الإشكالية الأولى: في إدراك العالم الخارجي › في العادة والإرادة
طبيعة الإرادة
- ضبط مفهوم الإرادة بمعنييها العامّ والخاصّ، وتحديد شروطها الثلاثة
- تحليل الفعل الإرادي في تركيبه وصفاته ومراحله، مسندا ذلك إلى أصحابه
- التمييز بين التمنّي والرغبة والإرادة، وبيان متى تكون الرغبة دافعا ومتى تكون مثبّطا
- إبراز العلاقة الوظيفية بين العادة والإرادة، وصياغة حلٍّ للمشكلة يبيّن تكاملهما
- مفهوم العادة ومميّزاتها وعوامل اكتسابها وأنواعها، والفرق بينها وبين الغريزة
- قيمة العادة في التكيّف، وأثرها في تحرير الانتباه والفكر
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في العادة إلى أنّها تكيّفٌ مكتسب، تحرّر الانتباه وتخلق قدرات جديدة، وإن كان تصلّبها يهدّد صاحبها بالجمود. غير أنّ الوقائع المتّصلة بالتعلّم واكتساب العادة كلّها تدلّ على أنّ للعامل الإدراكي أثرا بالغ الأهمّية، حيث يتحوّل الكائن من ارتكاب الأخطاء إلى محاولة تجاوزها بسرعة، بتدخّل الإدراك وتوجيه النشاط وتنظيمه. إلاّ أنّ الإنسان هو الأقدر على التعلّم، لأنّه يملك القدرة على التوجيه الواعي إلى الغاية منه، كما يملك الإرادة والعقل والدافعية للقيام به ؛ بخلاف الحيوان الذي لا يملك تلك القدرة ولا تلك الإرادة، وإنّما يفعل ذلك بدافع الغريزة. وهذا ما يقودنا إلى التساؤل حول ماهية الإرادة كموضوع من مواضيع علوم الإنسان لا الميتافيزيقا ؛ فما طبيعة الفعل الإرادي ؟ وهل تحقيقه للتكيّف يتوقّف على شروط معيّنة ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ر) : لقد تعبتُ من الاسترسال الطويل في هذه المراجعة ؛ إنّي أراها لا تكاد تنتهي ! ـ (ح) : ها قد عدتَ يا صديقي إلى إثارة نفس الموضوع الذي أثرته منذ أيّام: ضرورة التخفيف من ضغط الدراسة، والترويح عن النفس بالذهاب إلى السينما، أليس كذلك ؟ ـ (ر) : وما هو الحلّ ؟ إنّ مفعول القلق لا يُطاق، ولذلك تراني ألحّ على هذا الطلب … ـ (ح) : قد أجبتك في ذلك الوقت بأنّ دراستنا أولى من أيّة رغبة آنيّة، وأنّها تمثّل طموحنا وإرادتنا في النجاح ؛ لذلك ليس أمامنا خيار آخر غير هذا، فلا بدّ ممّا ليس منه بدّ. ـ (ر) : أعرف أنّنا حسمنا الأمر منذ مدّة ؛ ولكنّ هذه المرّة الوضع يختلف … ـ (ح) : كيف ذلك ؟ إنّي لا أرى ما يستوجب العودة عن قرارنا السابق. ـ (ر) : بل لا بدّ من تلبية رغبتي، سواء كنتَ برفقتي أو ذهبتُ لوحدي ! ـ (ح) : والله إنّك تحيّرني ؛ فلا أدري: هل من واجبي أن أُرضي طموحي فأخسر صداقتك، أم عليّ أن ألبّي رغبتك فأخسر مستقبلي ؟!
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- التجربة الأولى : نموذج الفعل الإرادي الواعي : فقد حسم كلاهما أمر الاختيار بين الدراسة والتسلية لصالح الدراسة وما تمثّله من رؤية عقلانية واستشراف طموح ؛ فكان الموقف برمّته نموذجا للفعل الإرادي الواعي، الذي يحمل في طيّاته تحليلا لعناصر الوضع واتّجاهاته، مع مناقشة أو مداولة أدّت إلى اتّخاذ ذلك القرار. وهذا يكون مقرونا بالمثل الأعلى، أو الهدف والغاية من الفعل — والذي بقي (ح) وحده مقتنعا بصدقيّته إلى النهاية، بخلاف (ر) الذي ظلّ يتردّد قابعا تحت تأثير رغبته المستحكمة في مشاعره وسلوكاته.
