الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في الحقوق والواجبات والعدل
علاقة الحق بالواجب
- التمييز بين العدل والعدالة تمييزا دقيقا، وبيان ما يترتّب عليه
- التمييز بين الواجب الأخلاقي الذي يمليه الضمير والواجب القانوني الذي يفرضه المجتمع
- عرض تصوّرين متمايزين للعدالة مسندين إلى صاحبيهما ومرجعهما
- شرح المعادلة التي تربط العدالة بالحقوق والواجبات والقانون، وتوظيفها في تحليل وضعية
- مفهوم الحقّ لغةً واصطلاحا، والفرق بين الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية
- أنّ كلّ حقّ يسايره واجب، وأنّ الحقوق فردية بمصدرها جماعية بمحيطها
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في طبيعة الحقوق إلى أنّ وجود الحقّ يقتضي وجود طرفين: طرفٍ يكون له، وطرفٍ يقع عليه ؛ وأنّ كلّ حقّ يسايره في النهاية واجبٌ ما. غير أنّ هذا الجواب يفتح بابا أوسع: فالحقّ يُطلَب من الغير، أمّا الواجب فيقع عليك أنت ؛ ولذلك لم يكن الواجب واحدا، بل تعدّدت مصادره فتعدّدت صوره. فثمّة واجب يمليه الضمير، وثمّة واجب يفرضه المجتمع في صورة قانون ؛ وليس من الضروري أن يتناغما، بل قد يتصادمان. فأيّ الواجبين أحقّ بالطاعة عند التصادم ؟ وهل الواجبات الأخلاقية هي مصدر القانون، أم أنّ القانون هو الذي يصنع الواجبات ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
لنتصوّر قاضيا ألمانيا في العهد النازي — وكان لا يؤمن بالنازية إلى درجة أنّه يرى فيها قيم اللاإنسانية وقيم العنصرية المنافية لحقوق الإنسان ؛ لكنّه في المقابل، وهو يشغل هذا المنصب، يكون قد أدّى اليمين على احترام هذه القيم والدفاع عنها باعتبارها ترمز لألمانيا كدولة. وقد كُلّف بمحاكمة جنديّ ألماني اتُّهم بالخيانة لأنّه رفض الالتحاق بالحرب. فماذا بشأن هذا القاضي وهو يرى نفسه يؤمن بما يؤمن به الجنديّ ؟ فهل يُنفّذ قانونا يراه ظالما من وجهة نظر وجدانه الأخلاقي على الأقلّ ؟ أم يضرب به عرض الحائط مع أنّه أدّى اليمين على احترامه ؟ العهد النازي: هو العهد الذي أسّسه الديكتاتور الألماني أدولف هتلر، ويمتدّ ما بين 1933 و 1945
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- صورة الواجب تختلف عن صورة الحقّ : إنّ هذا الموقف المحرج، الذي يتعارض فيه ما هو نظريّ مع ما هو واقعيّ، يُظهر أنّ الواجب الاجتماعي — أو القانوني — المطالَب الإنسانُ باحترامه، كان مسبوقا بواجب أهمّ أملاه عليه ضميره.
- واجبان مختلفان في القيمة : ولمّا كان هذان الواجبان مختلفَين في قيمتيهما، فليس من الضروري أن يتناغما بقدر ما يتصادمان ؛ فالقاضي هنا ليس بين واجبٍ وهوى، بل بين يمينٍ أدّاها وضميرٍ يرفض ما تُلزمه به.
- فيلزم وضع سلّم للقيم : الأمر الذي يقتضي وضع سلّم قيم وفقا لضوابط أخلاقية، من أجل فكّ التصادم وإيجاد مخرج له. وهنا يظهر أنّ المشكلة ليست في القاضي ولا في القانون، بل في الميزان الذي يُحتكَم إليه حين يتعارض قانونان للسلوك ؛ وهو ما يقودنا إلى البحث في العدالة نفسها.
