الفلسفة🎓 هدف البكالوريا

الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم في الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية المطلقة

ضبط تصور الحقيقة — البحث في أصناف الحقيقة ومعاييرها (استثمار المكتسبات القبلية بخصوص المطلق والنسبي)

🔊 المعلّمة تقرأ لك
سألتَ صديقك: «كم الساعة ؟» فأجابك. وسألتَ أستاذ الرياضيات: «هل مجموع زوايا المثلّث يساوي قائمتين ؟» فأجابك. وسألتَ متصوّفا: «ما السعادة ؟» فأجابك. ثلاثتهم قال لك «هذه هي الحقيقة»، ولم يستعمل أيّ منهم ميزان الآخر: هذا احتكم إلى ساعته، وذاك إلى برهانه، والثالث إلى ذوقه. فهل نتكلّم حقّا عن شيء واحد حين نقول «حقيقة» ؟
🎓في نهاية هذا الدرس ستكون قادرا على:
  • ضبط تصوّر الحقيقة انطلاقا من التعاريف التي تقدّمها القواميس والفلاسفة، وبيان ما يضيفه كلّ تعريف
  • تمييز أصناف الحقيقة والتمثيل لكلّ صنف بمثال من مجاله
  • ربط كلّ صنف بالمقياس الذي يناسبه، لا بمقياس صنف آخر
  • توظيف أطروحة فلسفية مسندة إلى صاحبها وإلى مرجعها، لا مجرّد رأي منسوب
🔑يفترض هذا الدرس أنّك تتقن:
  • الفرق بين المطلق والنسبي، وبين الثابت والمتغيّر
  • الفرق بين المشكلة والإشكالية، وطريقة طرح مشكلة فلسفية
  • استخراج أطروحة صاحب نصّ فلسفي وتحديد حجّته
ما هي الحقيقة وما هي أصنافها ومقاييسها ؟ أليست الحقيقة مهما كانت مطلقةً، هي حقيقةٌ نسبية، بالنسبة لصاحبها أو للمجال الذي يبحث فيه أو للتصوّر الذي يحمله ؟ ألا يلتبس الأمر بين الحقيقة والواقع ؟ وما هذا الواقع الذي يلتبس بالحقيقة ؟

مقدمة : طرح المشكلة

إنّه مهما تعدّدت الحقيقة في تعريفاتها وفي مجالاتها، فإنّه لا يختلف اثنان في أنّ الإنسان مفطور بفضوله على البحث عنها. ومهما اختلفت أصنافها وتنوّعت مقاييسها، فإنّ أقصى ما يبحث عنه هذا الإنسان هو الحقيقة الأولى، كما يسمّيها الحكماء، نظرا إلى اتّصافها بالثبات والمطلقية. ولكن كيف له أن يعتنق المطلق وهو كائن نسبي ؟ فهل يمكن في هذه الحالة وضع الحقيقة الثابتة ضمن قائمة الحقائق النسبية، نظرا إلى نسبة ارتباطها إلى الواقع البشري ومحيطه ؟

مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة

حوار بين طالبَين : «مفتاح» (م) متخرّج من معهد الفلسفة، و«رضوان» (ر) متخرّج من كلّية العلوم

ـ (ر) : أراك يا مفتاح تحلّق في السماء ؛ ـ (م) : أبحث عن الحقيقة ؛ ـ (ر) : ألا يكفيك ما تراه في واقعك الحسّي ؟ ـ (م) : تقصد هذا الواقع المتغيّر ؟ ـ (ر) : نعم، وماذا تقصد بالحقيقة ؟ ـ (م) : أبحث عن حقيقة الحقائق، الحقيقة التي لا حقيقة فوقها ؛ ـ (ر) : يبدو أنّك غير مكترث بالواقع، وأنّك تهتمّ بما وراء الواقع للوصول إلى الحقيقة الثابتة، أو كما يقول الفلاسفة: الحقيقة الأولى أو المطلقة التي لا يسبقها سابق ولا يشوبها تغيّر ؛ ـ (م) : أنت تعلم أنّ الواقع متغيّر وما هو متغيّر نسبي، وما هو نسبي لا يفي بالمطلوب ؛ فأنت يا رضوان تدعو إلى البحث في المتغيّر لا فيما هو ثابت ؛ ـ (ر) : لا بل أطلب أيضا البحث عن الحقيقة الثابتة، ومع ذلك فإنّك توافقني القول بأنّها ثابتة في ذاتها، ولكنّها متغيّرة في ذواتنا ؛ الحقيقة هي شأن كلّ واحد منّا، أمّا الواقع فشأنه عالمي ووجوده لا يتوقّف علينا ؛ ـ (م) : أنا لا أفهمك جيّدا، فالثابت ثابت والمتغيّر متغيّر ؛ ـ (ر) : أجل ؛ ولكن كيف يستطيع الإنسان مثلك الذي يمثّل النسبي أن يدرك الحقيقة الأولى التي تمثّل المطلق ؟ وهل طبيعة هاته الحقيقة تبقى واحدة قبل وبعد إدراكها ؟