- التجربة الثانية : القرار يصطدم بعائق مفاجئ : فقد يؤدّي تمسّك (ح) بقراره الإرادي الأوّل، ورفضِ رغبة صديقه، إلى البقاء وحيدا في البيت مراجعا لدروسه بالرغم من التعب، واضعا نصب عينيه شهادة البكالوريا ؛ وبالمقابل فإنّ انصياعه لرغبة صديقه — مع معرفته المسبقة بأنّ هذه النزهة سعادة آنيّة لا دائمة — يفضي به حتما إلى إضاعة مجهوداته ومن ثمّ فشله في الامتحان.
- فلا يستقرّ أمره على قرار : لتأرجح الاختيار بين العقل والعاطفة، وبين الفعل والانفعال ؛ وهنا تظهر المشكلة على حقيقتها: ليست الإرادة قوّةً تُصدر أوامرها فتُطاع، بل هي ميدانٌ تتنازع فيه الميول، وقد يعطّلها ما كان يُفترض أن يدفعها. وفي محاولة البحث عن حلٍّ، نستعرض أوّلا خصائص الإرادة عند الإنسان.
II – ثمّ كيف نعتبر الإرادة، المشحونة بأهواء وانفعالات، لا تحقّق ذلك التكيّف إلاّ جزئيّا ؟
أولا : الفعل الإرادي والخصوصية الإنسانية
خير مثال على تلك الخصوصية المقارنةُ التي أجراها «كارل ماركس» بين أمهر النحل وأبسط المهندسين: فالنحل يبني خليّته بالشكل الذي فُطر عليه منذ أن خُلق، ولا يملك القدرة على التغيير أو التطوير ؛ بينما المهندس — حتّى وإن كان متواضعا — فإنّه يملك القدرة والإرادة والرغبة على التغيّر والتطوّر، وتاريخه يدلّ على ذلك. وموضع الشاهد أنّ الفارق ليس في إتقان الصنعة — فالنحلة أتقن — وإنّما في إمكان أن يكون الفعل غير ما هو عليه ؛ وهذا هو مدخل الإرادة. كارل ماركس (K. Marx 1818 – 1883)
1 ـ مفهوم الإرادة
- المعنى العامّ : تدلّ الإرادة على قدرتنا الكلّية على الحياة النشطة المريدة في مواجهة الحياة القهرية الجزافية ؛ بما في ذلك تجاوز ردود أفعالنا الغريزية، والتصرّف في الأنماط السلوكية الآلية التي توصف باللاواعية بسبب التكرار المتّصل الذي يغلب عليها.
- المعنى الخاصّ : هي تلك التصرّفات وماهيّاتها ؛ بأن يتّخذ العقل قرارا مدبَّرا مع سبق الإصرار قبل الإقدام على تنفيذها. فالإرادة تحدث عندما يكون هناك عددٌ من نظم الأفكار المتعارضة، وهي متوقّفة على وجود مجال وعيٍ لدينا معقّد التركيب.
- وهي في الحالين عمليّة نفسية عقلية : تهدف إلى تكييف الاستجابة التي تؤدّي إلى حسم الصراع القائم بين مجموعتين من الميول ؛ فالفعل الإرادي ينطوي على أحكام تقريرية في الأساس. [وليم جيمس، أحاديث للمعلّمين والمتعلّمين، ترجمة محمد علي العريان، عالم الكتب، ص 219]
2 ـ شروط الإرادة
- تصوّر المثل الأعلى : إنّ تصوّر المثل الأعلى ضروري لكلّ إنسان، وهو يختلف باختلاف الأشخاص ويتبدّل بظروفهم المادّية والنفسية والاجتماعية ؛ فالمثل الأعلى للتلميذ (ح) هو النجاح في الامتحان، وإذّاك يدرك أنّ عليه أن يتخلّى عن كلّ ملذّات الحياة وزينتها، وأن يتحمّل الصعاب والتعب من أجل الحصول على الهدف، وأن يطلب الآلام التي تقوده إلى اللذّات والغايات.
