الإشكالية الثانية: في الأخلاق الموضوعية والأخلاق النسبية › في العلاقات الأسرية والحياة الاقتصادية والسياسية
في الحياة السياسية: ضبط مفهوم الدولة
- التمييز بين الدولة والحكومة، وبين الدولة والتنظيمات السابقة عليها
- تعداد مقوّمات الدولة الأربعة، والتمييز بين السيادة الداخلية والخارجية
- عرض مبرّرَي وجود الدولة: حماية قيم الفرد ورعاية الصالح العامّ
- توظيف أطروحة مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها في تحديد غاية الدولة
- الفرق بين التنظيم الطبيعي العفوي والتنظيم الإرادي التعاقدي
- معنى الشخص المعنوي الاعتباري، ومعنى القانون
- الفرق بين الغاية والوظيفة في تحليل أيّة مؤسّسة
مقدمة : طرح المشكلة
لمّا كان اجتماع البشر يقوم على علاقات لا بدّ أن تنجم عنها نزاعات، كما تنجم عن تفرّقهم صراعات، احتاجوا إلى جانب اجتماعهم تنظيما سياسيا يمنع تظالمهم ويقوم بتصريف شؤونهم ؛ وهذه هي المؤسّسة الثالثة بعد الأسرة والاقتصاد. غير أنّ الدولة — بخلاف الأسرة — ليست معطى نلمسه: فنحن نرى المحكمة والمدرسة والشرطي، ولا نرى الدولة ؛ ومع ذلك نطيعها ونحاكَم باسمها وننتسب إليها. ومن هنا يكون ضبط تصوّرها ضروريا قبل الحكم على أنظمتها: فما الدولة في مقوّماتها ؟ وما الذي يميّزها عمّا سبقها من تنظيمات وعمّا يقوم بها من حكومات ؟ ثمّ لأيّ غاية وُجدت أصلا ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (1) سُئل أرسطو: ما غاية الدولة ؟ فأجاب: «… لا يجتمع الناس من أجل وجودهم المادّي فحسب، وإنّما يجتمعون من أجل الحياة السعيدة ؛ وإلاّ كان تجمّع العبيد أو الحيوانات عبارة عن دولة، وهذا أمر محال، لأنّ هذه الكائنات لا تشارك قطّ لا في تحقيق السعادة ولا في تأسيس حياة تقوم على الإرادة الحرّة.» ـ (2) وسُئل الفارابي: ماذا تمثّل الدولة كقيمة ومثل أعلى ؟ فأجاب: «… الإنسان من الأنواع التي لا يمكن أن يتمّ لها الضروري من أمورها، ولا تنال الأفضل من أحوالها، إلاّ باجتماع جماعات منها كثيرة في مسكن واحد […] فالمدينة هي أوّل مراتب الكمالات.» ـ (3) وطُلب من ميكيافيلي (1469 – 1527) أن يحدّد وظيفة للدولة فقال: «… إنّ هناك عددا ضخما من الأمثلة التي تقيم الدليل على أنّ الواجب يدعو — عند تأليف الدول والتشريع لها — إلى اعتبار الناس جميعا من الأشرار، وإلى أنّهم يُنفّسون دائما عمّا في ضمائرهم من الشرّ عندما تُتاح لهم الفرصة للتنفيس عنه.» ـ (4) وسُئل كيني (1694 – 1774): «ماذا تفعل لو كنت ملكا ؟» فأجاب: «لا أفعل شيئا !» ثمّ سُئل: «ومن يتولّى الحكم ؟» فأجاب: «القوانين». ـ (5) وننتهي باليونان كما بدأنا بهم ؛ فقد جاء في أسطورة من أساطيرهم: «… أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يشارك الآلهة في صفاتها ؛ وقد حملت هذه الصفات البشر على الاجتماع في المدن، فخشي زوس — إله الآلهة عند اليونان — أن ينتهي هذا الاجتماع إلى التقاتل والدمار، فأرسل هرمس — مبعوث الآلهة — يعلّم البشر مبادئ العدالة والاحترام لتكون قاعدة التآخي والتوافق في المدن. وسأل هرمسُ زوسَ إذا كان مكلّفا بتعليم هذه المبادئ التي تؤلّف صناعة الحكم لفئة من البشر تختصّ بها دون غيرها، فأجابه زوس: بل علّمها للجميع، لأنّني أودّهم أن يشاركوا جميعا في هذه المبادئ ؛ والمدن لا يمكن أن تبقى إذا تفرّدت فئة دون أخرى بهذه الفضائل.» نقلا عن عبد الرحمن بدوي، أرسطو عند العرب، الأنجلومصرية، القاهرة، ص 102 — أبو نصر الفارابي، كتاب السياسة المدنية، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ص 69 — ميكيافيلي، المطارحات، ترجمة خيري حمّاد، المكتبة التجارية، بيروت، ط 1، ص 223، 224 — جان توشار وآخرون، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة علي مقلّد، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1983، ص 325 — حسن صعب، الإسلام وتحدّيات العصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط 4، 1979، ص 106
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- مدار الأقسام كلّها على الدولة، من وجهين : سواء بوصفها كيانا ونظاما، أو باعتبارها وظيفة ونشاطا ؛ فالأجوبة لا تختلف في الموضوع، بل في الجهة التي نُظر منها إليه.