I – كيف يمكن التمييز بين الحقّ والواجب في صلتهما بالعدل ؟ وماذا ينتج عن ذلك ؟
ثانيا : الواجبات الأخلاقية كمصدر للقانون
1 ـ العدالة أساس الواجب الأخلاقي
يجب التمييز أوّلا بين مصطلح العدل ومصطلح العدالة ؛ فالعدالة نوعٌ من العدل وليست هي العدل، أو هي العدل مطبَّقا على حالة خاصّة. والعدل بالقياس إلى العدالة يتّسم بالتجريد والعمومية، فهو يُعنى بالمبادئ العامّة، في الوقت الذي تهتمّ فيه العدالة بالظروف الخاصّة لكلّ حالة، وتتكيّف بحسب كلّ حالة وتستجيب لكلّ الدوافع الأخلاقية. كما أنّ العدل يتّسم بالصلابة والتشدّد، في حين تميل العدالة إلى العطف والرحمة، وتمثّل الإنسانية في القانون، كونها تعمل على إزالة المفارقات وتخفيف ما يكون من حدّة وتشدّد في مضمون القواعد القانونية. لكن يبقى السؤال مطروحا: ماذا تعني العدالة بالتحديد ؟
العدالة لغةً كلمة مشتقّة من اعتدل بمعنى اعتدالا، أي استقام ؛ والاستقامة هي الميل إلى الحقّ وعدم اتّباع الهوى. وقد جاء في الآية الكريمة: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة الشورى، الآية 15]، بمعنى الموافقة لأمر الله من غير إفراط ولا تفريط ؛ فهي بهذا المعنى وسطٌ بين رذيلتين. وقال «الجرجاني» إنّها «وسط بين الظلم والانظلام ؛ باعتبار أنّ الظلم هو التوصّل إلى كثرة المقتنيات من حيث لا ينبغي وكما لا ينبغي، وباعتبار أنّ الانظلام هو تحمّل الظلم». الجرجاني، التعريفات، دار النفائس، ط 1، بيروت، 2003
يذهب «أفلاطون» إلى أنّ هذا المفهوم يعني أن نعطي للنفس حقّها، وذلك بتحقيق تناسب وتناغم داخلي بين فضائلها الثلاث — الحكمة والشجاعة والعفّة — من خلال خضوع النفس الشهوانية للنفس الغاضبة، وخضوعهما معا للنفس العاقلة ؛ وأنّ تحقيق هذا النظام في علاقات الأفراد يحقّق العدالة الاجتماعية. وهي نفس القراءة تقريبا التي قدّمها حجّة الإسلام «أبو حامد الغزالي»، من أنّ هذا الحقّ يكمن في توافق قوى النفس الثلاث: العقل والغضب والشهوة.
في حين يقدّم «برودون» فهما مغايرا، كون العدالة تعني: «… الاحترام المتبادل الذي يشعر به المرء تلقائيّا للكرامة الإنسانية، لأيّ إنسان مهما كان، وفي كلّ ظرف تكون فيه هذه الكرامة موضع تهديد، وأيّا كانت المخاطر التي تتعرّض لها بسبب تصدّينا للدفاع عنها.» والعدالة بهذا المعنى ليست مشروعا أو حلما، وإنّما حقيقة تظهر بطريقة ملموسة ؛ إنّها ليست تصوّرا بقدر ما هي حقيقة موضوعية تظهر أساسا وبالخصوص في الواقع الاقتصادي، من منطلق «أن يأخذ كلّ شخص نصيبا متساويا من الأموال في ظروف عمل متساوية» — وهو مفهوم يختلف عن مفهوم الفلسفة الليبرالية، التي ترى في العدالة الحدّ من سلطة الدولة وفي المقابل إطلاق العنان للفرد. برودون (P-J. Proudhon 1809 – 1865)، فيلسوف وعالم اجتماع واقتصادي فرنسي، من أهمّ مؤلّفاته: ما هي الملكية ؟ وفلسفة البؤس ؛ نقلا عن: ملحم قربان، قضايا الفكر السياسي، دار الكتاب، ط 1، بيروت، 1982، ص 59
2 ـ تطبيق العدالة غاية الواجب القانوني
إنّ هذا الاختلاف في ترجمة مفهومها لا يُسقط عنها كونها إحساسا أخلاقيّا موجودا في الضمير الاجتماعي ؛ أو هي الشعور الأخلاقي الذي يستلهمه القاضي عند محاولته تخفيف حكم قاعدة قانونية في تطبيقها على حالة معيّنة، حينما يسمح له القانون في ذلك بنصّ استثنائي صريح — وهو معنى العدالة عند أرسطو، من حيث هي تصحيحٌ للقانون عندما يتبيّن نقصه بسبب عموميته. وهذا القانون قد يكون مثاليّا أو طبيعيّا أو وضعيّا، حيث يعطي الحقوق لأصحابها ويحدّد الواجبات لمن تقع عليهم.
ولذلك فالعدالة فضيلة تجمع بين طبيعتين، فردية وجماعية. فإذا نظرنا إليها من جانبها الفردي دلّت على هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال المطابقة للحقّ، ويكون جوهرها الاعتدال والتوازن والامتناع عن كلّ ما هو قبيح والبعد عن الإخلال بالواجب ؛ وإذا نظرنا إليها من جانبها الاجتماعي دلّت على احترام حقوق الآخرين وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه — وهذا الحقّ يكون وجهه الآخر واجبا، يفصلهما ويحدّدهما القانون. لذلك فالقانون ليس غاية في حدّ ذاته بقدر ما هو وسيلة لغاية أسمى، إنّها غاية العدالة بوصفها أمّ الفضائل ؛ ومن هنا قيل: القانون رديف العدالة.