- الإيمان بالنفس : إنّ الحياة مبنية على الإيمان، وإذا لم يؤمن الإنسان بنفسه خسر معركة الحياة ؛ فالتلميذ ضعيف الإرادة (ر) يقول في نفسه: إنّي لا أستطيع النجاح ولا الدراسة ولا حتّى الفهم إلاّ من خلال تلبية رغباتي ؛ بينما قويّ الإرادة يجد نفسه قادرا على فعل كلّ شيء.
- تنظيم الأفكار : إنّ النّاس يتفاوتون في قوّة الإرادة كما يتفاوتون في قوّة العقل ؛ ولا تكون الإرادة قويّة إلاّ إذا كانت الأفكار والنزعات المقوِّمة لها قويّة. فالإرادة الصحيحة تعتمد على قوّة الأفكار وتنظيمها، وسيطرة النفس على العواطف والرغبات ؛ وأعظم الرجال هم الذين لهم القدرة على السيطرة على عواطفهم وأهوائهم وإدارة أنفسهم بأنفسهم.
قال أحد الحكماء الصينيين «لاو تسو»: «إنّ معرفة الغير تُعتبر حكمة، ومعرفة الذات تُعتبر حكمة أعظم ؛ وفرضُ السلطة على الغير يُعتبر قوّة، لكنّ فرضها على الذات يُعتبر قوّة أعظم.» وفي القول ميزانٌ دقيق لشرط الإرادة الثالث: فالسيطرة التي يتحدّث عنها الدرس ليست سيطرةً على الأشياء ولا على النّاس، بل على النزعات التي تنازع صاحبها من داخله. لاو تسو (Lao-Tseu 570 – 490 ق.م)، الموسوعة الفرنسية (Encarta)، بتصرّف
ثانيا : الإرادة كفعل إيجابي في التكيّف
- نيّة الفعل : وتشتمل على تصوّر سابق لنتيجة الفعل. فلنتصوّر (ح) في المثال السابق منكبّا على مراجعة دروسه، ونتيجةً للتعب يخطر له أن يترك الدراسة ويذهب إلى السينما للترويح عن النفس ؛ فإذا لم يقم بالفعل، فإنّ فعله هذا يبقى مجرّد نيّة، بما أنّ هناك رغبة وتأمّلا وتمنّيا فحسب.
- إرادة الفعل : وهي تحتوي على عناصر أخرى، كرغبة النفس في الشيء أو تركه، مع الإقدام على الفعل بتنفيذ الحكم الصادر عن مداولة العقل. فلنفترض أنّ (ر) لم يذهب إلى السينما، واقتنع بأنّ له متّسعا من الوقت لإنجاز عمله، وأنّه في الأخير قاوم نزعاته ورغباته وحسم أمره فبقي في غرفته يراجع دروسه ؛ إنّنا نعدّه عندئذ قد حقّق إرادة الفعل.
يتميّز الفعل الإرادي بجملة من الصفات، أهمّها ثلاث: فعلٌ جديد : وتتّصف جدّته في أنّه يمنع الشخص من الاندفاع الآلي إلى الفعل، فيحوّل الغريزة أو العادة إلى فعل واعٍ فيه قصد، وينظّم الحركات والأفعال والتصوّرات تنظيما يتوافق والظروف الطارئة. فعلٌ تأمّلي : إنّ الشخص الذي يريد شيئا يدرك ما يفعل، وبالتالي يشعر بفعله ويعيه ويدرك تماما الغاية منه، لأنّه فعل معقول ؛ فالمرء قد يرغب في أشياء قد يكون من المستحيل تحقيقها، ولكنّه لا يفعل إذا لم يُرِد عقله ذلك. فعلٌ ذاتي : يتبدّل بتبدّل الأفراد، ولكنّه بعيد عن التأثيرات والميول والنزعات الطبيعية مثل الأفعال الغريزية والانفعالية ؛ إذ يتحمّل الفرد تبعة قيامه به، وبذلك يكشف عن جانب من خصال الشخص وأخلاقه. إنّه مخالفٌ للفعل الاعتيادي لأنّ العادة تقوم على التكرار، ومخالفٌ للغريزة لأنّها عمياء. برتراند راسل ؛ نقلا عن: جميل صليبا، علم النفس، ص 719-720
- تصوّر الهدف : لا بدّ للشخص من تصوّر الفعل والهدف منه ؛ فالطالب لا يقرّر الفعل إلاّ بعد أن يتصوّر الهدف من الدراسة وهو النجاح في الامتحان، والقائد العسكري لا يستطيع خوض المعركة إذا لم يكن له تصوّر لهدف يحرّكه وهو الانتصار.
