الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في الأخلاق بين الثوابت والمتغيرات
ضبط المفاهيم و التصورات (الأخلاق، القيمة، النسبي، المطلق)
- تمييز الحكم التقديري الذي يوجّه نحو ما ينبغي أن يكون، عن الحكم الوصفي الذي يصف ما هو كائن
- ضبط مفهوم القيمة في اللغة وفي الاصطلاح، وتحديد موضوع نظرية القيم وأبوابها
- تمييز التفسير المثالي للقيم عن التفسير الوجودي، وردّ كلّ تفسير إلى ما يبني عليه
- استخراج المعايير التي يحتكم إليها المتحاوران في وضعية مشكلة، وتوزيعها بين ثابت ومتغيّر
- الفرق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر
- الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
إنّ من أقدم الاهتمامات في التاريخ البشري الأخلاق ؛ وهي في الجملة، قيم وأفعال تقوم على أحكام تقديرية لا تصبو إلى وصف ما هو كائن، وإنّما إلى التوجيه نحو ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان، وغايتها من هذا السلوك التقويم والإرشاد. ومعنى ذلك أنّ الفعل الخلقي يستند دائما إلى قيمة خلقية تمثّل ما يجب أن يكون عليه هذا الفعل، وعلى أساسها يكون مقبولا أو مرفوضا. فهل يكفي القول بأنّ الأخلاق تترنّح بين الثوابت والمتغيّرات حتّى نحيط بطبيعتها ؟ وبتعبير آخر، هل القول بأنّ الأخلاق في جوهرها واحدة، وفي واقعها المادّي متعدّدة، كفيل بتحديد طبيعتها ؟ وبالتالي، على أيّ أساس نقيم القيم الخلقية ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (س) : إنّي أرى أنّ الحاسوب وتقنياته، ومن خلاله الاتّصال عبر الأنترنت، يقدّم منفعة من الأهمّية بمكان للفرد في مستويات متعدّدة ؛ ـ (ع) : أمّا أنا فلا أجد فيه أيّة منفعة ؛ بل ضرره أكثر من نفعه، لأنّ الكثير من مواقعه تمسّ بقيم الدين وثوابته ؛ ـ (س) : لكن، على الرغم ممّا تتحدّث عنه، فقد أضحى ضرورة اجتماعية من خلال انتشاره في المؤسّسات القائمة عليه ؛ ـ (ع) : إنّ ثقافة المجتمع أيضا لا بدّ أن تؤسّس المفاهيم السلوكية السليمة في محاربة تلك الآفات اللاأخلاقية .. أليس كذلك ؟ ـ (س) : أجدني متحفّظا على بعض آرائك ؛ فالفرد العاقل له قدرة كبيرة على أن يميّز بين خير الأمور وشرّها في اقتناء برامج الأنترنت المفيدة له.
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- أربعة ألفاظ مفتاحية، أربعة معايير : لم ينتهِ المتحاوران — على ما يبدو — إلى اتّفاق، غير أنّ حوارهما ردّدت فيه ألفاظ مفتاحية مهمّة: المنفعة، المجتمع، الدين، العقل ؛ وهي بمثابة معايير استند إليها المتحاوران، وكلّ معيار يرتبط دون شكّ بقيمة معيّنة من خلال تقدير فائدة برامج الأنترنت أو مشروعيّتها.
- تدرّج كلّ طرف في معياره : فالطرف الأوّل (س) أسند حكمه المبرّئ للأنترنت في البداية إلى معيار المنفعة الفردية، معتقدا أنّ ما تقدّمه له هذه الشبكة العالمية هو بمثابة الخدمة الجليلة التي لا تقدّر بثمن ؛ ولمّا اصطدم باحتجاجات محاوره، وجد أنّه في حاجة إلى تعزيز قناعته بمعيار المنفعة الاجتماعية، ثمّ بمعيار آخر أهمّ وهو العقل في آخر الحوار. والطرف الثاني (ع) اعتمد في حكمه المدين للأنترنت على مبادئ العقيدة أوّلا، ثمّ ثنّى عليه بمعيار اقتبسه من محاوره وهو ضرورة المحافظة على مبدإ الصالح العامّ في المجتمع من خلال التنشئة التربوية والتوعية الثقافية.
