الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في الإحساس والإدراك
طبيعة المعرفة الإدراكية
- بيان نسبية المعرفة الإدراكية، وربط اختلاف الإدراك بالعوامل الثلاثة التي تشكّله
- التمييز بين خطأ الإدراك ومرضه، والتمثيل لكلّ منهما بمثاله
- عرض تفسير الغشطالتيين للإدراك بالصورة الكلّية، وتفسير الظواهريين له بالقصدية والمعايشة
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تحديد طبيعة المعرفة الإدراكية
- تعريف الإدراك ومراحله الثلاث، والفرق بينه وبين الإحساس
- موقف العقليين وموقف الحسّيين من مصدر المعرفة الإدراكية
- الفرق بين النسبي والمطلق، وبين الحكم الصادق والحكم الخاطئ
مقدمة : طرح المشكلة
يختلف إدراك العالم المحيط بنا من شخص إلى آخر، بل حتّى لدى الشخص الواحد أحيانا ؛ والسبب في ذلك يعود إلى وجود عوامل وشروط متنوّعة تتّصل بالذات المدرِكة وبالموضوع المدرَك وبالموقف الذي يشكّلهما، ممّا يجعل مدركاتنا قابلة في النهاية للتصديق أو التكذيب. وهنا يتحوّل السؤال: لم يعد سؤالا عن مصدر المعرفة الإدراكية — أمن الحسّ هي أم من العقل — بل عن طبيعتها هي في ذاتها: أهي صورة مطابقة للعالم الخارجي، أم بناء تشترك فيه الذات والموضوع والموقف معا ؟ وهو سؤال لا يُجاب عنه بالتأمّل وحده، بل بالاحتكام إلى الوقائع الطبيعية والإنسانية معا.
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
أُخذ الشخص (ع) إلى غرفة تَلِج من نافذتها أشعّة الشمس، وبها مكتبة حسنة التنظيم والترتيب. ثمّ أُخذ الشخص (س) إلى الغرفة نفسها بعد أن حلّ الظلام، وبعد أن أُفرغت الرفوف من الكتب وبُعثرت على الأرض، ووُضعت مزهريات وأوانٍ مكانها على الرفوف. وطُلب من كلّ واحد منهما أن يعيّن الغرفة التي هو فيها ؛ فكانت إجابة (ع): «إنّها غرفة مكتبة»، وكانت إجابة (س): «إنّها غرفة بها كتب». فماذا عسى أن تدلّ عليه إجابة كلّ منهما ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- إجابتان مختلفتان عن موضوع واحد : لا شكّ في أنّ الفرق بيّن وجليّ بين الإجابتين، لأنّ كلاّ منهما تحمل إدراكا مختلفا ؛ والمعطى الحسّي — الكتب — حاضر في الحالتين، ومع ذلك لم يُنتج المعرفة نفسها.
- والسبب ليس حسّيا خالصا ولا عقليا خالصا : فلا يعود سبب هذا الاختلاف إلى عوامل حسّية بحتة، ولا إلى عوامل عقلية، بقدر ما يعود إلى الموقف والبنية بأكملها ؛ فالانتظام في الحالة الأولى جعل الكتب «مكتبة»، والتفكّك في الثانية جعلها «كتبا في غرفة».
- وتبدّل البنية يبدّل الإدراك : فانتظام هذه البنية أو تفكّكها هو الذي يحدّد نوع الإدراك، بل إنّ تبدّلها مع تبدّل الظرف الخارجي يؤدّي إلى تبدّل الموقف منها. ومن هنا كانت المعرفة الإدراكية نسبية بطبيعتها لا بعرَض يلحقها.
II – وماذا عن الإدراك كمعرفة عقلية تطلعنا على حقيقة هذا العالم الخارجي ؟
ثانيا : نسبية المعرفة في إدراكنا الحسي
إنّ الإدراك تتحكّم فيه عوامل ثلاثة متكاملة، لا يعمل واحد منها بمعزل عن الآخرين ؛ ومنها ما يرجع إلى الذات المدرِكة، ومنها ما يرجع إلى الموضوع المدرَك، ومنها ما يرجع إلى الوسط الذي نشأت فيه الذات. ولهذا لم يكن الإدراك في آليته واحدا عند جميع الناس.
- عوامل نفسية وعقلية : تتعلّق بذات المدرِك وتفسّر تباين الإدراك في الموقف الواحد من شخص إلى آخر، مثل: الاتّجاه النفسي (أو الميل)، والتهيّؤ (أو الانتباه والتوقّع)، والتعاطف، والكبت والإسقاط.