- المداولة (المناقشة) : من الضروري للشخص قبل أن يقرّر القيام بالفعل أن يناقشه ؛ وهذه المناقشة تأخذ شكل الأخذ والردّ، أي الحكم بأنّه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل. ومن خلالها نطّلع على جميع الدوافع والبواعث المحرّكة للإقدام على الفعل أو تركه.
- القرار : عندما يناقش المرء حالات متعارضة في الغالب، فإنّه يخلص في النهاية إلى اتّخاذ موقف أو قرار يُنهي المناقشة، وبالتالي يختار إحدى هذه الحالات المتعارضة الممكنة التنفيذ.
- التنفيذ : إنّ التنفيذ متعلّق بالظروف الخارجة عنّا ؛ ولا يمكن اعتبار القرار فعلا تامّا إلاّ إذا كان مصحوبا بشيء من التنفيذ، فلا يُعتبر الفعل منجَزا إذا بقي عبارة عن نيّة.
تعقيب : لكنّ هذا الترتيب ليس سوى ترتيب منطقي ؛ فالفعل الإرادي لا يمكن تقسيمه ولا فصل بعضه عن بعض، إنّه فعل واحد، وجميع البواعث والدوافع إليه واحدة، ونحن لا نستطيع أن نُحصي عددها ولا أن نجرّد بعضها عن بعض. والإرادة لا تمثّل دورها الحقيقي إلاّ في المرحلة الثالثة، أي مرحلة القرار والعزم ؛ أضف إلى ذلك أنّ البواعث والدوافع أمر اصطلاحي، لأنّه لا وجود لعنصر عقلي لا يمتزج مع الانفعال.
ثالثا : الإرادة كانفعال يعيق التكيّف
إنّ الإرادة محيطة بالحياة النفسية كلّها، فهي عند الإنسان فعل واعٍ ؛ وهي فوق ذلك ظاهرة معقّدة ومتشابكة تنمو مع نموّه وتتغيّر بتغيّره، وغالبا ما تمتزج بالانفعال — ولا يحدث تأثيرٌ في المناقشة إلاّ بطريق الانفعالات النفسية. كما أنّه لا توجد الإرادة إلاّ حيث تتعارض النزعات والرغبات الانفعالية ؛ فهي نزعة انفعالية إلى القيام بالفعل بتجاوز الميول والنزعات نتيجةً للقرار الذي يُتّخذ، وهذا القرار جهدٌ تركيبي يمنع الفرد من الانقياد إلى نزعة أو هوى، فهي لا تفعل أكثر من أن تقطع التنازع بين الميول والرغبات. وعلى أساس ذلك يُخيّل إلينا أحيانا أنّ الإرادة والرغبة لهما نفس الدلالة، وأنّه لا فرق بينهما إلاّ في الشدّة والدرجة ؛ ونفس الكلام يقال عن الأهواء والتمنّيات. فهل لهذه المماثلة ما يبرّرها، كأن نقول: إنّ التلميذ في شهادة البكالوريا يتساوى لديه — بنفس القدر — تمنّي النجاح، والرغبة في النجاح، وإرادة النجاح ؟
- التمنّي (أو الهوى) ليس من الإرادة : إنّ التمنّي ليس له حدود ولا شروط ؛ فبإمكان الشخص أن يتمنّى أيّ شيء، وقد يكون هذا الشيء قابلا للتحقيق وواقعيّا — فيتمنّى الطالب النجاح دون أن يعني ذلك أنّه سينجح — وقد يكون مستحيلا وخياليّا، فيتمنّى أن يكون نهار الشتاء أطول من ليله. إذن فالتمنّي هوًى اعتباطيّ ليس له قيود محدّدة أو ضوابط.
- الرغبة دافع للإرادة : أمّا الرغبة فتكون أشدّ من التمنّي ولكنّها أقلّ من الإرادة ؛ فعندما أقول «أريد» و«أرغب» فلا يؤدّي ذلك نفس المعنى. والرغبة لا تتحقّق إلاّ إذا تحوّلت إلى إرادة عمل ؛ ووجودُ الإرادة قد يستدعي وجود الرغبة، من حيث إنّ الرغبة شرط ضروري للفعل الإرادي — ولكن لا تتحوّل الرغبة إلى إرادة إلاّ إذا اتّصفت بصفة الطلاقة والانسجام مع القيم والإرادة الاجتماعية.
