الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في العادة والإرادة
ضبط المفاهيم والتصورات
- ضبط مفهوم الغريزة وتحديد أوصافها الثلاثة، وتمييزها عن العادة
- ضبط مفهوم العادة وتحديد مميّزاتها، وبيان لماذا سُمّيت طبيعة ثانية
- بيان الخاصّيتين اللتين تشترك فيهما العادة مع الغريزة، وتلك التي تفترق بها عنها
- تحليل وضعية مشكلة بتمييز ما هو مكتسب فيها ممّا هو فطري، وصياغة السؤال الذي تفضي إليه
- الفرق بين الفطري والمكتسب، وبين الآلي والواعي
- الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
من الخصائص البارزة التي يمتاز بها الكائن الحيّ مرونة التكيّف تبعا لمقتضيات الظرف البيولوجي، ومن ثمّ قابلية التغيّر وحفظ آثار التغيّر، والقدرة على استخدام هذه الآثار بطريقة تفيده في تعزيز هذا التكيّف إيجابيّا. ولكنّ الإنسان — كصورة عليا لهذا الكائن — يظلّ مع ذلك في مواجهة، ليس فقط مطالبِ الحياة الطبيعية والاجتماعية، بل وأيضا نوازعِ الحياة النفسية والعقلية ؛ ممّا يدفعه إلى أن يغذّي إرادته على الدوام، وينمّيها بتحصيل الخبرة محاولا أن يصل بها إلى مرتبة الكمال، فتنبجس إنسانيته من ثنايا طبيعته الحيوانية. وفي كلّ ذلك نجده قد تعوّد على سلوكات آلية مقابل سلوكات قصدية إرادية، قد تتعارض معها أو تتّفق. وهذا ما يقودنا إلى التساؤل: ما طبيعة العادة وما آثارها في سلوكاتنا ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
جاء في بعض الأساطير الشعبية أنّ ملكا اختلف مع وزيره في تقدير أهمّية كلٍّ من الطبع والتطبّع — أي اكتساب طبائع جديدة — في حياة الحيوان والإنسان. فأصرّ الملك على أنّ الترويض بالتطبّع يستطيع تغيير الطباع، واستشهد على دعواه بقطط علّمها أن تحمل الشموع وتقف حول المائدة أثناء انهماكه وضيوفه في تناول الطعام. فأنكر الوزير أن يكون هذا سببا كافيا لكي تغيّر هذه الحيوانات طباعها الأصلية ؛ وحينما آن أوان عشاء الملك لجأ إلى تجربة بسيطة، أطلق فيها فئرانا أمام القطط التي تحمل الشموع، فما كان من هذه إلاّ أن ألقت الشموع وجرت في أثر الفئران، فاشتعلت النار في القصر وكادت أن تأتي عليه. ولكنّ الملك لم يكن يهتمّ بذلك، وبقي شاردا بعقله يفكّر في وسيلة أخرى يثبت بها أنّ «الطبع لا يغلب التطبّع» بالضرورة، حتّى يُفحم وزيره ويهزمه. ولم ينتهِ الإشكال، بل ظلّ معلّقا.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- سلوك المرّة الأولى : فعلٌ مكتسب : حملُ الشموع والوقوف حول المائدة ناتجٌ عن التطبيع والترويض، كسلوك متعلَّم مكتسب استحال بالتكرار إلى عادة ؛ حاله حال عاداتنا الحيوية — كتعوّد جسدنا على البرد والحرّ، وعلى نمط معيّن من الغذاء أو دواء من الأدوية، أو كتعوّد الكريات البيض التغلّبَ على الجراثيم وسمومها — وعاداتنا الحركية التي تدلّ على استعداد مكتسب لتكرار بعض الحركات، وعاداتنا النفسية المحضة التي تدلّ على الاستعداد المكتسب الذي يبعث الإنسان على الإحساس أو التفكير أو الفعل.
- سلوك المرّة الثانية : فعلٌ فطري : الجريُ في أثر الفئران ناتجٌ عن غريزتها وطبيعتها، من حيث إنّ هذه استعدادٌ وراثيّ يمثّل الدافع الحيوي الأصلي لنشاط الكائن الحيّ، حفظا لبقائه وإشباعا لحاجاته، وذلك بالإقبال على الملائم والإحجام عن المنافي. وتوصف الغريزة أوّلا بأنّها نوعية، أي واحدة بالنسبة لأفراد النوع من جنس واحد ؛ وثانيا بأنّها فطرية ومستقلّة عن التجربة ؛ وثالثا بأنّها عمياء تجهل الغرض الذي تحقّقه.
