الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الإحساس والإدراك
العلاقة بين الإحساس والإدراك
- تحديد موضع النزاع بين العقليين والحسّيين في مصدر المعرفة الإدراكية، وبيان ما يتّفق عليه الفريقان رغم خلافهما
- عرض حجج العقليين في أنّ الإحساس لا يبلغ الكلّي ولا يمدّنا إلاّ بمعرفة جزئية ظنّية
- عرض حجج الحسّيين في أنّ كلّ معرفة إدراكية مصدرها التجربة، ونفيهم للأفكار الفطرية
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في كلّ موقف من الموقفين، وبناء مقالة جدلية عليهما
- الفرق بين الإحساس والإدراك في الطبيعة وفي المراحل
- الفرق بين المعرفة الجزئية والمعرفة الكلّية، وبين الظنّ واليقين
- بناء مقالة جدلية: عرض أطروحة، فعرض نقيضها، فالتركيب بينهما
مقدمة : طرح المشكلة
إذا رجعنا إلى مباحث الفلسفة التقليدية، وخاصّة مبحث نظرية المعرفة، وجدنا نزاعا قد استحكم طوال قرون متوالية بين القائلين بالطبيعة العقلية للمعرفة والقائلين بطبيعتها الحسّية، ولكلّ مذهب منهما مناصروه. ومع ذلك، وبالرغم من الخلاف الشديد بينهما، فإنّ الفريقين يتّفقان على مسألة جوهرية مهمّة، وهي ضرورة التمييز بين الإحساس والإدراك. وإنّما يفترقان في تعيين الطرف الذي يُردّ إليه الآخر: أهو الإحساس الذي يمدّ الإدراك بكلّ مادّته حتّى لا يبقى في الذهن شيء لم يمرّ بالحواسّ، أم العقل الذي لا يأخذ من الإحساس إلاّ مناسبة لكي يشتغل ؟ وبهذا تصير العلاقة بين الإحساس والإدراك مشكلة في مصدر المعرفة قبل أن تكون مشكلة في ترتيب وظيفتين نفسيّتين.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (س) : لاحظ أنّ بعض المحسوسات لا تنبّه فينا عمل التفكّر، لأنّها كلّها ضمن دائرة الحسّ ؛ وأنّ عوامل أخرى تنبّه فينا فعل التفكّر لتفحّصها، لأنّ الاقتصار فيها على شهادة الحواسّ يؤدّي إلى نتائج غير صحيحة ؛ ـ (غ) : فأيَّ نوع من الأشياء تعني ؟ ـ (س) : يمكنك أن تتبيّن معناي على وجه أوضح هكذا: هنا ثلاثة أصابع ندعوها الخنصر والبنصر والوسطى… ـ (غ) : حسنا… ـ (س) : واضح أنّ كلَّها أصابع، سواء كانت في الوسط أو الطرف، بيضاء أو سوداء، غليظة أو دقيقة… وهكذا، فما دمنا نتقيّد بهذا، يندر أن يسأل الفكر: ما هي الأصابع ؟ لأنّ البصر لا يخبر العقل أنّها أصبع وغير أصبع… ـ (غ) : كلاّ، لا يخبره… ـ (س) : فشعورنا هذا، طبعا، لا ينبّه الفكر أو يثيره ؛ ـ (غ) : يقينا لا. أفلاطون، كتاب الجمهورية، ترجمة حنّا خبّاز، ط. 2، دار القلم، بيروت، لبنان، 1980، ص، 212، 213
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الحسّ يعطي الجزئي، لا الكلّي : فكلّ إحساس بشيء من الأشياء هو إحساس بجزئيّ واحد ؛ وما يمكن أن تتّصف به الأصابع من أوصاف حسّية عارضة — كالبياض والسواد، والطول والقصر، والنحافة والبدانة — لا يمثّل مفهوما ولا معنى كلّيا ولا تعريفا عامّا يميّزها عمّا عداها من الموجودات. فالحاسّة لا تدرك إلاّ موضوع إدراكها، وهذا الموضوع ليس سوى عوارض الأجسام.
- وما لا يثير سؤالا لا يُنتج معرفة : ما دام البصر لا يخبر العقل أنّ الأصبع «أصبع وغير أصبع»، فإنّ الشعور بها لا ينبّه الفكر ولا يثيره، ويظلّ أسير دائرة التجربة الحسّية دون أن يحمل معرفة مجرّدة.