- الرغبة مثبّطة للإرادة : ومن جهة أخرى كثيرا ما تكون الرغبة مضادّة للإرادة ؛ فقد أرغب في التنزّه وأمنع نفسي من هذه الرغبة بلا جدوى فتتغلّب رغبتي على إرادتي. فالرغبة تولد من رحم ميول الإنسان وأهوائه، فتسير بلا تروٍّ وتبحث دوما عن الإشباع باندفاعية ؛ وعندئذ قد تقف بين الإرادة وتحقيق مطالبها، فلا يحصل التكيّف إلاّ على نحو نسبي، أو لا يحصل تماما.
وهكذا نستنتج أنّ الإرادة قد تكون مدفوعة بأهواء وانفعالات ولكنّها لا تخضع لها، بل إنّها تجاهد على كبحها وتعمل على ترويضها، فتكون آنئذ فعّالية حرّة أساسها العقل والقدرة على التمييز والاختيار. إذ إنّ الفعل الإرادي الحقيقي يكمن في معارضة الواجب والعقل لنوازع النفس والهوى، أو في وقف الميول على التنازع فيما بينها ؛ فهي جهدٌ يشتمل على حكم تقدير يدفع المريد إلى الاختيار والترجيح الواعي، وعلى حكم تقرير يقتضي كثيرا من العزم والتصميم والمثابرة والتحدّي. وبذلك يكون بمقدور الإرادة أن تتجاوز مأزق نسبية التكيّف، هذا المأزق الذي تتسبّب فيه اندفاعية الانفعالات والأهواء في المقام الأوّل.
III – ولكن هل يعني هذا التمايز في تحقيق التكيّف انتفاءَ قيام علاقة وظيفية بينهما ؟
ـ (م) : لقد أعطيتُك قبل الشروع في التعلّم نموذجا مطبوعا وآخر مجسّدا يوضّحان ترتيب المفاتيح المختلفة، وطلبت منك حفظ المعلومات المتّصلة بهذا الترتيب، وتحديد موقع ووظيفة كلّ مفتاح في ذاكرتك كتهيئة لظروف التعلّم. فهل قمتَ بكلّ ذلك ؟ ـ (ع) : أجل ! بدليل أنّني أجلس الآن أمام الحاسوب كما ترى، وعلى لوحة المفاتيح ستارٌ يحول دون رؤيتي للحروف والأرقام والرموز ؛ وأستطيع بفضل تذكّر ما حفظته عن طريق الإدراك والفهم، وإرادتي في تخيّل النتيجة الناجحة، أن أعمل حركيّا بطريقة اللمس وبدون الاستعانة بالبصر مباشرة. ـ (م) : هذا جيّد ! ولكن خبّرني، هل تمّ ذلك بنجاح منذ البداية ؟ ـ (ع) : لا … إذ كلّما أعدتُ التمرين تظهر نتائج جديدة لم أكن أتوقّعها. فعندما كنت أسرع في كتابة كلمة قصيرة مألوفة أشعر بأنّ أصابعي تتسابق في كتابة الكلمة، فكنت أخطئ أحيانا نتيجة لهذا السبق ؛ ولكن بالصبر والإرادة انتظمت حركات أصابعي، وتكوّنت لديّ عادات خاصّة بمجموعات معيّنة من الحروف، وأصبحت الكلمة إشارةً للقيام بمجموعة من الحركات المتواصلة. ـ (م) : وكيف صار شعورك بعد هذا الإنجاز الأوّل ؟ ـ (ع) : صار شعوري إزاء الكلمة وإزاء الحركات التي أقوم بها كشعوري إزاء كلٍّ لا أجزاء فيه ؛ بل صارت الكلمة لا مجموعةَ حروف بل صيغةً إجمالية. ـ (م) : ها إنّني أراك في هذه المرحلة الأخيرة قد اكتسبتَ القدرة على إدراك الجمل القصيرة دفعة واحدة، وعلى تنظيم كتابتها في سلسلة حركية متواصلة دون وقوف أو تردّد ؛ ونظرك إلى النصّ سابقٌ للحركات. ـ (ع) : هذا صحيح … ولكن ما يشغلني حقّا هو أن تصبح الكتابة عندي آلية إلى حدٍّ قد لا أراعي فيها الوقفات التي يقتضيها المعنى. فهل أنا في حاجة إلى تدخّل الوعي والإرادة من جديد، تماما كما بدأ التعلّم أوّل مرّة ؟
أولا : موقع الإرادة في تكوين العادات