- فالمشكلة معلّقة بين طبيعتين : إنّ الوضعية لم تنتهِ إلى حكم، لأنّ كلاّ من الطبع والتطبّع أثبت وجوده: الترويض غيّر السلوك فعلا، والغريزة استرجعته فعلا. وهذا ما يقودنا إلى البحث عن مواضع التشابه والاختلاف بين الغريزة والعادة، قبل الحكم لأحدهما على الآخر.
I – إلى أيّ حدّ نعتبر العادة، بالرغم ممّا يطبعها من رتابة وآلية، أداةً للتكيّف مع الواقع ؟
أولا : العادة والطبيعة الحيوية
1 ـ الغريزة طبيعة أولى والعادة ثانية
من خلال الوضعية السابقة نلاحظ أنّ هناك علاقة عضوية بين العادة والغريزة، انفصمت عُراها في نهاية المطاف ؛ وهو ما يدفعنا إلى التساؤل: هل تتكوّن عند الحيوان أفعال تعوّدية دائمة ؟ وهل هذه الأفعال تتّسق مع الغريزة أم تتضارب معها ؟ إنّ الأفعال الغريزية عند الحيوان كثيرة، كما أنّها لا تتشابه كلّها عند جميع الحيوانات، فلكلّ نوع غرائزه الخاصّة به ؛ وهي تقوم بسلسلة من الأعمال المعقّدة في حياتها العابرة بدون تعلّم أو تدريب، وهذه الأعمال متعلّقة بشؤون الغذاء أو النسل أو الدفاع.
الغريزة «… هي فعل يقوم به جميع أفراد النوع على نمط واحد، من غير خبرة ولا تعلّم، ومن غير اطّلاع على غاية الفعل، أو على علاقة تلك الغاية بالوسائل المؤدّية إليها.» فالتعريف يجمع الأوصاف الثلاثة في جملة واحدة: النوعيةَ في «جميع أفراد النوع على نمط واحد»، والفطريةَ في «من غير خبرة ولا تعلّم»، والعمى في «من غير اطّلاع على غاية الفعل». كلاباريد (1873 – 1940) ؛ نقلا عن: جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982، ص 646
فالفعل الغريزي فعلٌ ثابت عند جميع أفراد النوع، فلا يتغيّر عبر الأزمنة ؛ وهذا ما يجعله يتماثل نسبيّا مع العادة. وقد ثبت علميّا أنّ الفعل الغريزي قد يتكيّف إلى حدّ كبير لمواجهة ما تقتضيه المحافظة على بقاء الفرد والنوع، كما يمكن للحيوان أن يعدّل من حركاته ويضيف إليها نوعا من السلوك لمواجهة ما يطرأ عليه في العالم الخارجي ؛ والتدريب لدى الحيوان يلعب الدور الكبير في تنمية السلوك الحركي لديه، وقد أوضحت التجارب التي أُجريت على بعض الحيوانات أنّ له دورا أساسيّا في تعلّم بعض السلوكات. وهكذا تصبح الأفعال التعوّدية لدى الإنسان — بعد اكتسابها — بمثابة الأفعال الغريزية لدى الحيوان، لاشتراكهما في خاصّيتين أساسيتين.
- الثبات : إنّ حصول العادة والتعوّد (Habituation) في صيرورة الفرد متكيّفا مع مثير معيّن أو وضع خاصّ أو بيئة عامّة معيّنة، معناه استقرار السلوك ونمطيّته ؛ فلهذه الأفعال المختلفة صفة مشتركة، وهي أنّ العادة تمثّل حالة راسخة ودائمة مثل الغريزة، لا تتغيّر بسهولة.
- الآلية : والاعتياد — كمهارة حركية أو نظرية، أو طريقة في العمل أو في التفكير — يحمل معنى تكرار الفرد لتصرّفه بطريقة آلية وعفوية تكاد تكون غريزية.
2 ـ العادة طبيعة ثانية
ولكن، بالاستناد إلى الوضعية المشكلة، نستطيع أن نميّز بوضوح وبسهولة بين العادة والغريزة ؛ فنتساءل إذن: ما الذي تنفرد به العادة من خصائص — لا سيّما عند الإنسان — ممّا يجعلها تفترق عن الغريزة افتراقا كلّيّا أو جزئيّا ؟ إنّ أثر العادة محدود لدى الحيوان ؛ فهو مقصور على تعديل بعض مظاهر السلوك الفطري وليس تغييره كلّه — وهذا بعينه ما أثبتته تجربة الوزير. ويختلف الأمر لدى الإنسان، حيث يمكن له أن يكوّن سلوكات جديدة لمواجهة مطالب الحياة المختلفة.