- من حكم وجودي واحد إلى تقييمين متعارضين : وبهذا نجدهما ينطلقان من حكم وجودي واحد، لكنّهما ينتهيان متعارضين في تحديدهما لقيمة الأنترنت ؛ واختلافهما في التقييم يدفعنا دفعا إلى التساؤل: ما هي القيمة عامّةً ؟ وما وجه الحاجة إليها في الحكم على السلوك البشري ؟ وإذا كانت تستمدّ مشروعيّتها من ثوابت مطلقة، فما طبيعة هذه الثوابت ؟
I – ضبط المفاهيم والتصوّرات : الأخلاق، القيمة، النسبي والمطلق
أولا : الأخلاق
الأخلاق في الجملة قيم وأفعال تقوم على أحكام تقديرية. ومعنى كونها تقديرية أنّها لا تصبو إلى وصف ما هو كائن — وذلك شأن العلوم التي تصف الظواهر كما هي — وإنّما إلى التوجيه نحو ما ينبغي أن يكون عليه سلوك الإنسان ؛ وغايتها من هذا السلوك التقويم والإرشاد. ولذلك لا يقوم الفعل الخلقي بذاته، بل يستند دائما إلى قيمة خلقية تمثّل ما يجب أن يكون عليه هذا الفعل، وعلى أساسها يكون مقبولا أو مرفوضا. فالفعل واحد في وجوده، وتقديره تابع للقيمة التي نحتكم إليها.
- الحكم الخلقي حكم تقديري لا وصفي : فهو لا يخبر عمّا وقع، بل يقدّر ما كان ينبغي أن يقع.
- موضوعه السلوك الإنساني : لا الظاهرة الطبيعية ؛ ولذلك لا يقال في حجر سقط إنّه فعل خيرا أو شرّا.
- غايته التقويم والإرشاد : أي تصحيح السلوك وتوجيهه، لا مجرّد تسجيله وترتيبه.
- سنده قيمة خلقية سابقة عليه : ولهذا كان ضبط القيمة شرطا في فهم الحكم، لا نتيجة له.
ثانيا : القيمة
إنّ القيمة إجمالا تتعلّق بالموجود من حيث هو مرغوب فيه لذاته. والفلسفة تتناول قيم الأشياء وتحلّلها عن طريق نظرية القيم (axiologie) التي تبحث في طبيعتها وأصنافها ومعاييرها، من حيث هي باب من أبواب الفلسفة العامّة التي ترتبط بالمنطق والأخلاق والجمال. أمّا في الأخلاق خاصّة، فإنّ القيمة ترتبط بما يدلّ عليه لفظا الخير والشرّ كمعايير ثابتة أو متغيّرة ؛ وعلى ضوء هذه المعايير يتحدّد أساسها في الحكم على السلوك الإنساني.
في اللغة نقول: قيمة الشيء بمعنى قدره، وقيمة المتاع ثمنه، وقيمة الشخص علوّ شأنه ومكانته العقلية أو الاجتماعية أو الأخلاقية. وتدلّ كلمة القيمة على اسم النوع من الفعل «قام» بمعنى وقف واعتدل وانتصب وبلغ واستوى. وفي العبارات الشائعة قولهم: «ما له قيمة» إذا كان لا يقوم ولا يثبت على شيء ؛ ومنها أيضا وصف الإنسان أو الشيء أو العمل أو الدين بكونه قيّما بمعنى مستقيما. ونجد في القرآن الكريم قوله تعالى: «فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» [سورة البيّنة، الآية 3]، وقوله: «وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ» [سورة البيّنة، الآية 5]. محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، المجلد 9، بيروت، 1966، ص 35
إذا فُسّرت القيم بنسبتها إلى الصور الغائية المرتسمة على صفحات الذهن كان تفسيرها مثاليّا ؛ وإذا فُسّرت بأسباب طبيعية أو نفسية أو اجتماعية كان تفسيرها وجوديّا. فالخلاف بين التفسيرين ليس خلافا في أنّ للقيمة وجودا، بل في المكان الذي تُطلب فيه: أفي الذهن وغاياته، أم في الطبيعة والنفس والمجتمع ؟ جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج 2، مطبعة بيروت، 1982، ص 214
- في الاقتصاد : تعني المبادلة أو ثمن الشيء.
