الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في اللغة والفكر
اللغة ظاهرة حيوية و خاصية إنسانية
- بيان لماذا لا يكفي الفارق الكمّي للتمييز بين لغة الإنسان وتعبير الحيوان
- عرض خصائص اللغة الإنسانية الخمس، والتمثيل لكلّ خاصّية
- بيان كيف ترتبط اللغة بالعقل وبالإرادة معا، مسندا ذلك إلى صاحبه ومرجعه
- الردّ على الطرح المادّي الذي يردّ اللغة إلى الشروط العضوية
- الفرق بين الإشارة الطبيعية والإشارة الاصطلاحية، وخصائص العلامة اللغوية
- أنّ تعبير الحيوان فطري محدود غير إراديّ ورسالته لا تُفكَّك
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
ممّا سبق يمكن أن نستنتج أنّ الحيوانات لا تمتلك لغةً بالمعنى الدقيق للكلمة ؛ فالإقرار بوجود لغة عند الحيوان أمرٌ فيه توسّعٌ مبالغ فيه وغير مقبول. وأنّ اللغة لدى الإنسان ليست مجرّد تعبيرات انفعالية فطرية، بل تتجاوز ذلك إلى اصطناع الإشارات الاصطلاحية المتّفق عليها بالتواضع والترميز. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّه يتحتّم طرح السؤال التالي: كيف يمكن اعتبار اللغة الاصطلاحية وحدها هي ما يميّز الإنسان ؟ بل كيف يمكن حصره فيها بالماهية ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
استثمر «جورج غسدورف» التجربة التي قام بها بعض علماء النفس بين طفل وقرد صغير، حيث لاحظ العلماء تشابه الاستجابات وتساوي القدرة على المنافسة. لكنّ الفارق سرعان ما بدأ في الظهور وتعمّق بعد أن تعلّم الطفل اللغة، بينما بقي القرد حبيس المحيط الطبيعي وعالم الغريزة ؛ «… فالحدّ الذي يفصل بينهما هنا فصلا مطلقا هو عتبة اللغة». جورج غسدورف (G. Gusdorf)، فيلسوف ومؤرّخ فرنسي، من أهمّ مؤلّفاته: كتاب الكلام ؛ G. Gusdorf, La parole, P.U.F., Paris, 1966, p 2-6
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- البداية تساوٍ، والنهاية انفصال مطلق : فالتجربة لم تُظهر تفوّقا للطفل في أوّلها ؛ بل تشابهت الاستجابات وتساوت القدرة على المنافسة. ومعنى ذلك أنّ ما فصل بينهما بعد ذلك لم يكن نموّا في قدرة موجودة، بل دخولا إلى ما لم يكن موجودا أصلا.
- والانفصال حدث عند عتبة واحدة : هي عتبة اللغة ؛ فلم يتدرّج الفارق درجةً درجة كما يتدرّج الطول أو الوزن، بل انفتح دفعةً واحدة عند لحظة الكلام — وهذا وصفُ فرق في الطبيعة لا في المقدار.
- فيسقط تفسيران معا : تفسيرٌ يردّ الفرق إلى الكمّ — أي إلى عدد الرموز — وتفسيرٌ يردّه إلى العضو، أي إلى الحنجرة واللسان والدماغ ؛ إذ لو كان الفرق كمّيّا لتدرّج، ولو كان عضويّا لتكلّم كلّ من يملك الأعضاء.
I – إذا لم تكن اللغة مجرّد تعبير انفعالي ولا نشاط حيويّ عامّ، ففيمَ تتمثّل طبيعتها ؟
ثالثا : اللغة خاصية إنسانية فريدة
قد يتبادر إلى الكثير منّا أن يميّز لغة الإنسان عن لغة الحيوان انطلاقا من الفرق الكمّي الذي تزخر به لغة البشر مقارنةً باللغة المحدودة للحيوانات ؛ فالتباين الكمّي في نسق الرموز والإشارات التي يتواصل بها البشر يتجاوز بعدّة أضعاف منظومةَ الإشارات الحيوانية، خاصّةً تلك التي تعيش في مجموعات، كما هو الحال عند قردة الشمبانزي التي رُصد لها حوالي 35 صواتا. لكنّ هذا الفارق الكمّي لا يُقارَن بالفارق الكيفي الموجود بينهما ؛ ولو كان الأمر أمرَ عدد، لكان بين لغتين بشريّتين تختلفان في ثراء المعجم فرقٌ من جنس الفرق بين الإنسان والحيوان — وهذا ما لا يقوله أحد.