🔍تحليل الوضعية المشكلة

  1. البحث عمّا وراء الأشياء : «التحليق في السماء» يعني لدى الفلاسفة البحث في ما وراء الطبيعة والتغاضي عن البحث في الطبيعة الحسّية. والغاية القصوى التي يستهدفها الفيلسوف هي معرفة الأسباب الأولى أو البعيدة، لا الأسباب القريبة التي يسعى إليها العالِم. فالفرق بين الرجلين فرقٌ في الانشغال: هذا منشغل بالأشياء الحسّية التي لا تتوقّف عن التغيّر، وذاك منشغل بالحقيقة الثابتة التي يحاول أن يدركها الذهن.
  2. الحقائق وحقيقة الحقائق : المقصود بالحقيقة في هذا السياق هو الحقيقة الأولى أو الحقيقة البعيدة ؛ والمقصود بالحقائق في صيغة الجمع هو الحقائقُ القريبة المتنوّعة التابعة لعالم التغيّر والنسبية، أو التابعة لعلاقات وسياقات مختلفة.
  3. التساؤل عن العلاقة بين المطلق والنسبي : لم ينتهِ الحوار إلى نتيجة ؛ إنّه ترك الباب مفتوحا والسؤال معلّقا: إذا كانت الحقيقة المطلقة في مأمن عن التغيّر، فكيف يبلغها ويتّصل بها الكائن الذي يعيش في عالم الواقع المتغيّر ؟ وهل تحافظ على مُطلقيّتها عندما يدركها الذهن ؟

I – الحقيقة : تعريفها، أصنافها ومقاييسها

أولا : تعريفها

ليس من السهل تعريف الحقيقة، لاختلاف معناها من تصوّر فلسفي إلى تصوّر فلسفي آخر، ومن مجال إلى مجال آخر، ومن ثقافة إلى ثقافة أخرى. ولهذا فليس غريبا إذا كانت القواميس تعرض علينا شريطا طويلا من التعاريف المتعدّدة، نقتصر فيها على ما يلي:

  1. عند اللغويين : تُطلق على الماهية أو الذات ؛ فحقيقة الشيء ماهيته، أي ما به الشيء هو هو. فكَوْنُ الإنسان عاقلا (أو ناطقا) يمثّل حقيقة الإنسان ؛ وقولنا بأنّه حيوان ناطق يختلف عن قولنا بأنّه كائن ضاحك: الأوّل يعبّر عن جوهر الإنسان، والثاني يعبّر عن صفة عَرَضية.
  2. مطابقة التصوّر (أو الحكم) للواقع : إذا أخذنا الواقع على أنّه عالَم الأشياء. فإذا حكمنا مثلا بأنّ الجاذبية هي السبب المسؤول عن سقوط الأجسام، وأكّدت التجربة العلمية صدق هذا الحكم، عرفنا بأنّ حكمنا هذا يمثّل الحقيقة.
  3. عند المناطقة والرياضيين : هي الأمر الممكن في العقل، أي الذي لا يتخلّله تناقض ؛ أو بتعبير آخر، هي مطابقة النتائج للمُنطلقات. لا بل هي عند بعضهم المنطلقات ذاتها، لأنّها تمثّل المبادئ التي تجبر العقل على الالتزام بها.
  4. في بعض اصطلاحات الفلاسفة : الحقيقة هي الكائن الموصوف بالثبات والمطلقية (كالله والخير) مع قطع النظر عمّن سواه ؛ ويقابله الإضافي أو الظاهر أو النسبي. وليس من السهل إدراكها.
لايبنتز

«متى كانت الحقيقة ضرورية، أمكنك أن تعرف أسبابها بإرجاعها إلى معانٍ وحقائق أبسط منها حتّى تصل إلى الحقائق الأولى» ؛ والحقائق الأولى هي الأوّليات والمبادئ العَقلية. جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج. 1، الشركة العالمية للكتاب، 1994

