الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في الحقوق والواجبات والعدل
أولوية الحق أو الواجب في تجسيد العدالة
- بيان كيف يترتّب على تعريف العدل موقفٌ كامل من أسبقية الحقّ أو الواجب
- عرض أطروحة أسبقية الحقّ عند فلاسفة القانون الطبيعي، مسندةً إلى نصوصها ومواثيقها
- عرض أطروحة أولوية الواجب في صورتيها العقلية والوضعية، وردّ كلّ صورة إلى صاحبها
- نقد كلّ من الأطروحتين نقدا يبيّن ما تُهدره من مقوّمات العدالة
- الفرق بين الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية، وبين العدل والعدالة
- أنّ العدالة في صورتها النهائية حقٌّ وواجبٌ يتحدّدان بفعل القانون
- استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
مقدمة : طرح المشكلة
انتهى النظر في علاقة الحقّ بالواجب إلى أنّ العدالة في صورتها النهائية حقٌّ وواجبٌ يتحدّدان بفعل القانون. غير أنّ هذه الصيغة، على وجازتها، تخفي خلافا عميقا: فليست المسألة أن نجمع الطرفين، بل أن نعرف من أيّهما نبدأ. ذلك أنّ الشائع في القضية يقول: كلّما كان هنالك واجب كان هنالك حقّ، والعكس صحيح ؛ لكنّ الشائع ليس ضروريّا — فقد تكون واجبات من غير أن تقابلها حقوق، كما يظهر في الواجبات العامّة والواجبات الإدارية وقانون العقوبات، إذ قد يأتي قانون يُلزمك بأمر من غير أن يقدّم لك في المقابل حقّا. فإذا كانت إمكانية الفصل بين الحقوق والواجبات قائمة، فإنّ مشكلة الأسبقية مشروعة الطرح.
مدخل إلى المشكلة : ملاحظة الوضعية
لننظر ونقارن بين قسمَي الوضعية التالية: ـ يُنسب إلى الشاعر «سيمونيدس» تعريفه للعدل على أنّه إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه. ـ وجاء في تعريف «أفلاطون» له أنّه أداء الفرد لواجبه وامتلاكه لما يخصّه. أفلاطون، الجمهورية، ترجمة فؤاد زكريا، ص 7-8
تعليق على الوضعية
- التعريف الأوّل يقدّم الحقّ : ينتج عنه أنّ فكرة العدل ترتبط بالحقّ من غير ارتباطها ربّما بالواجب، وأنّ الحقّ يتقدّم الواجب ترتيبا، وأنّ الإقرار به سابقٌ عن الالتزام بالواجب.
- والتعريف الثاني يقدّم الواجب : بينما نلاحظ في تعريف أفلاطون أنّه يجعل الواجب متقدّما على الحقّ — إذ بدأ بـ«أداء الفرد لواجبه» ثمّ ثنّى بـ«امتلاكه لما يخصّه».
- والتقديم والتأخير ليسا عفويّين : بقدر ما لهما دلالة ؛ إنّنا أمام مشكلة محورية تتعلّق بالاختلاف في تجسيد تلك الصورة التي تنزل بها العدالة إلى واقع المجتمعات. ولم يتّفق فلاسفة القانون الطبيعي وزعماء الفلسفة الوضعية وبعض الفلسفات الأخلاقية الأخرى على حلّ هذه المشكلة، كون تطبيقها يتوقّف على تصوّرها أوّلا كمفهوم ؛ وبالتالي لم يتّفقوا على تحديد العنصر المحوري للعدالة: هل هو الحقّ أم الواجب ؟
II – ثمّ أيٌّ منهما يتقدّم الآخر ؛ هل الحقّ يسبق الواجب، أم أنّ الواجب يأتي قبل الحقّ ؟
أولا : الحقّ أحقّ بالأسبقية من الواجب
1 ـ أسبقية الحقّ الطبيعي
إذا كان فهم العدالة على أنّها إعطاء كلّ ذي حقّ حقَّه يجعل فكرتها ترتبط بالحقوق أكثر من ارتباطها بالواجبات، فهل معنى ذلك أنّ العدالة تقدّم الحقوق على الواجبات ؟ يقرّ فلاسفة القانون الطبيعي بأنّ العدالة تقتضي أن تتقدّم فيها الحقوق على الواجبات ؛ فتاريخ الحقوق مرتبط بالقانون الطبيعي الذي يجعل من الحقوق مقدّمةً للواجبات، كون الحقّ معطًى طبيعيّا. كما أنّ سلطة الدولة — حسبهم — مقيّدة بقواعد هذا القانون، الأمر الذي يبرّر أسبقية الحقّ على الواجب ؛ فحقّ الفرد سابق لواجب الدولة، من منطلق أنّ القانون الطبيعي سابق لنشأة الدولة، وأنّ القوانين الطبيعية — وهي تحترم الطبيعة البشرية في إقرارها بتلك الحقوق الملازمة لكينونتها — إنّما تعبّر عن العدالة المطلقة. ولمّا كانت الحقوق الطبيعية ملازمة للكينونة الإنسانية، فهي بحكم طبيعتها هذه سابقة لكلّ واجب، إذ هي بمثابة حاجات بيولوجية يتوقّف عليها الوجود الإنساني ؛ ولمّا كانت الواجبات ميزةَ القوانين الوضعية، أمكن القول إنّ الحقّ سابق للواجب، من منطلق أنّ القوانين الطبيعية سابقة للقوانين الوضعية، وأنّ المجتمع الطبيعي تقدّم المجتمع السياسي.