ولا يتوقّف الأمر عند حدود هذا الاستنتاج، بل إنّ ذلك يفنّد الطابع المادّي للغة الذي يروّج له بعض الأطبّاء وعلماء التشريح ؛ فالشروط العضوية من دماغ وحبال صوتية ولسان وتجاويف أنفية وفموية تقوم بالأساس بوظائف حيوية عضوية: إذ اللسان موضوعٌ للتذوّق، بينما استخدامه في الكلام يُعتبر وظيفة ثانوية ؛ بل إنّ «الكلام يبدو أنّه وظيفةٌ لا عضو لها خاصّا بها». ومن هنا فالشروط العضوية لا تُنتج اللغة، لأنّ «… وظيفة الكلام في جوهرها ليست وظيفة عضوية، بل هي وظيفة ذهنية وروحية». G. Gusdorf, La parole, P.U.F., Paris, 1966, p 2-6
1 ـ خصائص لغة الإنسان
- مكتسبة عن طريق التعلّم : لذلك فهي ليست موروثا بيولوجيّا بل ميراثٌ اجتماعي ثقافي يتغيّر عبر التاريخ، عكس تعبيرات الحيوان الجامدة المتصلّبة.
- مرتبطة بالعقل : وأثره فيها مدهش، فبدونه تكون مجرّد ضوضاء خالية من المعنى ؛ وهذا ينسحب على المقاطع الصوتية التي يصدرها الأخرس، حيث يربطها بالإشارات الحركية لتدلّ على معانٍ يقصد من خلالها التواصل.
- مزدوجة البنية : إذ تتّصف بازدواجية خاصّية الكلام، ولها بنية مركّبة تنقسم إلى مستويين: المستوى الصوتي ويتمثّل في الأصوات التي نصدرها أثناء الكلام، حيث تتآلف في مقاطع لتصير كلمات محدّدة ذات معنى ؛ والمستوى التركيبي الذي يتضمّن عناصر مركّبة ذات معنى — أي الجمل — على ألاّ يتوقّف التركيب على المفردات فقط بل على القواعد النحوية والصرفية.
- لها قدرة التحوّل : من حيث إنّها تمنح الإنسان المقدرة على أن يتكلّم عن الأشياء والأحداث عبر الزمان والمكان ؛ فلغته ليست مرتبطة فقط باللحظة الراهنة، بل تعود إلى الماضي وتنفذ إلى المستقبل، ولا تُخبر عن الأشياء المادّية فقط بل عن التصوّرات الفكرية.
- ولها قابلية الانتقال : فهي تُكتسَب بالتعلّم والمحاكاة، والذي يتيح ذلك وجودُ قدرة واستعداد فطريّ ؛ ولهذا تنتقل اللغة من جيل إلى جيل. بل يمكن للفرد أن يتعلّم لغةً خارج جماعته اللغوية — فالعربي بإمكانه أن يتعلّم لغة الفرنسي والعكس — بينما هذا غير ممكن في عالم الحيوان، فالنحلة لا يمكنها أن تتعلّم لغة غيرها.
«… ففي حين أنّ النّاس الذين وُلدوا صمّا بكما، وحُرموا من الأعضاء التي يستخدمها غيرهم للكلام — كحرمان الحيوانات أو أكثر — قد اعتادوا أن يخترعوا من تلقاء أنفسهم إشارات يفهمها من يجد الفرصة الكافية لتعلّم لغتهم ؛ إنّنا نرى أنّ معرفة الكلام لا تستلزم إلاّ القليل من العقل.» وموضع الشاهد أنّ الحرمان من العضو لم يمنع الكلام، بينما وجود العضو لم يُنتجه عند الحيوان ؛ فالعلّة إذن في الوعي لا في الجهاز. ويؤكّد صحّة ذلك ما يُروى عن هيلين كيلر (Helen Adams Keller 1880 – 1968)، وهي فتاة أفقدها مرضٌ البصرَ والسمعَ وهي في شهرها التاسع عشر، ومع ذلك تمكّنت من تعلّم لغة خاصّة تستخدم فيها حركات الأصابع، وتفهم الآخرين من خلال حاسّة اللمس ؛ فصارت أديبةً ومحاضِرة وإحدى رموز الإرادة الإنسانية. René Descartes, Discours de la méthode, p 74
2 ـ الإبداعية والاتّساع وسلطان الإرادة
- اللغة إبداعية : فهي عند الإنسان ترتبط بالإبداعية كتنظيم كلامي مفتوح، يسمح بإنتاج وفهم عدد لا محدود من الجمل حتّى التي لم يسبق سماعها ؛ فالإنسان لا يردّد فقط ما سمعه بل يجدّد، وهذا لارتباطها بالفكر، الأمر الذي يجعلها تلائم كلّ أوضاع المتكلّم.