- غايتان متقابلتان : فأرسطو والفارابي يجعلان الدولة غاية أخلاقية ومثلا أعلى للكمال — اجتماعٌ من أجل الحياة السعيدة، ومدينةٌ هي أوّل مراتب الكمالات ؛ بينما يجعلها ميكيافيلي حمايةً من شرّ يُفترض في الناس جميعا. فهل وُجدت لترقية المواطن أم لكبح شرّه ؟
- وسلطةٌ تكاد تختفي : فجواب كيني يزيد الأمر إشكالا: حاكمٌ لا يفعل شيئا، والقوانين هي التي تحكم ؛ ⟸ فإذا كان الحاكم لا يفعل شيئا عندما يتولّى الحكم سوى أنّه يسهر على تنفيذ القانون، فلماذا يحكم إذن ؟ ومن يضع له هذه القوانين التي ينفّذها ؟ أيمارس السلطة أصالةً أم نيابةً وتفويضا ؟ فإذا مارسها بالتفويض فمن أعطاه حقّ الممارسة ؟
- والأسطورة تضيف شرطا لا يُنتبه إليه : فزوس يأمر بتعليم مبادئ العدالة والاحترام للجميع لا لفئة، لأنّ المدن لا تبقى إذا تفرّدت فئة دون أخرى بهذه الفضائل ؛ فصناعة الحكم — في هذا التصوّر — تربيةٌ عامّة لا اختصاصٌ نخبوي.
III – وهل بوسع الدولة أن تراهن على تفعيل تراثها القيمي بما يواكب تحوّلات العصر ؟
أولا : وظيفة الدولة بين الأخلاق والقانون
1 ـ الدولة ليست التنظيم الوحيد، وليست هي الحكومة
إنّ الدولة لا تُعتبر التنظيم السياسي الوحيد ؛ بل سبق أن انتظمت البشرية قبل ذلك في تنظيمات أقلّ كمالا كالقبيلة والعشيرة، غير أنّ هذه التنظيمات عفوية وطبيعية، أي أنّ أعضاءها يرتبطون على نحو طبيعي برابطة النسب، سواء أكان حقيقيا أو وهميا. وفي الجملة يمكن النظر إلى الدولة من جهتين وظيفيتين: الأولى حين تتّجه إلى الداخل للتعامل مع مواطنيها من خلال إشرافها على تنظيم العلاقات العامّة داخل المجتمع ؛ والثانية حين تتّجه إلى الخارج للتعامل مع الدول الأخرى، فتكون عضوا في مجتمع دولي يحظى بصفة قانونية، ويُنظر إليها كشخص معنوي اعتباري.
«… هي التنظيم العملي للدولة […] فالدولة تجريد إلى حدّ كبير، ولكنّ الحكومة واقع يُدرك بالحواسّ ؛ والدولة دائمة وثابتة، على حين أنّ الحكومة مؤقّتة. وإنّ التغيّرات في شكل الحكومة لا تعني تغيّرات في استمرار الدولة.» وهذا هو الجواب عن السؤال الذي فتحنا به الدرس: الحكومات قد تتعاقب ويسقط بعضها بعضا، في حين تستمرّ الدولة التي تعاقبت داخلها هذه الحكومات. محمد عبد المعز نصر، في النظريات والنظم السياسية، دار النهضة العربية، بيروت، طبعة 1981، ص، 13، 14
2 ـ مقوّمات الدولة
- السكّان : فكلّ حديث عن الدولة هو حديث عن مجتمع منظّم سياسيا ؛ وهذا يعني أنّه لا يمكن الحديث عن دولة إلاّ ونحن نتحدّث عن أفراد مجتمع ينتسبون إليها، سواء سمّيناهم شعبا أو مواطنين أو أيّ اسم آخر.