- ومن هنا موقف كبار فلاسفة اليونان : فهم يتجاوزون بهذا التحليل حسّية السوفسطائيين الساذجة، إذ يجعلون قيمة الإحساس لا في المعرفة التي يقدّمها، بل في أنّه ينبّه نشاطنا العقلي ويثيره لنصل — بطريقة غير مباشرة — إلى المعرفة المجرّدة.
III – ثمَّ هل كل معارفنا الإدراكية حول هذا العالم، تنبع – بالضرورة – من الإحساس ؟
أولا : الإحساس والإدراك المجرّد
يرى العقليون، قديما وحديثا، أنّ الإحساس لا يمدّنا إلاّ بمعارف أوّلية في حاجة دائمة إلى صقل وتجريد عقلي ؛ فليست كلّ إدراكاتنا المعرفية نابعة — بالضرورة — من الإحساس، بل الغالب في هذه الإدراكات أنّها صادرة بصورة قبلية عن العقل. ومبرّراتهم في ذلك تقوم على حجّتين متكاملتين: حجّة في طبيعة ما يعطيه كلّ من الحسّ والعقل، وحجّة في قيمة كلّ منهما.
- الإحساس وحده لا يحقّق معرفة مجرّدة : لأنّه ينتهي عند الجزئيات المتعيّنة، ولأنّ كثيرا ما تكون المعرفة الحسّية خاطئة أو غير كافية في ذاتها، إذ الاقتصار على شهادة الحواسّ يؤدّي إلى نتائج غير صحيحة.
- والإحساس يثير العقل لتحقيق معرفة مجرّدة : فقيمته تكمن في أنّه يقوم بتنبيه نشاطاتنا العقلية وإثارتها لنصل بطريقة غير مباشرة إلى المعرفة المجرّدة، وهي المعرفة الحقيقية.
- والإحساس أدنى قيمة معرفية من الإدراك : ذلك أنّ الإحساس من شأن العامّة، والمعرفة فيه ظنّية لا يقينية، وهي أقلّ وضوحا وكمالا، بل لا تتجاوز ما توافر عند الحيوانات ؛ في حين أنّ الإدراك يقتضي تعقّل الشيء بالبحث عن ماهيته، أي تجريده من صوره الخارجية، وعن السبيل إلى معرفته، أي التأمّل، وعن سنده، أي الروح الإنسانية. وهذا رأي ديكارت الذي، شأنه شأن كلّ الفلاسفة العقليين، لا ينكر الإدراك الحسّي تماما، ولكنّه يقلّل من إسهاماته في المعرفة مقارنة بالإدراك المجرّد القائم على العقل.
- ولذلك كانت المعرفة عندهم درجات : فهي عند أفلاطون تخضع إلى تدرّج، من المعرفة الحسّية (عوارض الأجسام)، إلى الظنّية (أحكام المحسوسات)، إلى الاستدلالية (الماهيات الرياضية)، وأخيرا العقلية (الماهيات المجرّدة).
«لاحظ أنّ بعض المحسوسات لا تنبّه فينا عمل التفكّر، لأنّها كلّها ضمن دائرة الحسّ، وأنّ عوامل أخرى تنبّه فينا فعل التفكّر لتفحّصها ؛ لأنّ الاقتصار فيها على شهادة الحواسّ يؤدّي إلى نتائج غير صحيحة.» فالبصر لا يفيد أنّ الأصبع أصبع وغير أصبع، لأنّ ذلك كلّه من عمل العقل المجرّد ؛ ومن هنا كانت المعرفة الحقيقية عنده هي المعرفة العقلية، وما دونها درجات يرتقى منها إليها. أفلاطون، كتاب الجمهورية، ترجمة حنّا خبّاز، ط. 2، دار القلم، بيروت، لبنان، 1980، ص، 212، 213
ثانيا : الإحساس مصدر كل معرفة
- الحسّيون يميّزون بالدرجة لا بالطبيعة ولا بالقيمة : فهم يقرّرون أيضا التمييز بين الإحساس والإدراك، ولكن لا على أساس من طبيعة أو قيمة كلّ منهما كما رأينا لدى العقليين، بل انطلاقا من الدرجة أو شدّة التعقيد ؛ فالمعرفة المتحصّلة تنتج عن تآلف بين الإحساس والإحساس المركّب، والذي قد يكون شعورا أو انطباعا أو إدراكا حسّيا.