نلاحظ في هذه الوضعية أنّ عملية الكتابة ربّما كانت شاقّة في البداية ؛ إذ كان (ع) مطالَبا بالتركيز في النصّ ليتبيّن الحرف الذي سيكتبه، وبتذكّر موقع الحرف على الآلة، وإدراك الصفّ الذي يوجد فيه، ثمّ الحرف نفسه، وأخيرا الضغط على المفتاح — وكلّ هذه العناصر من الفعل الإرادي. لكنّه بعد تكرار التمرين ثبّت موضع كلّ حرف، وصار جلّ اهتمامه موجَّها إلى تكوين عادة خاصّة بكلّ حرف على حدة، فنجم عن هذه العادات زيادةُ السرعة وشعورُه بأنّه أصبح قادرا على الكتابة المنظّمة. وقد أخذت هذه العملية وقتا طويلا لا يخلو من المعاناة والجهد، بسبب التفاوت بين الطبيعة الآلية للعادة المتعلَّمة وبين اقتضاء الإرادة الدائم للتركيز والوعي ؛ وهذا ما جعل الوضعية معلّقة برمّتها. فما طبيعة العلاقة التي تربط العادة بالإرادة ؟ وفي محاولة البحث عن حلٍّ، لا بدّ من التسليم بحقيقتين: أوّلاهما أنّ سير التعلّم متوقّف على شدّة الدافع واستمراره من جهة، وعلى صعوبة المشكلة من جهة أخرى ؛ وأنّ الغاية من التعلّم هي التقدّم والتطوّر، من حيث إنّ العادة من خواصّ الكائنات الحيّة التي تهدف إلى التكيّف مع العالم الخارجي — وبذلك فإنّ العادة ملازمة للإرادة، وتعلّمُ العادات ليس فعلا جامدا وإنّما هو فعل متجدّد دوما. وثانيتهما ما أوضحه علماء النفس من أنّ هناك رابطة وثيقة بين الجسم والعقل والإرادة: فالمجموع العصبي قابل للتشكيل والتكيّف، وكلّ الأفكار والأعمال تؤثّر فيه وتشكّله، حتّى إذا أُريد إعادة الفكرة مرّة ثانية كان الإتيان بها أسهل وأيسر، لأنّ الأعصاب سبق لها أن تلقّته وسايرت رغبته.
يرى «أرسطو» أنّ الحجر لا يتعلّم الصعود وإن ألقيته في الفضاء ألف مرّة، كما أنّ لهب النار لا يتعوّد الهبوط ؛ فالعادة إذن ليست في المادّة، بل فيما يحفظ الأثر. ومع ذلك يذهب البعض إلى أنّ نطاق العادة واسع جدّا، وأنّها تنطبق على الأحياء وعلى غيرهم — ومثال ذلك طيّ الورق أو الثوب. وقد شبّه «ديكارت» العادة بالظواهر الفيزيائية، يقول في ذلك: «إنّ طيّ الثوب مثلا لا بدّ من أن يترك أثرا فيه، فيصبح طيّه من تلك الناحية أسهل وأصلح.» ويضيف أنّه «كلّما أرادت النفس أن تحرّك الجسد أثّرت في الغدّة الصنوبرية، فقذفت هذه الغدّة بالأرواح الحيوانية إلى العضلات بطريق المخّ والأعصاب ؛ فإذا سلكت الأرواح عدّة مرّات تركت فيه أثرا عميقا وأصبح مرورها به أسهل. فالجسد يدّخر إذن آثار الماضي.» ديكارت (Descartes 1596 – 1650) ؛ نقلا عن: جميل صليبا، علم النفس، ص 608
إنّ العادة من الحالات الفاعلة ؛ فهي تتكوّن بتكرار التمارين وتصحيح الأخطاء، وهي — بخلاف الغريزة — أكثر ميلا إلى التحرّر، إذ تؤدّي إلى حذف الانعكاسات غير الصالحة والحركات غير النافعة فتحرّرنا من قيود الماضي ؛ كما أنّ فيها فاعلية الانتخاب، إذ لا تحفظ من الماضي إلاّ ما كان نافعا — وهذا خاضعٌ عند الإنسان لتأثير العقل والإرادة، وهو تأثير عظيم لكونه يوفّر عناء التكرار الفاسد. ونخلص من ذلك إلى أنّ الإرادة هي المنبع الأصيل لوجود الفعل الاعتيادي ؛ وبداية أيّ فعل اعتيادي لا تتمّ إلاّ بإدراك وإرادة. وعلى ذلك فإنّ التعلّم وطلب العلم إذا لم تكن من ورائه إرادة اختلّ وانهار، بل إنّ كلّ عمل ليس فيه إرادة يكون غير قابل للاكتساب ؛ فعملية اكتساب العادات تحتاج إلى التعلّم، وهذه العملية ذاتها تحتاج إلى الإرادة والاهتمام والإدراك.