- الإقليم : وهو المجال الحيوي للدولة ؛ فلا وجود لدولة دون إقليم تسيطر عليه ومعترَف لها به دوليا، وتتحدّد العلاقة بينهما على أساس أنّه «مجال سلطان الدولة»، أي المنطقة الجغرافية التي تمارس فيها سلطتها على الأفراد.
- السلطة : فالحديث في السياسة هو حديث عن السلطة، لكون السلطة جوهر أيّ نشاط سياسي ؛ وهي ركن أساسي للدولة، وهي التي تميّزها عن تنظيم اجتماعي شبيه بها هو الأمّة ؛ والأفراد داخل هذه الجماعة ليسوا مجرّد أعضاء، بل هم مواطنون ورعايا يخضعون لسلطة عليا ويشاركون في تسييرها.
- السيادة : ولفظها يشير إلى السلطة العليا المخوّلة لصنع القانون وفرضه ؛ وهي مستويان: سيادة داخلية، وهي المظهر الذي يتجلّى في كون الدولة المشرّع الأعلى للشؤون الداخلية، وأنّ على جميع الأفراد والجماعات داخلها أن يخضعوا لإرادتها ؛ وسيادة خارجية، وتعني استقلال الدولة في قراراتها وتنظيم علاقاتها مع غيرها. ⚠️ غير أنّ هذا النوع الثاني — والذي ما زالت تطالب به كثير من الدول — في انحسار مستمرّ تحت ضغط العولمة الاقتصادية والسياسية التي يعرفها العالم المعاصر.
3 ـ وظيفة الدولة من حيث هي حامية لقيم الفرد وراعية لها
إنّ الدولة — كما تبيّن — ليست تنظيما طبيعيا، ولا هي مصاحبة لكلّ اجتماع إنساني ؛ حيث إنّ المجتمعات الإنسانية القديمة عرفت تنظيمات ما قبل الدولة، سواء أكانت على صورة تنظيم قبلي وعشائري، أو صورة التنظيم الذي عرفته المدينة اليونانية. ولمّا كانت الدولة تنظيما طارئا، أصبح من المشروع التساؤل: ما مبرّرات وجودها إذن ؟ وأوّل جواب هو حماية القيم الفردية والدفاع عنها ؛ فالذي يبرّر أيّ ممارسة سياسية تسلكها الدولة عند ميكيافيلي — كما رأينا — هو حماية نفسها وحماية مواطنيها من شرّ المواطنين أنفسهم ومن شرّ الأعداء الخارجيين.
تحدّث جون لوك عن الغاية القصوى للدولة معتبرا أنّها قامت أساسا من أجل حماية الأشخاص وممتلكاتهم وحرّيتهم: «… إذن فالغاية الكبرى الرئيسية من اتّحاد الناس بعضهم مع بعض لتشكيل دول، ووضعِ أنفسهم تحت سلطة الحكومة، هي المحافظة على ما يمتلكون […] فإنّ كلّ من كانت بيده السلطة التشريعية أو السلطة العليا لأيّة دولة، كان لزاما عليه أن يحكم وفق القوانين الثابتة المستقرّة المعلنة للشعب والمعروفة منه.» ويعتقد لوك أنّه بالتخلّي عن القانون يبتدئ الطغيان ؛ فالحاكم الذي يتجاوز الصلاحيات التي أُعطيت له بموجب القانون يكون قد فقد الحقّ في ممارسة السلطة. ج. راندال، تكوين العقل الحديث، ترجمة جورج طعمة، دار الثقافة، بيروت، ج 1، ص 496، 497
4 ـ غاية الدولة رعاية الصالح العام
- الوظيفة تتجاوز السياسي إلى الاجتماعي : فوظيفة الدولة لا تقتصر على ما هو سياسي، بل تمتدّ لتشمل مجالات الحياة الاجتماعية وتوفير الشروط الموضوعية للحياة الإنسانية الكريمة، كما يتبيّن من رأي أرسطو والفارابي.
