الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في العادة والإرادة
طبيعة العادة
- تحديد العوامل الأربعة التي يتوقّف عليها اكتساب العادة، وبيان دور كلّ عامل
- بيان لماذا لا يكفي التكرار وحده لتكوين العادة، مسندا ذلك إلى صاحبه ومرجعه
- تصنيف العادات إلى حركية ونفسية واجتماعية، والتمثيل لكلّ صنف
- التمييز بين العادة الخاصّة والعادة العامّة، وبيان أنّ الثانية تقتضي التجديد
- مفهوم العادة ومميّزاتها، والفرق بينها وبين الغريزة
- أنّ العادة قدرة مكتسبة تصحبها درجاتٌ من الإدراك الشعوري
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى ضبط المفاهيم إلى أنّ العادة قدرة مكتسبة لا موروثة، وأنّها تفترق بذلك عن الغريزة افتراقا حاسما. غير أنّ القول بأنّها مكتسبة لا يزيدنا علما بكيفية اكتسابها ؛ إذ ليس كلّ ما يتكرّر يصير عادة، ولا كلّ من مارس فعلا أتقنه. فالفعل لا يصبح عادة إلاّ إذا تكرّر، وكان العقل واعيا، والانتباه قويّا، والمجتمع حاضرا ؛ إنّه إذن مشروط بعوامل. فما هي هذه العوامل ؟ وما درجة تأثيرها في اكتساب العادة ؟ ثمّ إنّ ما يُكتسَب على هذا النحو لا يبقى حبيس الحركة، بل يتّصل بالحياة النفسية والاجتماعية — فما أنواع العادة إذن ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لا شكّ في أنّ الحركات التي يقوم بها العازف الموسيقي الماهر هي غير الحركات التي قام بها في بداية تعلّمه ؛ إذ الفرق بينها لا يقتصر على السرعة والدقّة فقط. فالعازف في البداية لا يستطيع حفظ النوتات ولا تجسيدها إذا لم يقم بإعادتها مرّات ومرّات ؛ ثمّ تصير الحركات بعد التمرين غير محتاجة إلى الجهد والإرادة. وهذه الحركات التي أصبحت لديه عادةً غيرُ مقطوعة الصلة بالحياة النفسية والاجتماعية. فما هي العوامل التي تؤدّي إلى تعلّم العادة ؟ وهل هي ذات العوامل التي تتحكّم في تعلّم أنواع العادة الأخرى ؟
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- الفارق ليس كمّيّا : لو كان الفرق بين المبتدئ والماهر في السرعة والدقّة وحدهما، لكان الأمر مجرّد تدريب على وتيرة أعلى ؛ لكنّ الوضعية تصرّح بأنّ الفرق لا يقتصر على ذلك — أي أنّ شيئا في طبيعة الفعل نفسه قد تغيّر، لا في مقداره.
- التكرار شرط لا يكفي وحده : فالإعادة مرّات ومرّات ضرورية، ولكنّ الفعل لا يصبح عادة إلاّ إذا كان العقل واعيا والانتباه قويّا والمجتمع حاضرا معه ؛ فالاكتساب مشروطٌ بعوامل متضافرة، لا بعامل واحد.
- والمكتسب لا يبقى في اليد : فحركات العازف غير مقطوعة الصلة بالحياة النفسية والاجتماعية ؛ ومن هنا لا يستقيم البحث في عوامل الاكتساب دون البحث في أنواع ما يُكتسَب.
I – إلى أيّ حدّ نعتبر العادة، بالرغم ممّا يطبعها من رتابة وآلية، أداةً للتكيّف مع الواقع ؟
ثانيا : العادة نتاج التعلّم والاكتساب
1 ـ عوامل اكتساب العادة
أ – العضوية والتكرار : إنّ العازف في المثال السابق لا يستطيع حفظ النوتات ولا تجسيدها إذا لم يقم بإعادتها مرّات ومرّات. والتكرار ليس المقصود به إعادة الفعل على نفس النمط، وإنّما تكرار الفعل من أجل ضبطه وتصفيته من شوائبه ؛ فتكرار التمارين المختلفة يقوّي بعض الأفعال ويُسقط منها ما ليس نافعا.