ثانيا : بعض العادات تعزّز الفعل الإرادي
لنتصوّر شابّا مواظبا على عاداته الحسنة، مرّ بقوم يعرفهم يتعاطون القمار، فدعوه إلى مشاركتهم وتوسّلوا بكلّ الوسائل لإغرائه بما لديهم من استغواء واستهواء ؛ لكنّه أبى وامتنع بكلّ عزم وإصرار. فما كان منهم إلاّ أن نعتوه بالجهل وعدم التفتّح ؛ فلم يردّ عليهم، بل تبسّم منصرفا ولسان حاله يقول: لي عاداتي ولكم عاداتكم ؛ فأمّا عاداتي فقد حرّرت إرادتي، وأمّا عاداتكم فقد استعبدت إراداتكم. فكيف تحرّر بعضُ العادات الإرادةَ وتعزّزها ؟ ونقول «بعض العادات» لأنّ بعضها الآخر يسبّب الركود والجمود ويمنع المرء من التقدّم، فتصبح حياته آلية محضة تسير على نمط واحد ؛ ومن جهة أخرى يمكن أن تضعه في مصادمة صريحة مع القيم الخلقية والدينية والعادات الاجتماعية.
1 ـ الخبرة المكتسبة بالعادة والعزم : الإرادة قوّة قادرة على العزم واتّخاذ القرار، وهي مجرّدة عن تأثير الدوافع والبواعث، لكنّها ليست مطلقة ولا علّة أولى ؛ فكما أنّها قوّة منع وكفّ توقف التصوّرات المحرّكة وتحول دون بلوغها غايتها، فهي أيضا محصّلة خبرة أولى تخدمها هي العادة. والشابّ في المثال لعلّه وقع للحظة قصيرة بين أمرين متنازعين، وهنا يأتي العزم والقرار ؛ فامتناعه أتاح للإرادة التواجد وتقرير الفعل، ولو خضع لرغباته لأصبحت أفعاله آلية خالية من الوعي بالعواقب. وسبب انبثاق هذا القرار الحاسم أنّه استفاد من الخبرات السابقة، أي من الأفعال الاعتيادية: ففي أفعال النيّة استخدم حركات آلية متّصلة بعادات سابقة في غاية الالتزام الأخلاقي والاجتماعي، وفي الأفعال الإرادية الجديدة فكّك الآليات السابقة والحركات اللاإرادية الشائعة عند غيره، وراح يسير في طريق مضادّ للعادات المضرّة حتّى يتجنّبها. فالفعل الإرادي ليس متولّدا من نزعة بسيطة أو تصوّر واحد ؛ إنّه تغيير الأوضاع القديمة وتبديل الحركات الآلية السابقة — وكلّما كانت الأعمال التي نريد إنجازها أكثر قيمة كانت قوّة الإرادة أعظم. 2 ـ العادات الاجتماعية مَنهلٌ للإرادة : إنّ الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن الجماعة ؛ وحياته وسطها تؤدّي به إلى التأثّر بها والتأثير فيها، ويقتضي منه ذلك أن يتمثّل عاداتها وأعرافها وتقاليدها. لكنّ هذا لا يعني أنّ شخصية الفرد تذوب داخل الآلية الجماعية، وأنّ إرادته خاضعة لسلطة خارجية ؛ بل إنّه في كثير من الأحيان تكون القواعد الاجتماعية دافعا لتحرير الفرد من ربقة تلك القواعد نفسها.