- في الرياضيات : يُقصد بها العدد الذي يقاس به الكمّ.
- في المعاملات الاجتماعية : تدلّ على علوّ الشأن وقدره.
- في الأخلاق : ترتبط بلفظَي الخير والشرّ بوصفهما معيارين يُحكم على ضوئهما على السلوك.
ثالثا : النسبي والمطلق في الحكم الخلقي
لمّا كانت القيمة الخلقية ترتدّ إلى معيار، صار السؤال عن طبيعة الأخلاق سؤالا عن طبيعة معاييرها: أهي ثابتة لا تتبدّل بتبدّل الزمان والمكان، فتكون مطلقة ؛ أم هي تابعة للبيئة والعصر والمنفعة، فتكون نسبية ؟ ووجه الإشكال أنّ القول بأنّ الأخلاق في جوهرها واحدة، وفي واقعها المادّي متعدّدة، لا يحسم المسألة، بل يعيد طرحها: فما هو الجوهر الواحد، وما هي المتغيّرات التي تلاحقه في الواقع ؟
1 ـ المعايير الأربعة وموقعها من الثابت والمتغيّر
- العقيدة (الدين) : تُصنَّف على أنّها من أسس القيم الخلقية الثابتة لا المتغيّرة، باعتبارها إلزاما متعاليا مقدّسا لا يستمدّ مشروعيّته من الزمان.
- العقل : يُصنَّف كذلك ضمن الثوابت، لأنّ ما يقرّره من مبادئ عامّة ويقينية لا يتوقّف على منفعة ذاتية ولا اجتماعية.
- المجتمع : معيار متغيّر، لأنّه يتبدّل بتبدّل البيئات والعصور وتنوّع المشارب.
- المنفعة : معيار متغيّر كذلك، لأنّه يقدّر الفعل بثمرته، والثمرة تختلف باختلاف الأشخاص والظروف.
وهذا الترتيب ليس حكما على المعايير بالصواب أو الخطإ، وإنّما هو ضبط لمواقعها قبل فحصها ؛ فلا يُدرى أيّ معيار أحقّ بتأسيس القيمة الخلقية قبل أن تُفحص طبيعة كلّ واحد منها وأهمّيته وأبعاده. وبهذا يتحوّل الخلاف الذي عجز عن حسمه المتحاوران إلى مشكلة منظّمة: طرفٌ يردّ الأخلاق إلى ثوابت فيجعلها واحدة، وطرفٌ يردّها إلى متغيّرات فيجعلها متعدّدة.
لماذا لا يُحسم النزاع بمجرّد الرجوع إلى الوقائع ؟لماذا لا يُحسم النزاع بمجرّد الرجوع إلى الوقائع ؟
لأنّ المتحاورَين لم يختلفا في الحكم الوجودي: كلاهما يقرّ بوجود الشبكة وبما فيها. إنّما اختلفا في الحكم التقديري، والتقدير لا يُقرأ في الشيء نفسه، بل في المعيار الذي يُنظر إليه من خلاله. ولهذا فإنّ الرجوع إلى الوقائع يفصل في مسألة «ما هو كائن»، ولا يفصل في مسألة «ما ينبغي أن يكون» ؛ فالوقائع تُقاس ولا تُقوَّم. ومن أراد أن يحسم نزاعا خلقيا بإحصاء الوقائع، فقد أجاب عن سؤال غير السؤال المطروح — وهذا بعينه ما يجعل ضبط المفاهيم خطوة أولى لا تُتجاوَز: قبل أن نسأل أيّ معيار أصحّ، يجب أن نعرف ماذا نسمّي أخلاقا، وماذا نسمّي قيمة، وما الذي نعنيه بالثابت والمتغيّر.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net