الإشكالية الثالثة: في فلسفة العلوم › في الحقيقة العلمية والحقيقة الفلسفية المطلقة
الحقيقة والواقع
- بيان وجهَي ارتباط الحقيقة بالواقع: التقابل والالتباس، والتمييز بينهما
- عرض الاتّجاهين في تفسير المطابقة: الاتّجاه التجريبي الحسّي والاتّجاه المثالي، وتحديد ما يترتّب على كلّ منهما
- الاستدلال على أنّ انطباق الواقع غير الواقع، وأنّ الحقيقة لا تتّخذ من الحسّي وحده مقياسا لها
- تفسير دور الثقافة والتصوّر الفلسفي في تشكيل الحقيقة التي يطلبها الإنسان، بأمثلة من مذاهب مختلفة
- معاني الواقع: المعنى العام والمعنى الفلسفي، وخصائص الواقع الموضوعي
- التمييز بين الواقع في ذاته والواقع في ذواتنا
- تعريف الحقيقة بمطابقة الفكر للواقع، ونتيجة القول بنسبية الإدراك
مقدمة : طرح المشكلة
ضبطنا الواقع فوجدناه معانيَ متنوّعة، آخرها وأدقّها أنّه وجود الأشياء العيني وجودا مستقلاّ عن الذات العارفة. وضبطنا الحقيقة من قبلُ فوجدناها تُعرَّف في أحد وجوهها بمطابقة الفكر لهذا الواقع. فإذا كان تعريف كلّ طرف يستدعي الطرف الآخر، فقد آن أن نسأل عن العلاقة نفسها: أهي علاقة تقابل بين طرفين متمايزين، أم علاقة التباس يذوب فيها أحدهما في الآخر ؟ وإذا كان الإنسان هو الذي يقيم هذه العلاقة، فأين يقف هو منها ؟
مدخل إلى المشكلة : عرض الوضعية المشكلة
ـ (ر) : ألا يكفيك ما تراه في واقعك الحسّي ؟ ـ (م) : تقصد هذا الواقع المتغيّر ؟ ـ (ر) : نعم، وماذا تقصد بالحقيقة ؟ ـ (م) : أنت تعلم أنّ الواقع متغيّر وما هو متغيّر نسبي، وما هو نسبي لا يفي بالمطلوب ؛ فأنت يا رضوان تدعو إلى البحث في المتغيّر لا فيما هو ثابت ؛ ـ (ر) : لا بل أطلب أيضا البحث عن الحقيقة الثابتة، ومع ذلك فإنّك توافقني القول بأنّها ثابتة في ذاتها، ولكنّها متغيّرة في ذواتنا ؛ الحقيقة هي شأن كلّ واحد منّا، أمّا الواقع فشأنه عالمي ووجوده لا يتوقّف علينا ؛ ـ (م) : أنا لا أفهمك جيّدا، فالثابت ثابت والمتغيّر متغيّر ؛
🔍تحليل الوضعية المشكلة
- تقابلٌ في الانشغال قبل أن يكون تقابلا في الموضوع : فهذا منشغل بالأشياء الحسّية التي لا تتوقّف عن التغيّر، وذاك منشغل بالحقيقة الثابتة التي يحاول أن يدركها الذهن ؛ فالتقابل بينهما هو بين الثبات والمطلق من جهة، والتغيّر والنسبية من جهة أخرى.
- واقعُ الأشياء وحقيقةُ الأفراد : يضع الحوار حدّا فاصلا بين طرفين: الواقع شأنه عالمي ووجوده لا يتوقّف علينا، والحقيقة شأن كلّ واحد منّا. فإن صحّ هذا الفصل، فكيف تكون الحقيقة مطابقةً للواقع وهي من طبيعة أخرى ؟ وإن لم يصحّ، فبأيّ معنًى نميّز بينهما أصلا ؟
III – وفي هذه الحالة، ألا تلتبس الحقيقة مع الواقع ؟ وأيّ واقع هذا ؟
ثانيا : ارتباط الحقيقة بالواقع
ويظهر هذا الارتباط في شكل تقابل بين الحقيقة والواقع تارةً، وفي شكل التباس تارةً أخرى. وليس الأمران درجتين من شيء واحد: الأوّل يبقي على الطرفين متمايزين ويسأل عن العلاقة بينهما، والثاني يهدّد بإلغاء أحدهما.
1 ـ التقابل
إنّ فكرة الحقيقة مرتبطة بفكرة الواقع: فالفكرة الحقيقية يجب أن تكون مطابقة للواقع. ولكن بالإمكان التساؤل عمّا إذا كانت حقيقية لأنّها تعبّر عن الواقع، أو أنّها تعبّر عن الواقع لأنّها حقيقية. وليس السؤال لعبا بالألفاظ: الجواب عنه يحدّد أين يوجد مقرّ الحقيقة، وهو ما يوحي بأنّ هناك اتّجاهين فلسفيين.
- الاتّجاه التجريبي والحسّي : يجعل الحقيقة عاكسةً للواقع ؛ فالفكرة تستمدّ صدقها ممّا تطابقه في عالم الأشياء، ومقرّ الحقيقة عنده هو الواقع الحسّي.
- الاتّجاه المثالي : يجعل مقرَّ الحقيقة هو الواقع المثالي الثابت ؛ فالفكرة لا تصدق لأنّها نُقلت عن المحسوس، بل لأنّها توافق نظاما عقليا ثابتا.