يقول «وولف» في كتاب القانون الطبيعي: «كلّما تكلّمنا عن القانون الطبيعي لا نبغي مطلقا قانونا طبيعيّا، بل بالأحرى الحقَّ الذي يتمتّع به الإنسان بفضل ذلك القانون، أي طبيعيّا.» وموضع الشاهد أنّ القانون في هذا الباب ليس مقصودا لذاته: فحين يُذكر القانون الطبيعي، فإنّما يُذكر بوصفه مصدرا لحقٍّ، لا بوصفه مصدرا لالتزام. وولف (Wolff 1679 – 1754) ؛ نقلا عن: ملحم قربان، قضايا الفكر السياسي، دار الكتاب، ط 1، بيروت، 1982
يقول «جون لوك»: «لمّا كان الإنسان قد وُلد — كما أثبتنا من قبل — له حقٌّ كامل في الحرّية وفي التمتّع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة، على قدم المساواة مع أيّ شخص آخر أو أيّ عدد من الأشخاص في العالم، فإنّ له بالطبيعة الحقّ لا في المحافظة على ما يخصّه — أي حياته وحرّيته وممتلكاته — ضدّ اعتداء الآخرين أو محاولاتهم العدوانية فحسب، بل أيضا في أن يحاكم الآخرين على خرقهم هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أنّ جريمتهم تستحقّه من عقاب.» فالنصّ لا يقف عند حقوق الحياة والحرّية والملكية، بل يمنح صاحبها كذلك حقّ محاكمة المعتدي وحقّ معاقبته ؛ ولا يمكن لأيّ كان إسقاط هذا الحقّ. جون لوك ؛ نقلا عن: ملحم قربان، قضايا الفكر السياسي، دار الكتاب، ط 1، بيروت، 1982، ص 95
2 ـ حقوق الإنسان أولى في القانون الوضعي
وقد تأثّرت الثورة الفرنسية بأفكار هؤلاء الفلاسفة، وظهر ذلك جليّا في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي حملته دساتيرها ؛ إضافةً إلى أنّ المنظّمات الدولية لحقوق الإنسان استمدّت فلسفتها القانونية من فلاسفة القانون الطبيعي، لذلك فهي تولي اهتماما كبيرا للحقوق على حساب الواجبات. وهو ما جاء في المادّة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية عام 1789، التي نصّت على أنّ «هدف كلّ جماعة سياسية هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية التي لا يمكن أن تسقط عنه ؛ وهذه الحقوق هي الحرّية والملكية والأمن ومقاومة الاضطهاد». وجاء في مقدّمة دستور الثورة الفرنسية عام 1791 أنّه «ليس للسلطة التشريعية أن تسنّ أيّ قانون يتضمّن مساسا أو عرقلةً لممارسة حقوق الإنسان الطبيعية والمدنية المدرجة في هذا الباب والمكفولة من الدستور».