- الرعاية الاقتصادية : فقد أصبحت الدولة مدعوّة وبشكل ملحّ إلى التدخّل في الحياة الاقتصادية للمجتمع ؛ والواقع التاريخي يؤكّد ذلك، حيث تنفق أغلب الدول المعاصرة أموالا ضخمة في رعاية المصالح العامّة للمجتمع: كالرعاية الصحّية، والتربية والتعليم، والترفيه والرياضة، والسكن.
- الرعاية السياسية : وتتمثّل في الهيمنة التي تطالب بها وتمارسها الدولة على مجموع أعضائها، وذلك من مقتضيات السيادة التي هي مقوّم من مقوّماتها ؛ ومن الوظيفة السياسية أيضا التشريع للمجتمع وحمايته من الأخطار الداخلية والخارجية، ويلزم من هذا اضطلاع الدولة بتشريع الحقوق وحمايتها.
- ولا يكفي القانون وحده : فحماية مصالح الأفراد وحرّياتهم وأمنهم لا تقتصر على تطبيق القانون، بل يجب أن تتدخّل الدولة في حدود ما يمكّنها من التوفيق بين المصالح المتعارضة للمواطنين ؛ لأنّه داخل الدولة لا توجد قوّة واحدة فاعلة ومؤثّرة، وهذا الوضع يحتّم وجود سلطة عليا ذات سيادة تكون فوق جميع السلطات الاجتماعية الأخرى، تلعب دور الحكم الذي يسهر على فرض احترام القانون.
«… وبقدر ما تتطوّر الحضارة تتّجه الدولة إلى تحمّل عبء إشباع الحاجات العليا والنبيلة للمجتمع، مع تحمّل مسؤولية أكبر حيال الضعفاء اقتصاديا من أعضائها.» ⟸ ولاحظ ما تعنيه هذه الجملة: إنّ اتّساع وظيفة الدولة ليس تضخّما في السلطة، بل مؤشّرٌ على درجة تحضّر المجتمع ؛ فالمقياس هو ما تفعله الدولة بأضعف أعضائها. Philip Resnick, Les fonctions de l'État moderne : à la recherche d'une théorie, in L'ÉTAT AU PLURIEL, Economica / Unesco, Paris, 1985, p. 179
أوُجدت الدولة لترقية الإنسان أم لكبح شرّه ؟أوُجدت الدولة لترقية الإنسان أم لكبح شرّه ؟
الجوابان اللذان بدأنا بهما ليسا متناقضين تماما، وإن بدَوا كذلك ؛ فالفرق بينهما فرقٌ في الفرضية عن الإنسان قبل أن يكون فرقا في وظيفة الدولة. من افترض أنّ الإنسان قابل للكمال وأنّ اجتماعه يطلب الحياة السعيدة — كأرسطو والفارابي — جعل الدولة مرتبةً من مراتب الكمال، ووظيفتها الرعاية والترقية. ومن افترض أنّ الناس جميعا أشرار ينفّسون عمّا في ضمائرهم متى أتيحت الفرصة — كميكيافيلي — جعلها سدّا يحمي الناس من أنفسهم، ووظيفتها الحماية والردع. ⚖️ والواقع الذي يصفه الدرس يجمع الوظيفتين: فالدولة تحمي الأشخاص وممتلكاتهم وحرّيتهم كما يقول لوك، وترعى الصالح العامّ في الصحّة والتعليم والسكن، وتزداد مسؤوليتها حيال الضعفاء كلّما تقدّمت الحضارة. فالحماية شرطٌ لازم لا يكفي وحده، والرعاية غايةٌ لا تقوم بغير حماية. ⚠️ وانتبه إلى القيد الذي يجمع بينهما: أنّ من بيده السلطة «كان لزاما عليه أن يحكم وفق القوانين الثابتة المستقرّة المعلنة للشعب والمعروفة منه» ؛ فمتى تجاوز الحاكم القانون فقد الحقّ في ممارسة السلطة — سواء كان يحمي أو يرعى.
الصفحة 1/5
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net