- عوامل موضوعية وبيئية : لها صلة بالموضوع المدرَك وتأثيره في تنوّع الإدراكات لدى الشخص المدرِك، ومنها: الشكل والأرضية، والتشابه والتقارب، والضوء والظلّ والحركة.
- عوامل اجتماعية وثقافية : وهي تُعنى بتأثير المكتسبات الاجتماعية والثقافية في تعيين طبيعة إدراكاتنا، ومن أبرزها: الوضع الاجتماعي، والقيم، والتقاليد والأعراف.
- والنتيجة أنّ الإدراك يظلّ سليما ونسبيا في آن واحد : فهو يتوقّف على مؤثّرات متعدّدة تجعل، في بعض الأحيان، معارفنا عن العالم الخارجي نسبية وغير مكتملة، حتّى وإن ظلّ محافظا على سلامته وتوازنه.
«ليست حواسّنا هي التي تخدعنا، وإنّما إرادتنا بأحكامها السريعة.» وفي هذا القول ما يناقض شيئا ما موقف ديكارت الذي جعل الإحساس مرتعا لكلّ الأخطاء: فالخطأ ينتقل هنا من الحاسّة إلى الحكم، أي إلى الإدراك نفسه ؛ وهو ما يفسّر كيف يخطئ الإدراك مع ما له من السموّ العقلي، إذ أنّ أقلّ تراخٍ للانتباه، أو ضعف للشخصية، يوقعه في الخطأ المبين. نقلا عن أنطوان مقدسي، مبادئ الفلسفة، ج 1، المؤسسة العامة للمطبوعات، دمشق، 1994، ص، 32 ؛ والمقولة لمالبرانش (1638 – 1715)
1 ـ للإدراك أخطاء وأمراض
- الخداع البصري : كالعصا يُغمس نصفها في الماء فتبدو لنا منكسرة، أو الشمس والقمر في الأفق أكبر ممّا هما في قرص السماء.
- الخداع الحركي : ويُعرَّف بأنّه إدراك حركة حيث لا توجد حركة بالفعل ؛ ومن أمثلته ظاهرة «في» بصورها الثلاث: في الأولى نعرض مستقيمين مختلفَي الطول، فبعد اختفاء الأطول نلاحظ كأنّ الأقصر يتمدّد أثناء حركته ؛ وفي الثانية نعرض صورتين ساكنتين أوّلا، ثمّ نعرضهما بواسطة آلة عرض الأفلام، فنلاحظ على الشاشة تحرّكا ؛ وفي الثالثة نعرض أحد الشكلين تحت إضاءة أكثر، فنلاحظ الأقلّ إضاءة وكأنّه يتحرّك نحو الأوّل ثمّ يعود.
- أمراض الإدراك : وأشهرها أمراض المعرفة، وتصيب الحساسية فلا يتمّ التمييز بين إحساسين أو أكثر ؛ وأمراض الهلوسة، وفيها يخلط الإنسان بين الأحلام والوقائع ويرى ما لا وجود له. والهلوسة غير التوهّم الذي يتّصف بكونه إدراكا خاطئا قد يشترك فيه أكثر الناس، أمّا الهلوسة فهي شخصية تتلوّن بلون صاحبها.
- والفرق بين الخطأ والمرض فرق في الدرجة وفي المآل : فالخطأ يقع للإدراك السليم ولا يمنعه من التلاؤم مع العالم، أمّا المرض فأيّ إصابة عصبية أو عقلية تسبّبه تجعل التلاؤم صعبا ومتعذّرا.
IV – وهل الطابع الأوَلي لإحساساتنا يعني – بالمقابل – خلوُّها من أيَ نشاط ذهني سابق ؟
أولا : الإدراك الحسي للصورة الكلية
عُرض على الشخصين (ع) و(س) ثلاثة أشكال: الأوّل مربّع أبيض واسع تتوسّطه نقطة سوداء واحدة ؛ والثاني صفّ أفقي من النقاط المنفصلة ؛ والثالث ثلاث نقاط متباعدة موزّعة على هيئة مثلّث. ـ في الشكل الأوّل اعتبر (ع) أنّه يمثّل خلفية بيضاء — قد تكون ورقة — على سطحها نقطة سوداء قد تكون بقعة حبر ؛ أمّا (س) فقال إنّه يمثّل خلفية سوداء، كأن تكون ظلاما، لا نراه إلاّ من خلال نقطة سوداء كأن تكون ثقبا في شيء. ـ وفي الشكلين الثاني والثالث اتّفق (ع) و(س) معا: اعتبرا الأوّل مستقيما رغم أنّ ثمّة نقاطا منفصلة عن بعضها، واعتبرا الثاني مثلّثا بالرغم من التباعد الواضح بين النقاط الثلاث.