ثانيا : أصنافها

  1. حقائق مطلقة : وهي أقصى ما يطمح إليه الفيلسوف أو الحكيم، وأبعد ما يستطيع بلوغه عن طريق العقل أو الحدس.
  2. حقائق نسبية : وهي حقائق المجال العلمي، عبارة عن قوانين علمية تعبّر عن العلاقات «الثابتة» بين الظواهر ؛ ونضع «الثابتة» بين مزدوجتين، لأنّها علاقات لا تكتسي صفة الثبات إلاّ في شروط معيّنة ضمن التصوّر النيوتوني لنظام الظواهر الطبيعية.
  3. حقائق ذوقية : وهي الشعور الذي يستولي على المتصوّف عند بلوغه الحقيقة الربّانية المطلقة. فهو يستقي علمه من الله رأسا، وذلك عن طريق الحدس (أو الذوق أو الكشف أو العيان) الذي يقابل البرهان العقلي عند الفلاسفة والمتكلّمين.
  4. حقائق بين المطلق والنسبي : وهي حقائق فلسفية، إلاّ أنّها تنهل مصداقيّتها من الواقع الاجتماعي، والنفسي التأمّلي.
أفلاطون وأرسطو — الحقيقة المطلقة

يميّز «أفلاطون» بين عالَمين: عالم الأشياء وعالم المُثُل ؛ الأوّل يشكّل مادّة إدراك حواسّنا، فهو لا يتوقّف عن التحوّل وقابل للفناء ؛ والثاني عالمٌ وراء الأشياء، وهو خاصّ بعقول الموهوبين، ولا تدركه الأبصار التي في الأجساد. إنّه العالم الدائم والخالد، هو عالم الحقيقة، وما عالم الأشياء سوى أشباح وظلال. وأعلى حقيقة مطلقة في السلّم هي مثال الخير. والحقيقة المطلقة عند «أرسطو» تكمن في «المحرّك» الذي لا يتحرّك، ويقصد بهذا: الله. يتساءل كيف بدأت الحركة، وكيف تمّت هندسة الكون الواسع بأشكال لا نهاية لها ؟ وهو لا يقبل إمكانية أن تكون الحركة بلا بداية. فلا بدّ من أن يكون للحركة مصدر، إذا أردنا ألاّ نغطس في رجوع لا نهائي.

كلود برنار وباشلار — نسبية الحقيقة العلمية

يقول «كلود برنار»: «يجب أن نكون حقيقةً مقتنعين بأنّنا لا نمتلك العلاقات الضرورية الموجودة بين الأشياء إلاّ بوجه تقريبي كثيرا أو قليلا، وأنّ النظريات التي نمتلكها هي أبعد من أن تمثّل حقائق ثابتة. إنّها تمثّل فقط حقائق جزئية ومؤقّتة.» والعلم الحديث، كما يقول «باشلار»، هو في الحقيقة «معرفة تقريبية». ولمّا كان من الممكن أن تتّسع دائرة المعرفة العلمية على الدوام، أمكن أن تصبح الحقائق التقريبية أكثر دقّة دون أن تدرك أبدا درجة الدقّة المطلقة.

ثالثا : مقاييسها

إنّ مقاييس الحقيقة تابعة لطبيعة هاته الحقيقة ومجالاتها وفلسفة أصحابها. فإذا كان مقياس مطابقة العقل للتجربة يُعتبر المؤشّر الأهمّ في الميدان العلمي، فإنّ الوضوح أو البداهة هو الميزان المناسب لمعرفة الحقيقة الفلسفية. وإذا كان مقياس الحقيقة المطلقة هو الكائن الأكمل الذي ليس كمثله شيء، فإنّ مقياس الحقيقة لدى البراغماتيين هو النفع، ولدى الوجوديين هو الذات البشرية، ومحكّ الحقيقة اللدنّية لدى الصوفية «المتفلسفين» هو الذوق الشخصي.

1 ـ مقياس الوضوح (الحقيقة المطلقة)

لقد ذهب بعض الفلاسفة أمثال «ديكارت» و«سبينوزا» إلى أنّ الحكم الصادق يحمل في طيّاته معيار صدقه، وهو الوضوح الذي يرتفع فوق كلّ شيء. ويتجلّى هذا في البديهيات الرياضية التي تبدو ضرورية وواضحة بذاتها، كقولك: الكلّ أكبر من أحد أجزائه، أو إنّ الخطّ المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين.

