الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية في الحقوق والواجبات والعدل

أساس العدالة الاجتماعية : المساواة / التفاوت

🔊 المعلّمة تقرأ لك
في القسم امتحانٌ واحد لثلاثين تلميذا: الوقت نفسه، والأسئلة نفسها، والورقة نفسها ؛ وهذه مساواة تامّة لا يعترض عليها أحد. ثمّ تُعلَن النتائج فتجدها متفاوتة تفاوتا شديدا — ولا أحد يقول إنّ الامتحان كان ظالما. وفي المقابل، لو أعطى الأستاذ الجميعَ العلامة نفسها لصاح الجميع بأنّه ظلمهم. فالمساواة عدلٌ في موضع وظلمٌ في موضع آخر، والتفاوت ظلمٌ في موضع وعدلٌ في موضع آخر. فمتى تكون المساواة أساسا للعدالة، ومتى تنقلب هدما لها ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • عرض أطروحة المساواة أساسا للعدالة في مذاهبها الأربعة، مسندةً إلى أصحابها ونصوصها
  • عرض أطروحة التفاوت والاستحقاق في مذاهبها، ونقدها نقدا يبيّن ما تشرّع له
  • التمييز بين مجالات الحياة الثلاثة وردّ كلّ مجال إلى الأساس الصالح له
  • صياغة حلّ للمشكلة يبيّن أنّ العدل تعادلٌ بين الحقوق والواجبات لا ترجيحٌ لأحدهما
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • الفرق بين العدل والعدالة، وبين العدل التبادلي والعدل التوزيعي
  • أطروحتَي أسبقية الحقّ وأولوية الواجب، وحدود كلٍّ منهما
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد الحجّة التي يسندها بها
ألا تفترض العدالة المبنية على المساواة مسبقا توزيعا عادلا للثروات بين الأفراد بطريقة حسابية مضبوطة بحكم الطبيعة البشرية المتجانسة ؟ لكن في المقابل، هل يمكن الاطمئنان إلى عدالة في ظلّ فروقات فردية يقرّها التمايز الطبقي في الواقع الاجتماعي ؟ وبكلمة موجزة: ما المبدأ الأمثل الذي يحقّق عدالة موضوعية على أرضية الواقع ؛ هل هو مبدأ المساواة أم مبدأ التفاوت، أم أنّ الأمر قد يقتضي تجاوز الطرحين إلى طرح آخر يكون أكثر واقعية ؟

مقدمة : طرح المشكلة

انتهى النظر في مشكلة الأسبقية إلى أنّ تقديم الحقّ وحده يُنتج عدالةً تدافع عن الأقوياء وتُهدر مبدأ الاستحقاق، وأنّ تقديم الواجب وحده يُنتج عدالةً بدون اعتدال ؛ وأنّ الحقّ ادّعاءٌ يبرّره المجتمع، والواجب هو الالتزام الذي يحقّق هذا الادّعاء. فلم يبقَ إذن أن نسأل: أيّهما أوّل ؟ بل: على أيّ مبدإ يُقام التوازن بينهما حين ننزل بالعدالة إلى واقع المجتمعات ؟ وهنا ينشقّ الجواب من جديد: فمنهم من يجعل المبدأ المساواة، ومنهم من يجعله التفاوت ؛ وكلا الفريقين يزعم لنفسه العدل ويرمي الآخر بالظلم.

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

سجال بين مفكّر رأسمالي (ر) وآخر اشتراكي (ش)

ـ (ر) : كيف تفهمون العدالة أيّها الإنسانيون ؟ ـ (ش) : فهمنا لها لا يخرج عن فهم العقلاء الأوّلين ؛ ـ (ر) : وما الذي قاله بشأنها هؤلاء الأوّلون ؟ ـ (ش) : إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقَّه ؛ ـ (ر) : وما الذي تقصدونه بهذا المفهوم ؟ ـ (ش) : أن يتساوى النّاس في الحقوق والواجبات ؛ ـ (ر) : وماذا لو أقمنا بينهم تفاوتا ؟ ـ (ش) : أنتم بهذا تظلمونهم ! ـ (ر) : أأفهم من كلامكم أنّكم تربطون العدل بالمساواة والظلم بالتفاوت ؟ ـ (ش) : هذا ما نراه ونقرّه، وما أقرّه قبلنا كلّ العقلاء والنزهاء ؛ ـ (ر) : لكن أليس إعطاء الحقّ للفرد يقابله ردُّ واجب ؟ ـ (ش) : بلى ! ـ (ر) : وهل تعتقدون بأنّ كلّ الأفراد الذين يُعطَون نفس الحقوق يملكون القدرة نفسها على ردّ الواجبات ؟ ـ (ش) : بالطبع لا ! ـ (ر) : إذن بهذه الطريقة أنتم تؤسّسون للظلم بدل العدل …