- واللغة متّسعة : فهي تتّسع للتعبير عن خبرات الإنسان وتجاربه ومعارفه، بل تتعدّى ذلك إلى التعبير عن التصوّرات العقلية والقيم الجمالية والمعاني النفسية ؛ بعكس لغة الحيوان التي لا تتعدّى حاجاته البيولوجية الغريزية، أو الانفعالات الأوّلية من لذّة وألم.
- واللغة خاضعة للإرادة : فهي لا ترتبط بالعقل فقط بل بالإرادة أيضا، وهذا هو النمط الثاني من أشكال الاتّصال وهو الأسلوب المقصود ؛ فالإنسان يستعمل الإشارات والرموز بوعي ويستخدمها لتحقيق أغراضه وهو يقصد بها ذلك.
- ودليل ذلك مقدرته على الكذب : فتطوّر وتعقّد مظاهر الحياة الاجتماعية خلق دوافع أخرى للكلام غير طلب الحاجة والإخبار، بل خلق أغراضا أخرى كالعبث والمراوغة والإغراء ؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتعمّد الكذب — ولا يتعمّد الكذبَ إلاّ من يملك أن يقول غير ما يعتقد، أي من يملك لغته ولا تملكه.
وبالرغم من أنّ جهاز النطق الإنساني — الحنجرة واللسان والحبال الصوتية — محدود الحجم والأوضاع، بحيث يُنتج أصواتا محدودة (ففي العربية مثلا ثمانية وعشرون حرفا، يُضاف إليها الحركات: الفتحة والضمّة والكسرة): «… ومع هذا العدد المحدود من الأصوات والحركات نُنتج من التراكيب الصوتية — أي الكلمات — ما لا حصر له ؛ ولا يستنفد هذا العددُ إمكانياتِنا لإنتاج كلمات جديدة وفقا لقواعد اللغة المصطلَح عليها.» وهذا هو معنى الإبداعية بالضبط: نظامٌ مغلق في عناصره، مفتوح في تراكيبه — وهو عكس نظام الحيوان تماما، المغلق في الاثنين معا. عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العامّ، مؤسسة الرسالة، ط 4، بيروت، 1984، ص 24
وممّا سبق يجب الإقرار بتفرّد الإنسان باللغة عن سائر الحيوانات ؛ ومن هنا فهي ميزة إنسانية خالصة، لذا يصحّ أن يُقال عن الإنسان: «إنّه حيوان ناطق» بالماهية — أي أنّ النطق ليس صفةً عارضة تلحق به، بل هو ما به هو هو. فاللغة عنده ملكةُ تأليف الكلام وترتيب الألفاظ المختلفة يعبّر بها عن المعاني العقلية التي يعجّ بها الفكر ؛ وهذا هو الفيصل الذي يميّز بين الإنسان والحيوان، فلا يدخل فيه ما يصدره الحيوان من أصوات، لأنّها لا تعبّر عن فكر ولا يسبقها تفكير.
إذا كانت اللغة وظيفة ذهنية لا عضوية، فلماذا نحتاج إلى أعضاء أصلا ؟إذا كانت اللغة وظيفة ذهنية لا عضوية، فلماذا نحتاج إلى أعضاء أصلا ؟
نحتاجها كما يحتاج الكاتب إلى القلم، لا كما يحتاج المعنى إلى العقل. فالأعضاء شرطٌ لظهور الكلام لا علّةٌ لوجوده ؛ والدليل مزدوج، وهو أقوى ما في الدرس: من جهةٍ، الحيوان يملك جهازا صوتيّا يُنتج به أصواتا كثيرة، والببغاء ينطق ألفاظنا نفسها — ومع ذلك لا يتكلّم. ومن جهةٍ أخرى، من وُلد أصمّ أبكم حُرم الأعضاء «كحرمان الحيوانات أو أكثر» كما يقول ديكارت، ثمّ اخترع من تلقاء نفسه إشارات يفهمها من يتعلّمها. فوجود العضو لم يُنتج لغةً، وغيابه لم يمنعها. ولهذا قال غسدورف إنّ الكلام «وظيفةٌ لا عضو لها خاصّا بها»: فاللسان جُعل للتذوّق، والحنجرة للتنفّس والصوت، والاستعمال اللغوي لهذه الأعضاء ثانويّ طارئ عليها. واللغة إذن تسكن الأعضاء ولا تصدر عنها — وهذا بعينه معنى أنّها وظيفة ذهنية وروحية.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net