أن يحدّق فيه من بعيد، ويودّ لو سمع من إنسان عن طعمه: وما هو ؟ ومن أيّ شيء رُكّب ؟ ليطمئنّ إليه ويقبل عليه. ومع أنّه قد يسمع شيئا من ذلك، فإنّه يمدّ إليه يده لا كما يفعل المجرّب العارف، بل يظلّ يتردّد: يقلّبه بأطراف أنامله تارة، ويتشمّمه تارة أخرى، إلى أن يحمل إلى فمه اليسير منه يتذوّقه بحذر وأناة وعلى وجهه سمات القلق والحيرة ؛ فإذا أعجبه طعمه مضى يتناوله معهم وقد اطمأنّ وزال عنه كلّ ذلك.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الطابع الأوّلي البسيط لعمل الإحساس : فهو لا يحتاج إلى واسطة بين المؤثّر والعضوية، أي بين الصوت وانفعال حاسّة الأذن، بل يتمّ بطريقة أوّلية ومباشرة، دون أن يُفهم من ذلك انتقال المؤثّر بمادّته كما هي.
- مراحل الإحساس وشروطه : لا بدّ أوّلا من وجود الشيء المؤثّر، وهو الهاتف الذي أحدث رنينه اهتزازات وموجات في الهواء ؛ وهناك ثانيا الأذن كحاسّة انتقل إليها ذلك الأثر الفيزيائي فنبّه الأعصاب التي سجّلته وحوّلته إلى المراكز الدماغية المتخصّصة ضمن نشاط فيزيولوجي معقّد ؛ ويؤدّي ذلك ثالثا إلى شعور باطني واستجابة تلقائية بالإقدام أو الترك.
- تنوّع القنوات ووحدة النتيجة : في القسم الثاني من الوضعية انفعلت حواسّ عديدة وتواتر عملها — النظر والسمع واللمس والشمّ والذوق — ولكنّ النتيجة واحدة: إحساس بغرابة الموقف وحاجة إلى التأقلم معه.
I – ماذا عن الإحساس كعلاقة انفعال وتفاعل أوليَين مع العالم الخارجي ؟
أولا : الإحساس بوصفه نشاطا أوّليا ومتعدّدا
إنّ الإحساس في رأي علم النفس التجريبي — وهو فرع من فروع علم النفس تأسّس في القرن التاسع عشر بألمانيا — حادثة أوّلية وبسيطة ؛ والحواسّ هي الأداة الوحيدة التي تربط الحيوان كالإنسان معا بالبيئة والعالم الخارجي، وبها تحصل المعرفة ويتمّ التكيّف. ولكن أليس من التناقض اعتباره أوّليا ومركّبا ؟ واحدا ومتعدّدا في ذات الوقت ؟
- الإحساس بسيط ومركّب في الآن نفسه : لا تناقض بين طبيعته الأوّلية البسيطة وبين صفة التركيب فيه ؛ لأنّ الأولى تتعلّق بتلقائية حدوثه، فلا وجود لواسطة بين الشيء والكائن الحيّ ؛ ولأنّ الثانية تتّصل بمسار جريانه وآليته: من المؤثّر الفيزيائي إلى انفعال العضوية، فالشعور والحركة، في تكامل وتفاعل يمكن قياس نتائجهما بدقّة فائقة علميا.
- الإحساس متنوّع بتنوّع قنواته : يتبع الإحساسُ الحاسّةَ الخاصّة به ؛ فصاحبنا في الوضعية لم يكتف بالتحديق والنظر، بل استأنس بقنوات أخرى: سماع آراء الآخرين، وتقليب الطبق باللمس الخفيف، وشمّ رائحته، وأخيرا تذوّقه ؛ وتخلّل ذلك كلَّه إحساس بحركة الأطراف الخارجية، وبالقلق ثمّ الاطمئنان على صعيد حشوي باطني.
- الإحساس واحد ومشترك في جميع أنواعه : فقد كان بمقدوره الاكتفاء بنوع أو نوعين فحسب لتحقيق النتيجة ذاتها، إذ قد يؤدّي الإبصار وحده أو الذوق وحده — أو كلاهما معا — إلى الإحساس بغرابة الموقف ؛ ولكنّه أمعن في تسخير جلّ حواسّه له، ممّا يثبت أنّ حواسّنا بالرغم من تنوّعها تشترك جميعها في آلية التركيب وكيفية الحدوث.
- وللإحساس مجال بعتبتين : فالإحساس مهما كان نوعه يتحدّد بمجال له عتبة دنيا وعتبة عليا، بحيث إذا نقص المؤثّر عن الأولى أو زاد على الثانية لم تنفعل له الحاسّة ولم يتمّ الإحساس ؛ ففي السمع يجب أن تتلقّف الأذن البشرية ما بين عشرين ذبذبة في الثانية كعتبة دنيا وعشرين ألف ذبذبة في الثانية كعتبة عليا. وثمّة كذلك عتبة فارقة، هي مقدار الزيادة اللازمة ليُحسّ بها: فهي واحد على عشرين في الإحساس بالوزن، أي أنّ من وُضع على ساعده ثمانون غراما لن يشعر بتغيّر إلاّ ابتداء من أربعة غرامات فما فوق.