تعليق على الوضعية

  1. تعارضٌ في المبدإ لا في الغاية : من الواضح أنّه يوجد تعارض في المبدإ الذي تؤسَّس عليه العدالة بين المذهب الاشتراكي والمذهب الرأسمالي ؛ إذ يقيمها المذهب الأوّل على أساس مبدإ المساواة بين الأفراد، وهو أساس اجتماعي ذو بعد إنساني حسب زعم أصحابه.
  2. والاستدراج يقلب الحجّة على صاحبها : لكنّ استدراج الرأسمالي له وهو يحاوره يوقعه في ورطة ؛ إذ إنّ مبدأ المساواة هذا، بدل أن ينتهي إلى العدل الذي يتغنّى به، ينتهي إلى التأسيس للظلم والجور — لأنّ من ساوى في الحقوق بين من يقدرون على ردّ الواجب ومن لا يقدرون، فقد حمّل الجميع ما لا يطيقه بعضهم.
  3. فيثبت الرأسمالي مذهبه ببرهنة عكسية : على أنّ العدالة لا يمكن تأسيسها خارج مبدإ التفاوت، على اعتبار أنّه المبدأ الطبيعي الذي ينطلق من الفرد ويعبّر عن طبيعته. وهنا يظهر أنّ كلاّ من الطرفين يُمسك بطرف من الحقيقة: هذا يتمسّك بوحدة الطبيعة الإنسانية، وذاك يتمسّك بتفاوت القدرات — والمشكلة أنّ كليهما صحيح.

III – ولكن ألا يُعدّ العدل، من حيث هو فضيلة أخلاقية سامية، مراعاةً للتوازن بينهما ؟

أولا : المساواة بوصفها تكريسا للعدالة

يُعدّ مبدأ المساواة المبدأ الأساسي الذي تستند إليه جميع الحقوق والحرّيات، وهو يتصدّر جميع إعلانات الحقوق العالمية والمواثيق الدستورية ؛ وقد جعل عديدٌ من المفكّرين من مبدإ المساواة المفتاح الرئيسي للعدالة، لأنّه بانعدام المساواة يُفتح المجال للتمييز والتفريق فيكون التأسيس للاستغلال. لذلك كان هذا المبدأ أسمى هدف للثورات العالمية، سيّما التنويرية منها — الأمريكية والفرنسية — إبّان القرنين السابع عشر والثامن عشر ؛ كونه مبدأً لا يهدف إلى إزالة مظاهر التمييز المؤسَّسة على الأصل أو الجنس أو اللغة أو العقيدة فقط، وإنّما يهدف إلى تحقيق عدالة فضلى لصالح أفراد المجتمع تمتّعهم بالحقوق على قدم المساواة.

