الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
الأنظمة الاقتصادية: ج- الأساس الأخلاقي للممارسة الاقتصادية في الإسلام
- عرض مبدأ الملكية المزدوجة وبيان أشكالها الثلاثة وحقل كلّ شكل
- التمييز بين التحديد الذاتي والتحديد الموضوعي للحرّية الاقتصادية
- بيان معنى التكافل الاجتماعي والتوازن في مستوى المعيشة لا في مستوى الدخل
- المقارنة بين أسس النظم الثلاثة، وتوظيف نصّ مسند إلى مرجعه
- أساس النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي ونقدَ كلّ منهما
- الفرق بين ما يُلزم به القانون وما يُلزم به الوازع الخلقي
- الفرق بين الدخل ومستوى المعيشة
مقدمة : طرح المشكلة
انتهينا من دراسة النظامين الكبيرين إلى نتيجة واحدة رغم تناقضهما: أنّ الرأسمالية مذهب فردي يقدّس الدوافع الذاتية، وأنّ الاشتراكية مذهب جماعي يُفني الفرد في المجتمع ؛ وأنّ كليهما يرتكز على نظرة مادّية مع إهمال للقيم الأخلاقية، بحجّة أنّ التطوّر الاقتصادي محكوم بقوانين ضرورية لا حاجة فيها لمثل هذه القيم. فالخلاف بينهما إذن خلافٌ في من يملك، لا في ما الإنسان. وهذا الابتعاد عن الأساس الأخلاقي في النظامين هو الذي يقودنا إلى محاولة البحث عنه في المذهب الاقتصادي الإسلامي ؛ والسؤال ليس سؤال تفضيل، بل سؤال إمكان: هل يمكن أن يكون الخلق ركنا في بناء اقتصادي، لا موعظة تُضاف إليه من الخارج ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
«إنّ النظرة الأوّلية تبيّن الاختلاف بين المذهب الرأسمالي والمذهب الاشتراكي من خلال نظرتهما للفرد والمجتمع ؛ فالأوّل مذهب فردي يقدّس الدوافع الذاتية، أمّا الثاني فهو مذهب جماعي يُفني الفرد في المجتمع. بالإضافة إلى ذلك نجد الاشتراكية — بخلاف الرأسمالية — تقتل في الفرد روح المبادرة الفردية وتعيق تفتّح المواهب. والواقع أنّ كليهما يعتمد على دوافع ذاتية وأنانية، ويرتكز على نظرة مادّية مع إهمال للقيم الأخلاقية، بحجّة أنّ التطوّر الاقتصادي محكوم بقوانين ضرورية لا حاجة فيها لمثل هذه القيم ؛ والابتعاد عن الأساس الأخلاقي في هذين النظامين هو الذي يقودنا إلى محاولة البحث عنه في المذهب الاقتصادي الإسلامي.»
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- النقد موجَّه إلى الأرضية لا إلى النتائج : فالنصّ لا يعيب على النظامين ضعف الإنتاج ولا سوء التوزيع فحسب، بل يعيب عليهما إهمال القيم الأخلاقية ؛ وهذا نقد في الأساس لا في الفروع.
- ولكلّ منهما عيبه الخاصّ فوق ذلك : فالرأسمالية تقدّس الدوافع الذاتية فتُطلق الأنانية، والاشتراكية تُفني الفرد في المجتمع فتقتل المبادرة وتعيق تفتّح المواهب ؛ فالأولى أضاعت العدل والثانية أضاعت الحرّية.
- والبحث عن الأساس الأخلاقي ليس ترفا نظريا : ⟸ لأنّ ما يعيبه النصّ على النظامين هو ما يترتّب عليه عمليا: حرّية بلا قيد تُنتج الظلم، وجماعية بلا فرد تُنتج الجمود. فالمطلوب نظام يحفظ الحرّية ويقيّدها في آن واحد — وهذا هو موضوع الدرس.