2 ـ الالتباس
إذا كانت الحقيقة تعكس الواقع الموضوعي (الحسّي) عكسا تامّا، التبس الأمر بين الحقيقة والواقع، فتصبح هي هو وهو هي. ولكنّ الأمر غير هذا، لأنّ انطباق الواقع غير الواقع: الأوّل بمثابة الصورة الجامدة التي تستقرّ فيها الأشكال، والثاني يستمرّ في حركاته الحيّة. هذا فضلا عن أنّ الإدراك الذي يقوم به الفرد نسبي، فهو يختلف من شخص إلى آخر ؛ وعندئذ يصبح ما يراه الشخص أنّه الحقيقة هو الحقيقة عنده.
وبنوع من الحيطة بحث المثاليون — أمثال «أفلاطون» و«ديكارت» — عن الحقيقة في اتّفاق معارفنا مع الوقائع فوق الحسّية التي لا يبلغها إلاّ العقل. فوقع تصوّر «واقع» وراء الواقع الحسّي: هو واقع المُثُل لدى «أفلاطون»، على أساس التذكّر والأفكار التي نجدها في عقر عقولنا ؛ وهي الأفكار القبْلية البديهية لدى «ديكارت». وهو واقعٌ تَشخَص إليه عقول الحكماء.
ولهذا فلا يمكن للحقيقة أن تتّخذ من الحسّي مقياسا لها: فإذا كانت عبارة عن انطباق الفكر مع نفسه، فهي ترفض الواقع الحسّي باعتباره عالَم المتغيّر. قد تنطلق من الحسّي، ولكن للحكم العقلي الكلمة الفصل بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي.
ثالثا : الإنسان بين الواقع والحقيقة
إنّ الواقع هو دائما واقع الأشياء، الواقع كما هو ؛ والحقيقة هي حقيقة الأفراد. ومهما كانت الأحوال، فلا نستطيع القبض على الحقيقة كما نقبض على الأشياء.
الحقيقة هي الحرية، أي أنّها نوع من العلاقة بين الإنسان والعالم. ومعنى ذلك أنّ الحقيقة ليست شيئا موضوعا في مكان ننتقل إليه لنأخذه، بل هي موقفٌ يقيمه الإنسان تجاه العالم ؛ ولذلك تُطلب ولا تُملَك.
وإنّ ما نسعى إلى بلوغه من حقائق، لا شكّ في أنّ المحيط الثقافي الذي يحاصرنا يساهم في تشكيله وبلورة طبيعته. فإذا ترعرعنا في وسط ينتشر فيه التجرّد للعبادة، واتّجهت ميولنا إلى الزهد والتصوّف، فإنّ الحقيقة التي ننشدها هي حقيقة الخالق عزّ وجلّ ؛ إلاّ أنّ تصوّرنا لها يختلف من هذا إلى ذاك. فالله هو الحقيقة الثابتة المطلقة، ولكنّنا في مستوى إدراكنا له نخلع عليه من ثقافتنا وقيمنا وميولنا.
- الأفلاطوني : يلتمس الحقيقة من خلال الواقع المثالي الروحاني.
- الماركسي : يلتمسها من خلال المادية التاريخية.
- البراغماتي : يلتمسها من خلال التمكّن في الأرض.
- صاحب الثقافة العلمية المحضة : لا تعدو الحقيقة عنده أن تكون انطباق الفكر مع الواقع — على الرغم من أنّ هذا الانطباق تقريبي، ومجاله ليس بمجال المطلق.
إذا كان كلّ واحد يلتمس الحقيقة من داخل تصوّره، فهل بقي للواقع دورٌ في الحكم ؟إذا كان كلّ واحد يلتمس الحقيقة من داخل تصوّره، فهل بقي للواقع دورٌ في الحكم ؟
نعم، وإلاّ سقط كلّ كلام على الخطأ والصواب. فما يتغيّر بتغيّر التصوّرات هو المجال الذي نطلب فيه الحقيقة والمعنى الذي نمنحه للواقع، لا وجود الواقع نفسه: فهو يبقى المصدر الأوّل والأخير لاختبار الفروض، ويبقى مستقلاّ عن الذات المدرِكة بحيث لا يطيعها. ولهذا يجتمع في الموقف الواحد أمران لا يتناقضان: أنّ إدراكنا للحقيقة مشروط بثقافتنا ونسقنا، وأنّ الواقع مع ذلك يردّ علينا ويكذّب بعض ما نقول. والفرق بين المعرفة والرأي هو بالضبط قبولُ هذا الردّ: من يجعل تصوّره فوق كلّ اختبار خرج من دائرة الحقيقة إلى دائرة الاعتقاد.
خاتمة : حل المشكلة
هل بعد هذا يحقّ لنا الجزم بأنّ الحقائق كلّها نسبية، وبأنّها متعدّدة تابعة لمؤثّرات بشرية وفكرية ؟ وماذا يبقى من مبرّر للحكماء من أجل طموحهم نحو هذا المبتغى المتعالي الذي هو الحقيقة الثابتة المطلقة، هذا المبتغى الذي فتن أهل العقل والذوق على حدّ سواء ؟ إنّه مهما كانت قوّة المواقف المؤيّدة لسلطان النسبية على كلّ أصناف الحقائق وطبيعتها، فإنّ الإنسان — هذا الكائن المتعدّد الأبعاد — يطمح دائما إلى بلوغ الحقيقة الأولى مهما كان مفهوم «الثبات» الذي يصفها به، لأنّه يرى في مستواه الواحدَ وراء الكثرة، والمطلقَ وراء النسبي.
الصفحة 1/7
© مدرستي — هذا الدرس من تأليف مدرستي · madrassati.net