1 ـ فلاسفة القانون الطبيعي

  1. مبرّرهم الأوّل: حالة الفطرة : يعتمد هؤلاء مبدأ المساواة للتأسيس للعدالة، تحت مبرّر أنّ الأفراد الذين كانوا يعيشون في حالة الفطرة كانوا يتمتّعون بمساواة تامّة وكاملة فيما بينهم، ومارسوا حقوقهم الطبيعية على قدم المساواة وبدون تفرقة ؛ لذلك أقرّوا أنّ الأفراد سواسية، وليس هناك شيء أشبه بشيء من الإنسان بالإنسان — فلنا جميعا عقل ولنا جميعا حواسّ، وإن اختلفنا في العلم فنحن متساوون في القدرة على التعلّم.
  2. دليلهم الأوّل: الفوارق لا أثر عملي لها : إنّ النّاس متساوون بالمقدرة العقلية والجسدية ؛ وإن كان هنالك بعض الفوارق فهي ليست بالأمر الكبير، لأنّ أضعف الضعفاء يمكنه بشيء من الفنّ أو الاحتيال أن يتغلّب على أقوى الأقوياء — فهذه الفوارق، على وجودها، لا تخلق فروقات عملية هامّة في حياتنا.
  3. دليلهم الثاني: رضا الجميع بقسمتهم : إنّ كلّ واحد منّا يعتقد نفسه أحكم النّاس، لذلك فجميعنا راضٍ بقسمته من الجمال الجسدي والمقدرة العقلية والقوّة البدنية ؛ وهذا الرضى لازمُ التقسيم العادل المتساوي، لأنّ رضانا دليل كافٍ على أنّ القسمة وُزّعت علينا بالتساوي — فنحن إذن متساوون في كلّ شيء، وما على العدالة إلاّ أن تحترم ذلك.
  4. والنتيجة : أنّ المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات تُعدّ برأيهم مقياسا أساسيّا للعدالة، تقتضيه الطبيعة المشتركة لكلّ فرد مع غيره من جهة، ويقتضيه الاحترام المتبادل فيما بينهم من جهة أخرى.
شيشرون — خُلقنا للعدالة

يقول «شيشرون»: «إنّنا خُلقنا للعدالة ؛ وأنّ الحقّ يستند لا إلى شيء آخر، كما نحن جميعنا لجميعنا.» وهو الرأي الذي ذهب إليه «جون لوك» فيما بعد: فما دام النّاس — حسب رأيه — خُلقوا بطريقة واحدة ومن نوع واحد، وأنّ لهم جميعا نفس القدرات الطبيعية، فيجب أن يكونوا متساوين فيما بينهم فيما يُعطى لهم من حقوق، بلا تبعية ولا خضوع. شيشرون (Cicéron 106 – 43 ق.م)

2 ـ فلاسفة نظرية العقد الاجتماعي

إنّ هؤلاء يؤسّسون العدالة على مبدإ المساواة بين الأفراد، من منطلق أنّ الأفراد تعاقدوا للخروج من حالة الفطرة من أجل حياة أفضل يتمتّعون فيها جميعا بمساواة مطلقة ؛ فقد انتقلوا لأسباب عدّة من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع السياسي — الدولة — من أجل حياة أكثر تنظيما تحافظ على مساواتهم الطبيعية التي كانوا يتمتّعون بها. فالأفراد في المجتمع الطبيعي ما كانوا ليدخلوا في فعل الخضوع هذا ما لم يعتبرهم المتعاقدون معهم متساوين لهم ؛ وهنا تصبح المساواة شرطا لقيام العقد، ومن ثمّ فالأصل في العقد أنّه قائم على عدالة قوامها المساواة بين جميع النّاس في الحقوق والواجبات، بما في ذلك الحاكم والمحكوم على حدّ سواء. وتُعدّ الفلسفة القانونية لنظرية العقد الاجتماعي امتدادا لفلاسفة القانون الطبيعي، إذ يمثّل روّادها الثلاثة — توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو — أقطابَ القانون الطبيعي ؛ وهم متّفقون في التعاقد، مختلفون في شكله وفي الأسباب المؤدّية إليه، لاختلافهم في النظرة للطبيعة البشرية: فهي طبيعة خيّرة من منظور روسو ولوك، وشرّيرة في نظر هوبز.

باسكال ومالبرانش — العدالة لا تقوم خارج المساواة

ومن خارج هذه النظرية، يرى «باسكال» أنّ العدالة بين النّاس يجب أن يكون لها التطبيق الشامل كنظريات إقليدس. ونجد «مالبرانش» يؤكّد على أنّ العدالة لا يمكن لها أن تؤسَّس خارج مبدإ المساواة، كون هذا المبدإ حقيقةً لا يجحدها عاقل، لأنّ الطبيعة الإنسانية واحدة عند جميع النّاس ؛ وإن لم يكن النّاس اليوم متساوين، فإنّ مردّ ذلك إلى القوّة والقانون الغاشم الذي ميّز بينهم، وليس إلى الطبيعة. باسكال ⁦(B. Pascal 1623 – 1662)⁩ · مالبرانش ⁦(N. Malebranche 1638 – 1715)⁩

