الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي في الشعور واللاشعور

قيمة اللاشعور (أثر اللاشعور على الادراك)

🔊 المعلّمة تقرأ لك
تخيّل أنّ أحدهم قال لك: «أنت تكره فلانا في أعماقك». فأنكرتَ. فقال لك: «وإنكارك نفسه دليل على أنّك تكرهه، لأنّك تدافع عن نفسك». توقّف هنا: إن كان الإقرار دليلا والإنكار دليلا أيضا، فماذا عساه يكون دليلا على العكس ؟ ودعوى لا يمكن أن يكذّبها شيء — هل تبقى بعدُ دعوى علمية ؟ وهل معنى ذلك أنّ اللاشعور لا قيمة له، أم أنّ قيمته في مكان آخر غير الذي نطلبها فيه ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • تقويم التحليل النفسي بوصفه منهجا عياديا، وتعداد مكاسبه العملية
  • تقويم فرضية اللاشعور بوصفها تفسيرا نظريا، وبيان حدودها
  • عرض الفرضيات المضادّة من داخل المدرسة ومن خارجها
  • التمييز بين ما ثبت عمليا وما بقي افتراضا، وتوظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها ومرجعها
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • بنية الجهاز النفسي عند التحليل النفسي، والكبت والمقاومة والتداعي الحرّ
  • الحجّة التي تُثبت وجود نشاط لا شعوري انطلاقا من مبدأ السببية
  • شروط النظرية العلمية: الملاحظة، والفرض، والاختبار
كيف يمكن تبرير هذا التضارب في الاعتقاد بصحّة نتائج التحليل النفسي من جهة، وبنسبيّتها ومحدوديتها من جهة أخرى ؟ ألا يوحي ذلك بمشروعية التساؤل عن القيمة العلمية للمنهج الذي يتّبعه المحلّل النفسي من أجل معرفة الرغبات والميول اللاشعورية ؟ ثمّ ما الذي تستطيع فرضية اللاشعور أن تفسّره من السلوك الإنساني، وهي لا تقدر أصلا أن تلاحظ ما هو شعوري، ناهيك عمّا هو لا شعوري ؟

مقدمة : طرح المشكلة

لقد انتهينا إلى أنّ الحياة النفسية لا تُختزل في الشعور، وأنّ وراءه مجالا يؤثّر في السلوك دون أن يُدرَك. غير أنّ إثبات وجود هذا المجال شيء، وبناءَ نظرية كاملة تصف بنيته وتفسّر به كلّ سلوك شيء آخر. ومن هنا يتغيّر السؤال: لم نعد نسأل هل يوجد لا شعور، بل ما قيمة النظرية التي بُنيت عليه ؟ أهي كسبٌ علميّ قائم بذاته، له منهجه ونتائجه القابلة للاختبار، أم اجتهاد فلسفيّ ناجح في ميدانه العمليّ، مبالِغ حين يريد أن يفسّر به كلّ شيء ؟ والحكم في ذلك لا يُلتمس من خصوم المدرسة أوّلا، بل من نصوص مؤسّسها نفسه.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