«فالإحساس هو قبول صورة الشيء (المحسوس) مجرّدة عن مادته فيستجيب لها الحاسّ.» وبعبارة أوضح: «أنّ عضو الحسّ يقبل صورة المحسوسات دون مادتها، كما يقبل الشمع صورة الخاتم دون الحديد أو الذهب.» والعبارتان لابن سينا وأرسطو على الترتيب. محمد عثمان نجاتي، الإدراك الحسي عند ابن سينا، دار المعارف، ط. 1، القاهرة 1961، ص، 45، 49
ثانيا : من الظاهرة الحيوية إلى الظاهرة النفسية
- تفاوت في الإحساس بين الإنسان وسائر الكائنات الحيّة : فهذه الأخيرة وإن افتقد بعضها إلى عضو ظاهر لحاسّة أو أكثر، إلاّ أنّ بعضها الآخر يتمتّع بدرجة عالية من الفعالية في حواسّ معيّنة لا يتسنّى للإنسان بلوغها عن طريق سلوكه الطبيعي: حدّة بصر الصقر، وقوّة الشمّ عند المفترس والطريدة، ورهافة اللمس عند الفيلة، وسماع الدلافين وبعض الحيتان ذبذبات تبعد عشرات الكيلومترات لا يمكننا نحن سماعها.
- غاية هذا التفاوت هي التكيّف وحفظ البقاء : فكلّما دعت الضرورة البيولوجية إلى توظيف حاسّة من الحواسّ باستمرار لأجل التكيّف، كان ذلك مدعاة لزيادة فعاليتها ومن ثمّة حدّتها ودرجة قدرتها ؛ وهنا يتساوى الإنسان مع الحيوان إلى درجة نجاحهما في درء المرض بواسطة ما نسمّيه بالإحساس العامّ المشترك.
- ومن الحيوي ينشأ النفسي : ففي حياتنا اليومية بإمكاننا أن نلاحظ أحاسيسنا وما يرافقها من حالات انفعالية، وكذا الإحساس الذي يبعث فينا انطباعا أو شعورا أقوى، كالاستماع إلى الموسيقى، أو رؤية المناظر الجميلة، أو استنشاق أريج الزهور ؛ فيطلعنا هذا الانطباع على قيمة الأشياء في العالم الخارجي كما تبدو للإنسان في شعوره.
- ومع ذلك فالإحساس غير الشعور : ذلك أنّ قليلا من تلك الأحاسيس فقط ما ينطوي على انفعال يفيد انطباعا ذاتيا بالقبول أو الرفض، وهو مشروط دائما بالمؤثّر الخارجي وبنشاط العضوية ؛ ولذلك ننتهي إلى أنّ الإحساس يتعلّق بالتأقلم مع العالم الخارجي أكثر من تعلّقه بمعرفة هذا العالم، وأنّ طبيعته الحيوية تطغى على طبيعته النفسية.
إنّ تفاوت الحواسّ بين الكائنات لا يفسَّر بذاته، بل بسنّة التطوّر والحاجة إلى حفظ البقاء: فالحاجة الحيوية إلى التكيّف هي التي تفرض هذا التفاوت، حتّى إنّ الفئران التي أُزيلت منها الغدّة المفرزة للأدرينالين صار من الضروري لها أن تلتهم كمّيات أكبر من الملح تكفي لبقائها حيّة وتعرض عن الماء العادي، دون أن تعي لماذا تفعل ذلك ؛ فإحساسها أدّى، دون وعي، إلى تكيّف. وقد توسّع تشارلز داروين (ت 1882) وغيره في فكرة الغائية والتطوّر، وخاصّة في كتابه «أصل الأنواع»، ولكن في سياق بيولوجي له أبعاد فلسفية.