3 ـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والثورات التنويرية

لقد كان للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وللثورتين الأمريكية والفرنسية على وجه التحديد دورٌ كبير وفعّال في تدعيم مبدإ المساواة كأساس لتجسيد العدالة بين أفراد المجتمع ؛ وهذه الثورات ما هي في الحقيقة إلاّ تتويجٌ لتلك الحركة الفكرية والفلسفية التي شهدها القرنان السابع عشر والثامن عشر. فقد جاء في المادّة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: «كلّ النّاس سواسية أمام القانون، ولهم الحقّ في التمتّع بحماية متكافئة دون أيّة تفرقة ؛ كما لهم جميعا الحقّ في حماية متساوية ضدّ أيّ تمييز يُخلّ بهذا الإعلان وضدّ أيّ تحريض على تمييز كهذا». ونصّ إعلان الاستقلال الأمريكي والدستور الأمريكي الاتّحادي كلاهما على مبدإ المساواة بين الأفراد ؛ وهو أيضا ما حملته الثورة الفرنسية التي كان شعارها المساواة والإخاء والحرّية، إذ جاء في المادّة الأولى من إعلانها الشهير لحقوق الإنسان والمواطن: «الأفراد يولدون ويعيشون أحرارا متساوين» — وهي الثورة التي ألغت امتيازات الأشراف والنبلاء وسوّت بين الجميع، ووضعت المساواة في الحقوق بين النّاس في المقام الأوّل. وقد اعتبر «جون لوك» أنّهم يجب أن يُحكَموا طبقا لقوانين مستقرّة نُشرت على النّاس، لا تتغيّر طبقا لحالة معيّنة ؛ إذ يجب أن تكون هناك قاعدة واحدة تُطبَّق على الجميع، فلا فرق بين غنيّ وفقير، وبين فلاّح وأمير.

4 ـ الفلسفة الاشتراكية

تؤمن الفلسفة الاشتراكية بأنّه لا عدالة بين أفراد المجتمع دون إقرار مساواة حقيقية بينهم في الحقوق والواجبات ؛ وطريق ذلك إقرارُ الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، كونها الملكية التي تسمح للجميع بالتمتّع بهذا الحقّ. ذلك أنّ الملكية الخاصّة وامتلاك وسائل الإنتاج بواسطة الأفراد يعرقل روح المساواة ويكرّس للطبقية والاستغلال، عن طريق حيازة صاحب رأس المال لعمل غيره، فتضيع حقوق الأفراد لصالح أصحاب رؤوس الأموال ؛ وكنتيجة حتمية لذلك يُقسَم المجتمع إلى طبقتين متناقضتين: طبقةٍ تتمتّع بجميع الحقوق، وطبقةٍ محرومة من كلّ شيء، فتغيب العدالة ويغيب معها استقرار المجتمع. وتُنسب هذه الفلسفة إلى الفيلسوف وعالم الاقتصاد الألماني كارل ماركس ⁦(K. Marx 1818 – 1883)⁩، الذي يرى أنّ التاريخ تغيّره المادّة الاقتصادية لا الأفكار، وأنّ البناء التحتي — الاقتصاد — يغيّر البناء الفوقي من قيم وعادات وتقاليد وقوانين ؛ والاشتراكية نزعة مضادّة للنزعة الفردية.

تعقيب : إنّ هذه المواقف على اختلافها تتقاطع عند نقطة محورية، ألا وهي تأسيس العدالة على مبدإ المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات، بأن يتمتّع الجميع بنفس الحقوق والمنافع العامّة ويخضعوا على قدم المساواة لجميع التكاليف والأعباء المشتركة. لكن بنظرة واقعية يمكن القول إنّ مبدأ المساواة لا يمكنه مسايرة الواقع العملي ؛ وهذا ما تفطّن إليه حتّى أحدُ روّاد المذهب الاشتراكي نفسه، شارل فورييه ⁦(C. Fourier 1772 – 1837)⁩، إذ اعترف بأنّ المساواة المطلقة باتت مستحيلة، كونها تتعارض حتّى مع الطبيعة البشرية. فإذا كانت الطبيعة لم تسوِّ بين الأفراد في المواهب والقدرات الشخصية — حيث كانت سخيّة مع بعضهم في حين قتّرت على البعض الآخر — فقد انعكس ذلك على واقع حياتهم فنتج تفاوتٌ حقيقي وتمايزٌ فعلي، وخاصّة في ضوء التقدّم العلمي والتقني المذهل ؛ الأمر الذي يفرض إعادة قراءة مبدإ المساواة كمبدإ لعدالة موضوعية.