وجاء في أوّل إعلان أمريكي للحقوق، وهو الإعلان الذي أصدرته «فرجينيا» في جوان 1776: «جميع النّاس قد خُلقوا أحرارا متساوين ومستقلّين، ولهم حقوق موروثة لا يجوز لهم عند دخولهم في حياة المجتمع أن يتّفقوا على حرمان خلفائهم منها ؛ وهذه الحقوق هي التمتّع بالحياة والحرّية عن طريق اكتساب وحيازة الأموال، وبالسعي وراء السعادة والأمان والحصول عليها.» وفي الاتّجاه نفسه جاءت المادّة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «لكلّ شخص الحقّ في حرّية التفكير والدين والضمير ؛ ويشمل هذا الحقّ حرّية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرّية الإعراب عنها بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء أكان ذلك سرّا أو جهرا، منفردا أو مع الجماعة.» فرجينيا: ولاية أمريكية تقع في الساحل الشرقي للولايات المتّحدة ؛ روسكو باوند، ضمانات الحرّية في الدستور الأمريكي، ترجمة محمد لبيب شنب، دار المعارف، ص 183
تعقيب : إنّ فلاسفة القانون الطبيعي، وحتّى المنظّمات الدولية لحقوق الإنسان، أقرّوا الحقوق وقدّسوها، وفي المقابل تجاهلوا الواجبات ؛ وفي ذلك إخلالٌ بتوازن الحياة. كما أنّ إقرار هؤلاء حقوقا مقدّسة للفرد، أهمّها أحقّيته في الملكية، إنّما يدافعون به — عن قصد أو عن غير قصد — عن حقوق الأقوياء بدل حقوق الضعفاء، على اعتبار أنّ الملكية غير متيسّرة للجميع بقدر ما تكون حكرا على الطبقة الحاكمة ؛ فأيّة حقوق هذه ؟ وهل يمكن الإيمان بوجود حقوق مطلقة تقع خارج منطق التغيّر والتبدّل في عالم تكاد تجرفه التحوّلات ؟ ثمّ إنّ جميع التشريعات الوضعية على مرّ التاريخ لم تخوّل موادُّها حقوقا للأفراد دون مطالبتهم بأداء واجبات ؛ فالحقّ دائما يلازمه واجب، ممّا يجعله ليس مطلقا، لأنّ طغيان الحقوق على الواجبات في مجتمع ما يؤدّي إلى تناقضات واضطرابات — ناهيك عن أنّ المبالغة في إعطاء الحقوق تعدٍّ على مبدإ الاستحقاق الذي تؤسَّس عليه العدالة، وإهدارٌ لحقّ الآخر، من منطلق أنّ أخذ ما ليس بحقٍّ هو أخذٌ لحقّ الغير.
ثانيا : أولوية الواجب في تبرير الحقّ
1 ـ أولوية الواجب مقتضى عقلي
تنظر الفلسفة العقلية نظرةً مغايرة تماما للنظرة السابقة، إذ تضع الواجبات في المقام الأوّل ولا تعير اهتماما للحقوق ؛ فإقامة كانط للأخلاق على فكرة الواجب لذاته تبرّر أسبقية الواجبات على الحقوق. وبمقتضى هذا الواجب يكون السلوك الإنساني بدافع الإلزام، من غير الالتفات لما يتحقّق من جرّاء ذلك السلوك — أي ما يقابل ذلك الفعل كحقّ مقابل القيام به. فبحسب منطق كانط، فإنّ التصدّق إنّما يتمّ لأنّ الواجب يفرض ذلك، من غير انتظار أجر من أحد ؛ ولأنّ الواجب أمر مطلق صوريّ منزّه عن كلّ شائبة مادّية، وغير مقيّد بأيّة منفعة، بل هو غاية في حدّ ذاته وليس وسيلة. والمثال ذاته ينطبق على الصانع: فواجبٌ عليه أن يتقن صنعته، بغضّ النظر عن نيله ثناء النّاس كحقٍّ مقابل هذا الإتقان.
والواقع أنّ مثل هذه الأفكار نجدها في تراثنا الإسلامي، وبالتحديد عند «رابعة العدوية» التي انتقلت إلى حياة الزهد والتصوّف واشتُهرت بفكرة العشق الإلهي ؛ حيث تظهر فكرة الواجب لذاته جليّة، من منطلق أنّها أحبّت الله حبّا خالصا نقيّا صافيا لا تكدّره الشوائب والمنافع — حبّا من أجل الحبّ، لذاته لا لأيّة غاية أخرى مثل الطمع في الجنّة أو الخوف من النار. ويُحكى أنّها سُئلت مرّة: «أتحبّين الله وتكرهين الشيطان ؟» فأجابت: «إنّ حبّي لله منعني من الاشتغال بكراهية الشيطان.» وكانت تقول: «اللهمّ إنّي أحبّك لأنّي أحبّك ؛ إن كنت أحبّك خوفا من نارك فاحرقني بها، وإن كنت أحبّك طمعا في جنّتك فاحرمني منها ؛ اللهمّ إنّي أحبّك لأنّي أحبّك.»