«الإحساس حادثة نفسية أوّلية، وهو إمّا أن يكون انفعاليا، أو عنصرا من الحياة العقلية… فكلّ انفعال نفسي ينشأ عن تبدّل عضوي… أو هو صدى التبدّلات الجسدية وانعكاس آثارها على الشعور.» جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج 1–2، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص، 82
II – وماذا عن الإدراك كمعرفة عقلية تطلعنا على حقيقة هذا العالم الخارجي ؟
فكأنّنا ننتقل بمعنى الاتّصال من طابعه العامّ الحيوي البسيط، وهو الإحساس عند جميع الكائنات، إلى طابعه الخاصّ المعرفي المعقّد، وهو الإدراك عند الإنسان. ذلك أنّ الإحساس لا يمثّل وحده أداة فاعلة للمعرفة، فهو غير قابل لأن يُعزل عن النشاط العقلي فضلا عن الحياة النفسية برمّتها عند الإنسان، إذ لا وجود لإحساس خالص في التجربة المباشرة ؛ وأهمّيته في المعرفة تكمن في أنّه يقدّم معطيات أوّلية ومادّة خامّا لا غنى عنها لحصول الإدراك. وإذا كان الأمر كذلك، ففيمَ تتمثّل خصوصية الإدراك الإنسانية، وأين يكمن تعقيده ؟
أولا : الإدراك وفعاليات العقل العليا
يُطلق مصطلح الإدراك على مجمل العمليات التي تبدأ من محاولة تفسير المؤثّر إلى معرفة طبيعته وصفاته المعقّدة. وآليته الذهنية تقوم دائما، عند جميع الناس، على مرحلية ثلاثية متكاملة: الصورة الإجمالية (أو التلفيقية) وهي صورة أوّلية غامضة بوجود علاقة ما بين المعطيات ؛ ثمّ التحليل (أو التفكيك) أي إدراك العلاقات القائمة بين أجزاء الشيء المدرَك ؛ ثمّ التركيب (أو إعادة التأليف) وهو بمثابة الصورة الكلّية التي تمكّن من ربط الأجزاء بالمجموع. وهذه المرحلية تستوجب الاستعانة بالوظائف العقلية العليا بنسب مختلفة: فدور التذكّر واضح كلّ الوضوح حتّى قيل «الإدراك تذكّر» — وهو قول لبرغسون (1859–1941) فيه مبالغة، لأنّ للصورة الإدراكية حقيقتها في العالم الخارجي وليس بإمكان الإنسان تعديلها، فهي أقلّ مرونة من الذكرى — ودور التخيّل ملحوظ بوجه خاصّ في مرحلة تكوين الصورة الإجمالية التي يفتتح بها الإدراك نشاطه، كما أنّ الأصوات والإشارات إنّما هي إشارات لغوية لها دلالة في الذهن.
«العملية النفسية التي يتمّ بواسطتها الاتّصال بيننا وبين العالم الخارجي ومعرفة الأشياء في هذا العالم ؛ وهو تابع لاهتماماتنا ولقدراتنا العقلية.» أنطوان مقدسي، مبادئ الفلسفة، ج 1، المؤسسة العامة للمطبوعات، دمشق، 1994، ص، 33
يقول «أرسطو» في التمييز بين الحواسّ والعقل: «فهما ليسا أمرا واحدا، ذلك أنّ أوّلهما يشترك فيه جميع الحيوانات، أمّا الثاني فخاصّ بالإنسان ؛ وأنّ الإحساس صادق دائما عند جميع الحيوانات، على حين أنّ التفكير قد يكون خطأ وقد يكون صوابا ولا يوجد إلاّ عند الكائنات التي لها عقل.» ويقول «ديكارت»: «وإذن فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوّة الحكم ما كنت أحسبُ أنّي أراه بعينيّ.» ومعنى ذلك أنّنا ندرك الشيء كما هو، لا كما يُرى ؛ فمن يلوّح لرجل يقف بعيدا لا يخطئ معرفته لمجرّد أنّ صورته البصرية انعكست على الشبكية بحجم أصغر: إنّه رجل وليس طفلا. أرسطو، كتاب النفس، ترجمة ف. الأهواني وج. قنواتي، ص، 102، 103 — روني ديكارت، تأمّلات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى، ترجمة كمال الحاج، ط. 3، دار عويدات، بيروت – باريس، 1982، ص، 80
لماذا لا يكفي الإحساس وحده ليكون معرفة ؟لماذا لا يكفي الإحساس وحده ليكون معرفة ؟
لأنّ الإحساس يقف عند حدّ الاتّصال، بينما المعرفة تقتضي الحكم. تأمّل هذه الوضعية: سيّدة تدخل حديقة حيوانات ومعها كلبها الصغير، فتقف قبالة قفص بداخله أسد شديد العدوانية ؛ ما إن يقع نظر الكلب عليه حتّى ينقلب هاربا مذعورا، بينما تظلّ هي واقفة غير عابئة. سلوك الكلب مبنيّ على الإحساس، ولذلك فهو صادق دائما: مهما كانت وضعية المؤثّر، حرّا كان الأسد أم مقيّدا، فالنتيجة واحدة — خطرٌ داهم لا بدّ من تجنّبه. أمّا ردّ فعل السيّدة فقائم على إدراك، أي على حكم في وضعية: لا خطر من هذا الحيوان ما دام محبوسا. وهنا يظهر الفرق ويظهر ثمنه معا: حكم السيّدة صادق هنا، ولكنّه قابل لأن يكذب — فلو نسي القيّمون على الحديقة باب القفص مواربا بلا قفل لسهل على الأسد الخروج، ولتغيّرت النتيجة حتما. فالإحساس صادق لأنّه لا يحكم، والإدراك عرضة للخطأ لأنّه يحكم ؛ وذلك هو الثمن الذي يدفعه الإنسان لكي يعرف العالم لا أن يتأقلم معه فحسب.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net