ثانيا : العدالة في التفاوت والاستحقاق

إنّ التفاوت مبدأ حقيقي، ولا يمكن للعدالة أن تؤسَّس خارج هذا المبدإ ؛ إنّه قانون الطبيعة البشرية. فإذا كانت الطبيعة لم تعدل بين الأفراد وجعلتهم غير متساوين، وجب أن تؤسَّس العدالة على التباين في الحقوق والواجبات بينهم. فماذا عن مبدإ التفاوت كأساس للعدالة ؟ وكيف تمّ تبريره ؟ هذا ما آمنت به بعض النظريات الدينية والفلسفية، وآمن به العديد من العلماء والمفكّرين، بناءً على الفوارق في القدرات والمواهب والاستعدادات.

أفلاطون وأرسطو — التفاوت في الفلسفة الكلاسيكية

ذهب «أفلاطون» إلى تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات: طبقة الحكّام، والجنود، والمنتجين (من صنّاع وفلّاحين وتجّار) ؛ وهي طبقات تقابل مستويات النفس الإنسانية — النفس العاقلة، والنفس الغاضبة، والنفس الشهوانية. وهذا التقسيم مردّه الاختلاف القائم بين الأفراد في القدرات والمواهب والمعرفة والفضيلة ؛ لذلك — في نظره — على العدالة أن تحترم هذا التمايز الطبقي، فللحكّام حقوق، وللجنود حقوق من الدرجة الثانية، وحقوق المنتجين تأتي من الدرجة الثالثة ؛ والدولة مطالَبة أن تراعي هذه الفوارق وأن توزّع الحقوق وفقا لهذا المعيار الذي يقتضي أن يُوضع كلّ فرد في مكانه اللائق. أمّا «أرسطو» فقد رأى أنّ بعض النّاس يولدون عبيدا بالطبيعة، ولهذا فهم لا يصلحون إلاّ للعبودية ؛ فالعدل من هذا المنطلق يوجب أن يوضع كلّ فرد في مكانه الطبيعي الأليق به. وما مبدأ إتاحة الفرصة للفرد — الذي تقرّه التشريعات الوضعية — إلاّ اعترافٌ ضمني في حقيقته بالفوارق الطبيعية القائمة بين الأفراد ؛ كما أنّ عدالة التوزيع التي يؤكّد عليها أرسطو أساسها الاستحقاق طبقا للكفاءة والاستعدادات الطبيعية.

هيغل ونيتشه — التفاوت في الفلسفة الحديثة

يؤكّد «هيغل» على مبدإ التفاوت، لكن على مستوى أعلى، أي التفاوت بين الأمم ؛ فالأمّة التي تصل إلى الفكرة المطلقة يحقّ لها — في نظره — أن تملك كلّ الحقوق وتسيطر على العالم على أساس أنّها أفضل الأمم، ويبقى للأمم الأخرى واجب الخضوع: فللقويّ الحقّ وعلى الضعيف الواجب. وهي الفكرة نفسها التي اعتنقها الفيلسوف الألماني «نيتشه»، إذ يؤكّد على أنّ التفاوت بين النّاس قائم ولا أحد يمكنه إنكاره ؛ وكنتيجة لهذا يقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة الأسياد وطبقة العبيد، فللأسياد حقّ الملكية والحكم وللعبيد واجب الطاعة والخدمة ؛ بل يَحرم هؤلاء من حقّ المشاركة في الانتخابات ومن حقّ الترشّح لها. هيغل ⁦(Hegel 1770 – 1831)⁩ · نيتشه ⁦(Nietzsche 1844 – 1900)⁩