وضعية مشكلة في عنصرين : فرويد يؤكّد، وفرويد يشكّ

ـ العنصر الأوّل : كتب سيغموند فرويد: «… إنّ تقسيم الحياة النفسية إلى ما هو شعوري وما هو لا شعوري هو الفرض الأساسي الذي يقوم عليه التحليل النفسي ؛ وهذا التقسيم وحده هو الذي يجعل من الممكن للتحليل النفسي أن يفهم العمليات المرضية في الحياة العقلية — وهي أمور شائعة كما أنّها هامّة — وأن يجد لها مكانا في إطار العلم» ؛ ذلك أنّنا «… وجدنا أنّه ليس من الممكن من الناحية العملية أن نضع حدّا فاصلا بين ما هو سويّ من الناحية النفسية وبين ما هو شاذّ ؛ فليس لهذا التمييز، بالرغم من أهمّيته العملية، إلاّ قيمة اصطلاحية فقط. وبناء على ذلك فقد أعطينا لأنفسنا الحقّ في محاولة الوصول إلى فهم الحياة السويّة للعقل عن طريق دراسة ما يصيب العقل من اضطرابات.» ـ العنصر الثاني : وكتب في موضع آخر: «… غير أنّي أودّ أن أضيف بضع كلمات على سبيل النقد والتعقيب: فلقد يسأل سائل إلى أيّ حدّ وصل اقتناعي أنا بصحّة الفروض التي ذهبت إليها ؟ وعن هذا أجيب بأنّي أنا نفسي غير مقتنع، وأنّي لا أعمل على إغراء غيري من الناس بالإيمان بتلك النظريات ؛ أو بعبارة أدقّ، إنّي لا أدري إلى أيّ حدّ يبلغ يقيني منها.» فرويد، الأنا والهو، ترجمة م.ع. نجاتي، دار الشروق، ط 4، بيروت 1982، ص، 25 — فرويد، معالم التحليل النفسي، ترجمة م.ع. نجاتي، د م ج، ط 5، الجزائر 1986، ص، 121 — فرويد، ما فوق مبدأ اللذّة، ترجمة إسحق رمزي، دار المعارف، 1980، ص، 100

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. النصّ الأوّل يطلب مكانا في إطار العلم : فصاحبه يقدّم قسمة الحياة النفسية على أنّها «فرض أساسي»، ويجعل ثمرتها فهم العمليات المرضية ووضعها في إطار العلم ؛ فالدعوى إذن دعوى علمية صريحة.
  2. والنصّ الثاني يعلن عدم الاقتناع : وهو تصريح نادر من مؤسّس مذهب: «أنا نفسي غير مقتنع… لا أدري إلى أيّ حدّ يبلغ يقيني منها» ؛ فهو لا ينفي نتائجه، ولكنّه يمتنع عن أن يطلب لها إيمانا.
  3. والتضارب بين النصّين هو موضوع الدرس نفسه : إذ يفتح سؤالا مزدوجا: ما الذي أنجزه التحليل النفسي فعلا في ميدانه العمليّ ؟ وما الذي بقي منه في مرتبة الفرض ؟ ⟸ ولاحظ منذ الآن أنّ الجواب قد يكون مزدوجا هو الآخر: منهجٌ أثبت جدواه، ونظريةٌ لم تكتمل.

III – وهل تبرير اللاشعور يمثل نظرية علمية قائمة بذاتها، أم يظلّ مجرد افتراض فلسفي ؟

أولا : بين المنهج العيادي والتفسير النظري

1 ـ التحليل كمنهج عياديّ

  1. كشف عن فعاليته وجدواه في علاج بعض الاضطرابات العصبية : وهذه نتيجة عملية تُقاس بالشفاء لا بالجدل ؛ ولعلّ انتشار العيادات النفسية في مختلف أنحاء العالم بوتيرة سريعة لا مثيل لها هو أهمّ إنجاز عمليّ لهذه المدرسة، حتّى أصبحت كثير من الأمراض والعقد والاضطرابات التي كانت مستعصية قابلة للعلاج بنسبة كبيرة.
  2. وكشف عن مدى تأثير تجارب الطفولة المبكّرة في سلوكات الراشدين : وهذا إنجاز تربويّ، إذ نقل النظر في تكوين الشخصية من الحاضر وحده إلى تاريخ الفرد.
  3. وأنار جوانب كثيرة في سلوك المجرمين والمنحرفين والمجانين والفاشلين : فأصبحت الدراسات والنتائج التي استخلصها لقضايا اللاشعور تفسّر ما كان يُترك بلا تفسير.
  4. وعزّز الجانب الإنساني : فأصبح عدد من المنحرفين يدخلون المستشفيات بعد أن كان يُلقى بهم قديما في غياهب السجون، أو يظلّون عرضة للسخرية والامتهان. ⟸ فهذه المكاسب لا يمكن إنكارها، وهي كلّها من جهة المنهج لا من جهة النظرية.