من الواضح أوّلا أنّ الشخصين معا اتّفقا على إدراك النقطة السوداء لا على أنّها منعزلة، بل بصفتها شكلا على خلفية ؛ والعلاقة بين هذين العنصرين تفترض انتظام المجال البصري بأجمعه. لكنّهما اختلفا حول تعيين كلّ من اللونين الأبيض والأسود: أيّهما الخلفية وأيّهما الشكل ؟ وعلّة ذلك قوانين الانتظام — التشابه، والتجاور، والاستمرار، والإغلاق — التي تتحكّم في جميع علاقات المجال: من التيارات العصبية والنفسية، والأشياء ذاتها مجتمعة في صورة كلّية تشمل في آن واحد العضوية ووسطها القريب. ثمّ عادا إلى الاتّفاق حول ما يمثّله الشكلان الثاني والثالث، فهما يرمزان إلى الصورة الفضلى، كقانون أساسي للاتّساق والتناظر والقرب أدّى إلى أنساق ذهنية منتظمة. ⟸ ومعنى ذلك أنّ الإحساس مسبوق بفعالية للذهن على نحو ما، ولو شكلا.
لا تنكر النظرية الغشطالتية تحكّم الخبرة المتمثَّلة والمحوَّلة إلى مفاهيم في الإدراك الراهن ؛ فلا شكّ في أنّ معنى الكلمة مكتسب، وأنّ الصوت المنطوق به قد اكتسب مختلف المعاني في مختلف الأوساط. «غير أنّه عندما يُعزى لتأثير الخبرة الماضية إدراك الأشياء والحوادث ذاته وانفصالهما في المجال الإدراكي كوقائع متمايزة، وصورتها وتنظيمها المكاني والزماني، فإنّ هذه الفروض لا تعود معتمدة على ملاحظات، وإنّما يتمّ الاستدلال على ذلك بصورة قبلية.» بول غيوم (1878 – 1962)، La Psychologie de la Forme، نقلا عن محمود يعقوبي، النصوص الفلسفية، مكتبة الشركة الجزائرية الخاصة، ط. 2، الجزائر، 1972، ص، 141، 142
ثانيا : الإدراك والتعايش مع الأشياء
تأمّل حوارا بين صيّادَين أخذا موقعيهما المتجاورين أمام الشاطئ: يلاحظ الأوّل أنّ البحر هادئ اليوم على غير العادة، فيجيبه الثاني بأنّ ذلك مثير للسعادة ؛ ويشير الأوّل إلى غيوم بدأت تتلبّد في السماء لعلّها تنذر بعاصفة، فيجيبه الثاني: يا لسوء الطالع ! ثمّ ينبّهه الأوّل إلى أنّهما لم يصطادا شيئا منذ ساعات، فيردّ الثاني: هذا قدرنا على ما يبدو ؛ فيقترح الأوّل تغيير الموقع، فيوافقه الثاني أخيرا. إنّ إدراك كلّ منهما للأمور يكاد يكون مختلفا: فالأوّل يرمز إلى إدراك حسّي ظواهري، والثاني يرمز إلى ما نسمّيه بالإدراك المجرّد على طريقة العقليين. فالأوّل اكتفى ذهنه بتصوّر موضوعه كما يبدو له متحيّزا في الزمان والمكان، أي من حيث هو ظاهرة، بينما عاد الثاني إلى أثره كقيمة ذاتية ؛ والأوّل لم يفعل في التغيّر الطارئ على الطقس أكثر من وصف وضع راهن كما يتبدّى مباشرة في الشعور، فيما ذهب الثاني إلى تأويله تأويلا مجرّدا في تشاؤم ذاتي ؛ وأخيرا ربط الأوّل قلّة الصيد بفكرة المعايشة والقصد، أي تغيير الموقع، في حين ظلّ الثاني يركن إلى تصوّراته المفارقة عن القدر، ومع ذلك يقرّ في النهاية بعقم تصوّراته تلك مقابل فعالية إدراك الصيّاد الأوّل.