وفي الإيديولوجيا الرأسمالية : تنطلق هذه الفلسفة في التأسيس للعدالة من منطق مبدإ التفاوت بوصفه مبدأ الطبيعة البشرية ؛ فالأفراد مختلفون في مواهبهم وقدراتهم، ممّا يبرّر التفاوت بينهم في الحقوق. وما الملكية الفردية التي تؤمن بها هذه الفلسفة في تنظيمها الاقتصادي والسياسي إلاّ ترجمةٌ لذلك: فالملكية الفردية لوسائل الإنتاج معناها إعطاء الأحقّية للبعض في التملّك دون البعض الآخر، لأنّ وجود هذه الملكية لدى البعض يقتضي انعدامها بالضرورة لدى غيرهم ؛ وهكذا تكون هذه الفلسفة قد قسّمت المجتمع — شأنها شأن الفلسفات السابقة الذكر — إلى طبقة مالكة وطبقة أجيرة، ولكلّ طبقة امتيازاتها.

ألكسيس كاريل — التفاوت في علوم الطبيعة والإنسان

إذا كانت العدالة تؤسَّس على الحقّ والواجب، وكان إعطاء الحقوق للأفراد يقابله مطالبتهم بردّ واجبات، فإنّ قدرة الأفراد على ردّ الواجبات مختلفة ومتفاوتة ؛ فعلى المستوى البيولوجي هناك اختلاف في بنياتهم البيولوجية والمورفولوجية، ممّا يحتّم اختلاف قدرتهم على العمل ومن ثمّ اختلاف القدرة على ردّ الواجب. لذلك يقول الطبيب والفيزيولوجي الفرنسي «ألكسيس كاريل»: «… بدلا من أن نحاول تحقيق المساواة بين اللامساواة العضوية والعقلية […] يجب أن نوسّع دائرة هذه الاختلافات وننشئ رجالا عظماء.» فالنّاس حسبه يولدون مختلفين، ولذلك يجب — في نظره — أن نساعد أولئك الذين يملكون أفضل الأعضاء والعقول على الارتقاء اجتماعيّا. ويمتدّ هذا الاختلاف عنده إلى المجال السيكولوجي، ثمّ إلى المجال الاجتماعي. ألكسيس كاريل ⁦(A. Carrel 1873 – 1944)⁩، الإنسان ذلك المجهول، ترجمة عادل شفيق، الدار القومية، 1980، ص 226

تعقيب : إنّ إقرار مبدإ التفاوت كأساس للعدالة إنّما يؤسّس لعدالة ضيّقة لا يتّسع صدرها لاحتضان جميع أفراد المجتمع ؛ إنّها عدالة الطبقة العليا. فالتأسيس الموضوعي للعدالة يجب أن يتجاوز أيّة إيديولوجية، ومن ثمّ يتجاوز تلك التصوّرات القبلية التي تجعل من الأفراد مواطنين من درجات مختلفة ؛ فعلى أيّ أساس يُقسَم النّاس إلى طبقات ؟ إنّ العدالة كقيمة أخلاقية ترفض أن تؤسَّس على هذا التصوّر الاجتماعي العنصري، فهي أسمى من أن تنزل إلى مستوى هذه النظرة التي تبرّر الظلم والجور وتكرّس الاستغلال ؛ فلقد أدّت هذه العدالة التي بشّر بها هؤلاء — على اختلاف مشاربهم — إلى ثراء فاحش لأصحاب الحقوق، وفي المقابل فقرٍ مدقع لأصحاب الواجبات، لتخلق بذلك مجتمعا استغلاليّا يقدّس الثروة ويحطّم المساواة ويوسّع الهوّة بين طبقاته.

ثالثا : توازنها في المساواة والاستحقاق

وإلى هذا الحدّ يجب أن نتساءل: هل العدالة كقيمة أخلاقية كبرى تُختزَل في أحد هذين المبدأين، أم أنّها تتّسع لتشملهما معا في تفاعل وتكامل وانسجام ؟ إنّ العدالة الحقّة هي تلك التي تزاوج بين المبدإ والتطبيق ؛ بمعنى أن تقوم على مبادئ موضوعية تعكس ممارساتها الواقعية، وهذا يقتضي تحديدا ضروريّا للقيم لمختلف الأحوال الحسّية للوجود الإنساني المتعلّقة بمجالات حياته، وربطها بأسس عادلة من خلال مؤسّسات الدولة — لأنّ العدالة في واقع أمرها تنزّل من الدولة إلى الفرد أكثر ممّا تصعد من الفرد إلى الدولة. ومن هذا المنطلق يرسم زكي نجيب محمود صورة مثلى لعدالة واقعية، تنطلق من تحديد مجالات الحياة وتقسيمها إلى ثلاثة مجالات — مجال الحقوق، ومجال القدرات، ومجال الحاجات الاجتماعية — ويقابل كلّ مجالٍ بالأساس الصالح له: فالمجال الأوّل يحدّده القانون، والثاني الجدارة، والثالث تحدّده الحاجات الضرورية للأفراد.