2 ـ نظرية اللاشعور من الوجهة التفسيرية

إنّ إجرائية فرضية اللاشعور تبرز في أنّ كثيرا من مظاهر الحياة النفسية لا يمكن أن تُفسَّر عند الوقوف عند الحياة الشعورية في مظاهرها المختلفة ؛ ولذلك فإنّ مجهود المحلّل النفسي يتركّز على ملاحظة مظاهر الشعور ذاتها ملاحظةً دقيقة، ليتمكّن من أن يكتشف المظاهر اللاشعورية التي تختبئ وراءها. وهي بذلك تساعدنا على إلقاء الضوء على حالات المرض النفسي، أو على حالات الاضطراب النفسي في مستوياتها المختلفة، من أزمات نفسية ومظاهر تثبيت أو نكوص في الحياة النفسية. ⚠️ ولكن لاحظ ما يلزم عن ذلك: ما دام المحلّل لا يلاحظ إلاّ الشعور، فإنّ اللاشعور يبقى مستنتَجا لا ملاحَظا ؛ وهذا هو بالضبط موضع الاعتراض على قيمته العلمية.

ثانيا : الفرضية والفرضيات المضادّة

إنّ المبالغات التي حفل بها التحليل النفسي مع مؤسّسه الرائد قد أدّت إلى الشكّ في الطبيعة العلمية لفرضية اللاشعور ؛ بل إنّ تلاميذ المدرسة كانوا أوّل من شقّ عصا الطاعة. والاعتراضات على درجات: منها ما يقبل اللاشعور ويرفض تفسيره بالليبيدو، ومنها ما يوسّعه إلى ما هو أبعد من تاريخ الفرد، ومنها ما ينكر وجوده أصلا.

آدلر — من الليبيدو إلى الشعور بالقصور

رأى ألفريد آدلر أنّ اللاشعور ليس مردّه إلى الليبيدو، بل هو راجع إلى الشعور بالقصور ؛ فالمصاب بقصور عضوي يسعى إلى تعويض هذا القصور وتغطيته عن طريق الأعراض العصابية. وكلّ ما فسّره فرويد بالكبت، فسّره آدلر بعقدة القصور وبالتعويض. ألفريد آدلر ⁦(1870 – 1937)⁩

يونغ — الحاجة إلى السيطرة، واللاشعور الجمعي

عارض كارل يونغ أستاذه هو الآخر، ورأى أنّ النظرية الجنسية كما وضعها فرويد غير كافية، لأنّها لا تتناول إلاّ جانبا واحدا من المشكلة، فينبغي أن تُضاف إليها الحاجة إلى السيطرة. كما ميّز بين نوعين من الناس: نوعٍ يتوجّه إلى الأشياء أكثر ممّا يتوجّه إلى نفسه، ويتوجّه إلى الخارج ليتكيّف معه وهو المنبسط ؛ ونوعٍ يتوجّه نحو نفسه ويميل إلى الخيال والتأمّل، ويكون نشاط الليبيدو عنده متوجّها نحو ذاته وهو المنطوي. وانتهى إلى وضع نظرية في اللاشعور الجمعي: فلا شعورنا ليس مليئا بالأزمات التي نكون قد عشناها أثناء طفولتنا فقط، بل كذلك بالأزمات التي مرّت بها الإنسانية جمعاء. كارل يونغ ⁦(1875 – 1961)⁩

ستيكال وسارتر — إنكار اللاشعور نفسه

يقول الطبيب العقلي النمساوي ستيكال: «لا أومن باللاشعور. لقد آمنت به في مرحلتي الأولى، ولكنّني بعد تجاربي التي دامت ثلاثين سنة وجدت أنّ كلّ الأفكار المكبوتة إنّما هي تحت شعورية — أي تحجيز الشعور — وأنّ المرضى يخافون دائما من رؤية الحقيقة.» ورفض سارتر، الفيلسوف الفرنسي الوجودي ⁦(1905 – 1980)⁩، فكرة اللاشعور معتبرا أنّ السلوك الإنساني يجري دائما في مجال الشعور، وذلك لثلاثة أسباب: أوّلا لأنّ الرغبة المكبوتة لا يمكن أن تتخفّى إلاّ إذا كانت مشروعا للتخفّي ؛ ثانيا لأنّ تشييء الحياة النفسية يتعارض وحرّية الاختيار ؛ ثالثا لأنّ التحليل النفسي لا يجعل المريض يشعر بنفسه، وإنّما يعطيه معرفة بها، وهذا يتعارض مع مشروع الإنسان الجوهري الذي يختاره لحياته والذي يعيشه ويشعر به. قول ستيكال نقلا عن جمال الدين بوقلي حسن، قضايا فلسفية، ط 5، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، ص، 65