الإدراك في نظر الظواهريين يتعلّق بمعرفة وصفية يؤدّي إليها عامل الامتداد الذي يتميّز به شعورنا ؛ فلا إدراك ولا شعور إلاّ بموضوع، وليس ثمّة ما يبرّر الحديث عن إدراكات عقلية خالصة ومجرّدة، فهي لا تحمل معرفة عن العالم الخارجي بل تمثّل إنشاءات ذهنية. ذلك أنّ «النزعة الظواهرية تعتقد أنّه ما من شيء يمكن أن يتبدّى إلى الإنسان غير الظواهر… ونحن لا نعرف غير هذه الظواهر». وهم لا يقفون عند حدّ اعتبار إدراكنا الحسّي مشروطا بموضوع، بل يرهنونه بالقصدية التي تميّزه وبالمعايشة التي تربطنا به: فالظواهرية تُعنى «بوصف الظواهر كما تتبدّى في الذهن عناية كاملة ؛ ولكن، لكي تعود من بعد، فتردّها إلى الوجود». والظواهرية منهج ومذهب معا في الفلسفة المعاصرة أسّسه الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1859 – 1938). القولان نقلا عن تيسير شيخ الأرض، مقدّمة الترجمة العربية لـ«تأمّلات ديكارتية» لهوسرل، دار بيروت للطباعة والنشر، 1958، ص، 10 و ص، 12 ؛ والقول الثاني لموريس ميرلوبونتي (1908 – 1961)
إن كان الإدراك نسبيا إلى هذا الحدّ، فهل نقول إنّ كلّ إدراك صحيح ما دام صاحبه صادقا ؟إن كان الإدراك نسبيا إلى هذا الحدّ، فهل نقول إنّ كلّ إدراك صحيح ما دام صاحبه صادقا ؟
لا، ونسبية المعرفة الإدراكية لا تعني تساوي الإدراكات. فالغرفة التي رآها (ع) مكتبةً ورآها (س) غرفةً بها كتب لم تُصبح شيئين، وإنّما اختلفت البنية التي عُرضت بها على كلّ منهما ؛ ولو أُعيد عرضها على (س) منظّمةً ومضاءة لأدرك ما أدركه (ع). فالنسبية هنا نسبية إلى شروط قابلة للتعيين — الذات، والموضوع، والموقف — لا إلى هوى صاحبها. ولذلك يظلّ للخطأ معنى: العصا في الماء ليست منكسرة حقّا، والهلوسة ليست إدراكا صحيحا. ولو كان كلّ إدراك صحيحا لما أمكن الكلام عن خداع بصري ولا عن مرض في الإدراك أصلا، ولَما احتجنا إلى أدوات ولا إلى معايير. فالدرس الذي تعطيه النسبية ليس أن نتخلّى عن الحقيقة، بل أن نطلبها مع العلم بشروط النظر التي نطلبها بها.
خاتمة : حل المشكلة
قامت الظواهرية على فكرة عدم التمييز بين الإحساس والإدراك، ولكنّ ذلك لم يُعفها من خطأ تغليب الشعور الذاتي لإدراكاتنا بإضفائه على العالم الخارجي. ومع ذلك، فإنّ العالم الخارجي ومعرفتنا به يشكّلان كلاّ واحدا موحّدا سواء عند الغشطالتيين أو الظواهريين، وإن اختلفت درجة إسهام كلّ من الوظيفتين في الأخرى ؛ وقد اتّضح ممّا أثبته هؤلاء وأولئك أنّه لا جدوى واقعيا من تمييز الإحساس عن الإدراك، وأنّ ما نسمّيه بالإحساس الخالص أو العقل المحض وهمٌ فرضه النزوع المذهبي للحسّيين والعقليين على السواء. وخلاصة القول، أنّ الإحساس بوصفه علاقة أوّلية بالعالم الخارجي، والإدراك باعتباره معرفة مجرّدة بهذا العالم، إنْ هما إلاّ تصوّران فلسفيان افتراضيان تسبّبت في الفصل بينهما مقتضيات منهجية بحتة أو مقتضيات مذهبية وذاتية. أمّا واقع الحال، علاوة على نتائج الأبحاث العلمية في علوم الحياة والإنسان، فقد أثبت استحالة هذا الفصل ؛ ذلك أنّ حواسّنا تنفعل لمداركنا وتشكّل لها معينا لا ينفد من المعلومات والمعطيات، وفي نفس الوقت تتفاعل مداركنا معها قبل وأثناء وبعد الاتّصال الأوّلي بالعالم الخارجي — وهنا تكمن خصوصية المعرفة الحسّية الإدراكية التي ينفرد بها الإنسان على سائر المخلوقات.
الصفحة 1/6
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net