  1. مجال الحقوق — عدلٌ أعمى : ففي المجال الأوّل يجب أن يكون العدل القضائي بميزانه أعمى عاصبا عينيه، حتّى لا تدخل الاعتبارات الشخصية ؛ ويقتصر دوره على ردّ الحقوق المغتصَبة لأصحابها.
  2. مجال القدرات — عدلٌ أعمى على أساس الجدارة : وفي المجال الثاني يقوم العدل على أساس الجدارة، ما دامت قدرات النّاس مختلفة ؛ فإنّ فكرة المساواة هنا تُفسد معنى العدالة، والعدل ها هنا يكون هو الآخر أعمى، حتّى لا يفرّق بين الأفراد إلاّ على أساس الجدارة والاستحقاق.
  3. مجال الحاجات — عدلٌ مُبصِر : أمّا المجال الثالث فيقتضي عدالة قائمة على أساس حاجيات النّاس الضرورية، فمن المنطقي أن يكون التوزيع حسب الحاجة ؛ والعدل في هذا يجب أن يكون — عكس المجالين الأوّلين — مُبصِرا، ليرى في وضوح الذي يستحقّ من الذي لا يستحقّ.
  4. وثمرة التمييز : إنّ التمييز بين هذه المجالات والأسس يتيح رسم صورة حقيقية لعدالة موضوعية بين أفراد المجتمع ؛ بمعنى أنّ العدالة إذا كانت تعبّر عن الفرد باعتبارها فضيلة له، فهي تعكس بدرجة أولى توازن المجتمع والدولة، لأنّهما أكبر من الفرد.
كيف يكون العدل أعمى في مجالين ومبصرا في الثالث دون أن يتناقض ؟

لأنّ العمى والإبصار هنا ليسا وصفين للعدل في ذاته، بل وصفين لِما يجب أن يراه أو لا يراه في كلّ مجال. ففي مجال الحقوق يعصب العدل عينيه حتّى لا يرى الأشخاص: من هو صاحب الدعوى، وما مكانته، ومن يعرف. وفي مجال القدرات يعصبهما كذلك حتّى لا يرى إلاّ الجدارة: لا اسمَ المترشّح ولا أصله، بل ما يُحسنه. أمّا في مجال الحاجات فلا بدّ أن يُبصر، لأنّ من يوزّع على أساس الحاجة يجب أن يرى مَن هو محتاج فعلا ومن ليس كذلك — ولو أغمض عينيه هنا لوزّع على الجميع بالتساوي، فأعطى من لا يحتاج وحرم من يحتاج. وهذا هو بالضبط ما يحلّ السجال الذي فتح الدرس: الاشتراكي كان محقّا في مجال الحاجات، والرأسمالي كان محقّا في مجال القدرات ؛ وخطأ كلٍّ منهما أنّه عمّم مبدأ مجاله على المجالات الثلاثة.