  1. مفتاحٌ أُريد له أن يفتح كلّ الأقفال : فقد بدأ التحليل النفسي يتعامل مع المرضى، ثمّ انتقل إلى تفسير الشخصية السويّة، ليرتقي إلى محاولة تفسير كلّ النشاطات الإنسانية بفرضية اللاشعور ؛ وهو مذهب لا يخلو من المبالغة بل وينأى عن الروح العلمية، حين جُعل اللاشعور آلة تحلّ جميع الشفرات.
  2. وردُّ الكثرة إلى مبدأ واحد : إذ أراد أن يفسّر الظواهر على تنوّعها بمبدأ واحد هو اللاشعور، وأن يفسّر كلّ نشاطات اللاشعور بمبدأ واحد هو الليبيدو ؛ حتّى صارت الغريزة الجنسية قطب الرحى في تسيير الحياة الفردية والجماعية.
  3. وتفسيرُ الأعلى بالأدنى : فحين يُفسَّر الفنّ والأدب والعلم والدين بالغريزة، يكون التفسير قد ردّ الأرقى إلى الأدنى، مؤسّسا بذلك مذهبا مادّيا صرفا من الوجهة الفلسفية.
  4. والاعتراض الأخطر منهجيّ : فما دام اللاشعور لا يُلاحَظ وإنّما يُستنتج من الشعور، فإنّ كلّ واقعة يمكن أن تُقرأ لصالح الفرضية ؛ والفرضية التي لا يمكن أن تكذّبها واقعة لا تكسب قوّة بذلك، بل تفقد صفة العلمية.
إذا كانت النظرية موضع نقد إلى هذا الحدّ، فما قيمة اللاشعور إذن ؟

القيمة لا تسقط بسقوط الدعوى الكبرى، وهذا هو الدرس الذي يجب أن تخرج به. فعلى مستوى المنهج، الكسب ثابت ويُقاس: اضطرابات عُولجت، وعيادات انتشرت، وتجارب الطفولة صارت مفتاحا تربويا لفهم الراشد، ومنحرفون نُقلوا من السجن إلى المستشفى. وعلى مستوى التفسير، الكسب أيضا حقيقي وإن كان أضيق: صار للعَرَض معنى بعد أن كان عبثا، وصار للحلم وفلتة اللسان موضع في التحليل. وعلى مستوى النظرية الشاملة، هنا يقع الاعتراض: لا لأنّ اللاشعور غير موجود، بل لأنّ ردّ كلّ نشاط إنساني إليه، وردّه هو إلى مبدأ واحد، طموحٌ يتجاوز واقع الأشياء. ⚖️ ولذلك كانت النتيجة العادلة: لا يُنظر إلى اللاشعور باعتباره سجنا لرغبات مكبوتة قد تعصف بكيان الشخصية، وإنّما كطاقة يمكن توجيهها نحو الإبداع العلمي والفنّي ؛ وهذه هي قيمته التي لا ينازعه فيها خصومه.