II – ثم كيف يتأتّى للعمل أن يرفع من شأن تلك المكتسبات والقيم في ضوء تحدّي العولمة ؟
أولا : من العمل إلى الاقتصاد (المبادئ والنظم)
ج ـ الاقتصاد الإسلامي والتكافل الاجتماعي
يتألّف الاقتصاد الإسلامي من أركان رئيسية يتحدّد وفقا لها محتواه المذهبي ؛ وأولى هذه الأركان مبدأ الملكية المزدوجة، الذي يقرّر الأشكال المختلفة للملكية في وقت واحد. ⚠️ ولاحظ أنّ الازدواج هنا ليس تلفيقا بين النظامين السابقين، بل مبدأ قائم بذاته: فبدل أن يُجعل شكلٌ واحد للملكية قاعدةً عامّة يُقاس عليها كلّ شيء — كما فعلت الرأسمالية بالخاصّة والاشتراكية بالجماعية — تتقرّر الأشكال الثلاثة معا، ويُعطى كلّ شكل حقله.
- الملكية الخاصّة : وهي حقّ الفرد فيما اكتسبه، ولها حقلها الذي تعمل فيه.
- الملكية العامّة : وهي ما يكون للجماعة، ولها حقلها كذلك.
- ملكية الدولة : وهي الشكل الثالث، ولكلّ شكل من هذه الأشكال الثلاثة حقله الخاصّ الذي يعمل فيه. ⟸ ومن هنا فالسؤال في هذا المذهب ليس «أيّ الملكيتين أصحّ ؟» بل «أيّ حقل لأيّ شكل ؟» — وهو سؤال في التوزيع لا في المبدأ.
1 ـ حرّية محدودة : التحديد الذاتي والتحديد الموضوعي
- حرّية محدودة بالقيم المعنوية والخلقية : فهذه الأشكال من الملكية تفترض وجود حرّية محدودة بالقيم، فيُسمح للأفراد بممارسة حرّياتهم ضمن نطاق القيم والمثل التي تجعل منها أداة خير للإنسانية كلّها.
- التحديد الذاتي : وقد انعكس إيجابا على المجتمع من خلال آثاره الكبيرة التي تجلّت في النفس البشرية، ومنحها رصيدا روحيا زاخرا بمشاعر العدل والرحمة، واجتثاث دوافع الظلم والفساد منها ؛ ⚠️ وهو تحديد يعمل من الداخل، أي في الوازع قبل الرادع.
- التحديد الموضوعي : ويتجلّى من خلال ما كفلته الشريعة في مصادرها العامّة من منع وتحريم للأنشطة المعيقة عن تحقيق المثل والقيم التي يتبنّاها الإسلام ؛ وهو تحديد يعمل من الخارج بقوّة الحكم.
- وإشراف وليّ الأمر على النشاط العامّ : فقد كفلت الشريعة هذا المبدأ ؛ فدلّ ذلك بوضوح على أنّ السلطة العليا لها حقّ الطاعة والتدخّل، لحماية المجتمع وتحقيق التوازن والعدالة الاجتماعية. ⟸ فالدولة هنا ليست حارسا محايدا كما في الرأسمالية، ولا مالكا وحيدا كما في الاشتراكية، بل مشرفٌ يتدخّل بقدر ما تقتضيه الحماية.
قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُم». وقد كفلت الشريعة بهذا مبدأ إشراف وليّ الأمر على النشاط العامّ ؛ فدلّ ذلك بوضوح على أنّ السلطة العليا لها حقّ الطاعة والتدخّل، لحماية المجتمع وتحقيق التوازن والعدالة الاجتماعية التي ترتكز في الاقتصاد الإسلامي على التكافل الاجتماعي، أي كفالة بعضهم لبعض. سورة النساء، الآية 59
2 ـ التكافل الاجتماعي والتوازن في مستوى المعيشة
فدعوة الإسلام إلى التكافل من جهة، ومنعُ الإسراف من جهة أخرى، يحقّقان التوازن الاجتماعي كركن أساسي للعدالة الاجتماعية ؛ بأن يكون التوازن بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة لا في مستوى الدخل. ⚠️ وهذا التمييز هو أدقّ ما في الدرس، فاضبطه جيّدا: التسوية في الدخل تعني أن يأخذ الجميع المقدار نفسه مهما اختلفت أعمالهم — وفي ذلك إلغاء لأثر الجهد ؛ أمّا التوازن في مستوى المعيشة فيعني أن يبلغ كلّ فرد حدّا كريما من العيش وإن اختلفت المداخيل. فالأوّل يساوي بين الناس في الأرقام، والثاني يساوي بينهم في الكرامة. وبذلك يكون هذا الاقتصاد اقتصادا أخلاقيا: ينظر إلى تلك الغايات التي يسعى إليها بوصفها معبّرة عن قيم عملية ضرورية التحقيق من الناحية الخلقية، ولا يستمدّ هذه الغايات من ظروف مادّية وشروط طبيعية مستقلّة عن الإنسان ذاته ؛ كما أنّ الوسائل التي تتحقّق بها ليست مجرّدة عن الدافع الخلقي — فالإسلام بهذا المعنى لا يقتصر في مذهبه الاقتصادي على تنظيم الوجه الخارجي للمجتمع، وإنّما ينفذ إلى أعماقه الروحية والفكرية.