خاتمة : حل المشكلة

نخلص إذن من كلّ ما تقدّم أنّه إذا كان لفردٍ ما حقٌّ، فعلى الآخر واجبُ إشباع هذا الحقّ ؛ فحقّ الفرد في استخدام مِلكيته يتضمّن واجب جيرانه في عدم التعدّي على تلك الملكية. وإذا كان للفرد حقّ، فمن واجبه استخدام هذا الحقّ في الصالح العامّ لمجتمعه، بما يكفل للفرد كرامته وللمجتمع انسجامه ؛ والظلم يجرح عواطف العدالة ويُدمي فؤادها، فالمجتمع الفاقد للعدل فاقدٌ لمقوّماته الصحّية وبالتالي فاقدٌ للوجود. إنّ هذا التناسب بين الحقوق والواجبات هو الذي يحقّق العدل، لأنّ أيّ طغيان لطرف على حساب آخر يُنتج الظلم والجور والاستغلال ؛ وهذا التكافؤ بين الحقوق والواجبات هو العدل بعينه. وما العدل في حقيقته إلاّ تعادل، وهذا التعادل يترجم الطبيعة البشرية ويعبّر عن جوهرها، من منطلق أنّ كلّ فعل يقابله ردّ فعل حتّى يتحقّق التوازن ؛ والحقّ يكمّله الواجب ليحدث ذلك التوازن. فالعدل إذن هو قانون الطبيعة وقانون الإنسان معا.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية («هل أساس العدالة المساواة أم التفاوت ؟» · «هل العدالة إنصافٌ أم استحقاق ؟») أو استقصاء بالرفع لأطروحة التفاوت، وهو مادّة التركيب في كلّ مقالة عن الحقوق والواجبات. احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① سندان للمساواة مع صاحبيهما (شيشرون: خُلقنا للعدالة · مالبرانش: الطبيعة الإنسانية واحدة، وما التفاوت إلاّ من القانون الغاشم) ونصّ قانوني (المادّة السابعة من الإعلان العالمي) ؛ ② سندان للتفاوت مع صاحبيهما (أرسطو: عدالة التوزيع أساسها الاستحقاق طبقا للكفاءة · ألكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول) ؛ ③ المجالات الثلاثة عند زكي نجيب محمود — الحقوق يحدّدها القانون، والقدرات تحدّدها الجدارة، والحاجات تحدّدها الحاجة الضرورية — وهي أنظف تركيب يمكن أن تكتبه في هذا الدرس. ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : تحويل النقد إلى موقف سياسي بدل أن يكون حجّة فلسفية ؛ النقد هنا محدّد — المساواة المطلقة تتعارض مع الطبيعة البشرية باعتراف فورييه نفسه، والتفاوت يُنتج عدالة الطبقة العليا. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : الاكتفاء في التركيب بقول «العدالة وسطٌ بين المبدأين» ؛ هذا جمعٌ لا تركيب — التركيب يسمّي المجال الذي يصلح فيه كلّ مبدإ.
حلّ المشكلة — العدل مراعاةٌ للتوازن بين الحقوق والواجبات، لا ترجيحٌ لمبدإ واحد يُعمَّم على كلّ المجالات. فأنصار المساواة — من فلاسفة القانون الطبيعي إلى فلاسفة العقد الاجتماعي إلى الإعلان العالمي والثورات التنويرية إلى الفلسفة الاشتراكية عند ماركس — يستندون إلى وحدة الطبيعة الإنسانية، ويشهد لهم شيشرون ومالبرانش وباسكال ونصوص المواثيق ؛ غير أنّ المساواة المطلقة تتعارض مع الطبيعة البشرية باعتراف فورييه، أحدِ روّاد الاشتراكية نفسه. وأنصار التفاوت والاستحقاق — من أفلاطون وأرسطو إلى هيغل ونيتشه إلى الإيديولوجيا الرأسمالية إلى كاريل — يستندون إلى تفاوت القدرات وإلى أنّ قدرة الأفراد على ردّ الواجب مختلفة ؛ غير أنّ مبدأهم يؤسّس لعدالة ضيّقة هي عدالة الطبقة العليا، تبرّر الظلم وتكرّس الاستغلال. والمخرج ما رسمه زكي نجيب محمود بتقسيم الحياة ثلاثة مجالات، لكلّ مجالٍ أساسه: مجال الحقوق يحدّده القانون فيكون العدل فيه أعمى لا يرى الأشخاص، ومجال القدرات تحدّده الجدارة فيكون أعمى لا يرى غير الاستحقاق، ومجال الحاجات تحدّده الحاجة الضرورية فيكون مُبصِرا يرى من يستحقّ ممّن لا يستحقّ. وبهذا يتبيّن أنّ التناسب بين الحقوق والواجبات هو الذي يحقّق العدل، وأنّ ما العدل في حقيقته إلاّ تعادل: فالحقّ يكمّله الواجب، والعدل قانون الطبيعة وقانون الإنسان معا.

الصفحة 1/9

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net