3 ـ القانون رديف العدالة
إنّ القانون ملازم للعدالة، وإنّ زينة العدالة تأتيها من حيث احتكامها إلى القانون ؛ فالقانون من غير عدل يُعدّ سخرية، والعدالة خارج القانون تُعدّ مهزلة، وهذا التزاوج يُكسب العدالة حلّةً سامية. والأمر يكون عادلا متى تناغم وقواعد العقل، التي هي ذاتها القواعد القانونية. وحاجة العدالة إلى القانون تأتي من كون الإنسان كائنا اجتماعيّا خُلق ليعيش داخل مجتمع، وهذا المجتمع تشكّله مجموعة أفراد وجب أن تضبطهم ضوابطُ ونظمٌ لتنظيم شؤونهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وهذه العلاقات تفرض ضرورة وجود قانون لتنظيمها بشكل سليم وعادل ؛ ولذلك قيل: «يوجد القانون حيث يوجد المجتمع، ويوجد المجتمع العادل حيث يوجد القانون».
يقول القدّيس «أوغسطين»: «ليس القانون قانونا إلاّ إذا كان عادلا.» ويقول «توماس هوبز»: «إنّ المعيار الوحيد للعدل هو القانون ذاته، بحيث إنّ أيّة قاعدة يضعها القانون يجب — كأمر واقع — أن تكون عادلة في ذاتها.» فالقولان متقابلان في اتّجاه القياس: الأوّل يجعل العدل معيارا يُقاس به القانون، والثاني يجعل القانون معيارا يُقاس به العدل. وممّا يقرّب بينهما أنّه إذا كان النظام القانوني في بلد ما ما يزال بدائيّا، تقوم العدالة بدور هامّ عن طريق الشرّاح والقضاة، على نحو ما كانت عليه الحال عند الرومان ؛ أمّا حيث يبلغ القانون درجة كبيرة من النضج، فتتخلّى العدالة عن مكانها للقواعد القانونية. القدّيس أوغسطين (Saint Augustin 354 – 430) · توماس هوبز (T. Hobbes 1588 – 1679)
- العدالة دالّة يحدّدها ثلاثة حدود : فقد قيل إنّ صورتها هي ع = ح + و + ق، بمعنى أنّ العدالة هي حقوقٌ زائد واجباتٌ زائد قانونٌ يحدّدها ويضبطها.
- الحقّ والواجب ثمرة القانون لا سابقان عليه في القوّة : فهما يُعدّان ثمرة وجود القانون وتطبيقه تطبيقا سليما، ولا يكتسبان صفة أيّة قوّة ما لم يُقرّهما القانون ويُضفِ عليهما القوّة الشرعية، بتحديدهما وبيان كيفية اكتسابهما وانقضائهما.
- ودور القانون يتعدّى المنح إلى الحماية : فهو لا يمنح الحقوق ويحدّد الواجبات فحسب، بل يتعدّى دوره إلى منع الآخر من التعدّي على حقوق غيره ويُلزمه باحترامها ؛ ومن هنا قيل: حفظُ الحقّ واجب.
- والنتيجة : أنّه على الرغم من عدم إجماع سائر المهتمّين بمسألة العدالة — من فلاسفة وسياسيين وقانونيين وسوسيولوجيين — على مفهوم محدَّد ومضبوط لها، إلاّ أنّهم متّفقون على المستوى النظري على أنّ العدالة في صورتها النهائية حقٌّ وواجبٌ يتحدّدان بفعل القانون.
فبأيّ شيء يُحسم موقف القاضي إذن ؟فبأيّ شيء يُحسم موقف القاضي إذن ؟
لا يُحسم بترجيح الضمير على القانون ولا القانون على الضمير على إطلاقه، وإنّما بردّ كلٍّ منهما إلى غايته. فالقانون ليس غاية في ذاته بقدر ما هو وسيلة لغاية أسمى هي العدالة ؛ فإذا انقلب القانون إلى أداةٍ تهدر الكرامة الإنسانية، فقد كفّ عن أداء الوظيفة التي من أجلها وُضع — وهذا معنى قول أوغسطين: «ليس القانون قانونا إلاّ إذا كان عادلا». ولهذا كان الواجب الأخلاقي مصدرا للقانون لا ثمرةً له: فالضمير هو الذي أملى أن تُصان الكرامة، ثمّ جاء القانون فقنّن ذلك. ومن هنا صار للقاضي ميزان: لا أن يضرب بالقانون عرض الحائط، ولا أن ينفّذه أعمى، بل أن يستلهم في تطبيقه ذلك الشعور الأخلاقي الموجود في الضمير الاجتماعي — وهو بعينه ما سمّاه أرسطو تصحيحا للقانون عندما يتبيّن نقصُه بسبب عموميته. وتبقى المفارقة قائمة في حالة القاضي النازي، لأنّ القانون هناك لم يكن ناقصا بالعموم فحسب، بل مؤسَّسا على قيم اللاإنسانية ؛ وهذا ما ينقل السؤال من التطبيق إلى الأسبقية: أيّهما يتقدّم الآخر أصلا، الحقّ أم الواجب ؟
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net