3 ـ خلاصة : ثلاثة نظم وثلاثة أسس
- الرأسمالية : اعتمدت في تنظيمها للاقتصاد على أسس مادّية طبيعية، على اعتبار أنّ الحياة الاقتصادية خاضعة لقوانين موضوعية ثابتة.
- الاشتراكية : ردّت في الأساس التنظيم الاقتصادي إلى قوانين المادّية التاريخية التي تحكم تطوّر المجتمعات.
- الاقتصاد الإسلامي : فالصفة الأخلاقية فيه صفة جوهرية تشعّ في كلّ تفاصيله وخطوطه العامّة ؛ وبالتالي فهو يهدف إلى ترقية الإنسان روحيا ومادّيا.
- ومع ذلك فموقعه في الواقع ضعيف : فابتعاد المجتمع المسلم منذ أمد بعيد عن الاجتهاد في تطوير الاقتصاد الإسلامي قلّل من أهمّيته في الواقع المعيش ؛ ثمّ إنّ التحوّل التاريخي أفرز ريادة سريعة للرأسمالية ليس لها مثيل، ممّا دفع إلى الضغط نحو عولمة نموذجها — وذلك من أخطر مشكلات العصر الراهن. ⟸ ولاحظ أنّ هذا اعترافٌ بمسؤولية داخلية، لا شكوى من الخارج.
أليس الاقتصاد علما موضوعيا لا شأن للأخلاق به ؟أليس الاقتصاد علما موضوعيا لا شأن للأخلاق به ؟
هذا الاعتراض هو نفسه الذي بُني عليه النظامان السابقان: أنّ التطوّر الاقتصادي محكوم بقوانين ضرورية لا حاجة فيها إلى القيم. ولكن انظر إلى ما يخفيه. حين قالت الرأسمالية «لا تتدخّلوا»، لم تكن تصف قانونا طبيعيا، بل كانت تختار أن تجعل الحرّية أصلا وأن تحتمل ما يلزم عنها من تفاوت ؛ وحين قالت الاشتراكية «الملكية للجميع»، لم تكن تكتشف قانونا، بل كانت تختار العدالة وتحتمل ما يلزم عنها من جمود. فالاختيار حاضر في الحالتين، وما سُمّي «قانونا ضروريا» كان في حقيقته قيمةً غير معلنة. ⚖️ ومن هنا فالسؤال ليس: أنُدخل الأخلاق في الاقتصاد أم لا ندخلها ؟ بل: أتكون القيم التي يقوم عليها النظام معلنة ومحدّدة، أم مضمرة ومنكَرة ؟ والمذهب الذي يجعل الصفة الأخلاقية جوهرية إنّما يفعل شيئا واحدا: يُخرج القيمة من الظلّ ويضعها في الأساس، فتصير قابلة للنقاش والمحاسبة. ⚠️ وانتبه أخيرا إلى ما تقرّه الفقرة نفسها بأمانة: أنّ ابتعاد المجتمع المسلم عن الاجتهاد في تطوير هذا الاقتصاد قلّل من أهمّيته في الواقع المعيش. فالمذهب لا يُقاس بما يعِد به، بل بما يُجتهد فيه.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net