يمكن تعريف العادة «… بأنّها قدرة مكتسبة على أداء عمل بطريقة آلية، مع السرعة والدقّة والاقتصاد في المجهود ؛ فتقلّل العادة من الجهد النفسي والعمل الذهني. وتخالف الغريزة في أنّها مكتسبة، في حين أنّ الغريزة وراثية.» إبراهيم مدكور، المعجم الفلسفي، عالم الكتب، ص 115
- التعلّم : ذلك أنّ العادة صيغة مكتسبة في السلوك لأداء عمل ما، عن طريق ما يحصل للنفس من تغيّر يتمّ بالتعلّم ؛ ولا يتعلّم الكائن الاستجابة للمنبّهات الطبيعية فقط، بل لما ينوب عنها، أي للمنبّهات الاصطناعية.
- الإدراك الشعوري : فعملية التعلّم ليست فقط عملية اكتساب الفعل بطريقة آلية، وإنّما للإدراك دور كبير فيها ؛ وتوجد درجات للتعوّد، والفرق بين هذه الدرجات هو من جهة بُعد العملية عن بؤرة الشعور أو قربها.
- والنتيجة : أنّ العادة تُطلق على اكتساب المهارات الحركية والقدرة على استخدامها بطريقة شعورية ؛ وهنا يقع الفصل الحاسم مع الغريزة العمياء التي تجهل غاية فعلها.
ومع ذلك، ثمّة من حاول الجمع بين الطبيعتين، فاعتبر العادة طبيعة ثانية تعود إلى الطبيعة الأولى ولا تختلف عنها إلاّ في الدرجة. يقول «رافيسون» (Ravaisson): «لا فرق بين العادة والطبيعة إلاّ في الدرجة، ويمكن إنقاص هذا الفرق إلى غير نهاية، كالجهد بين الفعل والانفعال […] وحينما تهبط العادة من نواحي الشعور المنيرة، تحمل النور معها إلى أعماق الطبيعة وليلها الحالك ؛ فهي إذن طبيعة مكتسبة، لا بل طبيعة ثانية ترجع في النهاية إلى الطبيعة الأولى.» نقلا عن: جميل صليبا، معجم علم النفس، ص 708
وهكذا يتبيّن أنّ العادة، وإن شابهت الغريزة في بعض جوانبها، إلاّ أنّها تختلف عنها في مناحٍ كثيرة تجعل منهما في النهاية نشاطين متمايزين أشدّ التمايز: فالغريزة وراثية والعادة مكتسبة، والغريزة واحدة عند كلّ أفراد النوع والعادة تتفاوت من فرد إلى فرد، والغريزة عمياء والعادة يرافقها إدراك شعوري بدرجات. وأمّا ما يجمعهما — الثبات والآلية — فهو مظهرُ الفعل لا أصلُه ؛ ولذلك خدعت القططُ الملكَ حين حملت الشموع: رأى في الفعل ثباتا وآلية، فحسبه طبعا وقد كان تطبّعا.
لماذا لم يستطع الملك ولا الوزير أن يحسم أحدهما المسألة ؟لماذا لم يستطع الملك ولا الوزير أن يحسم أحدهما المسألة ؟
لأنّ كلاّ منهما كان يتكلّم عن جهةٍ صحيحة من الظاهرة ويظنّها الظاهرة كلّها. فالملك رأى الاكتساب: القطط تعلّمت فعلا شيئا لم تكن تفعله. والوزير رأى الحدّ: هذا المكتسب لا يبلغ أن يمحو الاستعداد الوراثي، بل يعدّل بعض مظاهره فقط. والجواب الذي كان ينقصهما هو أنّ أثر العادة محدود لدى الحيوان وأوسع بكثير لدى الإنسان ؛ فمن قاس الإنسان على القطّ أخطأ في الطرفين معا. ذلك أنّ الحيوان يتعوّد بلا إدراك شعوري لدرجات ما يتعوّده، بينما يستطيع الإنسان أن يكوّن سلوكات جديدة كاملة لمواجهة مطالب الحياة المختلفة، ثمّ أن يعي هذه السلوكات ويعدّلها ويستبدل بها غيرها. ولهذا كان السؤال الصحيح ليس «أيّهما يغلب الآخر ؟» بل «إلى أيّ حدّ تكون العادة أداةً للتكيّف ؟» — وهو سؤالٌ لا يُجاب عنه بحكاية، بل بفحص كيفية اكتساب العادة وأنواعها ووظيفتها.
الصفحة 1/4
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net