2 ـ أولوية الواجب مقتضى وضعي
وإلى نفس المذهب يذهب «أوغست كونت»، إذ ينطلق من قبول فكرة الواجب دون إخضاعها لأيّ نقد خاصّ ؛ فالواجب حسبه هو القاعدة التي يعمل بمقتضاها الفرد، وتفرضها العاطفة والعقل معا، ومن الواجب أن نعمل ما نعترف بأنّه أنسب شيء إلى طبيعتنا الفردية والاجتماعية. لذلك ففكرة الحقّ يجب أن تختفي وتُستبعَد من القاموس السياسي، كما تُستبعَد كلمة «سبب» من القاموس الفلسفي، كون الكلمتين تتقاطعان في الطابع الميتافيزيقي. فكلّ فرد عليه واجبات يجب أداؤها، وليس للإنسان أيّ حقّ بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة ؛ لأنّ مجرّد مطالبة الفرد بحقّ فكرةٌ منافية للأخلاق، إذ تفترض مبدأ الفردية المطلق، والأخلاق في حقيقتها ذات طابع اجتماعي. وإضافةً إلى هذا فإنّ حقّ الفرد هو نتيجة لواجبات الآخرين نحوه ؛ فهذا يعني أنّ تحديد الواجب سابق لإقرار الحقّ، الأمر الذي يبرّر أولوية الواجبات على الحقوق، من مبدإ أولوية التفكير الوضعي العلمي على التفكير الميتافيزيقي. أوغست كونت (A. Comte 1798 – 1857)، فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي ذو نزعة وضعية، من أهمّ مؤلّفاته: النظرة العامّة للوضعية، ومحاضرات في الفلسفة الوضعية
تعقيب : إنّ الطرح الذي قدّمته كلٌّ من الفلسفة الكانطية والفلسفة الوضعية يهدم العدالة من أساسها، كونه يبترها من مقوّم أساسي تقوم عليه ألا وهو الحقّ ؛ فكيف يمكن واقعيّا تقبّل عدالة تغيب فيها حقوق النّاس ؟ إنّه تأسيس لعدالة تشرّع للظلم والاستغلال ؛ فكيف يمكن قبول فكرة لا تتناغم مع الطبيعة البشرية، لأنّ عمل الفرد والواجب الذي يؤدّيه ينتظر من ورائه مقابلا — أي حقّا — وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها ؟ ولذلك قضى هذا الطرح على الحقوق كمكاسب فردية لصالح الواجبات كأوامر اجتماعية. كما أنّ تاريخ التشريعات الوضعية التي يدافع عنها كونت يُبطل ما ذهب إليه: فلا يوجد قانون وضعي يفرض الواجبات على الأفراد دون أن يُقرّ لهم حقوقا، وإلاّ كنّا أمام عدالة بدون اعتدال.
فهل مشكلة الأسبقية بلا جواب إذن ؟فهل مشكلة الأسبقية بلا جواب إذن ؟
لها جواب، لكنّه لا يُلتمَس في ترجيح أحد الطرفين، لأنّ نقد كلٍّ منهما أصاب مقتلا في الآخر: من قدّم الحقّ وحده انتهى إلى الدفاع عن حقوق الأقوياء وإلى إهدار مبدإ الاستحقاق ؛ ومن قدّم الواجب وحده انتهى إلى عدالة تغيب فيها حقوق النّاس، أي إلى «عدالة بدون اعتدال». والمخرج في إعادة صياغة العلاقة نفسها: فإذا كان الحقّ ادّعاءً تمّ تبريره بواسطة المجتمع، فإنّ الواجب يمثّل الالتزام الذي يحقّق هذا الادّعاء ؛ بمعنى أنّ الواجب التزامٌ من قِبل الفرد كي يُشبِع الحقَّ الذي يفرضه عليه المجتمع، من أجل تحقيق الصالح العامّ أو الخير العامّ. وعلى هذا فالأسبقية المطروحة ليست أسبقيةً في الوجود بل في التبرير: لا يقوم حقٌّ بلا واجب يشبعه، ولا يُطلَب واجبٌ لا يُبرّره حقٌّ لأحدٍ ما. ومن هنا ينتقل السؤال من «أيّهما أوّل ؟» إلى «كيف يُحفَظ التوازن بينهما ؟» — وذلك هو مدخل العدالة بوصفها أمَّ الفضائل.
الصفحة 1/6
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net