- مقياس الحقيقة هو التجربة والإحساس، لا العقل والإدراك المجرّد : فالاستدلال العقلي وحده قد يوقعنا في سؤال فاسد، ما لم يعضده العيان والحسّ.
- والإدراك العقلي نفسه مكتسب من مكتسبات الخبرة : فالطفل في بواكير حياته لا يملك عقلا حتّى يفقده، وإنّما يبدأ في تحصيل معارفه بعديا شيئا فشيئا بواسطة خبرته الحسّية، وما يتوارد على نفسه من صور المحسوسات فتنطبع على سلوكه.
ـ (ها) : لأيّ رجل تحفر هذا القبر ؟ ـ (ح) : ليس لرجلٍ يا سيدي ؛ ـ (ها) : لأيّ امرأةٍ إذن ؟ ـ (ح) : ولا لامرأة ! ـ (ها) : من الذي سيُدفن فيه ؟ ـ (ح) : كانت امرأة يا سيدي، ولكنّها ماتت ! ـ (ها) : كم لك في هذه الصناعة ؟ ـ (ح) : زاولت هذا العمل في نفس اليوم الذي تغلّب فيه ملكنا (هاملت) على (فورتنبراس)… وهو نفس اليوم الذي وُلد فيه (هاملت) الصغير الذي جُنَّ… ! ـ (ها) : وكيف جُنَّ ؟ ـ (ح) : بشكل غريب، كما يقولون ؛ بأن فقد عقله ! وليم شكسبير، هاملت، ترجمة م. صوايا، منشورات مكتبة سمير، ط. 1، بيروت، لبنان، 1968، ص، 29
إنّ مقياس المعرفة الحقّة ليس تلك الأفكار الكلّية التي كوّناها بأنفسنا وصنعناها بأذهاننا، فلا نستطيع أن نقطع بأنّها حقّ حتّى تكون مقياسا نعتمد عليه في معرفة الأشياء الصحيحة ؛ ومن هنا فإنّه لا مناص من العودة إلى المصدر الذي استقينا منه أفكارنا الكلّية، أي التجربة الحسّية، فهي أحرى بأن تكون المقياس الحقيقي. وعلى هذا الأساس، فإنّ نفس الطفل لا تشتمل على أيّ نوع من المعارف المسبقة أو الفطرية. والرواقيون جماعة من فلاسفة اليونان المتأخّرين أشهرهم زينون ؛ أنزلوا العقل من علياته التي رفعه إليها أفلاطون وأرسطو، وعادوا بالمعرفة إلى دائرة الحسّ: فالأشياء الحقيقية في الخارج تفرض نفسها علينا حتّى يحصل اعتقاد جازم بأنّها حقيقية.
1 ـ الخبرة بدل الفطرة
أمّا في تحليل حوار هاملت مع الحفّار، فبعيدا عن طابع التهكّم وما يبدو من تلاعب بالألفاظ، يستوقفنا أمران: أنّ الأمير يسأل لا ليعرف، بل ليصل إلى ما كان يتصوّر أنّه يعرف ؛ في حين أنّ الحفّار، وهو الذي يمثّل التجربة الحسّية، لا يحيد قيد أنملة عن الواقع الذي يعيشه. فقد سأله الأمير «لأيّ امرأة إذن ؟» استدلالا عقليا من نفي سابق لاحتمال أن يكون القبر لرجل ؛ وما فطن له الحفّار ونسيه الأمير أنّ إثبات الحالة الثانية يجب أن يكون بالعيان والحسّ لا بالاستدلال العقلي فقط: فالمفروض أن يكون السؤال «لأيّ امرأة ميّتة إذن ؟».