كثيرٌ من الشخصيات البارزة في التاريخ كانت نتاجا لضغوطات اجتماعية، وكثيرا ما تحدّت إرادةَ الجماعة وتجاوزتها. فقد تحدّى «غاليلي» قواعد مجتمعه وثار عليها، وبرّر فكرة دوران الأرض التي كانت محرَّمة وممنوعة، وكاد أن يُقتل بسبب فكرته هذه. وقد واجه قبله «سقراط» إرادة المدينة — المجتمع الأثيني — وقبِل الموت عوض الخضوع لها. وموضع الشاهد أنّ العادات الاجتماعية التي شكّلت هذين الرجلين هي نفسها التي أعطتهما ما تحدّياها به ؛ فالجماعة لا تصنع أتباعا فقط، بل تصنع أيضا من يقوى على مراجعتها. غاليلي (1564 – 1642)
إذا كانت العادة آلية والإرادة وعيا، فكيف تخدم إحداهما الأخرى ؟إذا كانت العادة آلية والإرادة وعيا، فكيف تخدم إحداهما الأخرى ؟
لأنّهما لا تشتغلان على المستوى نفسه في الوقت نفسه. فالإرادة تفتتح: لا تتكوّن عادة إلاّ بإدراك وإرادة، كما رأينا في الطالب الذي تعلّم الكتابة على الحاسوب — كلّ عناصر بدايته كانت أفعالا إرادية. ثمّ تنسحب الإرادة رويدا رويدا كلّما رسخت الآلية، فتُخلي مكانها للعادة وتنتقل هي إلى ما هو أعلى. وحين تتصلّب العادة أكثر ممّا ينبغي — حتّى لا يعود صاحبها يراعي الوقفات التي يقتضيها المعنى — تعود الإرادة فتتدخّل من جديد، لا لتبدأ من الصفر، بل لتفكّك الآلية الفاسدة وتعيد بناءها. فالعلاقة إذن دورية لا تعاقبية: إرادةٌ تؤسّس، فعادةٌ تحرّر، فإرادةٌ تصحّح. ولهذا كان الجواب على سؤال الطالب في آخر الاستجواب: نعم، هو في حاجة إلى تدخّل الوعي والإرادة من جديد — ولكن ليس «تماما كما بدأ التعلّم أوّل مرّة»، لأنّ ما يملكه الآن من مهارات هو نفسه ما سيستعمله في التصحيح.
خاتمة : حل المشكلة
إنّ سلوك الإنسان — سواء الفطري منه أو المكتسب — يهدف إلى التكيّف مع العالم الخارجي ومواجهة مشكلات الحياة ؛ ومن الأعمال التي تساعده على التكيّف العادة والإرادة، وهما من الوظائف النفسية التي يقوم بها الإنسان. والعادة متّصلة بالإرادة، لأنّ الحركات الإرادية مبنيّة على حركات آلية مستقلّة ومسبوقة بتصوّر واضح ؛ وهذا يدلّ على أنّ العادة ليست فقط وظيفةً من وظائف الحفظ والاتّباع، بل كذلك عاملا من عوامل التقدّم والإبداع. كما أنّ الآلية ضرورية للإرادة، فهي تسهّل القيام بالفعل وتزيد في سرعته، وتقلّل من الخطإ والتعب، وتحذف الكثير من الحركات الزائدة وتصحّح القديم، وتحرّر فاعليتنا من القيود الزائدة. ومن جهة أخرى، فإنّ تغيّرات الإرادة المحسوسة في الواقع هي إعادةٌ لتنظيم الحركات السابقة الحاصلة بالعادة بعد تهذيبها وصقلها وإزالة الحركات غير المفيدة، فيجعلنا ذلك نوجّه انتباهنا إلى أمور أعلى منها ؛ فلا يكرّر الشخص أبدا الحركة نفسها، وكلّ حركة إنّما تختلف عن سابقتها بشيء من التغيّر الإرادي — ولو لم يوجد هذا التغيّر المستمرّ لما تكوّنت العادة أيضا.
الصفحة 1/9
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net