ديكارت

كانت أوّل قاعدة في المنهج الذي سطّره «ديكارت» ألاّ يقبل مطلقا شيئا على أنّه حقّ ما لم يتبيّن بالبداهة أنّه كذلك، وأن يُعنى بتجنّب التسرّع والتشبّث بآراء سابقة، وألاّ يأخذ من أحكامه إلاّ ما يتمثّله عقله بوضوح تامّ وتمييز كامل، بحيث لا يعود لديه مجال للشكّ فيه. وقد انتهى إلى قضيته المشهورة: «أنا أفكّر إذن أنا موجود». «لاحظت أنّه لا شيء في قولي: أنا أفكّر إذن أنا موجود، يضمن لي أنّي أقول الحقيقة، إلاّ كوني أرى بكثير من الوضوح أنّ الوجود واجب التفكير. فحكمت بأنّني أستطيع اتّخاذ قاعدة عامّة لنفسي، وهي أنّ الأشياء التي نتصوّرها تصوّرا بالغ الوضوح والتمييز، هي صحيحة كلّها.» ديكارت، مقال في المنهج، القسم الرابع

سبينوزا

يرى «سبينوزا» أنّه ليس هناك معيار للحقيقة خارج عن الحقيقة. فهل يمكن أن يكون هناك شيء أكثر وضوحا ويقينا من الفكرة الصادقة يصلح أن يكون معيارا للحقيقة ؟ «فكما أنّ النور يكشف عن نفسه وعن الظلمات، كذلك الصدق هو معيار نفسه ومعيار الكذب.» ⁦Spinoza, Ethique, p 118, (Œuvre 3)⁩

لماذا لا يصلح مقياس واحد لكلّ أصناف الحقيقة ؟

لأنّ المقياس ليس أداةً محايدة تُطبَّق من الخارج: هو جزء من التصوّر الذي أنتج الحقيقة نفسها. فمن يعرّف الحقيقة بمطابقة الحكم للواقع سيحتكم بالضرورة إلى التجربة، ومن يعرّفها بعدم التناقض سيحتكم إلى الوضوح والبداهة، ومن يعرّفها بالاتّصال المباشر بالله سيحتكم إلى الذوق. ولهذا فإنّ استعمال مقياس صنف في صنف آخر يُنتج حكما فاسدا لا لأنّ أحدهما خاطئ، بل لأنّ الميزان لا يزن ما لم يُصنع لوزنه: مطالبة المتصوّف ببرهان تجريبي، أو مطالبة العالِم ببداهة عقلية خالصة، خطأ في المنهج قبل أن يكون خطأ في النتيجة.

يُطرح هذا المورد في البكالوريا غالبا في صيغة مقالة جدلية أو استقصائية: «هل الحقيقة واحدة أم متعدّدة ؟» أو «هل يمكن قياس كلّ حقيقة بمقياس واحد ؟». احتفظ جاهزا بثلاثة عناصر : ① تعريفان متمايزان للحقيقة (الماهية عند اللغويين · مطابقة الحكم للواقع) لتفتتح بهما ضبط المفاهيم ؛ ② صنفان مع مثالهما (حقيقة مطلقة: مثال الخير عند أفلاطون · حقيقة نسبية: القانون العلمي عند كلود برنار) ؛ ③ أطروحتان مسندتان بمرجعهما (ديكارت، مقال في المنهج · سبينوزا، Ethique). ⚠️ الخطأ الأكثر تكرارا : سرد التعاريف الأربعة دون ربط كلّ تعريف بمقياسه — والسؤال يقيس قدرتك على الرّبط، لا على الحفظ. ⚠️ وخطأ ثانٍ يكلّف كثيرا : نسبة قول إلى فيلسوف بلا مرجع ؛ أطروحة بلا صاحب ولا مرجع لا تُحتسب.
نتيجة — الحقيقة ليست لفظا واحدا بمعنى واحد. فهي عند اللغويين ماهية الشيء، وعند العلماء مطابقة الحكم للواقع، وعند المناطقة انسجام النتائج مع منطلقاتها، وعند الفلاسفة الكائن الموصوف بالثبات والمطلقية. ومن هنا تتوزّع أصنافا أربعة — مطلقة، نسبية، ذوقية، وبين المطلق والنسبي — لكلّ صنف منها مقياسه الخاصّ: الوضوح للفلسفية، ومطابقة العقل للتجربة للعلمية، والنفع عند البراغماتيين، والذوق عند المتصوّفة. وهكذا يتبيّن أنّ تعدّد الحقيقة ليس تناقضا فيها، بل تعدّد في المجالات التي تُطلب فيها وفي الموازين التي تُوزن بها. ⟸ وإذا كانت النسبية تلاحق الحقيقة على هذا النحو، فهل الحقيقة المطلقة «نسبية» هي الأخرى ؟

الصفحة 1/5

© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net