خاتمة : حل المشكلة

يتّضح إذن من خلال كلّ ما قدّمناه أنّ الحياة النفسية تتأسّس على ثنائية متكاملة قوامها الشعور واللاشعور: الشعورُ بحوادثه وأحواله التي بدونها لا يتأتّى للإدراك وسائر الوظائف العقلية الأخرى أن تتفاعل فيما بينها أو مع العالم الخارجي ؛ واللاشعورُ بمخزونه المتنوّع كرصيد ثريّ يمكّن في آن واحد من استكشاف تاريخ الفرد وكذا تقويم سلوكه. وبذلك فإنّه لا ينبغي النظر دائما إلى الشعور على أنّه ساحة صراع بين متناقضات، بل بوصفه آلية للتوازن والتكيّف والمعرفة ؛ ولا إلى اللاشعور باعتباره سجنا لرغبات مكبوتة قد تعصف بكيان الشخصية، وإنّما كطاقة يمكن توجيهها نحو الإبداع العلمي والفنّي. وتظلّ نظرية اللاشعور بوجه خاصّ، في سياق التحليل النفسي، بمثابة اجتهاد أدّى إلى اكتشافات مضيئة وهامّة حول النفس البشرية ومعالجة كثير من اختلالاتها على مستوى السلوك — وهو ما لا يمكن إنكار إنجازاته على الصعيد العيادي — ولكنّه اجتهاد مع ذلك، أقرب — حتّى يثبت العكس — إلى الافتراض الفلسفي منه إلى النظرية العلمية المتكاملة.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا في صيغة مقالة استقصائية بالرفع أو بالوضع: «هل يمكن اعتبار اللاشعور نظرية علمية ؟»، وأحيانا في تحليل نصّ لفرويد أو لأحد خصومه. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① الفصل بين المنهج العيادي (مكاسب تُقاس: علاج، وأثر تربوي، وإنسانية العلاج) والنظرية الشاملة (طموح يتجاوز واقع الأشياء) — وهذا الفصل وحده يكسبك بناء المقالة ؛ ② ثلاثة اعتراضات مرتّبة من الداخل إلى الخارج (آدلر: القصور والتعويض بدل الليبيدو · يونغ: الحاجة إلى السيطرة واللاشعور الجمعي · ستيكال وسارتر: إنكار اللاشعور نفسه) ؛ ③ شهادة فرويد على نفسه: «أنا نفسي غير مقتنع…»، وهي أقوى ما تستشهد به لأنّها من داخل المذهب ومسندة بمرجعها. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : الانتقال من «النظرية غير مكتملة» إلى «اللاشعور غير موجود» ؛ وهما حكمان مختلفان تماما، والخاتمة تُثبت الأوّل وتنفي الثاني. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : نسبة اللاشعور الجمعي إلى فرويد، وهو ليونغ بعد خلافه معه.
نتيجة — قيمة اللاشعور تُقوَّم على مستويين لا مستوى واحد. فمن جهة المنهج العيادي، الكسب ثابت لا يُنكر: علاج اضطرابات عصبية كانت مستعصية، وانتشار العيادات النفسية، والكشف عن أثر تجارب الطفولة في سلوك الراشد، وإنارة سلوك المنحرفين حتّى نُقلوا من السجن إلى المستشفى ؛ ومن جهة التفسير، صار للعَرَض وللحلم ولفلتة اللسان معنى بعد أن كانت بلا معنى. ومن جهة النظرية الشاملة، تعترضها ثلاث اعتراضات: من داخل المدرسة عند آدلر الذي ردّ الأمر إلى الشعور بالقصور والتعويض، وعند يونغ الذي أضاف الحاجة إلى السيطرة ووسّع اللاشعور إلى لا شعور جمعيّ ؛ ومن خارجها عند ستيكال الذي أنكره وجعله تحجيزا للشعور، وعند سارتر الذي رأى أنّ الرغبة لا تتخفّى إلاّ إذا كانت مشروعا للتخفّي وأنّ تشييء الحياة النفسية يناقض حرّية الاختيار ؛ يُضاف إلى ذلك اعتراض منهجيّ: اللاشعور يُستنتج ولا يُلاحَظ. فالحياة النفسية إذن ثنائية متكاملة قوامها الشعور واللاشعور: لا الشعور ساحة صراع فحسب، بل آلية للتوازن والتكيّف والمعرفة ؛ ولا اللاشعور سجنا لرغبات مكبوتة، بل طاقة يمكن توجيهها نحو الإبداع العلمي والفنّي. وتبقى النظرية اجتهادا أقرب — حتّى يثبت العكس — إلى الافتراض الفلسفي منه إلى النظرية العلمية المتكاملة.

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net