يعتبر «أرسطو» أنّ العادة بنت التكرار. ويعتبر «ليبنتز» «… أنّ كلّ فعل هو في البداية عادة ؛ لأنّه إذا لم يبقَ للفعل أثرٌ في نفسك، لم تتكوّن العادة وإن كرّرتَ الفعل مائة مرّة.» وفي القولين معا حدُّ التكرار وشرطُه: فهو أصل العادة عند أرسطو، ولكنّه عند ليبنتز لا يُنتج شيئا ما لم يترك الفعلُ أثرا في النفس — وهذا هو الجواب عن سؤال المدخل: لماذا يتكرّر فعلٌ مئة مرّة فلا يصير عادة. أرسطو (384 – 322 ق.م) · ليبنتز (1646 – 1716) ؛ نقلا عن: جميل صليبا، علم النفس، ص 692
يقول «برغسون»: «إذا أردتُ حفظ قطعة من الشعر قسّمتها بيتا بيتا، ثمّ كرّرتها عدّة مرّات ؛ وكلّما أعدتها مرّة تحسّن حفظي لها، وارتبطت الألفاظ بعضها ببعض، وهي جملة من الحركات مجتمعة في الأعضاء الصوتية، لم أكتسبها إلاّ بالتكرار المتتابع وبتقسيم الحركات وجمع بعضها إلى بعض ؛ ونتيجة التكرار تنتظم سلسلة الحركات في نظام.» برغسون (Bergson 1859 – 1941) ؛ نقلا عن: جميل صليبا، علم النفس، ص 404
ويُشترط في التكرار المُثمِر ثلاثة أمور. أوّلها الفصل الزمني بين فعل وآخر، حتّى لا تتراكم الأفعال وتتكدّس فتفقد قيمتها ؛ بل إنّ التعوّد على فعل ما لا يكون راسخا إلاّ إذا انقطع عنه صاحبه مدّة من الزمن، وكأنّ العادة تتولّد من الأثر الذي يتركه الفعل في المرّة الأولى — فالشخص كثيرا ما يتمرّن على أفعال بدون فائدة ظاهرة، وينقطع عنها مدّة، فإذا عاود الفعل وجد نفسه يتقنه كأنّه كان يمارسه يوميّا. وثانيها التقسيم: أن يقسّم المتعلّم الفعل إلى أجزاء، ويتعلّم كلّ جزء على حدة، ثمّ يقوم بتركيبها بعد ذلك. وثالثها التدرّج من السهل إلى الصعب، فلا تكون عملية التعلّم دفعة واحدة، لأنّ ذلك يُحدث عدم توازن فيها.
- ب – العامل العقلي : إنّ المتعلّم إذا لم يكن له إدراكٌ لما يتعلّم فلن يتعلّم أبدا، والتلميذ إذا لم تكن لديه إحاطة بما يدرس فلن ينجح أبدا ؛ فالعادة لا تكون إلاّ إذا كان العقل حاضرا، ووظائفه العليا — من إدراك وذكاء وتذكّر وتخيّل — ناضجة ومتوقّدة.
- ج – العامل النفسي : إنّ أقوى عامل يساعد على التعلّم واكتساب العادة هو الانتباه والاهتمام ؛ فالاهتمام بالعمل أقوى عوامل الانتباه، كما أنّ الجهد المبذول برغبة وشوق يسهّل اكتساب العادات ؛ وكلّما كان ذلك أقوى كان الاكتساب أرسخ، وبدون العاطفة والميل النفسي يتعذّر التعلّم.
- د – العامل الاجتماعي : إنّ كثيرا من عاداتنا نكتسبها بواسطة المجتمع ؛ فنحن نكتسب منه اللغة ونتعوّد عليها، ونكتسب منه العرف والتقاليد وبعض القيم فتصبح عادة راسخة في حياتنا وفي أذهاننا. والمجتمع يدفعنا إلى القيام ببعض الأفعال على نمط واحد، كعاداتنا المهنية التي تجعلنا خاضعين — في أكثر الأوقات — لانضباط محدَّد.
لخّص «دولاكروا» مجمل هذه العوامل في قوله: «إنّ الانتباه، وإرادة التعلّم، وكيفية تصوّر العمل، ومقايسة النتائج بالغاية المقصودة، وحالة الذهن في أثناء الكسب، والنضج، وقياس التقدّم، ومؤالفة التعلّم مؤالفةً معقولة — كلّ ذلك يؤثّر في تكوين العادات، حتّى إنّه ليؤثّر في الذاكرة الميكانيكية كما يؤثّر في الذاكرة العقلية.» وموضع الشاهد أنّ العوامل لا تعمل متتابعةً بل مجتمعة ؛ وأنّ إرادة التعلّم مذكورة بينها، فليست العادة إذن انطباعا يقع على النفس، بل عملا تشارك فيه. دولاكروا (1873 – 1937) ؛ نقلا عن: جميل صليبا، علم النفس، ص 700
2 ـ أنواع العادة
- أ – العادات الحركية : وهي استعدادٌ مكتسب لأداء بعض الحركات والقيام ببعض الأفعال ؛ منها ما يكون بسيطا لا علاقة له بالإرادة، ومنها ما يكون مركّبا، ومنها ما يستلزم التدريب والتمرين. فهذه العادة قد بدأت بالتكرار والتعلّم، ثمّ أصبحت بالتمرين غير محتاجة إلى الجهد والإرادة.
- ب – العادات النفسية : وهي استعدادٌ مكتسب يبعث على الإحساس أو التفكير أو الفعل، على الصورة التي يحسّ أو يفكّر أو يعمل بها الشخص من قبل ؛ كعادة التفكير التي تساعد على الترتيب والتناسق في الأفكار والتعمّق فيها وسرعة توجيهها، أو كعادة الصبر وضبط النفس وكظم الغيظ.