لقي عالِم أنثروبولوجيا رجلا بالغا ينتمي إلى قبيلة بدائية لا تزال — بسبب عزلتها التامّة عن المدنية الحديثة — محافظة على الأشكال الأولى للحياة الإنسانية، فسأله باللغة التي يفهمها: الشيء ونقيضه هل يجتمعان ؟ والمكان والزمان ماذا يعنيان ؟ والعلّية والغائية ما هما ؟ والجوهر والعرض ما طبيعة كلّ منهما ؟ فلم يظفر من الرجل بأيّة إجابة. ولكن حينما أشار العالِم إلى زهرة نضِرة كانت بقربهما، قال الرجل ردّا على الأسئلة: الزهرة موجودة في هذا الحقل، ويمكن أن تموت بعد مدّة، وهي نبتت عن بذرة، ورحيقها يفيد النحل والطير، ولها رائحة ولون وشكل يميّزها. فالرجل لم يستطع أن يجيب على ما كان يُفترض أن يتوافر لديه بالفطرة على حدّ قول العقليين، فهو بالتالي لا يملك أفكارا أولى سابقة عن التجربة ؛ وبالمقابل وجد سهولة واضحة في أن يجيب على الأسئلة ذاتها لمّا اقترنت بمعطيات التجربة الحسّية المجسّدة في واقعه المألوف.
«الحواسّ والمدارك هما النافذتان اللتان ينفذ منهما الضوء إلى هذه الغرفة المظلمة» — أي العقل — الذي لا يعدو أن يكون عنده مرآة تعكس صور الخبرة التي تقدّمها الحواسّ. فلا تقوم صلة الموجودات الخارجية المحسوسة على معرفة الإنسان السابقة لها، بل على معرفة بَعْدية بإدراك الحواسّ لها. نقلا عن محمد عبد الرحمن بيصار، تأمّلات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ط. 3، المكتبة العصرية، بيروت، 1980، ص، 119 ؛ والمقولة للوك (1632 – 1704) الذي يعتبر في تاريخ الفلسفة بمثابة المؤسّس الحقيقي لنظرية المعرفة
2 ـ تعقيب : ما لم تحسمه النظرية التقليدية
ليس ثمّة أفكار مجرّدة عند الحسّيين، بل انطباعات حسّية: فالرجل المستجوَب ذاته لا يطيق التعامل مع ما هو مجرّد يتعلّق بالتصوّرات والأفكار والمفاهيم، بل أقصى ما حصل لديه جملة من الانطباعات الحسّية المباشرة المؤطّرة في الزمان والمكان عن شيء متعيّن أمامه، مع قليل من التخيّل والربط بين الوقائع. غير أنّ النظرية التقليدية التي استفاض أقطابها من العقليين والحسّيين، قدامى ومحدثين، في بسطها وتعليلها، لم تستطع حلّ الإشكال القائم حول طبيعة العلاقة بين الإحساس والإدراك ؛ وهي وإن اعترفت بأنّ مداركنا تبدأ من الإحساس، اختلفت فيما بينها في تعيين أولوية كلّ منهما من حيث الطبيعة والقيمة والتركيب، إلى الحدّ الذي حوّل النقاش عن مجراه الطبيعي والموضوعي إلى نقاش فلسفي لا يخلو من ذاتية أو تطرّف مذهبي.
إذا كان الفريقان يتّفقان على التمييز، فلماذا لم يحسم أحدهما المشكلة ؟إذا كان الفريقان يتّفقان على التمييز، فلماذا لم يحسم أحدهما المشكلة ؟
لأنّ كلاّ منهما بنى موقفه على فرضية لم يُخضعها للاختبار، وهي إمكان عزل أحد الطرفين عن الآخر. فالعقلي يفترض إدراكا مجرّدا خالصا لا يدين للحسّ بشيء، والحسّي يفترض إحساسا خالصا سابقا على كلّ نشاط ذهني ؛ وكلاهما يستدلّ على فرضيّته بأمثلة يختارها هو، لا بوقائع تفرض نفسها. ولذلك انقلب النزاع من نقاش في الواقعة إلى نقاش في المذهب: صار السؤال «أيّهما أشرف وأعلى قيمة ؟» بدل «كيف يشتغلان معا في الحادثة الواحدة ؟». وهذا هو بالضبط موضع الانتقال إلى المشكلة الموالية: فبدل أن نسأل مَن يسبق مَن، نسأل هل الإحساس نفسه خالٍ من كلّ نشاط ذهني سابق، أم أنّ الذهن حاضر فيه منذ اللحظة الأولى.
الصفحة 1/6
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net