- ج – العادات الاجتماعية : وهي سلطة المجتمع غير المدوَّنة في قوانين ودساتير، وهي محفوظة في صدور الأفراد وتحيط بهم في كلّ مناسبة وفي جميع تعاملاتهم مع غيرهم ؛ فهي من جهة تُلزم سلطتَها على الأفراد، ومن جهة ثانية يجد الأفراد الراحة في طاعتها. وكثيرٌ من الفضائل أو الرذائل الاجتماعية ما هي إلاّ عادات ؛ فالعادات هي العامل الفعّال في حفظ النظام الاجتماعي، وهي قهرية تفرض نفسها على الأفراد، وكلّ مخالفة لها تعرّض صاحبها لعقوبات الرأي الجمعي.
«كنتُ خجولا كوالدي، فتعوّدتُ أن أكتم ما كنت أشعر به، لا أضع إلاّ خططا منفردة، ولا أعتمد إلاّ على نفسي في إنجازها، حتّى صرتُ أجد في آراء الآخرين واهتمامهم بي وإعانتهم إيّاي وزيارتهم لي عائقا عن العمل ؛ ثمّ تعوّدتُ كذلك ألاّ أتكلّم عن شواغل نفسي أبدا، وألاّ أشترك في الحديث إلاّ لضرورة ماسّة، فإذا اشتركتُ فيه أنعشتُه بنكتة تساعدني على إخفاء حقيقة فكري.» وفي النصّ تسلسلٌ يستحقّ الوقوف: استعدادٌ أوّلي، ثمّ سلوكٌ يتكرّر، ثمّ عادةٌ راسخة تصير هي نفسها سببا لعادات أخرى تتفرّع عنها. بنيامين كونستان (Benjamin Constant 1767 – 1830)، كاتب ورجل سياسة ؛ نقلا عن: جميل صليبا، علم النفس، دار الكتاب اللبناني، ص 690
يعتقد «مالنوفسكي» أنّ العادات هي روتين الحياة الحقيقية، حين يتعلّق الأمر بطبيعة اللغة التي تُستعمل في الحياة اليومية السلوكية، كظواهر اجتماعية معقّدة يصعب على العالِم تحويلها إلى أرقام ؛ لكن يمكن مشاهدتها وقت حدوثها أو التكلّم عنها. مالنوفسكي (B. Malinowski 1884 – 1942)، عالم أنثروبولوجي بريطاني ؛ وينظر: دينكن ميتشيل، معجم علم الاجتماع، ترجمة إحسان محمد الحسن، دار الطليعة، بيروت، ص 70
- عادات خاصّة أو جزئية : وهي العادات التي يتمّ فيها تكرار فعل على نمط واحد ؛ ككتابة كلمات معيّنة بطرق خاصّة، أو القيام بحركات معيّنة، أو عزف قطعة موسيقية معيّنة دون تغيير في تواترها.
- عادات عامّة : وهي التي تشتمل على أفعال متباينة من جنس واحد ؛ فنطاقها أشمل من نطاق العادة الخاصّة، لأنّها تشمل الاستعداد الفكري والمهارة الفنّية والأسلوب. فإتقان المرء لغةً من اللغات عادةٌ عامّة، إذ تقتضي أن يكون المتكلّم بها ملمّا بتركيب الألفاظ وتطبيق قواعد في كلّ بناء جديد.
- والفرق الحاسم : أنّ العادة الخاصّة تكتفي باسترجاع الأفعال السابقة كما هي دون تغيير، بينما العادة العامّة تقتضي التجديد ؛ وهنا يظهر أنّ العادة ليست دائما تكرارا للماضي، بل قد تكون قدرةً على مواجهة الجديد.
لماذا يرسخ التعوّد بعد انقطاعٍ عن التمرين ؟لماذا يرسخ التعوّد بعد انقطاعٍ عن التمرين ؟
لأنّ العادة لا تتكوّن من الفعل نفسه، بل من الأثر الذي يتركه الفعل في النفس — وهو بعينه ما نبّه إليه ليبنتز حين قال إنّك لو كرّرت الفعل مائة مرّة ولم يبقَ له أثر في نفسك لم تتكوّن العادة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ تراكم التمارين المتلاصقة يُضعف الأثر بدل أن يقوّيه: تتكدّس الأفعال فتفقد قيمتها، لأنّ النفس لم تُمهَل حتّى تستقرّ فيها آثارها. ولهذا كان الفصل الزمني بين تمرين وتمرين شرطا في التكرار المُثمِر، حتّى يجد المرء نفسه بعد الانقطاع متقنا لما ظنّ أنّه ضيّعه. وهذا يفسّر أيضا لماذا لا ينفع التكرار الآليّ الأعمى: فالتكرار المقصود ليس إعادة الفعل على النمط نفسه، بل إعادته من أجل ضبطه وتصفيته من شوائبه ؛ فهو عملية انتقاء لا عملية نسخ.
الصفحة 1/4
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net